فكر وثقافةعام

ميكافيلي وكتابه الأمير!

أسامة الوهيبي

 

كتابٌ وشخصيةٌ شهرتهما أطبقت الآفاق، بل إن مصطلح الميكافيلية قد اُشتق من اسم المؤلف ولا أظن أن عاميا فضلا عن مثقف يخفى عليه هذا المصطلح وتعريفه المشهور “الغاية تبرر الوسيلة” على الرغم من – فيما أعلم – أن هذه العبارة لم تُذكر صراحة في مؤلفاته. أثناء القراءة، بدر إلى ذهني سؤالٌ ملحٌ ألا وهو: ما أسباب شهرة ميكافيلي وكتابه الأمير؟! على الرغم من أن صفحات الكتاب لا تتجاوز مئة صفحة.

وما خرجت منه بعد قراءته هو ما يلي:

أولا: طبيعة الكتاب من ناحية قلة عدد صفحاته ومباشرته لأفكاره، وسعة البحث والتي أدت إلى تسهيل عملية القراءة لدى غير المتخصصين.

ثانيا: تقسيم الكتاب إلى فصول – 26 فصلا حسب أحد الطبعات – بمعدل 4 صفحات لكل فصل ما سهل – مرة أخرى – عملية القراءة.

أخيرا وليس آخرا: تَجمع الفصول بين قصة محكية وحكمة مستلهمة وهو أسلوب لطيف يعزز رسوخ المقروء في ذهن القارئ.

ومن طريف ما لحظته عند بحثي عن مراجعات للكتاب أن طرفا من القراء يتعاطى مع الكتاب بطابع كتب تطوير الذات وعباراتها المألوفة مثل: “سيكولوجية السيطرة على الشعوب” مصورا ميكافيلي بقرنين وحاملا شوكة الشيطان.

السياقات الزمكانية:

من المهم بمكان إدراك السياق الزماني والمكاني الذي كُتب به الكتاب، فأما الزمان فهو عصر النهضة الأوروبية وأما المكان فهو فلورنسا منبع عصر النهضة المبكر ممثلا بعائلة آل ميدتشي الذين قاموا بدور محوري في إطلاق عصر النهضة الأوروبية وتعزيزه.

يتميز العصر الذي عاش فيه المؤلف بالنزاعات السياسية بين الأنظمة الإمبراطورية والأنظمة الملكية وتنافسهم على حيازة أكبر قدر من المساحات ووقوع بعض المدن – فلورنسا على سبيل المثال – بين فكي كماشة يتنافس عليها الملوك والأباطرة مما أربك نزعات الولاء وعزز الاحترابات الداخلية.

ما سبق، جعل هذه المدن متقلبة الولاء ورهينة أي ظرف سياسي أو انقلاب عسكري مما ألقى بظلاله على المؤلف دافعا إياه لتأليف هذا الكتاب الذي يعكس واقعا انغمس فيه المؤلف حتى أذنيه. ومما يدل على ذلك علاقة المؤلف بآل ميدتشي الذين سقط حكمهم عام 1494 وأُعيدوا لسدته عام 1512م.

تمثل قصة ميكافيلي مع آل ميدتشي صورة مصغرة لواقع أوروبا آنذاك، فبعد طرد آل ميدتشي من فلورنسا عام 1494م صعد نجم ميكافيلي سياسيا حيث تسنم عدة مناصب دبلوماسية واستشارية في ديوان القضاة ومأمورية الأقطار الخارجية معلنا ولاءه للحكومة الجديدة، ولكن ما إن عادت أسرة آل ميدتشي لسدة الحكم عام 1512م – بسبب أحداث سياسية لا داعي للتطويل بذكرها – حتى أُقصي ميكافيلي من منصبه متهما بالتآمر ضد الأسرة الحاكمة وانتهى به المطاف مسجونا ومعذبا ثم منفيا. ومن الطريف أن ميكافيلي قدم كتاب “الأمير” عربون استرضاء لأسرة آل ميدتشي كما هو واضح في مقدمة الكتاب والذي تكلل بعد ذلك بكسب ودهم وثقتهم حيث كُلف بالعمل مع الحكومة رسميا عام 1520م.

ومن الجدير بالذكر، أن الحروب في أوروبا لم تأخذ فقط طابعا عسكريا، بل كانت أيضا تتخذ شكلا فكريا حيث كان الصراع على أشده بين الكنيسة الكاثوليكية في مقابل تصاعد قوة الملوك والأمراء والتي أدت في نهاية المطاف إلى تراجع السلطة المطلقة للكنيسة الكاثوليكية على حساب نشوء الدول القومية التي تشكلت على أثرها أوروبا اليوم بحدودها السياسية. ولا يخفى على القارئ تزامن حياة ميكافيلي مع فترة الإصلاح اللوثري والكلفاني ومدى تأثيرهما على الأفكار السائدة آنذاك. ومن تأثيرات هذا الصراع منع السلطة الكنسية كتاب الأمير ومحاولات إعادة طبعه دون ذكر الإساءات للكنيسة.

عايش ميكافيلي فترة مخاض الدولة القومية حيث تحاول المدن الانفكاك السلطوي بشكليه الديني والسياسي من الكنيسة الكاثوليكية في حين كانت النزعة القومية لم تنضج بعد. فوئدت عودة آل ميدتشي لسدة الحكم الطموح السياسي لميكافيلي وانتهى به المطاف منفيا في مزرعة والده التي ورثها منه. ومن حسنات هذه الإقامة الجبرية والإبعاد القسري عن العمل السياسي أن سمحت لميكافيلي أن يؤلف كتاب الأمير وهو بعمر الرابعة والأربعين وليدخل بهذا الكتاب مصاف أبرز مفكري القرن السادس عشر بله التاريخ.

كيف سبق ميكافيلي عصره؟

مع طموح سياسي هدمته الكنيسة الكاثوليكية، توجه ميكافيلي في كتابه “الأمير” إلى إرشاد الحاكم “لورينزو دي ميدتشي” إلى دليل عملي في الفلسفة السياسية لكيفية اكتساب الحكم وتوسيع النفوذ وحمايته من الأعداء والغزاة واصفا إياه بنظريات صالحة في كل زمان ومكان مستمدا أفكاره البراغماتية والنفعية من تجربته العملية وقراءاته العميقة للتاريخ السياسي للإمبراطورية الرومانية وتحديدا كتاب تاريخ رومة تيتوس ليفي في القرن الأول الميلادي.

فكان سبق ميكافيلي لعصره بما يلي:

أولا: تقديم النزعة القومية وحب الوطن على الجانب الديني وتحديدا الكنسي. ثانيا: الاستغناء عن الفلسفة الأخلاقية الدينية والاستعاضة عنها بفلسفة سياسية واقعية نفعية لم تكن مقبولة آنذاك وإن كانت موجودة دون غطاء شريعة أو مباركة نظرية، بل إن ميكافيلي قد وصف بأنه مؤسس علم السياسة العملية فيما يعرف بالنهضة العلمية. ثالثا: استمداد أبرز أفكاره من التاريخ الروماني واليوناني وهو ما يتناسب مع أبرز مفكري النهضة الأوروبية فيما بعد والذين أسقطوا الفكر الديني/ الكنسي مستمدين أبرز أفكارهم من فلاسفة اليونان وغيرهم، بل إن ميكافيلي قد وُصف بأنه وثني -وإن لم تثبت عليه التهمة- نتيجة لإعجابه وتمجيده لتاريخ روما وأباطرتها.

تتجاذب ميكافيلي فئتان: الفئة الأولى لا تعتبر ما جاء به في كتابه الأمير معيبا، بل هو يصف الواقع السياسي النفعي ممثلا بتقديم المصلحة على القيم الأخلاقية وهو ما كان موجودا في صفحات التاريخ، بل لا تكاد تخلو أي حقبة سياسية قديمة أم جديدة من ممارسات سياسية علمية نفعية قدم فيها الحاكم مصلحته أو مصلحة شعبه على القيم الأخلاقية وهو ما يتمظهر في واقعنا المعاصر بشكل صريح لا يشك فيه أي عاقل. وأما الفئة الثانية فتعتبر ما جاء به ميكافيلي في كتاب الأمير يتنافى مع القيم الأخلاقية ووجود بعض الممارسات السياسية التي تقدم المصلحة والاستقرار السياسي على القيم الأخلاقية لا يعني بالضرورة إضفاء شرعيتها وتطبيع ممارستها، فضلا عن وصف ممارسيها بالحنكة والدهاء السياسي. وبين الفريقين، حاول البعض قراءة أفكار ميكافيلي بطريقة لا تخلو من تكلف وهي تقديم أعماله بأنها مجرد تنبيه الشعوب وتحذيرهم من ألاعيب السياسيين ولم يقصد في المقام الأول تقديمها كمشورة للحاكم.

قبيل الختام، وبناء على ما ذكر أعلاه، يعتبر نيكولو ميكافيلي أول ليبرالي وذلك بتأسيسه للفصل التام بين السياسة والأخلاق، وعلى إثر ذلك توالت الانفصالات بين القيم الأخروية والدنيوية كما يشهد واقعنا اليوم ويظهر ذلك جليا في الفصل بين الدولة والدين والفصل بين المجتمع والقيم الأخلاقية إلخ. لذلك لاقى كتاب ميكافيلي استهجانا لدى أبناء عصره حيث لم تتغلغل القيم العلمانية آنذاك في المخيال الأوروبي ولم تصل إلى المرحلة التي وصلها اليوم حيث يعتبر الفصل بين السياسة والأخلاق هو الأصل وأن محاولة الخلط بينهما تعتبر رجعية وما من دولة إلا وتقدم مصلحتها ونجاحها واستقرارها السياسي على القيم الأخلاقية عند التعارض، والواقع يطفح بالشواهد وما على القارئ إلا تقليب بصره.

ختاما، من اللطائف التي لفتت انتباهي أثناء قراءة كتاب “الأمير” الشبه الكبير بينه وبين سيرة المفكر الفذ “عبد الرحمن بن خلدون” بدءا من الطموح السياسي والإحباط لعدم تحقيق المرام وانتهاءً بتأليف كتاب تسير به الركبان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى