محمد بن تاج الدين بن مرعي
غواية التشظِّي:
إذا تكاثرت المعلومات وتموضعت في النفس بفوضوية خادمة لفكرة ما؛ شكلت -بتموضعها الفوضوي- لهذه الفكرة سلطة نفسية ومعرفية في غاية القوة والسطوة، حتى إذا ما عورضت كل أجزائها لم تهتز ولم تمل عن مكانها قيد أنملة.
فإنها إذا ما عُورض أحد أجزائها، جرَّد العقل الفوضوي هذا العارِض (اسم فاعل) من خصائص قوته لانتفاء قدرته على تحديد مدى قوته، فتعامل معه ككمٍ لا ككيفٍ أي أنه لا يفرِّق بين حجة قوية وأخرى أضعف، فهما فقط حجة -أو قل:- شبهة، ثمَّ قابل هذا العارِض ألف جزءٍ وألف دليلٍ ودليلٍ آخر من تلك التي يراها تدعم الصورة الكلية أو على الأقل الصورة الأكثر اتساعا من الجزء المعارَض (اسم مفعول) (أي أن هذه الصورة الأكثر اتساعا تعمُّه) حتى يتصاغر أثر المعارِض (اسم فاعل) -وهي استراتيجية منطقية لا ننتقدها-، ثمَّ تعمل الفوضوية بعد ذلك على عدم طرح الجزء المعارَض (اسم مفعول) وإنما تخفيف آثاره النفسية والمعرفية مؤقتاً مع تهميشه في التدليل والتأسيس نظريًا (لأنه مهما خبت وخفت آثار المعارَضة، يبقى لها تأثيرٌ حسب عواملٍ معينة فيها وعند المتلقي)؛ فالفوضوية تمنع الاطراد والتسلسل في الطرح والمحاسبة لغياب الترابط بين الأفكار، والعقل الفوضوي لا يعمل على الفرز والإحصاء والترتيب والانتقاء، بل المعلومات عنده مجملة مبهمة، فيعمل على جلب الحكم والانطباع الراسخ تجاهها، فإذا ما خبت آثار الاعتراض بفعل الزمن: بأن قذفت في غياهب النسيان أو بفعل العقل الفوضوي: بأن اختزنت فيه دون سياقٍ معارِض (اسم فاعل) عن طريق التلفيق مثلا بينها وبين فكرته (قولبته فيها) أو عمل العقل على الفصل بينها وبين أخواتها مانعا الإحساس بالتراكم، رجعت الآثار النفسية والمعرفية لذلك الجزء المغذِّي للفكرة وإن ظل -في بعض الأحيان- مهمشًا ظاهريا على مستوى التنظير، وإلا فآثاره النفسية، وتعزيزه للتصور الانطباعي حيال الفكرة ترجع كما كانت من قبل أو على الأقل يرجع الكثير مما فقدته حال المعارضة. وهكذا دواليك، فما من معلومة مُعارِضة تُعملُ أثرًا حقيقيًا دائما، ولا تراكمَ للاعتراضات يرصد.
هذا وفي بعض الأحيان قد يمنع العقل الفوضوي صاحبه من تعقُّل بعض الحجج من الأساس، فمن جهة: بعض المعاني لا سبيل إلى إدراكها كحجة إلا بوضعها ضمن شبكتها المعرفية (إذ يمكن إدراك بعض معانيها ولو كانت منفصلة عن تلك الشبكة)، ومثل هذه الشبكات لا يقدر صاحب العقل الفوضوي على تشكيلها (وبهذا يتضح أني أعني المستوى غير البديهي للشبكة المعرفية، إذ للمعلومة حال إدراكها علائق ولا تنفك عنها بداهة)، ومن جهة أخرى: فغياب ملاحظة السياق السردي الخطي للحجة (والذي يدركه بكفاءة العقل المنظم) قد يعيق كذلك إدراك المعاني كحجة: فعلى سبيل المثال قد يقع في الدور دون أن يلاحظ، أو يستشعر أن المعارض يدور في حلقة مغلقة دون أن يدري أنه هو من يرجع بالمسار الخطِّي إلى الوراء وأن المُعارِض يحاول كسر هذه الحلقة والاستمرار في التتبع الحجاجي.
ويزداد الأمر سوءًا إذا كان صاحب العقل الفوضوي واقعًا تحت تأثير الانحياز التأكيدي؛ فهنا يجتمع بين الدافع النفسي واللاواعي للحفاظ على أفكاره، مع عقل الفوضوي يُشكِّل بيئةً مثالية لهذا الانحياز: إذ يمنع من إدراك هذا الانحياز من جهة، ويعيق تعقُّل الأدلة من جهة أخرى، فتكون النتيجة النهائية: سلطة نفسية ومعرفية في غاية القوة والسطوة لما اعتقد وتبنى من أفكارٍ وآراء.
ولعلَّ أحد الآثار سهلة الرصد للفوضوية: ما تنتجه من الوهم المعرفي: فالعقل الفوضوي لا يقدر على ملاحظة الفجوات المعرفية في آرائه وأفكاره، ولا يمتلك الأدوات التي تؤهله للكشف عنها، فضلا عن امتلاكه شبكة معرفية تكون موضع العمل لتلك القدرات والأدوات، فتكون النتيجة الحتمية المبالغة في تقدير مدى معرفته وموثوقيتها مما يزيد من سطوة تلك الأفكار وتملُّكها لعقله، فضلا عن الآفات القاتلة الأخرى التي قد تعقب ذلك كالكبر مثلا، هذا بخلاف العقل المنظم: إذ يمتلك هذه القدرات والأدوات فلا يغالي ولا يجافي في موثوقية آرائه، ومقدار معرفته. ولعلَّ من المناسب هنا الإشارة إلى الدراسة الشهيرة في حقل علم النفس المعرفي/الاجتماعي لدانينغ وكروغر والتي نشرت عام 1999م؛ إذ وجدا أنَّ منحنى الثِّقة متعاكس مع قوة المهارة، وهو ما عرف أخيرًا بـ“أثر دانينغ – كروغر” نسبة لهما.
رشاد التنظيم:
وعلى الجهة المقابلة فالعقل المنظَّم وإن كان أكثر تعلقًا -في البداية- بالأفكار التي اعتقدها وتبنَّاها نتيجة رصده لأدلتها وآثارها وتشابكاتها؛ فما أن يُعارَض أي جزءٍ أو دليل لأحد أفكاره بأدلة ذات قوة حتى يطرح الجزء أو الدليل من معادلته: نفسيا ومعرفيا وتنظيريًا، ومع تراكم الاعتراضات، يُهدم بناء الفكرة المعارَضَة (اسم مفعول) تدرجيًا حتى يسقط ويتهاوى.
فالمعرفة والأفكار في العقل الفوضوي غازية -أو قل:- سائلة، إذا أصيبت اهتزَّت واضطربت، ولكن سرعان ما عادت إلى الاستقرار، والمعرفة في العقل المنظَّم بناء متصل من عناصر صلبة إذا أصيب هدم منه بقدر الإصابة، فإذا أصيب أصلٌ هدم ما يتفرع عليه، وإذا أصيب فرعٌ يتولَّدُ عن أصلٍ بلازم، سقط وأفقد الأصل التوازن فتهاوى معه، وإذا أصيب فرعٌ لا يلزمُ عن أصلٍ، ولا يعتبرُ أصلا لغيره، سقطَ وحيدًا منفرِدًا، وأحيانًا قد يضعف المحل المصاب، فيتصدع ويتشقق دون أن يتهاوى، كأن يصاب في محل دليلٍ أو قرينة، فتبقيه بقية الأدلة والقرائن قائمًا، ومع تراكم الإصابات يتهاوى ويسقط.
لذا فـ “إني أعيذك أيها القارئ الكريم من هذا الشَّرَه أن يحيل عقلك إلى دُكان عطار من الطراز العتيق، يحوي جميع أنواع العطارة ولكنها مكدّسة بغير نظام، فلا يستطيع العطّار نفسه الوصول إلى ما يريد إلا بشقِّ الأنفس. وأخشى ما يُخْشَى من هذه الفوضى وعدم الترتيب أن يختلط الملح بالسكر، أو يختلط الصمغ باللبان، والشبة بالسكر النبات، فيفسد كل شيء وتنقلب المنفعة ضررًا … فالمهمّ في الطلب إذًا الترتيب والتنسيق مع تحاشي الحشر والتكديس … فاقرأ إذًا ما شئت ما دمت تعرف جيدًا أين تضعه من سابق علمك وكيف تستفيد منه. أي أنك إذا قرأت فعليك أن تهضم عقليًا ما قرأت ثم تقوم بتمثيله عقليًا أيضًا، بحيث يندمج مع معلوماتك الأخرى مكوّنًا وحدة متماسكة منسجمة، وإياك أن تسمح للمعلومات بالاستقرار في ذهنك أجزاء متناثرة مستقلة متنافرة. فالقارئ قد يُفني عمره في القراءة لتحصيل العلم دون أن يحصل علمًا بالمعنى الحقيقي، بل يظل ما بقي من أنصاف المتعلمين، ومثل هذا قد يكون ضرره أكثر من نفعه.”[1]
وأنصحك -أخي القارئ- بالفرز الدائم للأفكار والمعلومات حتى تجعل لكل معلومة حقَّها من التأثير، وتوضع كل معلومة في موضعها من الشبكة المعرفية، وأن تتدارك ما فاتك من ذلك و“لا أظنك تنكر أن هذا العطار لو شاء أن ينسق محتويات دكانه لاستطاع ذلك بقليل من العناء، فيضع كل ما عنده، بل وأكثر منه، في نفس الحيّز بل أقل، بحيث يبدو كلّ شيء مرتبًا نظيفًا، ويجعل من السهل له ولغيره أن يصل إلى ما يريد دون أن يقلب كل شيء رأسًا على عقب”[2]
وأن تسرع قبل أن تتراكم المفاسد إذ أن “مفاهيمنا المُسبقة توجه تحليلنا للظواهر والبراهين والحجج، [فعلينا أن نعيد تنظيم عقلنا] لنترك الفرصة للبراهين والحجج الجديدة لأن تعيد تشكيل مفاهيمنا”[3]
وإياك ثمَّ إياك والانخداع بما يطرح هنا وهناك عن إبداعية الفوضوية، فإنها وإن دفعت لذلك[4] فإنما تلقِّح أصلا منظَّمًا، أو أنه ينظَّم لها أصلٌ، لا أنها تفيض بالإبداع، فضلا على أن البحث عن الإبداع -في كثيرٍ من الأحيان- ما يكون بحثًا عن سرابٍ كما بينَّا في مقالة “في مديح الظل: سردية التركيب في عصر سطوة الإبداع”، ويتآكد هذا عند الفوضوية، فضلا على أن آثارها الضارة تفوق أي منفعة محتملة.
هذا والحمد لله، وصلى الله على نبيه محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
[1] من مقالة: “فنُّ القراءة” للأستاذ حسن محمد حسين، محل الاقتباس من كتاب “في محراب القراءة” ص60-61، بتصرفٍ يسير للغاية
[2] نفس المصدر ص61
[3] أنتوني فلو، مستفاد من ظلال الأشياء ص395، بتصرفٍ
[4] أنظر في ذلك: “هل العقول الفوضوية أكثر إبداعًا؟: قد تصيب خبرات الحياة المتراكمة خزائن الذاكرة بالفوضى، ولكنها قد تشعل فتيل الإبداع” تأليف: كريستوفر بريجلاند، ترجمة: منال خلف اليشع بلنك، تحرير: جنات المقاوشي، في موقع “أثارة”



