الإدارةعام

الوعي المادة الأولى لقانون التعافي

سعود بن عبدالله البازعي

 

أنْ تكون محاميًا يعني أنْ تُؤجِّر جهازك العصبي لإدارة أزمات الآخرين. طوال سنوات عملي في هذه المهنة، كُنت أظن – كمُعظم زملائي – أنّ الصُداع المُزمِن، وترقُّب الرسائل والاتصالات، والانطفاء الذي يكسو الملامح قبل وبعد كُل جلسة، هي مُجرَّد (ضريبة مهنيّة) عادية. لم أكُن أُدرِك أنّني أحمل في حقيبة عملي اليومية، ثالوثًا خفياً يَنْهَش الروح ببطء: التوتر، القلق، والاكتئاب.

لم يأتِ هذا السرد من رفوف التنظير، بل هو وليد تجربةٍ شخصيّة، ومُعايشةٍ حيّة، ومُراجعةٍ -أزعُم- أنّها كانت عن (وعي) بعد سنوات، وصراع صامت عشت تفاصيله داخل مكاتب وشركات المحاماة (الفاخرة)، حتى مَنّ الله عليّ بالتعافي والوعي بآليّات عمل هذا العقل البشري المُعقَّد.

إنني أكتب إليكم اليوم لا لأستدِرَّ عاطفة أحد، بل من موقع القوّةِ والامتلاء، أكتُب بلسانِ المحامي، وبعقلِ المُهتَم بعلمِ النفس، وبعينِ الإنسان (المُجرِّب)؛ لأُجيب عن السؤال المتواري خلف كبرياء المهنة: لماذا يمرض المحامي نفسيًا؟ وكيف ينجو؟

نعرف جميعًا ذلك الخفقان الصامت في صدر المحامي قُبَيْل الجلسات؛ تِلك النبضات المُتسارعة التي تُصاحِب قعقعة الأوراق، والبرودة التي تَسري في الأطراف عند بِدْء المُرافعة، وشحوب الوجه الذي نحاول إخفاءه خلف ابتسامةٍ بروتوكوليّة باردة. في تلك اللحظات يَغلِي الجسد بفيضٍ من التوتر والانتظار، حيث تسري المشاعر المادية الملموسة كتيارٍ كهربائي، بينما يعتمل في الداخل ضغط معنوي هائل. ضغطٌ لا يتوقف عند حدود الصدر والنبض، بل يستقر في البطن؛ حيثُ يَستجيب (القولون) فورًا لنداء الخطر، فيتشنّج في حركةٍ مُضطربة ومُستمرّة، وتثور الأحشاء بتقلصاتٍ حادّة تُربِك هدوءك الخارجي، لتشعُر أنّ أجهزتك الحيوية من الداخل تختنق تحت وطأة هذا الانتظار.

وأقسى ما في هذا الضغط هو الحظر المفروض على مشاعرنا؛ (فالجميع ينتظر منك الحل!)، والموكِّل ينظر إليك كدرعٍ وسيف، وأنت تتساءل في روعك: لماذا لا يُسمَح لي بأنْ أكون ضعيفًا ولو للحظة؟ ولماذا لا أستطيع أنْ أبكي لأُفرِّغ هذا الشحن المُتراكم؟ ولماذا يَفِر الجفاء من عيني فأسهر الليل أُراجع وأُدقِّق وأُفكِّر بدلاً من النوم؟ إنها ضريبة (قناع الصلابة) الذي يَمنعنا حتى من البكاء الخفي، ويَحرِم أجسادنا من حقها الطبيعي في التعبِ والراحة. تبدأ المُشكلة من التسلُّل الخفي لأفكار (المثاليّة الصارمة) إلى العقل اللاواعي، حيث تتردَّد في أذهاننا عبارات حادّة مثل: “لازم” و”مفروض” و”الخطأ الآن غير مقبول”، وهي في منظور العلاج المعرفي السلوكي من أبرز أخطاء التفكير والحتميات التي تولِّد قلقًا مُزمنًا.

وحين يسأل المحامي نفسه بوعي: مَن قال إنه لازم ومفروض وغير مقبول الخطأ؟

يُدرِك حجم العبء الإضافي الذي يفرِضُه على نفسه، لاسيما حين يقترن ذلك بعبء الوجاهة الاجتماعية؛ فالناس ينظرون إلى المحامي كحصن منيع ومصدرٌ مُطلَقٌ للقوة، مِمّا يدفعه إلى ارتداء ذلك القناع أبد الدَّهر.! هذه المكانة تفرض أحيانًا أدوارًا تفوق العمر والترتيب الاجتماعي، تمامًا كما قال الشاعر فلاح القرقاح في وصف هذا الثقل المعنوي: “واخواني أكبَر مِنّي وكَبّروني”! ‎فالشاعر هُنا يصف كيف قد يكون الشخص هو الأخ الأصغر سٍنًا في عائلته، ولكن مكانته تضطرهُّ وتُقحٍمه في تقمُّص دور الأخ الأكبر المُستشار والمُتحمِّل للمسؤولية.

ويمتَد هذا الاستنزاف النفسي ليطال الدائرة القريبة؛ إذ يتلقّى المحامي باستمرار أخبار الأقارب والأصدقاء الحزينة ومُشكلاتهم، منتظرين منه حلولاً فوريّة. وهنا تبرز فجوة التواصل؛ فكل سائل يرى قصته (كقضية العمر الوحيدة) ويستغرب عدم الرد السريع، والتفاعل مع موضوعه، مُحتجًا بأنه يُرسٍل لأول مرة، بينما الحقيقة المُجهِدة أنّ المحامي مُحاصَر بمئات الرسائل التي يُردِّد أصحابها نفس العبارة، ليجد نفسه مُلزمًا ومُستنزَفًا في محاولةٍ التجاوب مع الجميع إرضاءً لظنونهم؛ مِمّا يستهلِك طاقته النفسيّة والذهنيّة حتى النفاد..!

وينمو في هذا السياق شعورٌ حاد ومستنزف يُسمّى “وهم التقييم المستمر”؛ إذ يّشعُر المحامي في كل اجتماع، ومع كل عميل، وأمام المحكمة، وحتى في نظرات محامي الخصم، وزملائه، أنه واقفٌ على منصة اختبار لا تنتهي. هذا الشعور -وإنْ كان وهمًا في كثير من الأحيان- هو مُهدِّد مباشر للأمن النفسي، ووقود خفي يضع خلاياه العصبية في حالة تأهُّب نفسي دائم؛ فالمحامي يعيش يومه في حالة من الحذر الذهني، وتوقُّع أسوأ السيناريوهات.

والدماغ لا يعرف فصل السلطات؛ فحين تُدرِّب خلاياك العصبية على التوجَّس والترقُّب طوال اليوم، يَستمر نظامك العصبي في حالة استنفار قصوى حتى في أوقات الراحة.

هذا الضغط المُستمر يتغذّى على طبيعة التفكير المهني ونماذج التشغيل؛ وفي هذا الصدد، تكشف دراسة “الصحة النفسية والرفاهية في المهن القانونية” الصادرة عن جامعة لندن (Mental Health and Well-being in the Legal Profession) أنّ ربط كفاءة المحامي وقيمته المهنية بمفهوم (الساعات القابلة للفوترة) يخلق نظامًا عصبيًا مشوهًا يعيش في حالةِ تأهُّب وقلق مالي وتشغيلي دائم.

ومن الناحية البيولوجية، يُشير عالم الأعصاب روبرت سابولسكي في أطروحاته حول الإجهاد إلى: “أنّ مُعضلتنا كبشر تَكمُن في تفعيل استجابة الجسد الفيزيولوجية للخطر، وإفراز هرمونات التوتر كالكورتيزول لأسباب نفسية مُستمرة ولفتراتٍ طويلةٍ جدًا”.

هذا التدفُّق الهرموني المُستمِر يُنهِك خلايا الدماغ ويُجهِد اللوزة الدماغية، مما يجعل العقل ينظر للحياة كمعركةٍ مُستمرة، فينطفئ تدريجيًا ليَدخُل في حالةِ الحزن العميق والإنهاك كوسيلة دفاعية أخيرة لحماية الجسد من الاحتراق التام. وفي هذا السياق، تؤكد دراسة صادرة عن جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University) شملت فحص معدلات الاكتئاب عبر 104 مهنة مختلفة، أنّ المحامين تربعوا في المركز الأول كأكثر أصحاب المهن عرضة للإصابة باضطراب الاكتئاب الحاد، وبمُعدَّل احتمالية يفوق المتوسط العام للموظفين بنحو 3.6 ضعفًا. كما تدعم المسوح المهنيّة العالمية التي أجرتها رابطة المحامين الأمريكية (ABA) هذه الحقيقة بالأرقام؛ إذ تقع مهنة المحاماة تاريخيًا في صدارة المهن الأكثر عُرضة للاكتئاب والقلق الحاد، مما يُثبِت أنّ الأزمة ليست ضعفًا شخصيًا، بل طبيعة عمل هيكلية تقوم على (استنزاف التعاطف، وكبت المشاعر خلف وشاح القوّة، والمثالية المُستمرة، ومُتلازمة إرضاء الآخرين).

ولا تقف الهيكلية عند حدود ضغط العمل، بل تَمتد لتُحاصِر حتى قنوات الإنقاذ؛ إذ يكشف تقرير “صحة ورفاهية المحامين لعام 2024” الصادرة عن مؤسسة (Bloomberg Law) عن مُفارقةٍ مؤلِمة: إذ إنّ 43% من المحامين أجّلوا طلب العلاج والنُصح النفسي رغم إدراكهم التام لحاجتهم إليه، وكان السبب الأول لهذا التأجيل بنسبة 72% هو (عدم توفر الوقت)! وكأننا نُعيد تمثيل ما حذّر منه الفيلسوف سينيكا في أطروحته الخالدة «عن قصر الحياة» حين قال: “لا أحد يَمنح أجزاءً من أرضه لغيره، ومع ذلك فإننا نسمح للآخرين باجتياح حيواتنا ومُصادرة أوقاتنا. إننا نبخَل بأموالنا، ولكننا نُسرِف أيّما إسراف في هدر الشيء الوحيد الذي يكون الشُحُّ فيه فضيلة، وهو: الوقت“.

ولكن، كيف نُقِرُّ (فصل السُلطات) داخل عقولنا، ونحمي أجهزتنا العصبية من هذا الاحتراق؟

إنّ أُولى الخطوات العملية تبدأ من تفكيك الحتميّات؛ درِّب عقلك يوميًا على استبدال كلمة (لازم ومفروض) بـ “أنا أبذل الأسباب، والنتائج ليست بيدي”. الخطأ البشري وارد، وقبول نقائصنا هو الحصن الأول ضد الاكتئاب والقلق.

علاوةً على ذلك، يَتطلّب الأمر وضع حدود صارمة للتواصل (حتى مع الزملاء)، فبعضنا قد يستهلك الوقت أكثر من العميل، ويستمر بالتواصل وتستمر بالإجابة ويدفعك لذلك سيف الحياء والزمالة، وخصِّص رقمًا مهنيًا ينتهي دوره بانتهاء ساعات العمل، وتعلّم أنْ تقول “لا” بوعي وراحة ضمير، فإرضاء الجميع غاية تؤدي إلى إفلاسك النفسي، واحتراقك المهني. واجه الدائرة القريبة بوضوح ومحبة: “أنا خارج المكتب إنسان يحتاج للراحة لكي أستمر في العطاء”.

ومِن أوجه هذا الوعي أيضًا، أنْ ننجو من فخ “المُستشار الذي لا يَستشير”؛ فنحن أَولى الناس بتقدير الاستشارة في التخصصات الأخرى، وعلى رأسها النفسيّة، إنّ التخصُّص مَلاذ، واللجوء لأهله حِكمةٌ لا نقيصة، وكما قيل: “مَن أُعجِبَ برأيهِ ضلّ، ومَن استغنى بعقلهِ زلّ”. وتطبيقًا لِما أؤمن به؛ حتى هذه السطور لم تكتمل، إلا بعد أن (استشرتُ) في تفاصيلها أكثر من زميل..!

أخيرًا، اجعل لنفسك مُمارسات يومية تفصلك عن هذه الأجواء المُقلِقة؛ مارس الرياضة، التفِت لهواياتك، اجتمع أكثر وقت مُمكن مع العائلة والأصدقاء، قلِّل من استخدام الجوال والرد على الاستفسارات، حدِّد أوقاتًا من اليوم لا تستجيب فيها لأي اتصال يتعلّق بالمهنة؛ لإعادة ضبط هرمونات التوتر. وتذكّر دائمًا: “إنّ القلق لا يُفرِّغ الغد من أحزانه، بل يُفرِّغ اليوم من قوّته”.

إنّ المحاماة مهنةٌ عظيمة الجناب، رفيعة الشأن؛ تُعْلِي من قدر صاحبها، وتمنحه مكانًا عليًّا بين الناس، وتطوّقه بالجاهِ والقدر والتمكين المعرفي والمادي. هي مهنةٌ نبيلة تليقُ بِك، وقد تُعطيك أكثر مِمّا تُعطيها؛ ولكن شريطة أنْ تتعامل معها بالشكلِ الصحيح والطبيعي الذي يَحمي ذاتك من الذوبان في أزمات الآخرين. -وفي كُل الأحوال- لا تستحق أنْ تدفع هويّتك الإنسانية وصحّتك النفسية ثمنًا لها. اضبط ميزانك الداخلي، واعلم متى تضع دروعك جانبًا لتنعمَ بالسكينةِ والهدوء.

أنا أسْتمتِع اليوم بطمأنينتي وانغماسي في ذاتي، لكني وحدي مَن يُدرِك الثمن المؤقَّت لهذا السكون. يقول الأديب محمد المقحم: “أنتّ لا تعلَم كم كلّفني هذا الهدوء”. في رحلةِ النجاة، قد تبدو الفاتورة باهظة في أول الأمر؛ حين تخسر أقارب أو أصدقاء وزملاء، أو عملاء وأموالاً.. لكنها خساراتٌ عابرةٌ تتلاشى أمام المكسب الأكبر، فكُل ثمنٍ يهون في سبيل (ألّا تخسر نفسك). والعجيب، أنه بعد أنْ يستقر فيك هذا السلام وتكسب ذاتك، سيعود إليك مَن خسرتهم، ولكن بطريقتك الجديدة ووعيك الجديد؛ فالمسافات التي قطعتها لتنجو بنفسك، هي ذاتها التي ستُعيد ترتيب الآخرين حولك بوضوحٍ ونضج وأمان.

وتذكَّر أولًا وأخيرًا:

الوعي هو المادة الأولى لقانون التعافي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى