د. جمعان بن محمد الشهري
من الأصول المؤثرة في بناء المنهج الحزمي: الأصل القرآني، والأصل اللغوي، والأصل المنطقي. ولعلنا في هذه المقالة نتناول الأصل القرآني على حدة، فنفتش في الكليات القرآنية عند هذا الإمام، ومنهجية الاستدلال بها، وآليات توظيفها. ويمكنك أن تقف على تلك الكليات القرآنية التي تمثل عنده أصولًا معرفية، ومبادئ شاملة، تهيمن على أصول الاستدلال ومسائله الشرعية؛ إذ يبرز دورها بوصفها أسسًا معرفية محورية يستثمرها في بناء المعرفة الشرعية.
وتتسم هذه الآيات بطابعها الكلي في الدلالة، إذ ينطلق منها ابن حزم ليؤسس قواعد استدلالية تؤكد المصادر التي ينبغي الرجوع إليها، ثم يستخدمها لنقض مصادر المخالفين في استدلالاتهم.
ولنأتِ إلى الآيات الكلية لدى ابن حزم، ونفتش عنها في تراثه، فنجد أنها تتمظهر في آيات عدة مبثوثة في مصنفاته، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. وبالنظر إلى كلام ابن حزم عن هذه الآيات ([1])، يتضح أن مصادر المعرفة الشرعية الثلاثة مستنبطة من هذه الآيات، ولا سيما الآية التي وصفها ابن حزم بالجامعة، والتي جمعت المصادر الثلاثة: الوحي المتلو، أي القرآن، والوحي غير المتلو، أي السنة، وما تفرع عن هذين القسمين، أي الإجماع.
ويؤكد ابن حزم أن القرآن هو الأصل الأول الذي يُرجع إليه، وأنه هو الذي أوجب طاعة الرسول، وأرشدنا إلى الإجماع عند الاختلاف، بنص قوله تعالى: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. كما أن هذه الآيات نفسها هي التي استخدمها في إبطال الرأي والقياس، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقًا، بإذن الله. وتشمل تلك الكليات القرآنية ما يكون واردًا على مسائل الشريعة، سواء في الإثبات أو الإبطال.
فإن سألت عن منهجيته في توظيف تلك الكليات، فستلحظ أسلوب ابن حزم في توظيف هذه الكليات، وأنه قد يوردها مفردة في الاستدلال لأمر كلي في الدين أو لمسألة جزئية، وقد يحشد بعضها مجتمعة للدلالة على مسألة محددة. ورغم استخدامه لها في المسائل الجزئية، فإنه لا يغفل عن القضية الكلية التي تندرج تحتها تلك المسائل، فيُبرزها وينوّه بها. وتكون الآية أو الآيات مجتمعةً، إما في تقرير مصدر معرفي أو في إبطال مصدر معرفي لدى خصومه، بحسب طبيعة الخلاف بينه وبين العلماء الآخرين في الأصول والفروع.
فابن حزم يُعرف باقتصاره على أربعة مصادر معرفية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والدليل؛ ويستدل لها بتلك الآيات الكلية لإثبات حجيتها من جهة، ويبطل بها ما عداها من المصادر الأخرى التي يعتمدها المخالفون، كالرأي، والقياس، والاستحسان.
ولمنهج ابن حزم في التعامل مع الكليات القرآنية خصوصية، حيث لم يرد في كتابات ابن حزم – بحسب الاطلاع القاصر – تصريح بأن هذه الآيات قواعد كلية، وكأنه يرى عدم الحاجة إلى توضيح ما هو واضح بذاته. فلا نجد عنده تأصيلاً منهجياً لرصد تلك القواعد القرآنية من حيث هي أصول عامة تطورت تدريجياً لتُبنى عليها تشريعات تفصيلية، بل هي حاضرة في ذهنه يستدعيها عند التقعيد المجرد والتشريع المنبثق عنها.
ومع ذلك، فإن بثّه المعرفي لتلك الكليات القرآنية يوحي بأن الأساس النظري لها قائم وراسخ، وأن التشريع التفصيلي يعود إلى تلك الكليات. وهذا الذي لا نجده منصوصًا عليه صراحةً عند ابن حزم، نراه واضحًا عند الشاطبي في حديثه عن الأحكام الكلية والقواعد الأصولية، حيث يقول: «اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولاً، والذي نزل بها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة، كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها بمكة” ([2]).
يُذكر هذا النص للشاطبي للإشارة إلى أن ابن حزم لم يصرح بوضوح بأن هذه الآيات قواعد كلية أو أحكام كلية، كما فعل الشاطبي في “الموافقات” أو غيره من العلماء.
وله – رحمه الله – منهجية استدلالية بالكليات القرآنية؛ يبرز هذا المنحى ملمحًا مهمًا في منهجه، وهو جمعه لبعض الآيات الكلية ذات المدلول الواحد أثناء عملية الاستدلال، ليكشف عن دلالة واضحة، وقوة الصلة بين معاني هذه الآيات، وانطباقها على الحكم المطلوب الذي يسعى إليه في منهجه الاستدلالي بشقيه الكلي والجزئي.
وبعبارة أخرى، يلاحظ أن هذه الآيات الكلية عند ابن حزم تتفرع إلى مسارين: مسار يصل به إلى التأسيس والبناء لأصل معرفي، ومسار آخر يصل به إلى التطبيق والتفريع المعرفي. وهذا التفريع مرتبط بمقصد ابن حزم الاستدلالي عند تناوله للكلية القرآنية.
وله في تلك الكليات نموذج تقسيمي يمكن تنظيمه من المنحى التوظيفي، وفق تقسيم يقوم على أربعة أمور تتكون من أصلين وما يتفرع عنهما، تكاد تكون مطردةً عند هذا الإمام، وهي:
الإفراد، والاقتران، ومن هذين القسمين يأتي الإثبات تارةً عند التأسيس، وتارةً أخرى عند التفنيد. وعلى ضوء هذا التقسيم، يمكن إيراد الأقسام التالية إيجازًا:
- كلية مفردة لإثبات أصل معرفي.
- كلية مفردة لتفنيد أصل معرفي.
- كلية مفردة لإثبات فرع معرفي.
- كلية مفردة لتفنيد فرع معرفي.
- كلية مقترنة (اندماج آيتين أو أكثر في العلاقة الاستدلالية) لإثبات أصل معرفي.
- كلية مقترنة لتفنيد أصل معرفي.
- كلية مقترنة لإثبات فرع معرفي.
- كلية مقترنة لتفنيد فرع معرفي.
ويُقصد بالكلية المقترنة ما يحصل من اندماج بين آيتين أو أكثر للوصول إلى الاستدلال التكاملي، سواء في التأسيس أو التفنيد. أما الكلية المفردة فهي التي تأتي وحيدةً في التأسيس أو التفنيد.
فمن القضايا الكلية التي استدل لها أو نقدها ابن حزم باستخدام هذه الكليات القرآنية: النسخ، ومصدر الدين المعرفي، وبيانية الدين ووضوحه، وترجيح إجماع الصحابة، وأبدية الإباحة والتحريم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الوحي غير مُلتبس، ونقد مصادر المخالفين، وتمام الدين وكماله، وانتفاء التعارض في الدين، وكيفية حل مشكلة التعارض، واستبعاد عدم تمييز الحلال من الحرام، وعموم الإباحة الأصلية، وثبوت الأحكام الفقهية الخمسة، ووجود نصوص الاستثناء من عموم النصوص الأخرى، وأن ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم هو مما أمر به الله، وأنه لا اختلاف فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الحق واحد من بين الأقوال، وأنه لا يلزم الفرض إلا من أطاقه، وأن طريقة أداء الطاعة والانتهاء عن المعصية واضحة المعالم في الدين، وأن التقليد محرم، وأن إقرار الله سهو الأنبياء منتفٍ، وغير ذلك.
أما المسائل الجزئية التي استدل عليها ابن حزم من خلال هذه الآيات الكلية فهي كثيرة، ومنها: حكم الدم سواء كان مسفوحًا أو غير مسفوح، وعدم اشتراط الحرز في قطع يد السارق، وعدم وجود نص على تحريم الأبوال، وأقل الحيض وأقل الطهر، ومسألة الإنفاق على الزوجة، والاشتراط في الحج، وفسخ الإجارة للضرورة، وتحريم قراءة كتب الرأي، وغيرها.
هذا الجانب التنظيري.
أما تطبيقاته المعرفية على الكليات القرآنية فهي كالتالي:
كلية مفردة لإثبات أصل معرفي:
من أوضح الأمثلة على هذا النوع ما جاء في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فهذه الآية من أكثر الآيات حضوراً في استدلالات ابن حزم الكلية والجزئية، للدلالة على كمال الدين، وكمالية الدين أصل من الأصول المعرفية الكبرى، ومنها يقرر ابن حزم كفاية الدين للناس، فلا نقص فيه يستدعي الزيادة، ولا اعوجاج فيه يستلزم التبديل، فدين الله تعالى كامل وشامل ووافٍ.
وفي بيان وجه الدلالة من هذه الآية، يقول ابن حزم: “فأيقنا أن الدين قد كمل وتناهى، وكل ما كمل فليس لأحد أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه ولا أن يبدله”([3]).
وفي معنى كمال الدين يقول الشاطبي: “فإنما المراد: الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد، التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل”([4]).
ومن هذا النوع أيضاً – أي الكلية المفردة في تأسيس أصل معرفي – الإباحة الأصلية لكل ما خلق الله تعالى في الأرض، وأنه حلال لنا إلا ما استُثني من جملة التحليل. واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]. وقال في هذا المعنى: “فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَلَالٌ إلَّا مَا فَصَّلَ تَحْرِيمَهُ فِي الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ”([5]).
والمتأمل في هذه الآية يرى كليتها بالنسبة للنصوص القرآنية الأخرى التي وردت في بابها أو على نهجها. فالصيغ الدالة على الإباحة – على تنوعها وتخصيصها لأشياء معينة – تعد فروعاً لهذه الآية الكلية في دلالتها على إباحة مختلف الأشياء من لباس وأكل وشرب ونكاح وغير ذلك من المستلذات، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فهذا نص صريح على حل الفعل. ومع ذلك، يمكن للفقيه أن يستدل بالآية الكلية على إباحة طعام أهل الكتاب وغيره من الطيبات بمختلف أصنافها.
وينطبق هذا المعنى على آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، حيث نفى الله تعالى الحرج عن العبد فأباح له الأكل من بيته وبيت أبيه وأمه، ونفي الحرج عند الأصوليين يقتضي الإباحة.
وقد قال السعدي في معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: “وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة لأنها سيقت في معرض الامتنان”([6]).
كلية مفردة لتفنيد أصل معرفي:
استدل ابن حزم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59] على إبطال القول بالاستحسان. فهذه آية كلية أُفردت في هذا الموضع لهذا الغرض، ووجه دلالتها أن الأمر جاء بالرد، عند الاختلاف في الأصول أو الفروع، إلى جهتين لا ثالث لهما: الأولى هي كلام الله تعالى، والثانية هي كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إن “الرد إليهما شرط في الإيمان”([7]) بدليل الآية نفسها.
ثم يبطل ابن حزم الاستحسان بقوله: “ولم يقل تعالى فردوه إلى ما تستحسنون، ومن المحال أن يكون الحق فيما استحسنا دون برهان؛ لأنه لو كان ذلك لكان الله تعالى يكلفنا ما لا نطيق، ولبطلت الحقائق، ولتضادت الدلائل، وتعارضت البراهين، ولكان تعالى يأمرنا بالاختلاف الذي قد نهانا عنه؛ وهذا محال” ([8]).
فهذا أصل معرفي (الاستحسان) أبطله ابن حزم بآية كلية أفادت حصر المرجعية عند الاختلاف في مصدرين معرفيين (الكتاب والسنة)، وليس الاستحسان داخلاً في هذه المرجعية. ولمّا لم يدخل مع هذين المصدرين في مضمون الآية؛ دل ذلك على أن الحق لا يُلتمس فيه، لأن التماس الحق فيما لم يدل البرهان على وجوده فيه ضرب من المحال الذي تترتب عليه لوازم لا تطاق.
كلية مفردة لإثبات فرع معرفي:
نجد مثالاً على هذه الكلية في مسألة أقل الحيض وأقل الطهر واختلاف العلماء فيها، حيث يرى ابن حزم أنه من الباطل تحديد شيء لم يحدده الله ولا رسوله، وأن من أقدم على هذا فإنَّما يقدم على تشريع ما لم يأذن به الله. واستدل لهذا الرأي بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
ويقول في ذلك: “فَصَحَّ أَنَّ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَإِذْ لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا أُتُوا فِي ذَلِكَ لِتَحْدِيدِهِمْ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَأَقَلَّ الطُّهْرِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ تَحْدِيدُ شَيْءٍ لَمْ يَحُدَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ شَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى” ([9]).
كلية مفردة لتفنيد فرع معرفي:
هناك خلاف بين الفقهاء في علة الربا في الأعيان الأربعة، وهذا الخلاف في نظر ابن حزم ” دعاوى لا برهان عليها وكل دعوى بلا برهان فهي ساقطة “([10]). والدعوى هي أنه لمّا حرم البر بالبر متفاضلاً= “دلَّ على تحريم التين بالتين متفاضلاً”([11]).
يستدل ابن حزم على تفنيد هذا الفرع المعرفي بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهذه آية كلية فنّد بها مسألة تحريم التين بالتين متفاضلاً قياساً على تحريم البر بالبر متفاضلاً.
كلية مقترنة لإثبات أصل معرفي:
أورد ابن حزم آيات كلية تشكل في مضمونها العام، وهي مجتمعة، دليلاً على مصادر المعرفة لهذا الدين، بحيث ترسم للناس الطريق الصحيح الذي ينبغي الرجوع إليه ليسلكوه عن بصيرة، فيطيعوا الله ويجتنبوا معصيته، ويصلوا بذلك إلى درجة الأبرار. فتلك المصادر فيها من الكمال والبيان والهدى والحفظ ما يجعلها تغني عن غيرها. وهذه المصادر هي: الكتاب والسنة والإجماع، ومنها استنبط ابن حزم مصدراً رابعاً سمّاه الدليل.
يقول ابن حزم في بيان أهمية الرجوع إلى هذه المصادر المعرفية: “دين الإسلام اللازم لكل أحد لا يؤخذ إلا من القرآن أو مما صح عن رسول الله ﷺ إما برواية جميع علماء الأمة عنه عليه الصلاة والسلام وهو الإجماع، وإما بنقل جماعة عنه عليه الصلاة والسلام وهو نقل الكافة”([12]).
ثم استشهد بآيات كلية تدعم هذا المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وغيرها من الآيات كقوله تعالى: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾، ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾، ﴿وَمَا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب إِلَّا لتبين لَهُم الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ﴾، ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾، ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾.
كلية مقترنة لتفنيد أصل معرفي:
جمع ابن حزم بين قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] لإبطال الرأي. ففي معرض محاججته للخصوم الذين استدلوا بحديث بعث معاذ إلى اليمن لتأييد الأخذ بالرأي، يبطل ابن حزم استدلالهم بأنه من المستحيل أن يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه وهو مستحضر لهاتين الآيتين، بمعنى أنه ليس هناك حاجة إلى الرأي ما دام الدين قد كمُل وفيه تفصيل كل شيء بنص هاتين الآيتين.
يقول ابن حزم: “وَمن بَاطِل الْمَقْطُوع بِهِ أَن يَقُول رَسُول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، لِمعَاذ: فإن لم تَجِد فِي كتاب الله، وَلَا فِي سنة رَسُول الله، وَهُوَ يسمع وَحي الله إليه ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ و﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾؛ فَمَا كمل بِشَهَادَة الله تَعَالَى = فَمن الْبَاطِل أَن لَا يُوجد فِيهِ حكم نازله من النَّوَازِل؛ فَبَطل الرَّأْي فِي الدّين مُطلقًا” ([13]).
وقد أبطل القياس أيضاً استناداً إلى هاتين الآيتين، مؤكداً أنه لا حاجة إليه ولا إلى الرأي، وأضاف إليهما قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]. وهذا نموذج آخر للكلية المقترنة في تفنيد أصل معرفي.
كلية مقترنة لإثبات فرع معرفي:
اجتمع لابن حزم في هذا النموذج ما يدل على أنه لا يوجد نص يدل على تحريم الأبوال جملة إلا ما ورد في بول الآدمي. واستدل على عدم التحريم بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119] وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29].
ووجه الدلالة من الآية الأولى أن الله تعالى قد بيّن ووضّح لعباده تفصيل ما حرَّم عليهم، فلا إشكال ولا شبهة مع هذا التفصيل والبيان. ولما لم يأت ذكر لتحريم الأبوال جملة في هذا التفصيل، دل ذلك على إباحتها بنص هذه الآية، وبنص الآية الثانية الدالة على أن الأصل في الأشياء الإباحة. فتضافرت الآيتان على هذا الحكم من جهة التفصيل ومن جهة الإباحة.
يقول ابن حزم: “إنَّنَا إنْ لَمْ نَجِدْ نَصًّا عَلَى تَحْرِيمِ الْأَبْوَالِ جُمْلَةً وَالْأَنْجَاءِ جُمْلَةً، وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مِنْ بَوْلِ ابْنِ آدَمَ وَنَجْوِهِ” ([14]).
كلية مقترنة لتفنيد فرع معرفي:
اجتمع لدى ابن حزم خمس آيات كلية تدل بمفهومها العام على عدم صحة قول من يقول باشتراط الحرز في قطع يد السارق، وأنه لا نص في الحرز مطلقاً. فالآية الأولى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44] تبين أن القرآن نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليبين حروفه ومعانيه.
والآية الثانية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64] تنفي عن الله تعالى النسيان أن ينزّل على نبيه ما ينفع به الناس أجمعين وهم في حاجة إلى البيان والتوضيح. والآية الثالثة: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النجم: 3] تنفي أن يكون نطق رسوله صلى الله عليه وسلم بالوحي صادراً عن هوى نفسه، بل هو وحي من عند ربه، قرآناً وسنة، كما هو متعين في الآية الرابعة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 4].
والآية الخامسة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] تدل على كمال الدين وكفايته للناس في جميع أحكام الدين، أصولها وفروعها.
يُلاحظ هنا كيف حشد ابن حزم هذه الكليات لتفنيد فرع معرفي يتعلق بمسألة اشتراط الحرز في قطع يد السارق. والأمر في نظره أبعد من ذلك، إذ إنه لا يغفل – وهو يتناول هذا الفرع الفقهي – عن دلالات هذه الكليات في البناء المعرفي الذي ينتهجه. فهو وإن كان يفند الفروع المعرفية على كثرتها، فإنّه يبني أصولاً معرفية تجتث الأصل الباطل الذي تقرر على إثره هذا الفرع المعرفي وما كان على شاكلته ([15]).
والمقصود، توضيح منهجية ابن حزم في توظيف هذه الآيات لتكون أساسًا متينًا لمصادر المعرفة الشرعية الأربعة: القرآن، السنة، الإجماع، والدليل. وقد أظهر ابن حزم براعة في الاستدلال بهذه الكليات لإثبات حجية النصوص الشرعية ونفي الاعتماد على الرأي والقياس، وغيرها من المعارف الظنيّة مما يعكس التزامه بالدليل الشرعي الواضح. كما أن تركيزه على هذه الكليات يعكس رؤيته المتكاملة للشريعة الإسلامية، حيث تتضافر النصوص القرآنية والسنة النبوية والإجماع لتقديم منهج متسق وشامل لمعالجة قضايا الشريعة.
([1]) انظر: الصادع، تحقيق: مشهور حسن، ص494-495، وانظر: الإحكام، الجزء الأول، الباب الحادي عشر.
([6]) تفسير السعدي، آية رقم: 29، سورة: البقرة.
([7]) تفسير السعدي، آية رقم: 59، سورة: النساء.
([11]) النبذة في أحكام أصول الدين، ص 64.
([15]) انظر: المحلى، 12/ 317 وما بعدها.



