د. عائض بن سعد الدوسري
وصل لويس ماسينيون إلى بغداد سنة 1908م على هيئة باحث ومستكشف، وكانت بغداد وقتها تمر بفترة من الاضطراب وعدم الاستقرار، وكان من المتوقع أن يثير وجوده وطبيعة مهمته الحقيقيَّة هناك الريبة والشك. ونتيجة للاشتباه فيه بوصفه عميلًا أجنبيًا، أُلقي القبض عليه وحكم عليه بالإعدام، ثم شَفَعَ فيه آل الألوسي فأطلق سراحه. وقد أثَّرت هذه التجربة في حياته تأثيرًا روحيًّا عميقًا، كما يزعم ماسينيون، وارتبطت هذه التجربة بالوقوف على حافة الموت، كما يصورها ماسينيون، بتجربة الحلاج الصوفي! ومن ثَمَّ، شكَّلت هذه النقطة حياته اللاحقة، فتحول من جاسوس وعسكري استعماري إلى مستشرق أكاديمي ومنصر كاثوليكي.
وكان الأب أنستانس ماري الكرملي (1947م)، وهو قسٌّ في بغداد من أصل لبناني، له دور عظيم في هذا التحول الإيماني “=الاهتداء” لدى لويس ماسينيون، وما سيأتي بعده من توجيهات تراثيَّة وأعمال بحثيَّة. وقد أشارت بعض الدراسات المختصة بسيرة واهتمامات لويس ماسينيون الدينية، إلى أنَّ القنصل الفرنسي في بغداد قام باختيار الأب أنستانس ماري الكرملي شخصيًّا ليصحب لويس ماسينيون في عودته إلى فرنسا بعد محنته القاسية. ولهذا، فقد حرص الأب أنستانس على أن تُرعى احتياجات ماسينيون الروحية رعاية تامة بعد تلك التجربة، فرافقه في عودته إلى فرنسا بعد “اهتدائه” إلى الكاثوليكيَّة في مايو سنة 1908، وحرص أنستانس على متابعة حالة ماسينيون الروحية والاهتمام به وتعميق تجربته الإيمانية، وقام بزيارة أسرة ماسينيون في فرنسا من 25 إلى 31 يوليو.
وأثناء عودة ماسينيون إلى البلاد العربية في مهمة عمل، وأثناء رحلة بالقطار إلى بيروت، شعر بأنَّ حضورًا روحيًّا استولى عليه مرة أخرى، فسارع إلى الاعتراف بذلك للأب أنستانس الكرملي، فطلب الأب أنستانس الكرملي منه أن يكتب رواية عن عودته إلى الإيمان والاهتداء، لتعم الفائدة الإيمانية بذلك، فاستجاب ماسينيون له. وقد أقرَّ ماسينيون في مواضع ومواقف عديدة بمساعدة الأب أنستانس الكرملي له، وبدأ يراسله بعد عودته إلى فرنسا، ولا سيما في المسائل المتعلقة بالإيمان المسيحي، وكانت ماري، والدة ماسينيون، تطمئن الأب أنستانس الكرملي مرارًا على حال ابنها، وتعترف له بأنه ساعده على تعميق إيمانه. وكما يذكر بعض الباحثين فإنَّه “وعلى نحوٍ مألوف في حماسة المهتدين الجدد، ظل شغف ماسينيون ورغبته في تعميق إيمانه متقدين، ووجد التشجيع عند مهتدين آخرين، كان يكاتبهم طلبًا للدعم والإرشاد”.
وهكذا، نشأت بين ماسينيون وشيخه أنستانس مودة وصداقة وتلمذة روحية وإشراف إيماني وبحثي وتراثي قريب الصلة وعميق الأثر، وكانت إحدى ثمار تلك العلاقة: المراسلات بين ماسينيون وبين الأب أنستانس ماري الكرملي.
وكان للمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون أدواره السياسيَّة المعروفة التي قام بها تجاه العالم الإسلامي، والتي ارتبطت به، وهي كثيرة ومهمة ومحوريَّة، وكان في كل تلك الأدوار السياسية والعسكرية يسترشد بشيخه وأبيه الروحي الأب أنستانس ماري الكرملي، ويكتب له الرسائل تلو الرسائل يحيطه بالمستجدات ويطلب رأيه، وإرشاده، ونصحه، وتسديده، ومقاربته. إنَّ لويس ماسينيون يُعتبر شخصية مهمة، ولم يكن دوره مقتصرًا فقط على مجال الدراسات الاستشراقيَّة، وخصوصًا الصوفيَّة والحلاج كما يعرف في الأوساط الأكاديمية، بل إنه لعب دورًا رئيسًا في مجال التاريخ السياسي في المنطقة العربيَّة، كما يؤكد ذلك مجموعة من الباحثين المختصين بماسينيون.
ومنذ وقت مبكرٍ، قبل “الاهتداء!” وبعده، لم يكن ماسينيون يخفي نواياه ورغباته الاستعمارية بدافع إيماني كاثوليكي، فتلك أيديولوجية ثابتة لديه لم تتغير، وكان في كل وقتٍ يُطالع شيخه الروحي الأب أنستانس ماري الكرملي بتلك التطلعات الأيديولوجية مستلهمًا منه الصلوات والبركات! فإنَّه -مثلاً- عندما احتلت ليبيا من قِبَلِ إيطاليا بعد اندلاع الحرب الإيطالية-التركية في 29 سبتمبر 1911م، حين أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية، وبدأت غزو ولايتي طرابلس الغرب وبرقة، كتب لويس ماسينيون أثناء بداية ذلك الاحتلال إلى شيخه ومعلمه الروحي الأب أنستانس ماري الكرملي رسالة في غاية الخطورة، تبين حقيقة نواياه الراسخة وتكشف أهدافه الكامنة بعد “اهتدائه” وأن النوايا والأهداف لم تتغير. ففي 1 نوفمبر 1911م، أرسل إلى شيخه يقول له: “أأمل أن لا يكون للحرب الإيطالية-التركية رد فعل عنيف عليكم للغاية، إن النهج الذي اتبعته إيطاليا كان على القدر ذاته من الغدر والرعونة، إنَّ مصلحة أوربا والمسيحية وحدهما هما اللذان يجيزان أن نتمنى النجاح لمثل هذا الهجوم الغادر“. وفي 12 ديسمبر 1911م، أرسل ماسينيون إلى شيخه الروحي أنستانس يؤكد عليه أهمية وضرورة بقاء “البعثات [=الإرساليات التنصيريَّة] الكاثوليكية في الشرق”، وأن تكون “على اتصال مع الحركة الدفاعيَّة الكاثوليكيَّة“، ويحذر من انفراد البروتستانت الإنجليز والألمان بمزيَّة “غزو الإسلام” دون الكاثوليك، لما في ذلك من خسارة فادحة بالنسبة إلى الكاثوليك.

المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون بالزي الأزهري
وتوَّجَ لويس ماسينيون عودته إلى الإيمان الكاثوليكي على يد الأب أنستانس ماري الكرملي، بأن التحق بالاستخبارات العسكرية الفرنسية، وكان أحد مُسَاعِدي صُنَّاع الأحداث والقرارات السياسيَّة الكبرى في المنطقة العربيَّة. فهو المستشار السياسي للضابط والدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو François Georges-Picot، أحد أركان اتفاق (سايكس–بيكو)، واتخذه بيكو مساعدًا له في الشؤون السياسيَّة للشرق الأوسط بحكم كونه خبيرًا في الشؤون العربيَّة والإسلاميَّة، وكان الجاسوس البريطاني الشهير لورنس العرب Thomas Edward Lawrence في المقابل مستشارًا للورد مارك سايكس Mark Sykes. وكان ماسينيون مرافقًا للفرقة العسكريَّة الفرنسيَّة في الجيش الإنجليزي، بقيادة الجنرال الشهير إدموند هنري هاينمان أللنبي Edmund Henry Hynman Allenby، الذي احتل فلسطين، فدخل لويس ماسينيون ولورنس العرب معًا إلى القُدْسِ بصحبة الجنرال أللنبي، وأقام ماسينيون قُدَّاسًا أمام قبر المسيح باسم فرنسا بوصفه مُسَاعِدًا لرئيس الحملة. كذلك لعب ماسينيون دورًا في معركة ميسلون في سوريا، ثم دورًا محوريًّا في البعثة الفرنسيَّة في بيروت، حيث أوكلت إليه مهمة الدعاية للاستعمار الفرنسي وتوزيع الأموال لشراء ذِّمَمِ وولاءِ النَّاس لفرنسا. ثم مارس دورًا “تنويريًّا” مهمًا في البلاد العربيَّة في أوساط المثقفين العرب، باحثًا في التراث العربي والإسلامي عن نصوصٍ وشواهد ترسخ مفاهيم التلاؤم والتواؤم مع صورة فرنسا الاستعمارية وترسيخ وتعميق دورها في المنطقة العربية. ففي 27 يونيو عام 1917م، كتب لويس ماسينيون رسالة إلى شيخه ومعلمه الروحي الأب أنستانس ماري الكرملي، يخبره فيه بنشاطاتها الاستخباراتيَّة والعسكريَّة في المنطقة العربية، حيث يقول: “أنا حاليًا في بعثة في الجبهة العربية مع ميناء القيد في القاهرة في الوكالة الدبلوماسية لفرنسا [=مكتب الخدمات السريَّة]. إنَّه أمرٌ مهمٌّ ولعله مفيدٌ حتى إني أفتقد رفاقي في الفيلق (56) للمشاة الكولنيالي، والذين تعلمت معهم تأمل الموت ووجود الله…صلواتي الموقرة لك أبتي العزيز جدًا، وفي المشاركة المقدسة للكنيسة المناضلة وفي القلب المقدَّس جدًا للمسيح وفي القلب الطاهر لمريم في المنزلة المقدَّسة في الجليل“. وفي 16 مايو عام 1918م، كتب لويس ماسينيون رسالة إلى معلمه الروحي الأب أنستانس ماري الكرملي، يخبره فيها بمهامه السياسية والعسكرية، حيث يقول: “إنَّ البعثة السياسية الفرنسية التي أشارك فيها والتي يترأسها السيد جورج بيكو مكلفة بالتحضير لهذا المسائل (…كلام محذوف!…)، ولهذا الغرض تمت دعوتها (…كلام محذوف!…). وبوصفي مساعدًا لرئيس الحملة فقد تناولت القربان رسميًا باسم بلدي [فرنسا] أمام القبر المقدس. إنَّ اللعبة الحاسمة تُلْعَب الآن في فرنسا“. وفي 23 يناير عام 1919م، كتب لويس ماسينيون رسالة إلى معلمه الروحي الأب أنستانس ماري الكرملي، يخبره فيها عن التغيرات الكبيرة في العالم، وأنَّها تصب في مصلحة فرنسا، ثم يشير إلى أهل دمشق، حيث يقوله: “إنَّ المسلمين هنا في دمشق معادون عنيفون للصهيونية”.
ولهذا، كان الباحث والمؤرخ الجزائري أحمد بن نعمان، المدير العام بالمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة وعضو الجمعية العربية للعلوم السياسية، يقول عن لويس ماسينيون إنَّه: “المُحَضِّر لعقار القابليَّة للاستعمار…[الذي] كان المرشح المفضل استعماريًّا واستراتيجيًّا لخِلافَةِ الأب دو فُوكُّو، الضابط المُنَصِّر والمُخْبِر أو المُخْبِر المُنَصِّر”. وكان المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي التقى بلويس ماسينيون في باريس، يَصِفُهُ بقوله: “المُخْبِرُ الذي يَتَقَمَّصُ هَيْئَة العَالِم”.

الأب أنستانس ماري الكرملي
وحتى عندما توجه لويس ماسينيون إلى التركيز على العمل البحثي والأكاديمي، لم تغادره نهائيًّا اللمسات الروحيَّة لمهامه العملية السابقة ذات الطابع التجسسي والعسكري، حيث إنه دائم الرابط والتأكيد على أهمية التزاوج بين العمل الإمبريالي والعمل الإيماني والأكاديمي. لقد جعل مشروعه الأعظم هو شخصيَّة الحلاج الصوفي، تحت مباركة ومتابعة أستاذه الروحي الأب أنستانس ماري الكرملي، حيث رأى لويس ماسينيون في شخصيَّة الحلاج إحدى أهم عنصر اختراق العقائد المسيحية داخل الجسد الإسلامي. يقول إدوارد سعيد: “إن مستشرقاً عظيماً، مثل لويس ماسينيون الفرنسي، بحسه المرهف وتذوقه الممتاز، لم يتقبل الصوفي الحسين بن منصور الحلاج هذا التقبل العميق، إلا لأنه اعتقد أن الملامح المسيحية تصبغ مذهب الحلاج وتتغلغله، وأنه اكتشف تلك الملامح أو العناصر المسيحية في تصوفه”.
لقد تمركز المشروع الرئيس للمستشرق الفرنسي الكاثوليكي لويس ماسينيون، بجوار مشاريع أخرى جانبية، حول الحلاج، وكان يوليه عناية خاصَّة حيث توسَّم فيه (أو بالأحرى توهَّم) التأثير البالغ على المسلمين، والخصوصيَّة الفذَّ التي من شأنها تسهل عملية التجسير والانتقال من الإسلام إلى المسيحيَّة، فكان الصوفي الحلاج لديه بمثابة القنطرة الضروريَّة للعبور إلى الخلاص الكاثوليكي. ففي رسالةٍ خاصةٍ للويس ماسينيون بَعَثَ بها إلى أستاذه الروحي الأب أنستانس ماري الكرملي في 16 سبتمبر 1909م، يقول: “لم أنته من عملي حول الحلاج، أرغب أن أضع مبادئه حول أولوهيَّة المسيح غير المتوقعة في الإسلام تحت الضوء…إنها مبادئ مثابة من قبل موت مشع على الصليب“. وفي الأول من شهر يونيو عام 1911م، أرسل لويس ماسينيون إلى شيخه الأب أنستانس ماري الكرملي رسالة يبلغه باهتمامه وتتبعه لآثار ونصوص عن الحلاج في التراث العربي، وتضمنت رسالة ماسينيون نقدًا موجهًا إلى ابن تيميَّة!
وفي رسالة أرسلها إلى أنستانس الكرملي في 22 سبتمبر 1912م، يُعْرِبُ فيها عن قلقه أن يفهم المسلمون قصده الحقيقي -بصورةٍ لا تُناسبه- من وراء اهتمامه واشتغاله الحثيث بتراث الحلاج، حيث يقول: “أفوض أمري بإخلاصٍ إلى صلواتك وصلوات نظامك في مشاركة الكنيسة، وأدعو الله بالأخص ألا يُساء الظن بعملي حول الحلاج، وأن يجعل المسلمين يفكرون بسيدنا المسيح“. ثم في رسالة أخرى أرسلها إلى شيخه الروحي الأب أنستانس في 30 نوفمبر 1912م، يكشف فيها بصورةٍ لا لبس فيها عن منهجه وقصده الحقيقي من إخراج و”التقاط” التراث الصوفي الحلاجي والهدف من وراء إبراز هذه الشخصية الصوفية، حيث يقول: “أنا لا أعتقد أنَّه أمرٌ سَيءٌّ أن نلتقط بالإسلام ما هو صالحٌ ومسيحيٌّ أمام مستمعين مسلمين، إنَّ الدَّورَ الأوَّلَ للكنيسة هو دورٌ تثقيفيٌّ مذهبيٌّ، وكل ما نعترف به لأهلنا [الإيمان الكاثوليكي] يجب أن يرفع ويثبت ويدعم، فضلاً عن ذلك، علينا أن نُحَطِّمَ بهذا التأكيد ما في الإسلام من زَيْفٍ وسُوءٍ وما هو معادٍ للمسيحيَّة”. ويطلب لويس ماسينيون من أبيه الروحي أنستانس الكرملي أن يراجع بعض كتاباته عن مشروعه المركزي حول الحلاج، ويقوم بتصحيحها وتحريرها بلغة عربية سليمة، وأن يساعده على نشر كتاباته، فيقول في رسالة بعثها إليه: “أبتي المبجل، لا تنسى كتابي عن الحلاج، سوف أرسل لك نسخة من أدلتي عن مسيحيته، إن كان بإمكانك أن تصيغها لي بلغة عربيَّة جيدة، وأن تنشر عنه مقالة لي بخطك في مجلة المشرق، سأكون سعيدًا بذلك”. وفي رسالة من لويس ماسينيون إلى شيخه أنستانس الكرملي، يعترف له فيها بفضله عليه، حيث يقول: “بين يديك صديقك المقر بفضلك، أنا ممتن لك يا أبتي، ومقر معترف لك بالجميل، وشاكر لك كل ما فعلته من أجلي، وأصلي إلى الله من أجلك”. ويقول ماسينيون في رسالة أخرى له إلى شيخه الروحي في 23 يونيو 1913م: “أبتي العزيز وصديق…كم أجل فيك دومًا القس الذي صالحني مع الكنيسة، والصديق الذي أعادني معافى إلى أهله…في 25 يونيو سيكون عيد ذكرى اهتدائي المبارك، ولعفوك الكهنوتي”. وفي 23 فبراير عام 1914م، يزف ماسينيون بشارة إلى شيخه الروحي، حيث يقوله فيها: “أنهيت بفضل الله أطروحة الدكتوراه عن الحلاج، وسلمتها إلى السوربون، وأصلي إلى الله أن تكون هذه الأطروحة عملاً صالحًا”. وفي 25 يوليو 1914م يرسل ماسينيون إلى مرشده الروحي الأب أنستانس يخبره فيها بأنَّه قد “قبلت الجامعة الأطروحة حول الحلاج“.
ولا ينسى لويس ماسينيون في خضم مراسلاته العديدة إلى شيخه الروحي الأب أنستانس ماري الكرملي، أن يحدثه عن علاقته الحَمِيمَة مع أخيه الفرنسي والروحي شارل دي فُوكُّو -وهو جاسوس وضابط عسكري ورحالة ومنصر فرنسي في المغرب والجزائر كان يقوم بإعداد لويس ماسينيون ليخلفه على عمله الميداني هناك- في رسالةٍ بَعَثَ بها إلى شيخه الأب أنستانس ماري الكرملي في 29 يوليو 1911م، قبل مقتل فُوكُّو بسنواتٍ معدودة، أشار فيها إلى علاقته به، حيث قال: “الأب المبجل دو فُوكُّو الموجود في الصحراء”، وذَكَرَ أنَّ فُوكُّو قام بإهدَائِهِ الصَّلِيبَ. وبعد بضعة أشهرٍ من مَقْتَلِ شارل دي فُوكُّو، كَتَبَ ماسينيون رسالةً إلى شيخه الأب الكرملي، في 27 يونيو 1917م، يقول فيها: “إنَّ ابتي المبجل م. ب. شارل دو فُوكُّو، الذي كنتُ مرتبطًا بالعمل معه رسميًا، قد قُتِلَ في الصحراء، في اليوم الأول من كانون الأول الماضي. أطلبُ منكَ صَدَقَةً، اُذْكُرهُ أمامَ اللهِ لأجلِ ما قام بِهِ من عملٍ خَيِّرٍ، ولكيلا يموت هذا العمل“. ويقصد لويس ماسينيون بكلمة (الخير) تحويل المسلمين إلى المسيحيَّة، وإخراجهم من دينهم الإسلام من خلال قبولهم الخَلاص على يد يسوع والإيمان بأنَّه أقنوم الابن في الثالوث المسيحي، العمل الذي يرجو أن لا يموت هو تأسيسه كنيسة صغيرة كبذرة مشروع تنصيري بين قبائل الطوارق في الجزائر. وفي 5 أكتوبر عام 1917م كَتَبَ ماسينيون رسالةً أخرى لشيخه الأب أنستانس، يقول فيها: “أُفَوُّضُ إلى صَلَواتِكَ على نحوٍ خاصٍّ جدًا، عمل الأب المبجل دو فُوكُّو، الذي يبدو أنَّ مثواه الأخير سيكون في القاهرة، هل تَعْلَم أنَّ عَمَلَه كان هدفه الأساس هو إخواننا المسلمون…[و]لا تنس صديقي البغدادي القديم الحسين بن منصور الحلاج، وتقبل مودتي وإخلاصي في المشاركة المُقَدَّسَة للكنيسة”.
وظلت علاقة التلميذ لويس ماسينيون بشيخه الروحي وقدوته في الإيمان الأب أنستانس ماري الكرملي، علاقة وطيدة ومتينة ومستمرة، لا يعكرها شيءٌ، يستلهم الأول من الثاني الإيمان المسيحي والخبرة في التراث العربي والإسلامي لتمكينه من العمل على مشاريعه بصورة محكمة. ولم يحصل خلافٌ يُذْكَر بين التلميذ وشيخه، إلا ما أورده لويس ماسينيون نفسه من اتهام لشيخه أنستانس الكرملي، حيث اتهمه بتزوير واختلاق مخطوطات عربية كاملة بيده، كبعض المخطوطات المنسوبة إلى اليزيدية وإلى شخصيات مسيحية عربية تراثية. لكنه، على أي حالٍ، خلافٌ لا يُعَكر العلاقة الإيمانية والأهداف العليا المشتركة بينهما.
لقد كان لويس ماسينيون يعول كثيرًا على مشروعه المتمركز حول شخصيَّة الحلاج الصوفي، ويتابع دقائقه وتفاصيله مع شيخه الروحي الأب أنستانس ماري الكرملي، وكان يبذل جهوده من أجلِ تطبيق “المشروع الفُوكُّوي” وفق مَنْهَجِيَّته الخاصَّة التي وَضَّحَها في تقريراتِهِ التي دَوَّنَها في رسائِلِه العديدة إلى شيخه الأب أنستانس ماري الكرملي، المُتَمَثِّلَة في الحِوارِ مع المسلمين، “بِفِطْنَةٍ ومَحَبَّةٍ“، من خلال “المنهجيَّة الالتقاطيَّة” التي تَقْتَنِصُ “الحقَّ المسيحي” المُتَناثرِ في ثنايا الإسلامِ، الذي هو الدين الزائف عند ماسينيون وشيخه، لينتقل بالمسلم من هذه الأرضيَّة الأوليَّة الملتقطة إلى الكاثوليكيَّة التي تُمَثِّلُ عنده “الحقَّ الخَالِصَ“. وقد كان من ثَمَرَاتِ هذا “المشروع الفُوكُّوي” وهذه “المنهجيَّة الماسينيونيَّة“، أن قَامَ لويس ماسينيون بتحويل المبتعث المغربي محمد بن عبد الجليل (1979م) إلى الديانة الكاثوليكيَّة، ليصبح لاحقًا الأب يوحنَّا محمد بن عبد الجليل، ويتحول إلى راهبٍ كاثوليكيٍ، وقد لَعِبَ يوحنَّا عبد الجليل هذا لاحقًا دورًا فعَّالاً في الإعداد لـ(المَجْمَعِ الفَاتِيكَانيِّ الثَّاني)، وأصبح مستشارًا للبابا في شؤونِ الحِوارِ مع المسلمين، وكَتَبَ العديد من المؤلفات عن الإسلام والمسيحيَّة. وقد ذَكَرَ مالك بن نبي أنَّ لويس ماسينيون حاول معه الحِيَل نفسها التي عملها مع محمد بن عبد الجليل ليلتقطه إلى المسيحيَّة، حيث يقول: “عندما أخبرني صديقي بن ساعي برغبة ماسينيون في لقائي، كنتُ أجهل أن جميع الخيوط التي تحرك عالمنا الصغير [في بيئة الابتعاث الجامعي في فرنسا] كانت بين يدي هذا الأخير. وكان هو نفسه خفيًّا متواريًا كالعنكبوت في بيتها. ويجب أن أقول، من جهة أخرى، إنني أخذتُ وعيًا في الحين لماذا تسعى هذه العنكبوت لاجتذابي في شبكتها التي وَجَدَ عبد الجليل نفسه سنوات من قبل محبوسًا بين خيوطها، مخدرًا ومقيدًا”. وقد تحدَّث مالك بن نبي باستفاضة أكثر عن مدى قوة تأثير لويس ماسينيون على الطلاب المسلمين المبتعثين في فرنسا.
لقد كان لويس ماسينيون، الذي كان يشرف عليه ويرعاه شيخه الأب أنستانس ماري الكرملي، يملك مشروعه ومنهجه الخاص، وهو مشروعٌ متمركزٌ ومتمحورٌ في حقيقته حول إحياء الشخصيَّات الهامشيَّة والمنبوذة في التراث الإسلامي، وعلى رأسها الصوفي الحلاج. فماسينيون يؤكد أنَّ التعامل المثالي مع الإسلام يكون من خلال البحث عن “شخصياتٍ مُهَمَّشَةٍ عادةً، وعائمةٍ في التراثِ العربي الإسلامي، أو عن شخصياتٍ ثانويَّةٍ ومجهولةٍ“، مثل الصوفي الحلاج الذي قَبِلَ بفكرةِ الافتداءِ المسيحي، فالحلاج يمثل الجسر الذي يسهل بعد تبنيه واحتضانه والتقاطه انتقال المسلم إلى المسيحيَّة، وهذه نقطة مركزيَّة عند ماسينيون من أجل مد جُسُورِ الحِوارِ مع المسلمين. وهي تنبني على أن “يلتقط” من تراث الإسلام ما يُشابه الديانة المسيحيَّة، وهنا الحلاج يلعب دورًا مركزيًّا، فهو في نَظَرِ ماسينيون القَنْطَرة الضَّروريَّة. وكما يقول ماسينيون: “أنا لا أعتقد أنَّه أمرٌ سَيءٌّ أن نلتقط بالإسلام ما هو صالحٌ ومسيحيٌّ أمام مستمعين مسلمين“.
ولا شك أن لويس ماسينيون بذل جهدًا كبير -بصبر وتحمل ونفس طويل- في جمع ودراسة النصوص الصوفية الخاصة بالحلاج، فهذا مشروع عمره الشخصي: الديني والاستشراقي والاستعماري، فقد ذكر مرارًا أنه وَجَدَ في شخصيَّة الحلاج حاجته الشخصية، وضالته وهدفه الذي أقام عليه مشروعه الرئيس في حياته البحثية، وهو: “تحطيم الإسلام” من خلال تراثه هذا. وكان ماسينيون يرى أن أفضل طريقة لتفكيك الإسلام “القبيح“، وهو في نظر ماسينيون إسلام الفقهاء وعلماء العقيدة، يكون بتقديم الإسلام “الجميل“، وهو في نظر ماسينيون إسلام الحلاج الذي ينطوي في جوهره على مبادئ “الدين الحق=الدين المسيحي”، وأن أفكار الحلاج وأمثاله بمثابة “حصان طروادة“، الذي يمكن من خلاله إدخال المسلمين إلى المسيحية دون أن يشعروا بذلك. يقول رئيس أساقفة فيينا فرانتس كونغ: “إنَّ الاشتغال في الصوفية الإسلامية أعاد لويس ماسينيون إلى الإيمان الكاثوليكي: إيمان طفولته، واعتبر ماسينيون أنَّ مهمة حياته هي فتح كنوز المؤلفات الإسلاميَّة الدينية للمسيحيين“.
وبطبيعة من هذا حاله ومقاله، فلم يكن هدف لويس ماسينيون في بحثه موضوعيًا ولا لخدم العلم والحقيقة، بل كان غرضه -كما يقول هو- “تحطيم الإسلام” وتجريد المسلم من إيمانه بعد زعزعة اعتقاده في الإسلام، وذلك من أجل التمهيد لرسالة الخلاص الكاثوليكيَّة. ولم يكن ماسينيون يخفي هذا التوجُّه؛ إذ كان يرى أنَّ الجهد الأكاديمي والمعرفي الذي يبذله الغربيون في دراسة الشرق والإسلام لا ينبغي أن يظل حبيس البحث الخالص أو الحياد المجرَّد، بل يجب أن يتجه -في المقام الأول- نحو غايات أيديولوجية محددة. ومن هذا المنظور، كان ماسينيون يعتبر الحياد في الكتابة العلمية، والانفصال عن خدمة المعتقدات والدفاع عنها، ضربًا من التقصير الأخلاقي، بل وصفه صراحةً بأنه: “نذالة وجريمة اجتماعية“. فهذا هو ماسينيون، وهو يعيب على المستشرق لوسيان بوفا منهجه البحثي، يقول: “لم يتجرأ على إظهار معتقداته، حين يكتب، فهو يعتقد أنَّ هذا هو ضربٌ من الحيادية العلمية، هذه الحيادية العلمية مع الأسف ليست سوی نذالة وجريمة اجتماعية“.
وقد صرح لويس ماسينيون مرارًا بمثل ذلك في رسائله الخاصة، لبعض آباء الكنيسة المشرقية ولشيخه الأب أنستانس ماري الكرملي، أنَّ خير وسيلة تجاه تشكيك وتفكيك اعتقاد المسلمين هي أن يفهموا ويتذوقوا حقائق المسيحية من خلال النكهة الصوفية، كالحلاج على سبيل المثال، بألفاظها ومسوحها وقشرتها الإسلامية، كخطوة أولى فعَّالة باتجاه الطريق الصحيح ونحو الحقيقة المطلقة والكاملة والخالصة (=الديانة الكاثوليكيَّة). ولهذا، فإن كتاب (آلام الحلاج) للويس ماسينيون، الذي استوحى عنوانه من آلام المسيح، بلا شك يمثل جهدًا عظيمًا لسنوات طويلة في الجمع والاستقصاء والبحث والتنقيب في التراث العربي والإسلامي العقائدي والتاريخي والطبقي، كان هدفه الرئيس ليس البحث العلمي، بل هدفه مؤدلج يتمثل في أمرين: (1) تحطيم الإسلام. (2) إثبات أصالة العقيدة الكاثوليكية والإيمان الكنسي. من أجل تحقيق هذا الهدف، كان لويس ماسينيون يحث تلاميذه من المستشرقين على التعلم من تجربته وتجربة أمثاله، فقد: “تعلم بالصبر على قراءة نصوص كتب التراث العربي، والبحث فيها، وقراءة الكتب سطرًا سطرًا حتى عثر على ضالته”. لكنه كان صبرًا التقاطيًا، وقراءة مؤدلجة، ليس هدفها الحقيقة ولا البحث العلمي المنصف، بل خدمة المشاريع الاستشراقية والتنصيرية، كما صرح هو بذلك.
يقول محمد البشير الإبراهيمي متحدثًا عن لويس ماسينيون: “من الذين يجعلون الاستشراق ذريعة لاستهواء الشرقيين المفتونين بالغرب، الخاضعة عقولهم وأفكارهم لعقوله وأفكاره، وأنا أسمي ثلة من هؤلاء المستشرقين (حكوميين)، تسمية صادقة أصدر فيها عن روية وتثبت، فما هم إلا أذناب لحكوماتهم، وما هم إلا موظفون أو مستشارون حكوميون، وما هم إلا (تراجمة) للحكومات الاستعمارية وأدلاء، يترجمون لها معاني الشرق، ويدلونها على المداخل إلى نفوس أبنائه وإلى استغلال أوطانه، وما هم إلا آلات في أيدي وزارات الخارجية، تستعملها لإبطال حق الشرق، وإحقاق باطله، ولبقاء الأمم الضعيفة في الاستعباد، أو إرجاعها إلى الاستعباد. فالاستشراق في هؤلاء عند الحكومات الاستعمارية معناه معرفة مداخل أوطان الشرق، ودخائل أبناء الشرق، وابتكار الوسائل لاستعمار العقول أولًا والأوطان ثانيًا، فهم روَّاد عقليون قبل القوَّاد العسكريين. ولذلك نرى هؤلاء المستشرقين الحكوميين يبنون أمرهم في الشهرة بين الشرقيين على الأبحاث العلمية الخالصة، ويغطون ضراوة الحجاج بطراوة الحلاج؛ فإذا طارت الشهرة في الآفاق، ووقع على الثقة بهم الإصفاق، أصبحوا سهامًا نافذة لدولهم في جنب الشرق، وأدلاء بارعين على عورات الشر”.
وأخيرًا، لا مراء في أنَّ لويس ماسينيون استطاع، على امتداد فترة زمنية معتبرة، أن يحقق نجاحًا ملحوظًا في أن تنطلي حيله “الالتقاطيَّة” على كثير من المسلمين، فهذا -مثلاً- أحد طلابه يكتشف في وقتٍ متأخر حقيقة أستاذه ماسينيون، حيث أورد ماسينيون نفسه في مقالة شهيرة له بعنوان: (الغرب أمام الشرق)، رسالة من أحد طلابه قال له فيها : “لن أسامح نفسي لأني أحببتك ، ذلك لأنك جردتني من سلاحي [=إيماني]؛ لقد كنتَ الأسوأ من أولئك الذين أحرقوا منازلنا واغتصبوا نساءنا وسودوا شيوخنا، لقد جردتني لسنوات عديدة من حياتي، وجعلتني أعتقد بأن هناك إمكانية للتصالح والتفاهم بين الفرنسي الذي هو مسيحي وبين العربي الذي هو مسلم”.



