الدين

سلطان البيّنات

أحمد بن عبدالله الفواز

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

مَن مِن العاملين في ميادين الإثبات والحقوق لم تمرّ عليه حادثة أو قضية ثبت لديه بعد نظره فيها الحق لطرف من الأطراف، ولم يستطع إقامة البيّنة المثبتة لذلك الحق عليه؟

ومَن مِنّا مَن جاءه قريب أو طرف في خصومة يحلف ويقسم الأيمان في أحقيته في الشيء الفلاني، والـمُخاطَب يعلم صدقه، لكنه لم يتمكن من إثبات حقه، فيمسي صاحب الحق بلا حقّه!

ومَن مِنّا من لم يجلس في مجلس يصيح بهم صاحب الحق بضياع حقّه وظلم صاحب الفصل في المنازعة بسبب عدم إقامة البيّنة الموصلة للحق المراد إثباته؟

كثيرًا ما كانت تشغل ذهني مسألة إثبات الحق؛ ذلك أنها تصبح في بعض الأحيان سلاحًا ذو حدّين، وفي أحيانٍ أخرى ذات حدٍّ واحد، يكون المتغلب فيها من استطاع إثبات الحق، أو من استطاع إبطال ثبوته، بعيدًا عن حقيقة الظالم فيها من المظلوم، وقد كنت أراها في بعض الأحايين مجالًا خصبًا لضياع حقوق كان بوسع أصحابها أن ينعموا بها، لولا الحد الفاصل = وهو القدرة على الإثبات من عدمها، وما يمكن تسميته في اصطلاح أهل الاختصاص: عبء الإثبات.

ومن ثمّ كان التساؤل: هل كان عبء الإثبات مسألة حادثة جاءت بها تعقيدات الحياة الحديثة المعاصرة وأصحاب الفلسفة القانونية؟ أم أنها وجدت منذ بدء الخليقة؟ وهل توجد شواهد من القرآن أو السنة النبوية لحقوق لم يستطع أصحابها إثباتها فحُكِمَ عليهم بغير ما أرادوا؟

جاءت الإجابة صدفة حينما قرأ الإمام في صلاة التراويح لأحد ليالي رمضان آيات سورة النور المتعلقة بأحكام اللعان بين الزوجين، ثم أثارت فضولي تفاصيل طريقة اللعان، فأحببت الاطلاع على ما أورده المفسرون بشأنها، وذلك في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)}، فقد نقل ابن كثير في تفسير الآية وسبب نزولها([1]) ما رواه البخاري والإمام أحمد وغيرهم عن ابن عباس -رضي الله عنه-: (أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشَرِيك بن سَحْماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “البينة أو حَدُّ في ظهرك” فقال: يا رسول الله، إذا أُرِيَ أحدنا على امرأته رجلا ينطلقُ يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “البينة وإلا حدّ في ظهرك”. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلنَّ الله ما يُبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل، وأنزل عليه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ}، فقرأ حتى بلغ: {إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “الله يشهد أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب”؟ ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وَقَّفُوها وقالوا: إنها مُوجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أبْصِرُوها، فإن جاءت به أكحلَ العينين، سابغ الأليتين، خَدَلَّج الساقين، فهو لشَرِيك بن سَحْمَاءَ”. فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن”)([2]).

والمتأمل في بيان سبب النزول يجد أن الصحابي هلال بن أمية -رضي الله عنه- اتهم زوجته بالزنا مع شريك بن سحماء، فشكى ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأجابه الرسول -عليه الصلاة والسلام- أن يأتي بالبينة على هذه التهمة، وإلا فسيقيم عليه حدَّ القذف المكوّن من ثمانين جلدة! فما كان من هلال -رضي الله عنه- إلا أن أبان عمّا في نفسه من هذين الخيارين بقوله: (يا رسول الله، إذا أُرِيَ أحدنا على امرأته رجلا ينطلقُ يلتمس البينة؟)، وهو اعتراض صحيح بادئ النظر، يقول به كل من كانت لديه مثقال ذرة من الغيرة المحمودة على أهل بيته؛ فلا يمكنك والحال كذلك المصاب الجلل أن تذهب وتجمع من حولك لتقيم البيّنة على أهل بيتك! -نسأل الله العافية-.

إلا أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان ماضيًا في تطبيق العدل في قضاءه، فلم يقبل تهمة بلا بيّنة، وهو القائل في موضع آخر (لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)(([3]، ولذلك لم يكن بين يدي الرسول -عليه الصلاة والسلام- إن سمع دعواه، أن يحكم إلا ببينة ظاهرة يثبتها المدعي أو أن يجلده إقامة لحدّ القذف على تهمة بلا بيّنة! فما كان من هلال -رضي الله عنه- والحال كذلك إلا أن يقول (والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلنَّ الله ما يُبرئ ظهري من الحد).

ثم لـمّا نزلت الآيات بأحكام اللعان بين الزوجين وجاء الرسول -عليه الصلاة والسلام- ليطبّق عليهما ما ورد في الآيات، فشهد هلالٌ -رضي الله عنه-بالشهادات الخمس، وشهدت زوجته بالشهادات الأربع فتلكأت وكادت أن تتراجع عند الشهادة الخامسة، إلا أن الإصرار على الذنب -نسأل الله العافية- كان سيد الموقف حينما قالت: (لا أفضح قومي سائر اليوم)، فأتمّت الشهادة الخامسة ولاعنت زوجها على أنها لم تزني، وبذلك فرّق الرسول -صلى الله عليه وسلم- بينهما بعد ذلك.

ولم تكن لتنتهي القصة لولا أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان عالـمًا بصدق هلال -رضي الله عنه- في دعواه، ولكنه لم يكن ليحكم له بعلمه، تطبيقًا لأسمى قيم العدل والإنصاف والعدالة، حيث قال -عليه الصلاة والسلام-: (أبْصِرُوها، فإن جاءت به أكحلَ العينين، سابغ الأليتين، خَدَلَّج الساقين، فهو لشَرِيك بن سَحْمَاءَ)، وكان ما قال -صلى الله عليه وسلم- فقد حملت المرأة بعد ذلك وجاء المولود على نحوِ ما وصف به الرسول -عليه الصلاة والسلام- من أوصاف ظاهرية في مظهر المولود ليثبت بعد ذلك أنها زنت مع شريك، لكن الحكم قد صدر واللعان قد تم بين الزوجين وفُصِلَ في الخصومة، فاستدرك على ذلك بقوله -عليه الصلاة والسلام-: (لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن).

كانت القصة بيانًا ناصعًا صادعًا بالحق، يبيّن من خلاله الرسول -صلى الله عليه وسلم- قيمة البيّنة وقوّتها، وأنها السلطان والفيصل في تحديد مآلات المنازعات، فهي مطردة مع الحكم ثبوتًا وعدمًا، فمن استطاع تطويعها لصالحه جاء الحكم إليه منصاعًا طائعًا، ومن استطاع إبطالها أو نفيها وسلبها قوة فصلها أزال عنها ثوب القوة والسلطان.

وليست الحقوق بمنزلة من الهوان أن تُضيّع بذلك اليسر، فإن ظنّ الظالم بسلامة جانبه بالحكم لصالحه في مرحلة الدنيا، فقد جاء الإنذار شديدًا بعسر الحساب يوم القيامة يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

 روت أم سلمة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحقّ أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار)([4])، نسأل الله العافية في الدين والدنيا، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرّ.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

[1] ) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة، (6/18).

[2]) حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 2131، والبخاري: 4747، وأبو داوود: 2254.

[3]) حديث صحيح، أخرجه البخاري: 4552، ومسلم: 1711، والبيهقي: 21733.

[4]) حديث صحيح، أخرجه البخاري: 7169، ومسلم: 1713.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى