الأدب والفن

الشعر والتصوير من الحسّ إلى التأويل

د. جمعان بن محمد الشهري

يكشف الشعر عن أقنعة الصور الجمالية، ويقرّب المشاهد الفنيّة من خلال مقاربة تفسيرية نقديّة تنبثق من رؤية الشاعر ومدى شاعريته؛ إذ تنشأ علاقة سببية بين المدرك الحسي والشعور الداخلي، فكل تعجب هو تعجب من شيء ما، وكل حزن هو حزن من شيء ما، وهكذا تتشكل الرابطة بين النص الشعري والواقع المحسوس.

ويكفينا شاهدًا بيت المتنبي في العتب، إذ يقول:

واحرَّ قلباهُ ممَّن قلبُه شبِمُ ** ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ


وفي هذا السياق، تتجلى الصورة والتأويل في الإبداع الشعري بوصفهما مجالًا يكشف عن دور الشاعر في تفكيك تراكيب الصور الجمالية، وإبراز العلاقة الفلسفية بين واقعية المحسوس وشاعرية الشاعر؛ حيث تقوم وثاقة بين ما يراه الشاعر وبين المعالجات الشعرية التي يقدمها.

وتتسم هذه المعالجات بطابع مثالي في معظم الأعمال الشعرية، من خلال المقاربة، بل المجاوزة التأويلية التي يمارسها الشاعر؛ إذ ينفذ إلى مضامين الصورة الفنية المراد التعبير عنها، ويفكك رموزها في قالب مقفّى، ساعيًا إلى تعزيز البناء الشعري وتوثيق صلته بالصورة الفنية، تمتينًا تارةً وتفسيرًا تارةً أخرى.

ويمكن تعريف الشعر بأنّه المسافة بين الدال والمدلول، مشفوعةً بلازمة جمالية؛ حيث تُصهر الألفاظ اللغوية في ذاتية الشاعر، ثم تنبثق في تجلٍّ عاطفي يحدد مقدار تلك المسافة. فكلما ضاقت هذه المسافة، ازداد الشعر جمالًا وتأثيرًا.

وإذا تساءلنا عن علاقة الشعر بالإنسان: من أين يأتيه؟ وكيف يتشكل؟ ولماذا يُبدع؟ = تعذَّر الوصولُ إلى جوابٍ يقينيٍّ؛ لأنَّ الشِّعرَ يتجاوزُ حدودَ المكانِ ولا يخضعُ لقيودِ الزمانِ.

وللإحاطة بماهيته، لا بد من دراسة فلسفة المشاعر، وعلاقتها بخصائص الأشياء الذاتية، ومدى تفاعل الذات مع المعطيات الحسية، فضلًا عن فهم الدوافع النفسية التي تحفّز الإنسان على صياغة الكلمات ونظمها.

وفي هذا الإطار، تتبدّى فلسفة المشاعر بوصفها ركيزةً أساسية في الإبداع الشعري؛ إذ تُشكّل المشاعر الإنسانية منجمًا تُصاغ فيه حكمة الشعر وسحر بيانه، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقل والنفس، بل وبما تكشفه دراسات علم الأعصاب من آليات الإدراك والانفعال. وقد أولى الباحثون عنايةً خاصة بهذا المجال، إدراكًا منهم لصلته الوثيقة بالبنية العقلية والنفسية للإنسان، وبدوره في توجيه أنماط التعبير الجمالي.

ومن جهة أخرى، تتشكّل علاقة الشاعر بالمنظومة البيئية المحيطة به – الضاربة في تاريخ الفكر البشري، والحافلة بأبعاد حضارية متراكبة – بوصفها نظامًا محكمًا تتجلّى فيه القدرة الإلهية، وتنتظم ضمنه الكائنات في سياق وجودي دال. ومن خلال هذه العلاقة المتداخلة ينقدح زناد الإبداع الشعري، فيعبّر الشاعر عن ظواهر الحياة وبواطنها تبعًا للثقافة السائدة في كل حضارة. وهنا تتمايز الصور الفنية، حتى في تناول المضمون الواحد، تبعًا لاختلاف الرؤى والأساليب.

وفي هذا المعنى يقول أبو تمام:

ولولا خلالٌ سنّها الشعرُ ما درى ** بغاةُ النّدى من أين تُؤتى المكارمُ


كما تتجلى علاقة الشاعر بالكون حين يتأمل نظامه الدقيق، من مواقع النجوم إلى مدارات الكواكب؛ فتنبعث في نفسه استجابة جمالية تتحول إلى إبداع شعري، كما في قول الشاعر:

يا مدركَ الأبصارِ والأبصارُ لا ** تدري له، ولكنْهُه إدراكَا
إن لم تكن عيني تراك فإنني ** في كل شيءٍ أستبينُ عُلاكا
يا مُنبتَ الأزهارِ عاطرةَ الشذا ** هذا الشذا الفوّاحُ نفحُ شذاكا


وحين يتجه الشاعر إلى استيعاب المفاهيم الكلية والسنن الكونية الثابتة عبر العصور والسارية في نسيج الوجود وفق نظام لا يعتريه خلل = تتبلور هذه المعاني في خطابه الأدبي، فتغدو أكثر رسوخًا وتأثيرًا. ومن ذلك قول الشاعر:

لك الأمرُ، شاقَتني سماؤك، وانتهى ** إليك بأحلامِ الضميرِ مطافيا
وأنزلتُ آمالي، وفيها ملامحٌ ** تردّ أمامي ما تركتُ ورائيا


ومن المفاهيم الكونية الراسخة في التراث الفكري أن الإنسان صورةٌ مصغّرة للعالم الأكبر، وهو ما عبّر عنه علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – بقوله:

أتزعم أنك جرمٌ صغيرٌ ** وفيك انطوى العالم الأكبرُ
فأنت الكتابُ المبينُ الذي ** بأحرفه يظهر المضمرُ

وعلى هذا النسق، تتعزز الصلة بين الشاعر وهذه المفاهيم الكونية، إذ يعيد تشكيلها في صور شعرية خالدة، تتناقلها الأجيال بوصفها تمثيلات جمالية لمعانٍ تتجاوز حدود الزمان والمكان.

وفي امتدادٍ لهذا التصور، تنبثق نظرية المعرفة في المنظوم الشعري من العلاقة التبادلية بين الإنسان والكون، حيث تتجلى هذه المعرفة في التجربة الشعرية بوصفها حصيلة تفاعل الحواس والعقل والوجدان. وقد وجدت هذه الرؤية صداها في شعر المتنبي، في تجليات متعددة، منها قوله:

يا رجاءَ العيونِ في كل أرضٍ ** لم يكن غيرَ أن أراكَ رجائي
ولقد أفنتِ المفاوزُ خيلي ** قبل أن نلتقي وزادي ومائي
فارمِ بي ما أردتَ مني فإنّي ** أسدُ القلبِ آدميُّ الرواءِ

ويتكرر حضور الحواس، ولا سيما البصر، بوصفها منافذ للمعرفة في شعره، ويبرز مفهوم الإدراك في قوله:

ولستُ أبالي بعد إدراكيَ العُلا ** أكان تراثًا ما تناولتُ أم كسبا

كما يطرح المتنبي تصورًا دقيقًا لنسبية المعرفة، التي تتفاوت تبعًا لاختلاف الاستعدادات الذهنية، في قوله:

ولكن تأخذُ الآذانُ منه ** على قدرِ القرائحِ والعلومِ

ولا يقف عند حدود المعرفة الحسية والعقلية، بل يتجاوزها إلى المعرفة القلبية، التي تتأسس على الذوق والوجدان، كما في قوله:

القلبُ أعلمُ يا عذولُ بدائِهِ ** وأحقُّ منك بجفنهِ وبمائهِ
فومن أحبُّ لأعصينَّك في الهوى ** قسمًا به وبحسنِهِ وبهائِهِ

وقد أشار البرقوقي في شرحه إلى أن القلب أدرى بدائه، وهو المتصرف في الجوارح، لما له من سلطان معنوي يجعل طاعته أولى من طاعة اللائم. وفي سياق متصل، يعبّر المتنبي عن شمولية المعرفة واتصالها بالوجود، بقوله:

إن كان قد ملك القلوبَ فإنه ** ملك الزمانَ بأرضِهِ وسمائِهِ

وتغدو ألفاظ مثل:القلب، والزمان، والأرض، والسماءمفاتيح دلالية لنظام معرفي يتأسس على وحدة العلاقة بين الإنسان والكون، بما يستدعي مزيدًا من التحليل للكشف عن أبعاده الفلسفية في الشعر العربي.

ومن زاوية أخرى، يتجلى البعد الديني والقيمي في الصورة الشعرية، حيث تتكثف الدلالات المرتبطة بالمفاهيم الإيمانية في بنية التعبير الشعري، فيغدو الشعر وسيطًا يعكس صلة الإنسان بالمنظومة الكونية، وبمرجعياته العقدية في عالمي الغيب والشهادة. ومن ذلك قول معن بن أوس:

لعمرك ما أهويتُ كفّي لريبةٍ ** ولا حملتني نحو فاحشةٍ رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ** ولا دلّني رأيي عليها ولا عقلي

وفي الإيمان بالقدر، يقول:

وإنّي حقًّا لم تُصبني مصيبةٌ ** من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي

ويعبّر ابن خفاجة عن مقام التضرع، بقوله:

فرحمـاك يا مولاي دعوةَ ضارعٍ ** يمدّ إلى نعماك راحةَ راغبِ
فأسمعني من وعظه كلَّ عبرةٍ ** يترجمها عنه لسانُ التجاربِ

ولا يقتصر دور الشاعر على كشف أقنعة الواقع، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بنائه في نسق فني مركّب، يدمج فيه طبقات متعددة من الشعور والدلالة، قد يتعذر على المتلقي استيعابها من الوهلة الأولى. ويرجع ذلك إلى كثافة الصورة الشعرية، واعتمادها على خيال خصب يستمد عناصره من الطبيعة والتجربة الإنسانية.

وقد يستدعي الشاعر مؤثرات كامنة في ذاكرته، فتنبعث في نصه ضمن سياق ثقافي خاص، فتسهم في تشكيل تجربته الإبداعية. وفي هذا الإطار، تبرز ظاهرة توارد الخواطر – أو ما يُعبَّر عنه بوقوع الحافر على الحافر – بوصفها نمطًا مألوفًا في الشعر، يعكس اشتراك الشعراء في بنى ذهنية وثقافية متقاربة، تتيح تقاطع المعاني وتلاقي التصورات.

ومن شواهد ذلك ما يدل على اتحاد الفكرة مع اختلاف الصياغة، كما في تصوير معنى القدر في قول القائل:

ما قضى الله كائنٌ لا محالةْ ** والشقيُّ الذميمُ من لام حالَهْ

وقول الآخر:

فاصبرْ لها غيرَ محتالٍ ولا ضجرٍ ** في حادثِ الدهرِ ما يُغني عن الحِيَلِ

وعلى هذا الامتداد، يتأكد أن التجربة الشعرية، وإن اختلفت ألفاظها وأساليبها، فإنها تلتقي في أصول دلالية مشتركة، تُحيل إلى بنية معرفية وثقافية جامعة، يتفاعل فيها الفردي بالجمعي، والحسي بالمجرد، في إطار من رؤية كونية متكاملة.

وفي هذا السياق، تتجلى مظاهر الوجدان في الصورة الشعرية بوصفها أحد أبرز مرتكزات الإبداع، حيث ينعكس الأثر الطاغي لتجارب الفراق والألم في وجدان الشاعر، فتغدو هذه التجارب مادةً خصبةً للتعبير الشعري. ولعل سطوة الفراق من أكثر التجارب استقطابًا لاهتمام الشعراء، إذ يبوحون عبرها بمشاعرهم المتشابكة، كما في قول المتنبي:

ما في هوادجكم من مهجتي عِوَضٌ ** إن متُّ شوقًا ولا فيها لها ثمنُ
يا من نُعيتُ على بُعدٍ بمجلسه ** كلٌّ بما زعم الناعون مرتهنُ
كم قد قُتلتُ وكم قد مُتُّ عندكمُ ** ثم انتفضتُ فزال القبرُ والكفنُ

حيث يُجسّد الشاعر هنا ثقل الألم وهيمنته على القلب، في صورة شعورية كثيفة توحي بغور المعاناة، حيث يغدو البكاء والأرق تجلياتٍ خارجية لحزنٍ داخلي دفين. وفي المعنى ذاته يقول أحمد شوقي:

يا ويح قلبي مهما انتاب أرسمهمُ ** سرى به الهمُّ أو عادته أشجانُ
بالأمس قمتُ على الزهراء أندبهمُ ** واليوم دمعي على الفيحاء هتّانُ

وقد يبلغ التعبير الوجداني مستوى رفيعًا من الكثافة والتوتر، حين تتداخل الصور الحسية والانفعالية في بناء واحد، كما في قول الشاعر:

أيحسب الصبُّ أن الحبَّ منكتمٌ ** ما بين منسجمٍ منه ومضطرمِ
لولا الهوى لم تُرق دمعًا على طللٍ ** ولا أرقتَ لذكر البان والعلمِ
فكيف تنكر حبًّا بعد ما شهدتْ ** به عليك عدول الدمع والسقمِ

ومن زاوية أخرى، تتخذ التجربة الشعرية بُعدًا تراجيديًا يعكس هشاشة الوجود الإنساني أمام قوى الفقد والمصير؛ إذ يصوّر الشعر العربي ألوانًا من المعاناة التي تهيمن على النفس، فتجعلها عاجزةً عن مجابهة الواقع. ويتجلى هذا البعد في قول المتنبي:

كفى بك داءً أن ترى الموتَ شافيًا ** وحسبُ المنايا أن يكنَّ أمانيا

كما يرسم امرؤ القيس لوحةً تراجيديةً لليلٍ مثقلٍ بالهموم، في معلقته:

وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله ** عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطّى بصلبه ** وأردف أعجازًا وناء بكلكلِ
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ** بصبحٍ، وما الإصباح منك بأمثلِ

ويعبّر ابن زيدون عن تجربة الفقد والألم بلغة تستدعي العبرة وتستحضر البعد الإنساني المشترك:

أمقتولةَ الأجفانِ مالكِ والهًا ** ألم تركِ الأيامُ نجمًا هوى قبلي
أقلّي بكاءً لستِ أولَ حرّةٍ ** طوت بالأسى كشحًا على مضض الثكلِ
وفي أمِّ موسى عبرةٌ أن رمت به ** إلى اليمِّ في التابوت فاعتبري واسلي

وعلى هذا الأساس، يغدو الشعر موروثًا حضاريًا تتجسد فيه خبرات الإنسان وتجاربه، حيث لا يقتصر على نقل الوقائع، بل يعيد تشكيلها في صور فنية تنطوي على أبعاد دلالية متجذرة، تعكس السياقات التاريخية والثقافية التي نشأ فيها. ومع ذلك، تظل هذه الصور متجددة الأثر، قادرةً على مخاطبة الإنسان في كل زمان.

ومن خلال الشعر، ينكشف للمتلقي ما خفي من العلاقات بين الفكر والصورة، وبين الذات والموضوع، وبين المحسوس والمتخيّل، فيغدو الشعر وسيطًا معرفيًا يربط بين فلسفة الوجود وجماليات التعبير، ويقدّم تأويلات متعددة للتجربة الإنسانية.

ويؤكد تحليل هذه المقاربات أن الشاعر لا يقف عند حدود نقل الصورة الحسية، بل يتجاوزها إلى إعادة بنائها ضمن نظام فني جديد، يستمد أصالته من تفاعل المدركات الحسية مع الوجدان والرؤية الفكرية، ليُنتج بذلك بنية جمالية متكاملة تخاطب العقل والوجدان معًا، وتؤسس لوعيٍ جمالي يتجاوز المباشر إلى التأويلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى