الدين

قواعد منهجية من الواسطية ومناظرتها

محمد بن حامد الرفاعي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.

أما بعد،

فإن كتاب العقيدة الواسطية، من أجلّ كتب الاعتقاد المختصرة، وأعظمها أثرًا، وأنفعها في تأصيل اعتقاد أهل السنة، بما تضمنته من الأصول، وما رعاه ابن تيمية من الترتيب والصياغة.

ونحن في هذه الخاطرة سنقف مع هذه الرسالة وما تعلق بها من أحداث، لا من حيث شرح ما فيها من العقائد والدلائل، وإنما نستخرج منها قواعدَ علمية ومنهجية عامة، يربي طالب العلم عليها نفسه، ويوطّد لأركان البناء العلمي والمنهجي الذي يحفظ له سيره في العلم والعمل والإصلاح، بعد مشيئة الله ورحمته، وهي قواعد تصلح مفتاحا للانتفاع بالرسالة الواسطية، وإشارة مجملة تفيد الناظر وإن لم يدرس الكتاب، وهي بلا شك تشير للقارئ إلى مكانة الكتاب وفوائده[1].

ومما يدل على أهمية هذا الكتاب هو ما جرى حوله من المناظرات مع الشيخ رحمه الله، فالشيخ حينما استُدعي للمحاكمة على عقيدته -في الثامن من رجب سنة 705 ه- اقترح هو أن تدور المحاكمة على متن العقيدة الواسطية، وكان الشيخ قد ألّفها قبل هذه المناظرة والمحاكمة بسبع سنين، فقال هذه عقيدة كتبتها وانتشرت بين الناس فلن تتهموني حين المناظرة عليها بأنني أنكر شيئا من اعتقادي أو أسكت عنه خشيةً من شيء، فهذه الواسطية بين يديكم وقد شاعت وانتشرت بين الناس.

فجَرَت جلستان طويلتان فيها من الفوائد والدرر والمواقف العظيمة التي تبعث في نفس طالب العلم وعقله كثيرا من الأصول العلمية والتربوية[2].

فلنقف الآن مع بعضها:

  • إثبات اعتقاد الفرقة الناجية، وإنكار خصوصية الإمام أحمد!

إن سؤال المنهج العقدي يجمع بطبيعته بين سمتين، سمة الوضوح والظهور، وسمة الحساسية والقابلية للتأثر العاطفي، فالإنسان كثيرا ما يتبنى رؤىً كبرى دون تمحيص، وربما وقع في هذا كثير من أهل الفضل، فتراه يتخذ المواقف، ويشيد حصون الأفكار بركامٍ من المواقف الجزئية والانفعالات العاطفية، أو بمجرد التقليد لمن أحسن الظن به وبعقله وحسن نظره.

فعندما يتبنى بعضُ المشتغلين بالعلم عقيدةً أو أصولا معرفية معينة، يتبعهم في هذا السير كثير من طلاب العلم وغيرهم، فإذا ما أراد أحد بيان مخالفة هذه الأصول لثوابت العلم، أو مخالفة هذه العقيدة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما دلت عليه النصوص الشرعية الكثيرة الظاهرة، انفعل هؤلاء الأتباع، دون روية، ولا حسن نظر في الدلائل.

وهذا ما أصاب العلماء الواقعين في هذا التقليد مع ابن تيمية، فعندما أشار ابن تيمية إلى أن ما تضمنته الواسطية هو عقيدة “الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة”، وقد أثارت هذه العبارة حفيظتهم حيث وجدوا في هذه العقيدة ما يخالف ما عرفوه، فاشتد نكيرهم، واقترح السلطان الذي كانت المناظرة بحضرته أن يستبدلها ابن تيمية بقوله: (فهذه عقيدة الإمام أحمد) ولتكن كتابة مذهبية يسهل البحث فيها والخلاف، لا كتابة تأصيلية تبين الحق الثابت الذي لا يجوز المحيد عنه، فماذا قال الإمام رحمه الله حين طُلب منه هذا الطلب؟

قال رحمه الله: «ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله، وهذه عقيدة محمد – صلى الله عليه وسلم – “[3]

بل إن ابن تيمية يفسح المجال لكل ناظر أن يبين بطلان ما يدعوا إليه، فيقول في تحدٍ تاريخي صريح: “وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة – التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ” {خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} – يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك»[4].

ومن ثم فإن عقيدة السلف، هي من الدين المنقول إلينا من لدن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن تبعهم، نقلوها إلينا كما نقلوا صفة الصلاة وأحكام الزكاة والصيام، وكما نقلوا معاني القرآن والسنة، وهذا بخلاف ما يجده الناظر في كتب عقائد الفرق الأخرى، إذ مردّ مقولاتهم أصولٌ عقلية وضعية، ونقول عن غير المعصوم، وظنون ألبسوها جبة القطعيات[5].

ومن الحلول التي يسعى إليها كل مجانب للحق في الأصول العلمية أن يجعل النظر فيها نسبيا، يحتمل الاجتهاد، وهو مخرج معتاد وطريق مسلوكة ممن يستمسك بالأهواء والمقولات أيا كان ضعف أدلتها، وممن حُرم علم السلف واتّباعهم، فاقترحوا أن يصير الكلام مذهبيا، ولنختلف بهدوء في تحرير قول الإمام كما نختلف في بقية المسائل الفرعية التي لا يستوجب الاختلاف فيها التفرق، ولا يجزم أحد فيها بأن ما اختاره في ذلك هو قول السلف والفرقة الناجية والطائفة المنصورة. فقال ابن تيمية: “فقلت: لا والله؛ ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث؛ وقلت أيضا هذا اعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثا أو إجماعا سلفيا وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين والفقهاء الأربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية».[6]

ويقول في موطن آخر: “وقلت أيضا: في غير هذا المجلس: الإمام أحمد رحمه الله لما انتهى إليه من السنة ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما انتهى إلى غيره وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره: كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره فصار إماما في السنة أظهر من غيره وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة – العلماء الصلحاء – قال: المذهب لمالك والشافعي والظهور لأحمد بن حنبل يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان وإظهار الحق ودفع الباطل ما ليس لبعض»[7]

ومن ثم، فإن أصول اعتقاد السلف، هو من الدين المحكم البيّن، الذي لم تقع مخالفته إلا بسبب التقصير في النظر في الأدلة، أو تأثر النظر المعرفي بشبهاتٍ استحكمت ومقولات شاعت فسُلّم بها، وإن وقع في ذلك كثير من أهل الفضل والديانة.

وتجد إثبات هذا على التفصيل في كتب الاعتقاد، ومن أخصرها وأنفعها للناظر الصادق: الفتيا الحموية، فراجعها.

  • تكامل البناء المنهجي عند أهل السنة والجماعة، بين العلم والسلوك، وجمع الكلمة مع بيان الحق.

ويظهر هذا في الخاتمة التي ختم بها ابن تيمية الواسطية، إذ بعدما بيّن العقيدة المنقولة عن السلف في الأصول المختلَف فيها بين أهل القبلة، أكد على أن منهج السلف ليس هذا فقط، وإنما أطال فيه لأنه محل البحث والسؤال وما عليه النزاع بين السلف وأهل الأهواء، فأشار إلى جملة من الأصول المنهجية والعملية الكبرى التي يتسم بها منهج السلف، ومنها:

  1. الاجتماع على إقامة الدين، والعناية بجمع الكلمة.

وذلك أن الافتراق المنهجي العقدي -وإن كان الحق فيه واحدا وهو اعتقاد السلف- لا يوجب بالضرورة مفارقةَ الأمةِ ولا مفارقة ولاة أمرها ما داموا على الإسلام، فتقام الجمعة والجماعات معهم والجهاد والحج، ويسعى السلف ومن تبعهم إلى جمع كلمة المسلمين، واجتماع قلوبهم، وإشاعة الأخوة الإيمانية بينهم جميعا ما دام يجمعهم عقد الإيمان. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر”[8].

وقد قال ابن تيمية في الجلسة الثانية من المناظرة: «ثم قلت: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف. وقال لنا في القرآن: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} وقال: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقال: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات}».[9]

ومن أعظم آثار الانتباه إلى هذا الأصل، هو اعتبار المصالح والمفاسد في التعامل مع الوقائع والأحداث المتعلقة بالخلاف العقدي والمنهجي، والتعامل مع الاختلاف في النظر إلى الواقع توصيفا وحكما، فإن التعامل مع الوقائع لا ينظر فيه إلى مجرد موافقة الحق في نفسه أو مخالفته، وإنما يضاف إلى ذلك ما يترتب عليه الموقف المتخَذ بعد الحكم بالموافقة أو المخالفة للحق، فإن الأصول والمصالح الشرعية المعتبرة تتداخل، وحسن الفقه في أن يعتني الناظر بكل ما يتعلق بالواقعة من الأحكام والأصول والمصالح، فلا يفوت شيئا لشيء أقل منها، فينبغي ألا ننسى الرحمة بالخلق عند تقرير الحق، ولا وجوب اتباع الحق عند الرحمة بالخلق.

وهذا أصل سلفي عظيم وبيّن، يظهر في تنوع مواقف في السلف عند الحكم على المبتدع والتعامل معه، فربما سكتوا عن مبتدع، وتكلموا في غيره، وربما كفروا قائلا ببدعة ولم يكفروا غيره وإن قال بنفس المقولة، ومبتدع منعوا الرواية عنه، ومبتدع رووا عنه، بل إن ابن تيمية لما مُكِّن من التنكيل ببعض أهل البدع الذين كانوا يكيدون له، وأراد السلطان أن ينتقم منهم لشأن يتعلق بملكه، وقال للشيخ بأنهم آذوك وكتبوا فيك، وأراد قتلهم، «ففهم الشيخ مراد السلطان، فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحدا منهم سوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارا، فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي. وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح».[10] ولم يدَع ابنُ تيمية بهذا العفوِ حقَ الله ورسوله ولا سكت عن باطل.[11]

  1. العناية بأعمال القلوب والجوارح ومحاسن الأخلاق.

فذكّر ابن تيمية في خاتمة الواسطية بأن من هدي السلف تربية النفس على الصبر والشكر والرضى، والتخلق بالأخلاق الحسنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا”، مع الأمر ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار… إلى آخره من العبادات والمكارم.

ومن ثم فإن المدافع عن اعتقاد السلف بالسب والشتم والجفاء، والناسي للمروءات عند الاختلاف في النظر والحكم والتعامل، وقاسي القلب الذي لا يعرف من الدين إلا ما اختلف فيه أهل القبلة، ليس في سيره هذا على جادة السلف، بل ولا شم لهم طريقةً ولا فقِه عنهم شيئا، وإنما كان الذي فيه هوى أعجبه أو اتباعا جاهلا لدعيٍّ يتلو آثارا لا تجاوز حنجرته.

فمن رأى هذا في حاله فليتق الله في نفسه، وليعد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، باحثا عما يزكي نفسه، ويطهر قلبه، ويتزود به من التقوى وحسن القول والعمل.

  • النص الشرعي حاكِمًا مطلقًا وإجماع السلف حصنًا للفهم الصحيح.

إن أول خاصية امتازت بها عقيدة أهل السنة والجماعة، هي وضوح وانضباط مصدر التلقي، فإن العقيدة السلفية لا يكون مرجعها إلا الآية والحديث، ولا يحاكَم النص الشرعي إلى أوضاع الناس واختياراتهم، وإنما يُفهم النص الشرعي باللسان العربي المبين الذي نزل به القرآن، والفهم الذي أدركه الصحابة ومن تبعهم من هذه النصوص، فهم قرون قد زكاهم الشارع، وأمِنهم على من بعدهم، وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله: «فقلت: أما الاعتقاد: فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني؛ بل يؤخذ عن الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة؛ فما كان في القرآن وجب اعتقاده وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم»[12]

وقال: «فهذا الاعتقاد: هو المأثور عن النبي وأصحابه رضي الله عنهم وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: الإيمان يزيد وينقص وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه وإذا خالفهم من بعدهم لما يضر في ذلك.»[13]

وقال ابن تيمية في رسالته (شرح حديث الافتراق)[14]: «فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة.»[15]

بل إن ابن تيمية قد احترز في هذه العقيدة عن استعمال الألفاظ المجملة، وإن كان يقصد منها معنى صحيحا وكان استعماله سائغا، إلا أنه اختار ألفاظ الشريعة ليكون ذلك أضمن للسلامة، وأقرب إلى إدراك الحق، فيقول: «وذكرت في غير هذا المجلس: أني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف؛ لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة فنفيت ما ذمه الله من التحريف ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ولا إثبات؛ لأنه لفظ له عدة معان كما بينته في موضعه من القواعد»[16] «وقلت له أيضا: ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه؛ لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال: {ليس كمثله شيء} وقال: {هل تعلم له سميا} وكان أحب إليّ من لفظ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله»[17].

  • عدم تكفير المخالف مطلقا، مع وجوب بيان الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يفزع بعض الفضلاء من الكلام عن الافتراق العقدي، خشية الوقوع في خطر التكفير، فيظن أن كل حكم على بدعية قول هو قول بإكفار كل قائل به، والحقيقة أن هذا الافتراق قائم، وكل فرقة تعي جيدا أن الحق في هذه الأبواب لابد أن يكون واحدا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين”[18]، فيبقى حينئذ السؤال عن أولى الطوائف بالحق، وأيهم أصاب ما أراد الله منا معرفته واعتقاده مما تضمنه وحيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ويبقى أمر، وهو هل كل مخالف لهذا الاعتقاد الحق يكفر؟ فالجواب بكل اختصار: لا.

حتى البدع الكفرية، فإن السلف والأئمة لا يطلقون التكفير على كل قائل بها، وإن كفروا نفس المقولة، يقول شيخ الإسلام لما رأى من مناظريه الفزع من تكفير أئمتهم فيما ابتدعوه: «ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك: فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا وقد لا يكون ناجيا كما يقال من صمت نجا.»[19]

ويقول شيخ الإسلام رحمه الله في (المسائل الماردينية): “وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، فيقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله عز وجل يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10].” وبيّن أنواعا من أسباب عدم نفاذ الوعيد، ثم قال:

“فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله عز وجل يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها، فأما التفريق بين نوع، وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل، لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا عن أئمة الإسلام”.[20]

وهذا التوقف عن تكفير المعين ليس سكوتا عن بيان الحق، ولا غمغمة عند وجوب الوضوح والإفصاح، وإنما هو أمر خاص بما يترتب على مخالفة المخالف للحق، أما مجرد بيان الحق من الباطل فهذا من الدين الذي تأثم الأمة إذا تركته، ويلزم اعتقاده كل من بلغه بدليله. ولا يلزم مسلماً أن يحكم على كل معينٍ أصاب أو أخطأ، فاعتقاد السلف الواجب الاجتماع عليه: دين منقول ثابت، وأصول علمية ظاهرة، وليس منهجُ السلفِ نزاعا حول الأسماء والوقائع والأحداث، فهذه يدخلها الاجتهاد ويكون حكم الكلام فيها بحسب الحال والمقام، فثم من يحرم عليه الكلام فيها وثم من يجب، ومن وجبت عليه فلن يكون حكمه قولا يجب المصير إليه على كل مسلم.

وبهذا تصان عقائد السلف عن العبث، وتبقى خصوصيتها في الظهور والقطعية، ويرِد المسلم ماءها صافيا عذبا لا تكدره دلاء البغي والظنون.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

[1] وقد كنت سألت الإمام عبد الرحمن البراك – بعدما صلى بنا فجر السادس عشر من شهر محرم سنة ثمان وأربعين وأربعمئة وألف- عما ينصح به مدرّسي العقيدة في هذا الزمن الذي اضطرب فيه الطلاب، فقال: “عليك بالعقيدة الواسطية، حفّظها لهم”.

[2] وقد حكى شيخ الإسلام نفسه قصة هذه المناظرة، انظر مجموع الفتاوى (3/160) وحكاها ابن كثير في تاريخه وحكاها علم الدين البرزالي رحمهم الله جميعا (انظر: مجموع الفتاوى 3/194)

[3] مجموع فتاوى ابن تيمية (3/169)

[4] مجموع فتاوى ابن تيمية (3/169)

[5] سكّ الإمام المعلمي رحمه الله قانونا معرفيا عقليا شرعيا لتبيُّن الحق من الضلال في العقائد بمعرفة (معدن الدليل) فراجعه في القائد إلى تصحيح العقائد.

[6] مجموع الفتاوى (3/ 189-190)

[7] مجموع الفتاوى (3/170)

[8] أخرجه البخاري ومسلم.

[9] مجموع الفتاوى (3/181)

[10] تاريخ ابن كثير (18/94) تحقيق عبد الله التركي.

[11] وقد أشار ابن كثير بعد ذكر هذه القصة إلى أن ابن تيمية بعد تمكين السلطان له قد اشترط على أهل البدع شروطا ألزمهم العمل بها، وبهذا يفهم الاعتدال في الموقف من المخالف الذي كان عليه السلف والأئمة، فلا تفريط في الحق لمداراة الناس، ولا غفلة عن الرحمة بالناس واعتبار المصالح الشرعية العامة المترتبة على إنكار المنكر وطريقته.

[12] مجموع الفتاوى (3/161)

[13] مجموع الفتاوى (3/179)

[14] وللشيخ يوسف الغفيص حفظه الله شرح بديع غزير بالفائدة على هذه الرسالة، تجده مسجلا ومفرغا في الشبكة.

[15] مجموع الفتاوى (3/346)

[16] مجموع الفتاوى (3/165)

[17] مجموع الفتاوى (3/166)

[18] صحيح مسلم (1920)

[19] مجموع الفتاوى (3/179)

[20] المسائل الماردينية لابن تيمية (154).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى