فكر وثقافةالدين

شَارل دِي فُوكُّو: ’القديس‘ الكاثوليكي الذي مات ’من أجل المسلمين‘

عائض بن سعد الدوسري

هذا العنوان مقتبس من كلمات المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، تلميذ وصديق شارل دي فُوكُّو. حيث أكَّد ماسينيون في عام 1917م، أنَّ مشروع فُوكُّو ” كان هدفه الأساس هو إخواننا المسلمون”، وأنَّه “مات من أجل الإسلام والمسلمين”.

تُعَدُّ شخصيَّة شارل دي فُوكُّو لدى الكنيسة الكاثوليكيَّة الأُنموذج المثالي الذي يَحْسُنُ الاحتذاء بسيرته، والاهتداء بهديه في كيفيَّة التعاملِ مع المسلمين، والالتقاءِ بهم، والحِوارِ معهم، وبناءِ علاقاتٍ بنَّاةٍ ومُثمرةٍ ومُنتِجَةٍ مع المسلمين. يقول الأب انطوان شاتلار: “هالة من التقديرِ والاحترامِ تُحِيطُ بهذا الشخص، وتقدمه مِثْلَ أُنموذجٍ يُقْتَدى به”. ويقول الباحث جون جوزيف هنري روسيتي: “اتخذ الفاتيكان في السنوات الأخيرة فُوكُّو أُنْمُوذَجًا للحِوارِ بين الأديان، وكجسرٍ بين الكنيسة الكاثوليكيَّة والعالم الإسلامي”. ويذكر الأبُ صلاح أبو جودة اليسوعيُّ أنَّ لفُوكُّو فضلًا كبيرًا في تمهيد الطريق لأعمال المجمع الفاتيكاني الثاني، وفي “فهم الإسلام بموضوعيَّة”، وفي التعامل مع المسلمين “بكل الاحترامِ والتقديرِ الواجبين”. وأكَّدَ اليسوعي الفرنسي أندريِه دالفِرني أنَّ حياة فُوكُّو يَسْتَلْهِمُ منها المسيحيون القدوة “من أجلِ إخوتهم المسلمين”. ويصف الأب ميشال ليلون (2020م)، وهو قسيسٌ كاثوليكيٌّ فرنسيٌّ ناشطٌ في الحوار المسيحي-الإسلامي، شارل دي فُوكُّو بأنَّه كان “أخويًّا تجاه الجميع”. ويقول الأُسْقُف المعاصر روان ويليامز: “في عصرنا الراهن، تبرز شخصية شارل دي فُوكُّو بوصفها شخصيَّة نبويَّة”.

وقد ارتقى شارل دي فُوكُّو إلى منزلةٍ عاليةٍ في الكنيسة الكاثوليكيَّة، حيث وضعه البابا بُولُسْ السِّادِس في منزلة (الأخ الكوني)، وهو لقبٌ يعني أنَّ فُوكُّو أصبح “النموذج الكامل للمحبة الشاملة، ذاك الذي لم يُحِبَّ قَطُّ إلا حُبًّا شَامِلاً”. وجعله البابا يوحنَّا بولس الثاني أنموذجًا للحِوارِ بين الثقافات المعاصرة والمصالحة بين الأديان، وخصوصًا مع الإسلام. وفي عام 2005م، تم تطويبه (جعله مُباركًا) على يدِ البابا بندكتوس السادس عشر، وجعله أنموذجًا يُمثل “الأخوة العالميَّة الشَّامِلَة“. وفي عام 2019م، ودعا البابا فرنسيس الشباب المسيحي الاقتداء بفُوكُّو، وخصوصًا في مجال “الاجتماع المشترك بين الأديان”، وفي “الأسرة البشريَّة الواحدة”، وأهميَّة تعميق التسامح بين الأديان، وفق المنهج المشرق الذي سار عليه فُوكُّو. وفي عام 2020م، ذكَّرَ البابا فرنسيس عند حديثه عن موضوع (الأديان في خدمة الأخوة في العالم) بأهميَّة شخصيَّة وعمل فُوكُّو. وفي روما في عام ٢٠٢٢م، أعلن البابا فرنسيس بأنَّ شارل دي فُوكُّو أصبح قديسًا، ووصف فُوكُّو بأنه: “نبيٌّ لعصرنا”، وأخٌ للمسلمين.

ولد شارل دي فُوكُّو عام 1858م، في مدينة ستراسبورغ الفرنسيَّة. وعاش في أحضان أسرةٍ تتميز بأنَّها عسكريَّة متدينة وملتزمة بالمسيحيَّة، تعلَّم فيها منذ صغره قراءة الإنجيل والتأمل فيه. لكنَّه في مراهقته فَقَدَ الإيمان بالمسيحيَّة واستمر ذلك معه لعقودٍ، وعزا سبب ذلك –كما يقول هو- إلى: أنَّ “الإيمان المسيحي القويم يستند، بحسب رأيي، إلى العديد من العقائد المناقضة تمامًا للعقل البشري“. وعاش في مراهقته حياة اللهو والعربدة والانحلال والفساد والطيش، إلى درجة وصف فيها حياته تلك، بقوله: “كل خيرٍ، وكل شعورٍ حسن…قد اختفت تمامًا من نفسي، ولم يبق سوى الأنانيَّة والشبق”، ثم وَصَفَ نفسه بأنَّها “الأنانية المطلقة”، وأنَّه كان “خنـزيرًا“.

وعندما اجتاحت فرنسا الاستعماريَّة -في تلك الفترة- بعض البلدان الإسلاميَّة، انضم فُوكُّو إلى الجيش الفرنسي برتبة ضابط وهو في سن 23 عامًا، في كتيبة في شمال إفريقيا وخصوصًا الجزائر، في سلاح الفرسان بالجيش الفرنسي، وبقي في الجيش لفترة زمنيَّة معينة. وإذ لم يجد بُغْيَتَهُ في الخدمة العسكريَّة كضابطٍ رَسميٍّ، والتي اتسمت كثيرًا بالهدوء -في نظره- في كثيرٍ من الأوقات، تَرَكَ الجيش الفرنسي وغادر إلى فرنسا. ثم إنَّ فُوكُّو بلغه نبأ انتفاضة في جنوب الجزائر، وأنَّ الجيش الفرنسي يعتزم قمعها وسحقها، وما إن سمع بذلك حتى سارع فطلب فورًا الانضمام إلى الجيش مرة أخرى. وبالفعل انضم فُوكُّو إليهم، وأُرسل إلى الفرقة الرابعة من الجيش الفرنسي، التي عُرِفَت باسم: (صَيَّادو إفريقيا)! وانضم في مدينة معسكر -وهي إحدى أهم مدن الغرب الجزائري وكان لها دورٌ بارزٌ في الثورة ضد الاحتلال- إلى الحملة الفرنسيَّة ضد ثورة المسلمين التي قادها الشيخ محمد بن العربي بن الشيخ (1908م)، والتي بدأت في عام 1881م واستمرت حتى عام 1908م، وعُرِفَت بثورة “الشيخ أبو عمامة“. لقد كان شارل دو فُوكُّو مُولَعَاً بقتال المسلمين، يطير فرحًا إلى مناطق الصراع في اللحظات التي يسمع فيها عن معركةٍ ضد المسلمين؛ من أجلِ قتالهم. يقول فُوكُّو في رسالة إلى صديقهِ العزيزِ والمُقَرَّبِ إليه غبريال تورد (1900م)، بتاريخ 2 أكتوبر 1881م، يُعَبَّر له فيها عن مشاعر فرحه، ويصف له لَذَّتَهُ في قتال المسلمين: “جاءتني رسالة من سيتيف [=سطيف: مدينة شمال الجزائر] تعلمني أنَّ قسمًا من سريتي كانت على وشك الذهاب…وبالطبع طلبتُ الالتحاق بها”، ثم يواصل حديثه فيقول: “لِحَمْلَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ من هذا النوع لَذَّةٌ نادرةٌ، لذلك لا يُمكن تركها تَمُرُّ دون محاولة التَّمتُّعِ بها“. ويتحدث فُوكُّو بحماسٍ وحيويَّة في رسالته تلك إلى صديقه غبريال تورد، فيقول فيها: “لقد وضعوني في إفريقيا، حسب طلبي…في الفرقة الرابعة من (صَيَّادي إفريقيا)، لم أَنم ليلتين في منـزلٍ. فأنا من سَرِيَّةٍ تعمل في الهضاب العالية، جنوبي صعيدا [=مدينة سعيدة الجزائريَّة]. إنَّه لأمر مُؤنسٌ…آمل أن تَطُول مدة السَّرِيَّة كثيرًا، وحينما تكون قد انتهت، سأحاول الذهاب إلى موضعٍ آخر حيث توجد الحَرَكَة [=أي الموجهات النَّشِطَة والحَامِيَة مع المسلمين]. وإذا لم أتمكن من ذلك، فلا أدري ماذا سأفعل”. ومن شِدَّةِ حماسه في القتالِ هناك، كما يقول الأب انطوان شاتلار (2021م): “على الفور كَتَبَ [=فُوكُّو] يطلب تجديد انخراطه في الجيش، ولو بغيرِ رتبةٍ، وبأيِّ شروطٍ كانت…ويُمكننا أن نقول إنَّه مستعدٌ لِكلِ شيءٍ ويرضى بِكلِّ شيءٍ على أن يرسلوه”.

ثم إنَّه بعد تلك المعارك الضَّارية التي خاضها الجيشي الفرنسي ضد المسلمين في الجزائر، ابتداءً من عام 1881م، هدأت الجبهات قليلاً لمدة زمنيَّة، وشعر فُوكُّو حينها بالملل، إذ البقاء في الثكنات بلا قتالٍ أمرٌ لا يُطاق بالنسبة إليه. ونتيجة لذلك، قَرَّرَ أن يترك كتيبته في الجيش الفرنسي ويُغادر إلى مكانٍ آخر أكثر حركةً وأشدَّ مواجهة مع المسلمين. فقد كَتَبَ فُوكُّو في رسالة إلى صديقهِ العزيزِ والمُقَرَّبِ إليه غبريال تورد، في 18 فبراير 1882م، يشكو له من الجمود والركود في الثكنات العسكريَّة، ويقول: “إني أكره الحياة في الثُّكْنَة، وأجد أنَّ هذه المهنة مُزعجة في وقت السلام…لذا كنتُ عازمًا منذ وقتٍ طويلٍ على ترك الخدمة العسكريَّة يومًا ما…فما الفائدة من أمضي بضع سنواتٍ أخرى، دونَ أيِّ هدفٍ، حياةً لا أجد فيها أيَّ فائدة”.

وأخذ فُوكُّو يبحث عن نشاطٍ آخر يُشبع به حماسته “للحَرَكَة“، فوقع على مهمةٍ أخرى، لصالح الجيش الفرنسي، لكن هذه المرة ليس كضابطٍ، بل كمكتشفٍ ورَحَّالٍ، وليس كجندي محارب باللباس العسكري، بل في مُهمة استكشافيَّة هادئة (تَجَسُّسِيَّة). ومن أجل تحقيق أغراض هذه لرحلة، تنكَّر في شخصيَّةِ يهوديٍّ فلبس زي يهود المغرب ليطوف في خفية وسريَّة في مدنها ومناطقها، وأخذ يجمع في صمت المعلومات الجغرافيَّة والديمغرافيَّة المتعلقة بها، وقد كان اهتمامه الأولي مُنصَبًّا على المدن والقُرى والبلدات المجهولة التي لم تزرها الرحلات الاستكشافيَّة الأوروبيَّة من قبلُ، من أجل التَّعَرُّف عليها ورسم خرائط لها. وقد عَثَرَ فُوكُّو على “الفائدة” التي كان يرجوها من حياته، حيث يقول الأب انطوان شاتلار: لقد عَثّرَ فُوكُّو على “مشروعٍ يقوده نحو الغرب، أي نحو المغرب (مراكش)، أي نحو الغرب الأقصى بالنسبة إلى العالَمِ العربيِّ، إنَّه أوَّل تغيير في التوجيه. ولماذا يرغب في السفر إلى مراكش؟ هل لأنَّ البلاد تبدو له مثل البلاد الوحيدة التي لم يتم استكشافها حقًا؟ وهنا نَتَعَرَّف إلى رَغْبَتِهِ في أن يعمل ما لم يقم بهِ الآخرون أو ما لم يستطيعوا القيام به”. وهكذا، تَتَكَلَّلُ مجهوداته طوال أحد عشر شهرًا أقامها في المغرب، متنقلاً ومتخفيًا في زي يهوديٍّ، بدراسةٍ جغرافيَّة ودينيَّة واجتماعيَّة عن المغرب، رَسَمَ فيها الخرائط عن مدنها وقُراها المجهولة، وحَصَلَ بذلك على ميداليَّة ذهبيَّة من الجمعيَّة الجُغرافيَّة في باريس في 24 أبريل 1885م، ونال استحسان الجمعيَّة وثناءها. وصَدَرَ الكتاب باللغة الفرنسيَّة، بعنوان: (Reconnaissance au Maroc, 1883-1884)، وتُرجِمَ إلى اللغة العربيَّة تحت عنوان: (التَّعَرُّفُ عَلى المَغْرِب: 1883-1884)، في جُزئين، جزء للتقرير، وجزء للخرائط والرسومات، ترجمه إلى العربيَّة المختار بلعربي، ونشر بإشرافه الجمعيَّة المغربيَّة للتأليف والترجمة والنشر، عام 1999م.

لكنَّ الأمر المهم في حياة فُوكُّو بعد عيشه لأشهرٍ في المغرب بين المسلمين، أنَّه هناك تأثر كثيرًا بعبادةِ المسلمينَ وحُسْنِها وإخلاصهم وخشوعهم في الصلاة، مما كان له أثره العميق في إحساسه بالحاجة إلى الإيمان والعودة إلى الدين، واكتشف روحه لأول مرة في الإسلام. فقد كَادَت هذه الرحلة الاستكشافيَّة إلى المغرب -التي خَالَطَ فيها فُوكُّو المسلمين وسمعهم وشاهدهم كما هُم على حقيقتهم وبساطتهم- أن تكون نُقْطةَ تَحَوُّلٍ رئيسةً في حياته، وتَغْييرًا جَذْرِيًّا في فكره وأخلاقيَّاته وسلوكه، حيث وَجَدَ بداخله انجِذَابًا قويًّا نحو الإسلام، وإعْجَابًا بسلوكيَّاتِ المسلمين الطَّيبة، ولو قُدِّرَ له ذلك فلربما نَجَحَ في تغيير حياته وأخلاقه بصورةٍ جَذْريَّةٍ ومُخْتَلِفة تمامًا، وربما كان من الممكن أن يُصبِحَ شارل دو فُوكُّو مخلوقًا آخر.

لقد عاش شارل دي فُوكُّو في وسط أسرةٍ مسيحيَّة متدينة وملتزمة، وكان يتعلم فيها منذ صغره قراءة الكتاب المُقَدَّس ودراسته، لكنَّ عقله كان ينفر كل مرة من المسيحيَّة بسبب مُنافات عقائدها تمامًا للعقل البشري، كما يقول هو بنفسه. وبسبب كُفْرِهِ بالدين، الذي لم يعرفه إلا من خلال الصيغة المسيحيَّة، فقد أَلْحَدَ، وعاش حياةً مُنْحَلَّةً وفاسدةً، إلى درجةٍ وَصَفَ فيها نفسه بأنَّه قد صار “خنـزيرًا“، كما سبق الإشارة إليه. لكنَّ هذا الإلحاد وهذا الانحلال وكره الدين تَعَرَّضَ إلى صدمةٍ عنيفةٍ جدًّا حينما تَعَرَّف إلى الدين الإسلامي، وخَالَطَ المسلمين، خصوصًا في المغرب حين كان مُتَخَفِّيًا بينهم بِزيِّ يهوديٍّ، وتأثر كثيرًا بطيبة أخلاق المسلمين، وحُسنِ عبادتهم، وصِدْقِ توجههم إلى الله، إلى درجة أنَّه كاد أن يعتنق الإسلام، لَمَّا رأى في الإسلام ما كانت روحه تحتاج إليه وكان عقله يَطمئنُّ به. يقول عنه الأب انطوان شاتلار: “إنَّ اللقاء بغير المؤمنين [=يقصد المسلمين] كان له الدور الحاسم، وسيقول عنهم إنَّهم أُناسٌ كانوا يعيشون (في حضور الله المستمر)، أُناسٌ ارتبط معهم بصداقةٍ. ألم يفتحه هذا كله لبُعدٍ آخر؟”. ويقول شارل دي فُوكُّو نفسه، في رسالة كَتَبَها إلى صديقه هنري دي كاستري في 8 يوليو 1901م: “لقد وَلَّدَ الإسلام فيَّ انقلابًا عميقًا، إنَّ هذا الإيمان وهذه النفوس التي تعيش باستمرار في حضرةِ الله جعلتني أرى أنَّ هناك شيئًا أعظم وأَحقَّ من الاهتمامات الدنيويَّة الباطلة”. ويقول الأب ميشال ليلون: “مرَّ [=فُوكُّو] بلقاء الإسلام، هذا الإسلام الذي أَحْدَثَ في نفسه، حسب قوله: (انقلابًا عميقًا)”. ويقول الضابط في الجيش الفرنسي، الذي كان مسؤولاً عن شارل دي فُوكُّو في الجزائر، الجنرال فرانسوا هنري لابيرين: “كان العرب [=المسلمين] قد أثَّروا فيه تأثيرًا عميقًا”. ويقول المستشرق الجغرافي والبروفيسور في جامعة الجزائر إميل فيليكس غوتييه (1864م-1974م)، الذي كان يعرف فُوكُّو شخصيًا في الجزائر منذ عام 1905م، وخَصَّصَ كتابًا عنه: “خَرَجَ منها [=رحلته في المغرب] وهو مشبَعٌ بالمشاعر الإسلاميَّة. قيل إنَّه ذَهَبَ إلى حدٍّ بعيدٍ جدًّا حتى إنَّه جابَه بعض الوقت اهتداءً إلى الإسلام. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الحالة ليست وحيدةً، وحينما يعيش الإنسان بين المسلمين، يعلم ما للإسلام من الجاذبيَّة، في حياتنا المضطربة، المتحضرة حضارة راقية، حينما نلقي نظرة عابرة على الطمأنينة الكبيرة التي يوليها الإسلام، أتخيَّل أننا جميعًا يُصيبنا نوعٌ من الحنين…ولقد أوشك هذا الإحساس أن يقود المستكشف الشاب [=فُوكُّو] إلى العِمَامة [=اعتناق الإسلام]. وهذا ما قيل لي وما صَدَّقتُه…[لكنَّ] الكاهن هوفلان هو الذي غَيَّرَ دي فُوكُّو، ومن الموعوظ المسلم جعله راهبًا…إنَّ الأمر قد أُكَّدَ لي من مصدرٍ موثوقٍ به”.

ولهذا، حين رَأَتْهُ بنت عمته ماري دي بوندي يبحث عن الحقَّ في تلك الفترة في الإسلام؛ خشيت أن يختار الإسلام دينًا له بدلاً عن المسيحيَّة، فتوجهت مباشرة إلى قسيس العائلة الأب هنري هوفلان، الذي تدخل مُسْرِعًا لاحتوائه. ويؤكد القس إدوين روبرتسون (2007م)، وهو مختص بسيرة فُوكُّو، أنَّ فُوكُّو بالفعل مرَّ بتجربته جريئة ومؤثرة في المغرب، وأنَّ الذي “أعاده إلى الإيمان الكاثوليكي هو تأثير الأب هوفلان“. وهكذا نَجَح الأب هوفلان في أن يقف في طريق توجهه شارل دي فُوكُّو إلى الإسلام، ليَعُودَ به إلى إيمان عائلته ومُحيطِهِ الذي يعرفه وولد فيه ونشأ عليه، والذي سبق أن رفضه بحجَّةِ منافاته للعقل، فصَرَفَهُ عن الإسلام ووجَّهَ شغفه بالدين وعطشه الروحي إلى الكاثوليكيَّة، ومنذ تلك اللحظة سيصبح الأب هنري هوفلان مُشرف فُوكُّو الديني ومرشده الإيماني. يقول فُوكُّو: “توجهتُ لذلك إلى كاهنٍ مُثَقَّفٍ كنتُ أعرفه قليلاً لأنَّي قد رأيتُهُ عند عمتي. وهذا الكاهن هو الأب هوفلان…فصارت لي قناعة عن حقيقة الديانة الكاثوليكيَّة. ومذ ذاك أصبح الأب هوفلان مثل أبٍ لي، وعشت عيشة مسيحيَّة”. يقول المونسنيور جوزيف ميشيل فريديريك بونيه (1923م)، أُسْقُف أبرشية فيفييه بجنوب فرنسا: “إنَّ الأب دي فُوكُّو ضابطٌ قديمٌ وبارزٌ، قَطَعَ مهنته لكي يعطي ذاته الله تمامًا في الكهنوت، وقد جعلته يرتسم كاهنًا”.

وهكذا، فإنَّ التَّغَيُّر الإيجابي الذي كان مُحْتَمَلاً جدًا في حياته بعد عودته من المغرب، تم احتواؤه “بفطنة” ونجاحٍ من قِبَلِ أَحَدِ رِجالِ الدِّينِ الكاثوليك، والذي نَجَحَ في توجيه نشاطهِ وحماسهِ وحاجتهِ إلى الإيمان والدين -والذي حَرَّكَهُ في أعماقِ قَلْبِهِ في الأساس هو الإسلامُ- إلى وجْهَةٍ أخرى مُنَاقِضَةٍ، تَخْدُم أهدافَ وتَطَلُّعَاتِ الكنيسة الكاثوليكيَّة. وهكذا تم حرف فُوكُّو منذ بداية الطريق الصحيح، وحول شغفه بالإيمان إلى التزامٍ صارمٍ بالديانة المسيحيَّة، وهكذا ظَلَّ بعدها طوال حياته يسير في الطريق نفسه السابق الذي سار عليه أيام الجُنْديَّة والتي نَذَرَ حياته كلها من أجله، فالذي تَغَيَّرَ لدى فُوكُّو المظاهر الخارجيَّة فقط، لكنَّه الآن بدل لباسه بدلة الضَّابِطِ أصبح يحمل على كَتِفَيه مُسُوحَ الرُّهْبَان الكاثوليك. ومنذ اللحظة الأولى التي قَرَّرَ فيها شارل دي فُوكُّو العمل ككاهنٍ كاثوليكيٍّ رَسُوليٍّ بين المسلمين في الجزائر، وهو لم ينفك لحظةً واحدةً حتى موته من التنسيق الدائم والمستمر في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ مع فريق مكون من ثلاث شخصيَّاتٍ رئيسة، على الأقل، لها صلة بالعمل الرِّسُوليِّ والاستعماريِّ في الجزائر، سواء كانت متصلة بالعمل التبشيري مُباشرةً في إفريقيا، أو كانت تعمل بصورةٍ غير مُباشرةٍ في تذليل الصعوبات له من خلال الخِدْمَة في جيش الاحتلال الفرنسي في الجزائر. وهذه الشخصيات الثلاث هي: الجنرال فرانسوا هنري لابيرين، ومُرشده الروحيِّ ومُشرفه الديني الأب هنري هوفلان، والنائب الرَّسُوليُّ في غرداية بالجزائر الأب المُونْسِنْيُور شارل غيران.

وهكذا، بَقِيَ النَّفَسُ الاستِعْمَارِيُّ النَّشِطُ مُلَازِمًا لِلضَّابِطِ فُوكُّو بعد أن صار كاهنًا مُتَنَسِّكَاً وزَاهِدًا، ولم يُفارقه لحظةً واحدةً. يقول الباحث الغربي المعاصر جون جوزيف هنري روسيتي: “ظَلَّ شارل دي فُوكُّو مؤيدًا للاستعمار إمبرياليًّا ملتزمًا حتى نهاية حياته…وكان يعتقد غالبًا أنَّ مصالحه الخاصَّة تتوافق مع مصالح الإمبرياليين الفرنسيين، وتحديداً مع السُّلطات العسكريَّة التي تدير المناطق الواقعة في الصحراء المحتلة من قبل الفرنسيين”. وتقول الباحثة أريانا بتي، المتخصصة في الدراسات الدينيَّة وفي شارل دي فُوكُّو، عن طبيعة مهمته: “بدأ شارل دي فُوكُّو رحلته إلى جنوب الجزائر، بناءً على طَلَبٍ وبدعمٍ من الجيش الفرنسي والآباء البيض…كان دي فُوكُّو يخدم الجنود الفرنسيين عند الحاجة، وكان يدين بقدرته على دخول جنوب الجزائر إلى صداقته مع القائد لابيرين…[لقد] وافق دي فُوكُّو على طموحات فرنسا الاستعماريَّة”.

لقد تَحَوَّل فُوكُّو إلى كاهنٍ مسيحيٍّ، وتَفَرَّغَ من أجل العَمَل التنصيري بين المسلمين، وخصوصًا الطوارق في الصحراء الجزائريَّة لمدة خمسة عشر عامًا تحت سلطة وتوجيه الاحتلال الفرنسي، وروح الجندي المقاتل السابقة لم تغادرة لحظة واحدة. ولهذا، فإنَّه طوال مدة إقامته هناك، لم تنقطع مراسلاته وصلاته وروابطه بالجيش الفرنسي وتعاونه معهم، وذلك بإمدادهم بما يحتاجون إليه من المعلومات عن الأوضاع السياسيَّة والاجتماعيَّة بين المسلمين الذين يسكن بينهم، وليكون حلقة وصل سريَّة ينقل التوجيهات العسكريَّة بين كتائب الجيش الفرنسي، وليحول صومعته إلى مخزنٍ سري لسلاح جيشي الاحتلال الفرنسي، لينتهي به المطاف إلى أن يقُتَلَ بالخطأ على يد أحد الطوارق سنة 1916م.

لقد تَمَيَّزَ مشروع فُوكُّو بمنهجية تنصير المسلمين “بالطرق الخفيَّة” وليست المعلنة المُبَاشِرَة، عن طريق التواصل واللقاء المباشر مع المسلمين، وذلك من خلال العيش معهم، والحديث إليهم. فالمسلمون “أناس يجب الذهاب إليهم، والتنقل للالتحاق بهم، وأن يجعل ذاته قريبًا منهم، والدخول في احتكاك معهم، وعقد علاقات متينة معهم”. وكان فُوكُّو يُسمي المسلمين في المغرب والجزائر بأنَّهم النفوس المرضية، والخراف المهملة، والعرج والعميان، والمرضى الذي يعيشون في الظلمات، ويكتب لمرجعة الديني في الكنيسة الكاثوليكيَّة عن أهميَّة وجوده هناك، والعمل على هؤلاء النَّاس، وقد حصل على الموافقة من قِبَلِ القاصد الرسولي، وهو النائب عن بابا الفاتيكان، وهو بمرتبة أُسقُف. ولهذا الغرض، قام بترجمة الإنجيل إلى لغة القبائل التي يعيش بينها، وعمل مُعجمًا بالفرنسيَّة عن لغتهم لصالح جيش الاحتلال الفرنسي، وأخذ يتحين الفرص بذكاءٍ و”فِطْنَةٍ” لتنصير المسلمين بصمت وهدوء وبصورةٍ غير فجةٍ كي ينتبهوا لأغراضه ومراميه ومن أجل ألا ينفروا منه، وكان يكتب تقارير متواصلة بمشروعه هذا، وفي رسائله كان يؤكد بأنَّه يحلم بتنصير جماهير شمال إفريقيا.

ويطلب شارل دي فُوكُّو المزيد من الدعم من الكنيسة، فيكتب في 22 أغسطس من عام 1901م، رسالة إلى المونسنيور شارل غيران، رئيس النيابة الرسوليَّة، يبين له فيها أنه لن يكون هناك فقط لأجل “هداية” المسلمين، “الذين يعوزهم كل شيءٍ، بما أن يسوع ينقصهم”، بل سيقيم مشروعه من أجل الصلاة على جنود الاحتلال الفرنسيين الذي يقتلون، لأنَّ “ذكرى رفاقنا الذين ماتوا بدون أسرار وبدون كاهن قبل عشرين سنة، في حملاتهم، ضد أبو عمامة، وقد شاركتُ فيها”، تُحزن فُوكُّو الذي يريد أن يكون هناك من أجلهم. ولهذا، كان ضُبَّاط جيش الاحتلال الفرنسي يستقبلونه ويستضيفونه، ويقومون بتسهيل إقامته في أيِّ مكانٍ يريده، وحمايته في سائر تنقلاته في الجزائر وغيرها.

وفي رسالة بعث بها دي فُوكُّو سنة 1902م إلى صديقه المستكشف والمستشرق الفرنسي هنري دي كاستري، قال فيها: “إنَّ إيماني لا يتزعزع بإمكانية حُكمِ المسيح لهذه الأماكن [=بلاد المسلمين]، أتمنى [حصول ذلك] من كل قلبي لأجل هؤلاء المسلمين، ولهؤلاء العرب، ولهؤلاء الكُفَّار من كل عرق”. وكَتَبَ فُوكُّو بحماسٍ كبيرٍ إلى الأب المونسنيور شارل غيران، رسالةً في 27 فبراير 1902م، يقول فيها له: “إنِّي مستعدٌّ من أجل نشرِ الإنجيلِ للذَّهابِ إلى أقاصي المسكونة [=الأرض]”.  لقد كان شارل دي فُوكُّو مُتَحَمِّسًا لرؤية المسلمين “مُنَصَّرِين، وقد أعيدوا إلى المسيح”، كان يريد أن تَتَحرَّك فرنسا بِكُلِّ المسيحيين الذين فيها “من أجل هذه القضية المقدَّسة”.

وفي 18 يونيو 1903م، بعد أن تم إقناع فُوكُّو من قبل قيادة الجيش الفرنسي بالانتقال إلى قبائل الطوارق للعيش بينهم، كَتَبَ في كُرَّاسَتِهِ الخاصَّة رسالةً، أراد أن يُرسلها إلى البابا، يُبَيِّنُ فيها أوَّل خطوةٍ في مَشْرُوعِهِ بين قبائل الطوارق المسلمة، جاء فيها: “يبدو لنا أنَّ ثمة مجالاً لكي نبدأ إنجيلاً صغيرًا جديرًا بأن يُتَرْجَمَ ويُطبع بالعربيَّة ولا سيَّمَا بلغة الطوارق، وسنبدأ اليوم هذا العمل”.

وفي 29 يونيو 1903م، كَتَبَ فُوكُّو إلى الأب المونسنيور شارل غيران، يستحثه من أجل التعجيل بالإذن له لانتقاله إلى قبائل الطوارق، وممَّا قاله في تلك الرسالة: “إنِّي أشتاقُ بكلِّ بساطةٍ ووضوحٍ إلى الذهاب عند الطوارق، وأبدأ بالتبشير بالإنجيل بينهم، وأن أَسْكُنَ عندهم وأَتَعَلَّمَ لغتهم، وأن أُتَرْجِمَ الإنجيلَ المُقَدَّسِ، وأن أَعْقِدَ علاقاتِ صداقةٍ أكثر ما أمكن معهم وأن أتحدَّثَ طُوَالَ الطَّرِيقَ إلى السُّكَّان المحليين”. وكَتَبَ فُوكُّو من جَدِيدٍ رسالةً، وهي الخامس، في 25 يوليو 1903م إليه، يطلب موافقته وإذنه لبدء مشروعه بين الطوارق، ويقول له محاولاً إقناعه: “إنَّ العلاقات بِسُكَّان البلاد [=الجزائر] سَتُثَقْفُنِي وتُولِينِي المزيدَ من الخبرةِ والأمانِ من ناحية الرِّسَالِةِ والتبشير، وألا يُترك هذا البلد الكبير مُهْمَلاً لننتظر بأن تُفتَحَ أبوابٌ في مكانٍ آخر”. وأمام إلحاح فُوكُّو لم يكن أمام غيران إلا الاقتناع بوجهة نظره ومشروعه، ولهذا يُرسل إلى فُوكُّو رسالةً مؤرخة في 19 أغسطس 1903م، يُخبره فيها بموافقته، كمُدَبِّرٍ رَسُوليٍّ.

وفي 10 يونيو 1903م، كَتَبَ فُوكُّو رسالة إلى مُرشِدِهِ الروحي الأب هوفلان يبين له طبيعة طريقته في التنصير: “قوامها حياة خفيَّة وصامتة”. وفي 13 ديسمبر كَتَبَ فُوكُّو رسالة له أيضًا، يُعبر فيها عن حماسه في تَحَقُّقِ مشروعه في تنصير المسلمين، فيقول فيها: “عليَّ الذهاب إليها [=مناطق الطوارق] وأن أؤسِّسَ موطئ قدم [لكي] أرى الصليب والقلب الأقدس للمسلمين، وأن أُكَلِّمَهم قليلاً عن ديانتنا المُقَدَّسَة“.

ويستَبْشِر الجنرال لابيرين ببداية المرحلة الأولى لمشروع فُوكُّو، ففي 19 فبراير 1904م، كَتَبَ تقريرًا مُهِمَّاً، إلى أحد قادة الجيش الفرنسي، يُبّيِّن فيه عدة نُقاطٍ مُلْفِتَةٍ للانتباه، ومنها طبيعة العمل المطلوب من فُوكُّو، حيث يقول في ذلك التقرير: “دي فُوكُّو بصحة جيدةٍ، وهو يشتغل بثباتٍ في اللغةِ الطوارقيَّة…حيث سيسكن في البيتِ المصَاَدِرِ من رئيس طوارق طايتوق، لكي يَدْرُسَ اللغة الطوارقيَّة، وإذا رأيتُهُ مُتَفاهمًا مع الطوارق، سأتركه…أحلُمُ في إقامته أوَّل خُورِيٍّ [=قِسِّيس] للهوجَّار…وربما رئيسَ قريةٍ…[وهو] يفهم حسنًا أنَّ كل حُلُمٍ يجب أن تسبقه معرفة اللغة. العربيَّةُ هي العَدُوُ التقليديُّ، وأنا مُتأكدٌ أنَّه سيجد وقتًا لكي يقوم بدراسةٍ مُهِمَّةٍ جدًا للبلاد وللإنسان (للطوارق)…لكنِّي أُفَضِّلُ أن يكون بعيدًا عَنَّا، وأن يَعْتَادَ النَّاسُ رؤيتَهُ غير مُحاطٍ بسلاحٍ“.

وشَرَعَ فُوكُّو في كتابة مُعْجمٍ للغة الطوارق من أجل خدمة الجيشِ الفرنسيِّ ورجالِ الإرساليَّاتِ، فهو يقول في رسالةٍ كتبها إلى مَرْجِعِهِ الرِّسُاليِّ الأب غيران في 13 يوليو 1905م: “إنِّي أُعِدُّ مُعْجَمًا صغيرًا وقواعدَ صغيرة للغة الطوارقيَّة للرِّفَاق، وللذين سيحتاجون إلى ذلك..لكي أُهِيِّئ أكثر ما أمكن الطريق للفَعَلَةِ [=المنصرين] الذين سيتبعونني…إنَّهم يقبلونني [=أي الطوارق]…يجب أن نُبقي هذا الباب مفتوحًا إلى أن يدخل آخرون، وإنَّه يجب عَقْدُ صَداقةٍ وخَلْقُ ثِقَةٍ، وإعطاءُ انطباعٍ جيِّدٍ، وإعدادُ الأرضِ إلى أن يتسنى للفَعَلَةِ [=المنصرين] أن يدخلوا إلى الحَقْلِ“.

وقد قُوبِلَ فُوكُّو بترحابٍ كبيرٍ وحُسْنِ نِيَّةٍ واسعةٍ من زعيم القبيلة الطوارقيَّة التي في منطقة الهُوجَّار، واسمه موسى أغ أماستان، وأطلقوا على فُوكُّو لِحُسْنِ نَوَايَاهُم وطِيْبَةِ قُلُوبِهِم اسم (المرابط) استنادًا إلى يعرفونهم من ثقافتهم، وإن كان بعض زعماء الطوارق الذين يَتَحَلَّونَ بالحكمة والبصيرة وبُعد النظر، مثل داغ غالي، لم يرتاحوا لفُوكُّو وتوجَّسوا منه ومن أهدافه ومُخَطَّطَاتِهِ ومشروعه القادم في ديارهم وعلاقته بجيش الاحتلال الفرنسي. إلا أنَّ فُوكُّو بمساعدة موسى له، نَجَحَ في الإقامة بينهم وبناء مؤسَّستِهِ وكنيسته، ومع الأيام استقبله السُّكَّانُ هناك استقبالاً جيِّدًا، وبِوِدٍّ –كما يقول فُوكُّو نفسه- أكثر مما كان يرجوه، وفَسَّرَ ذلك بأنَّه بِسَبَبِ الثَّقَةِ التي بَدَأَتْ تَنْشَأُ بينهم، ليبقى بينهم إحدى عشرة سنة، يعمل بجدٍ واجتهادٍ من أجل “خلاص المسلمين”.

وفي 4 أكتوبر 1905م، كَتَبَ فُوكُّو رسالةً موجهة إلى أخته ماري دي بليك، جاء فيها: “المسيحيَّة لن تخترق المسلمين إلا بعد أن يُحرِزَ تعليمنا ودراساتنا تقدمًا”. وفي رسالةٍ من فُوكُّو إلى بنت عمته ماري دي بوندي، في 16 ديسمبر 1905م، شَرَحَ لها مَنْهَجَهُ الذي سَيَعْتَمِدُ عليه في مَشْرُوعِهِ بين المسلمين طُوال السَّنوات التي سيمكثها بينهم، حيث قال: “يتوجَّبُ علينا ألا نكلِّمهم مباشرةً عن الربِّ يسوع لأنَّهم سيلوذون بالفِرَارِ، بل علينا أن نُنَمِّيَ الثِّقَةَ بينهم وبيننا ونُقَدِّمَ لهم الخدمات الصغيرة، أن نوطِّدَ الصَّداقَةَ معهم ونحثهم على ممارسة الدين بصورةٍ عامَّةٍ“. وفي 24 يونيو 1907م، كَتَبَ رسالةً إلى أخته ماري دي بليك يقول فيها: “أرجوكم صلوا من أجل الطوارق المساكين، فنحن سعداء للغاية؛ لأنَّ لدينا الحقيقة، الطريق إلى الجنَّة، معرفة يسوع ومحبته…وهؤلاء الطوارق، وهؤلاء الجزائريون هم أبناء فرنسا، لأنَّهم رعاياها (her subjects). ويجب على مسيحيي فرنسا تنصيرهم“.

وفي رسالة غاية في الأهميَّة، بَعَثَ بها إلى المونسنيور جوزيف أَوَرْز، يشرح فُوكُّو المنهجيَّة الأمثل والأفضل والأسهل في تنصير المسلمين ضمن أهداف مشروعه الكلي، حيث يقول فُوكُّو فيها: “إنَّ المتدينين الكاثوليك مدعوون لِلَعِب ِالدِّورِ الأكبرِ في تنصير المُحَمَّدِيَّة، ولا أحد أفضل منهم يستطيع أن يجعل من أنفسهم محبوبين لهم، وإلهام الثِّقَةِ وجَذْبِ الامتنانِ. ولا أحد مثلهم يمكن أن يَصِلَ إلى المرأة المسلمة، وهي نِصْفُ السُّكَّانِ، وهي التي تربي الأبناء على الثقة بالكاثوليك أو على التعَصُّب ضِدَّهُم، فالمرأة هي راعيةٌ للتعصب ضِدَّنا إذا لم نَهْتَمَّ بها، وهي أفضلُ وسيلة لنا إذا أظهرنا لها الحقيقة“.

وفي 9 ديسمبر 1907م، كَتَبَ إلى زوج أخته ريموند دي بليك، رسالةً يقول فيها: “إنَّ وجودي وسط الكُفَّارِ من أجل أن أجعل المسيحيين، وعلى وجه الخصوص القساوسة، مألوفين لديهم، وبذلك يُتَغَلَّبُ على التعصب، ويروضهم ويمنحهم الثقة…أنني وحدي بين المتوحشين!”.

وفي عام 1908م، وَضَعَ فُوكُّو نِظَامِ الجمعيَّة التي أسَّسَها تحت اسم (الاتحاد الاستعماري الكاثوليكي Catholic Colonial Union)، غرضها الرئيس تنصير الشعوب الواقعة تحت الاستعمار الفرنسي، حيث يقول عن مُهِمَّةِ هذِهِ الجمعيَّة في عام 1914م: “لقد زاد الله من الإمبراطورية الفرنسيَّة الاستعماريَّة في القرن العشرين، إلى درجة أنَّ المستعمرات الفرنسيَّة، التي بلغ عددُهم ثلاثةَ ملايين كافرٍ في عام 1880م، وبلغ عددُهم خمسةَ عشرَ مليونًا بحلول عام 1914م. وعلى الدولة الأم [=فرنسا] أن تفعل كل ما في وسعها لتبشير هؤلاء الأبناء الذين وَهَبَهُمُ اللهُ لها. إنَّ أصل هذه الأخويَّة [=الجمعيَّة] هو حاجة الكاثوليك الفرنسيين إلى الاتحاد من أجل أداء هذا الواجب”.

لكن، خلال السنوات الطويلة التي مَكَثَها فُوكُّو في بين الطوارق، سيُعاني في نهاية المطاف من الفشل الذريع لمشروعه (التبشير بالمسيحيَّة بين البدو)، وهذا الفشل والإخفاق في المهمة التي نَذَرَ لها نفسه ودعمته المؤسسة البابويَّة من أجل تحقيقها وتنتظر منه النتائج، ستجعله يتغير من شخصٍ يتصنَّع الهدوء والظهور أمام المسلمين البدو بالشخصيَّة المحبة لهم، والودودة معهم، والمسالمة التي تلتحف بمسوح المسْكَنَة والضَّعَة، إلى شخصٍ موتورٍ، ومتوترٍ محتدٍ، ومحبطٍ مكتئب. يقول إيميل فيليكس غوتييه: “طوال خمس عشرة سنة أمضاها في الصحراء، لم يُجْرِ اهتداءً واحدًا”. وكذلك ما يقوله عنه الأب انطوان شاتلار: “ذهبت الجهود التي بذلها أدراج الرياح لجعل نفسه قريبًا من النَّاس”، ولهذا، فإنَّه “يموت قبل أن يُكْتَبَ هذا المشروع؟ لقد انتهى إلى العَجْزِ الكُليِّ، ولا يسعه إلا أن يُشاهدَ فَشَلَ عَمَلِهِ، وحتى حياته”.

وبسبب هذا الفشل والإحباط، أخذ يبحث عن بدائل أخرى لتغيير الطوارق غير فكرة مشروعه الخفي الصامت، فوجد أنَّ أفضل وسيلة هي تحريض فرنسا الدولة العَلمانيَّة والجيش الفرنسي على المسلمين، ودعوة المسيحيين واللادينيين الفرنسيين لمواجهة الإسلام. وفي فترة الأخيرة من حياته يتملكه الإحساس بالفشل والخيبة ويسيطر عليه القلق والاضطراب والاكتئاب الشديد، وتطغى عليه الكراهية والبغضاء، فيلجأ إلى بناءٍ حصنٍ له برجٌ، سيكون مَخْزَنًا للسِّلاح، تستخدمه الثُّكْنَةُ الفرنسيَّة المجاورة عند الحاجة إليها لقتال المسلمين.

لقد كان شارل دي فُوكُّو كثيرًا ما يَصِفُ المسلمين بـ”الكُفَّار“، ويقرنهم بالوثنيين، ويُعلن أنَّ غَرَضَهُ من الذَّهَابِ إلى شمالِ إفريقياِ هو: “تطهير الكُفَّار“، وكان يصرح أنَّ الإسلام ليس عدوه فقط بل عدو أوروبا، سواء أوروبا المسيحيَّة وأوروبا اللادينيَّة. ولهذا، كان يكره الإسلام كراهيَّة شديدة ويتمنى زوال هذا الدين، ويبغض المسلمين، مهما كانوا طيبين معه، ويحرض عليهم، ويحلم في التَّخَلُّص منهم. فعلى سبيل المثال: مع الطيبة الكبيرة لزعيم الطوارق موسى أغ أماستان مع شارل دي فُوكُّو خصوصًا، وعلاقته الوديَّة أيضًا مع الجيش الفرنسي، ومع ما قَدَّمه شخصيًّا لفُوكُّو من خدمات كبيرة وحمايةٍ، واستقبالٍ حارٍّ في بلاده، ومساعدته في بناء مؤسَّسَتِهِ ومكان عبادته (صومعته)، وإقناعِ قبيلته بوجوده وقبوله بينهم، إلا أنَّ كلَّ ذلك لم يشفع لهذا المسلم ’المتسامح والمتساهل‘ عند الراهب الكاثوليكي فُوكُّو، حيث سخط منه وغضب عليه، فقط بسبب أنَّ موسى أغ أماستان كان يرغب في بناء مسجدٍ أيضًا في منطقة قبيلته، ويريد تعليم أطفال القبيلة اللغة العربيَّة والقرآن. فماذا يفعل ’رائد حوار الأديان‘ و’الأخ الكونيفُوكُّو تجاه هذه القضية؟ إنَّه ينوي التَّوجُّه إلى السلطات الفرنسيَّة العلمانيَّة ليحرضها ضد هؤلاء البدو الضعفاء بسبب جريمتهم تلك! ففي نَص غاية في الأهميَّة، يقول فيه الأب انطوان شاتلار: “وبغيرةٍ دينيَّةٍ ملحوظةٍ، ينوي [موسى] تغيير هذه القرية إلى بلدة إسلاميَّة حقيقيَّة. وفي سبيل ذلك يستقدم من توات [=مدينة بولاية أدرار] معلمين يعلمون القرآن واللغة العربيَّة، وفي نظرة المرابط [=لقب فُوكُّو] ينشر هؤلاء النَّاس بين السُّكَّان روحًا شريرةً ضد كل ما هو فرنسي ومسيحي، وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ موسى شَرَعَ يجمع الأموال في سبيل تشييد جامعٍ وزاويةٍ. فيُضْحِي الهَمُّ في خلاص البشر [=تنصير المسلمين] غُصَّةً حقيقيَّةً، فهو يرى روح الشَّرِ [=تعليم القرآن الكريم] يُناضل ضده ويُعاكس عمله. إنَّه يتذكر فكرة جاءته أثناء رياضته [الروحيَّة] الأخيرة في شهر أيلول: بما أنَّ الكهنة والرهبان لا يستجيبون لنداءاته وصلواته، ألا يترتب عليه أن يُوجِّه النداء إلى العَلمانيين وأن يُثير حركةً في الرأيِّ لكي يعي المسيحيون بواجبهم تجاه الشعوب التي استعمروها؟ وفَكَّرَ في الحثِّ على وضعِ كتابٍ في هذا الشأن”.

وحين شعر شارل دي فُوكُّو باليأس تجاه إمكانية تنصير المسلمين بالمخادعة عن طريق الحوار والفطنة والطرق الخفيَّة الملتوية، لجأ إلى آخر وسيلة لديه، وهي تفعيل دور العنف والقوة لتنصيرهم، ووجد أن التحريض والتخويف من المسلمين سيكون سلاحًا فَعَّلاً في هذا السبيل. فأخذ يُرْهِب المؤمنين المسيحيين والسياسيين اللادينيين بخطر الإسلام وخطورة المسلمين على مصالحهم الدينيَّة ومكاسبهم الدنيويَّة. ففي رسالة له بَعَثَ بها إلى صديقه الدوق فيتس جيمس، في سنة 1912م، ونُشِرَت لاحقًا في جريدة اللوموند الفرنسية، في 17 مايو 1956م، وكذلك في رسالة أخرى مشابهة لهذا المعنى قام شارل دي فُوكُّو بإرسالها إلى الأديب الفرنسي رينيه فرانسوا نيكولا ماري بازين (1932م)، في 29 يوليو 1916م، أي قبل موته بحوالي أربعة أشهرٍ فقط، يقول فيها: “إنني أعتقد بأنَّه إذا لم نستطع تحويل المسلمين بالتدريج عن دينهم وحملهم على اعتناق المسيحيَّة، فإنَّ النتيجة الحتميَّة هي تَكَوُّن روحٍ قوميَّةٍ جديدةٍ تؤدي إلى طردنا من الإمبراطوريَّة الاستعماريَّة في شمالِ إفريقيا. إنَّ الروح الوطنيَّة، العربيَّة والبربريَّة، سوف تنمو في صفوف الطَّبَقَةِ المُثَقَّفَةِ التي ستستعمل الإسلام كسلاحٍ فَعَّالٍ لإثارةِ الجماهيرِ الجاهلة، في إمبراطوريتنا…إنَّ السبيل الوحيد لضمان عدم طردنا من هذه الإمبراطورية، هو أن نجعل مكان البلاد فرنسيين، والسبيل الوحيد لذلك هو جعلهم مسيحيين“. وهكذا، كما يؤكد القس إدوين روبرتسون، فإنَّ “كان يؤمن بأنَّ على العَلمانيين أن يضطلعوا بدورٍ أكبر في نشر الإنجيل”.

وحين سَأَلَهُ، في مناسبات مُتَعَدِّدةٍ، ضَابِطُ الصَّفِ غاي درفيل: “هل تعتقد حقًا أنَّه من الممكن تنصير المسلمين؟”، أجابه بأنَّ الحكومة العَلمانيَّة الفرنسيَّة لا تقوم بما فيه الكفاية ويجب عليها تجاه تنصير المسلمين، وأنَّها لا تُشَجِّعُ جهود الكاثوليك كما ينبغي. ثم قال له فُوكُّو: “ينبغي أن أقول إنَّ الإسلام هو عدوُّنا، وأننا -نحن الأوروبيين- سنظل دومًا محتقرين في نظره“. وقد أَعَادَ الضَّابِطُ طَرْحَ السؤال عليه في مُناسبةٍ أخرى، قائلاً له: “أَبَتَاهُ، هل تُؤْمِنُ بأنَّ المسلمين يمكن أن يتحولوا إلى المسيحيَّة؟”. فأجابه فُوكُّو بقوله: “هناك بعض الأمثلة القليلة، ومع ذلك فإنَّني أعترفُ…سيستغرق الأمرُ وقتًا طويلاً، وقتًا طويلاً جدًا!…ومع ذلك، يجب أن يُقَال، ما دام هناك مسلمٌ واحدٌ في شمال إفريقيا، فسنعتبره عدوًا!“.

ومرةً أخرى قَامَ الضَّابِطُ غاي درفيل بِطَرْحِ سؤالٍ على شارل دي فُوكُّو في مدينة أدرار، التي تقع جنوبًا في الصحراء الجزائريَّة، وقد بدا هذا السؤال لدرفيل منطقيًّا، لكنَّه في المقابل شَعَرَ من خلال نَبْرَةِ جَوَابِ فُوكُّو أنَّ السُّؤالَ كان مُسِيئًا لَهُ. كان السُّؤال هو: “أيها الأب، هل تقبل أن في دين الإسلام، كما في الأديان الأخرى، أناسًا طيبين وعادلين تمامًا، أناسًا خيّرين وأمناء، يساعدون الفقراء، ويعيشون حياةً مثاليةً وعفيفة؟“. فقال فُوكُّو:”نعم، بِكُلِّ تأكيدٍ!”. فسأله الضابط: “وعند موتِ هؤلاء، ألن تذهب هذا المخلوقاتُ إلى الجَنَّةِ؟”. فأجاب فُوكُّو:”لا!”. فَرَدَّ عليه الضابط درفيل بقوله: “يبدو أنَّ هذا الحُكْمَ بالنسبة إليَّ ظَالِمٌ بِصُورةٍ تَامَّةٍ. فإنَّ بعض هؤلاء الطيبين في الصحراء لم يروا إطلاقًا قِسِّيسًا، ألستَ أنتَ وحدكَ في هذه الأماكن، فَلِمَ تُضْمِرُ هذا ضِدَّهُم؟“. فأجابه فُوكُّو: “هكذا هو الحال، يا صديقي العزيز!”. ثم قال له فُوكُّو باستنكارٍ: “أنا مُتَـفاجِئٌ أنكَ أنتَ، أيها المسيحي، يُمكن أن يكون لديك تترددًا في هذا الموضوع!“.

 

تقول الباحثة المعاصرة أريانا بتي عن أهميَّة شارل دي فُوكُّو لدى لويس ماسينيون وعن علاقة به: “أثَّرَ دي فُوكُّو بصورةٍ عظيمةٍ على أشخاصٍ مثل العالم الفرنسي المتخصص في الإسلام لويس ماسينيون، الذي اعْتَبَرَ نفسه المريد الروحي عند دي فُوكُّو…وكان لدى فُوكُّو رغبة في أن يتحول المسلمون إلى المسيحيَّة”. ويتحدث لويس ماسينيون عن علاقته الحَمِيمَة مع فُوكُّو، في رسالةٍ بَعَثَ بها إلى شيخه الآخر الأب أنستانس ماري الكرملي في 29 يوليو 1911م، أشار فيها إلى علاقته به، حيث قال: “الأب المبجل دو فُوكُّو الموجود في الصحراء”، وذَكَرَ أنَّ فُوكُّو قام بإهدَائِهِ الصَّلِيبَ. وفي تاريخ 2 مايو 1914م كَتَبَ شارل دي فُوكُّو رسالةً إلى ماسينيون يُعَزَّزُ فيه التمسك بالإيمانِ المسيحيِّ، حيث قال له: “علينا أن نُثَبِّتَ أنظارنا بالأكثر على حبيبنا الرَّب يسوع“. وكتب فُوكُّو رسالة أخرى إلى ماسينيون بتاريخ 1 أغسطس 1916م، أي قبل موته بأربعة أشهرٍ فقط، يُذَكِّره بأهميَّة العمل التنصيري وتركيزه على الأطفال والفقراء، حيث يقول: “بأيَّةِ قوةٍ نحن مدعوون لالتماس يسوع في هؤلاء الصغار، هؤلاء الخطاة، هؤلاء الفقراء، فنحبه فيهم”. وبعد بضعة أشهرٍ من مَقْتَلِ شارل دي فُوكُّو، كَتَبَ ماسينيون رسالةً إلى الأب الكرملي، في 27 يونيو 1917م، يقول فيها: “إنَّ ابتي المبجل شارل دو فُوكُّو قد قُتِلَ في الصحراء. أطلبُ منكَ صَدَقَةً، اُذْكُرهُ أمامَ اللهِ لأجلِ ما قام بِهِ من عملٍ خَيِّرٍ، ولكيلا يموت هذا العمل“. وفي 5 أكتوبر عام 1917م كَتَبَ ماسينيون رسالةً أخرى لشيخه الأب أنستانس، يقول فيها: “أُفَوُّضُ إلى صَلَواتِكَ على نحوٍ خاصٍّ جدًا، عمل الأب المبجل دو فُوكُّو، الذي يبدو أنَّ مثواه الأخير سيكون في القاهرة، هل تَعْلَم أنَّ عَمَلَه كان هدفه الأساس هو إخواننا المسلمون…[و]لا تنس صديقي البغدادي القديم الحسين بن منصور الحلاج، وتقبل مودتي وإخلاصي في المشاركة المُقَدَّسَة للكنيسة”.

وفي 26 مارس من عام 1967م، كَتَبَ البابا بُولُسْ السادس رِسَالة عَامَّة موجهة إلى “الأساقِفة والكَهنة وَالرُّهْبَان وَالمؤمِنينَ وجميع النَّاس ذوِي الإرادة الطيبة”، جاء فيها التذكير بأهميَّة التبشير بالإنجيل، ونشر الإيمان بالمسيح بين الشعوب غير المؤمنة بالمسيحيَّة؛ من أجل “تَرقيةٍ إنسانيَّةٍ”، وتعزيز وتشجيع المشاريع المحليَّة، والمثالُ النموذجيُّ الذي ضَرَبَه البابا بُولُسْ السِّادِس كان هو مشروع شارل دي فُوكُّو، حيث قال: “لا نحتاج فقط إلا أن نَذْكُرَ جهود الأب شارل دي فُوكُّو، الذي نال بإحسانه لقب (الأخ الكوني)، وألف مُعْجَمَاً قيمًا للغة الطوارقيَّة. ومن أجل هذا، فإنَّا نعتقد أنَّه من المناسب أن نُثني على الطلائعين المنسيين الذين دفعتهم محبتهم للمسيح، كما نُكْرِم تمامًا المُقتَدِينَ بهم وخلفاءهم الذين يواصلون اليوم بذل أنفسهم في الخدمة السَّخِيَّة والمُؤثِرَة من أجل أولئك الذين يُبَشِّرُونهم بالإنجيل”.

وفي 19 يونيو 1989م، كَتَبَ البابا يوحنَّا بولس الثاني خِطَابًا إلى سفير النيجر الجديد إلى الفاتيكان، مامادو مايغا جوزوفا، يُبَيِّنُ له إسهامات المسيحيين في أيِّ بلدٍ نزلوا فيه، حيث يقول له في ذلك الخطاب: “أنتَ تعلم أيُّها السفير، أنَّ الكاثوليك لا يفشلون…إنَّهم يجلبون معهم خَمِيرَة الإنجيل أينما كانوا، ويسعون ليشهدوا على حُبِّهم الأخَويِّ، على صورةِ الأبِ شارل دي فُوكُّو الذي أحبَّ شعوب منطقتك”

وقد عَدَّ البابا يوحنَّا بولس الثاني شخصية شارل دي فُوكُّو، في كلمة ألقاها عام 2001م في فرنسا في الذكرى المئوية لفُوكُّو، أنموذجًا للحِوارِ بين الثقافات المعاصرة والمصالحة بين الأديان، وخصوصًا مع الإسلام؛ لأنَّ فُوكُّو -كما يؤكد البابا- قام بترجمة الإنجيل لهم. وفي 26 مايو 2001م، بَعَثَ البابا يوحنَّا بولس الثاني رسالةً من الفاتيكان إلى الأُسقُف فرانسوا بلوندل الفيفييه، الذي كان جُنْدِيًّا، تَرَكَّزَت على ذِكْرِ شارل دي فُوكُّو، ومما قاله البابا: “إنَّ شارل يدعو جميع المؤمنين لإعلان الإنجيل لشعبِ عصرِنا…[فـ]خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياته، في بني عباس وتامنراست…قَدَّم الأبُ شارل دي فُوكُّو اللهَ إلى العَالَمِ، وسَاعَدَ بِتَواضُعٍ في نشرِ بِشَارةِ الخَلاص، وأتقدَّمُ بالشكر لشهادة الأب دي فُوكُّو، وأُشَجِّعُ كلَّ من أُلهِمَ بسبب شخصيَّته اليوم على مواصلة رسالتهم…أليس الأخ شارل، الذي تَعَلَّمَ لغة الطوارق من أجل ترجمة الأناجيل، وأَعَدَّ مُعْجَمَاً وقواعد نَحْويًة لهم، داعيًا الذين أُلهِمُوا بسبب شخصيَّته للدخول في حِوارٍ مع الثقافات المعاصرة وسلوك المسار الذي يؤدي إلى لقاءِ التقاليد الدينيَّة الأخرى، خَاصَّةً الاسلام؟ [إنه] شارل دي فُوكُّو الذي اعترفت مؤخرًا الكنيسة بفضائله البُطُولِيَّة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى