أحمد بيومي
لطالما شكّلت السياسة النبوية في التعامل مع المنافقين إشكالاً في الفهم لدى البعض، لا سيما عند محاولة تحقيق مناطاتها في واقع مختلف متشابك، هيمن عليه أهل النفاق، ومن يستقرئها يجد لها بالفعل أبعادًا ومراحل ودوافع متباينة؛ فلا يصح التعامل معها بقانون واحد أو قاعدة مشتركة، بل لابد من دراسة تبايناتها لاستخلاص الفوائد الحقيقية بعد تكوين التصور الصحيح عنها، لذلك جاء هذا العرض التاريخي لمراحل النفاق في العهد النبوي ليكشف عن منحنياته ومآلاته، وبالله التوفيق.
(1): ما قبل النفاق (0 – رمضان 2 هـ)
ما قبل النفاق: حيث دخل النبي ﷺ يثرب وفيها مجتمع مؤمن به من الأوس والخزرج، وفيها مشركون عبدة أوثان، وفيها يهود يتوزعون على ثلاث تجمعات رئيسة؛ فبنو قينقاع داخل المدينة وهم حلفاء الخزرج، وبنو النضير وبنو قريظة بضواحيها وهم حلفاء الأوس، فوادع النبي ﷺ أهلها جميعًا ومن حولهم من الأعراب.
ولم يكن ثمّ نفاق؛ لأنَّهُ لم يكن بعدُ للمسلمين شوكة تُتّقى، أو قوة تُرتجي، وكان بالمدينة عبد الله بن أبيّ بن سلول رأسًا فيها، وهو من الخزرج، لكنه كان سيّد الطائفتين في الجاهلية، فقد اجتمعوا على سيادته بعد حرب بعاث، ولم يكونوا اجتمعوا على سيادة أحد قبله، مما يشير إلى أنه كان شخصية استثنائية فيهم، فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه؛ فبَقي في نفسه من الإسلام وأهله، حتى أن النبي ﷺ ركب يومًا على حمار، على قطيفةٍ فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج – وذلك قبل وقعة بدر، – فمر بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ ابن سلول، – وذلك قبل أن يُسلم – فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عَجَاجَةُ الدابة، خمّر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تُغبرّوا علينا، فسلم رسول الله ﷺ عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبيّ: أيها المرء! إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًا فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله! فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفِّضُهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ: يا سعد! ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ – يريد عبد الله بن أبيّ – قال: كذا وكذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله! اعف عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يُتوّجوه فيعصِّبوه بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شَرِق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ. (انظر سيرة ابن هشام (1/587)
وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله عز وجل: ﴿ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذى كَثِيراۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ﴾ [آل عمران:186] الآية، وقال الله: ﴿ وَدَّ كَثِير مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم ﴾ [البقرة:109] إلى آخر الآية، وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره الله به. (انظر صحيح البخاري رقم: 4566) (انظر تفسير ابن كثير (1/ 273)
واستمرت الأجواء متوترة، حتى كادت العداوة تتحول إلى مواجهة مباشرة مع النبي ﷺ ومن آمن به بضغط من قريش، لولا تعامل النبي بالحلم والتكلم بالحكمة، حيث كتب قريش إلى عبد الله بن أبيّ ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، يقولون: إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عددًا، وإنا نقسم بالله لتقتُلنَّه أو لتُخرجنَّه أو لنستَعدينَّ عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك ابن أبيّ ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا، فاجتمعوا وأرسلوا، وأجمعوا لقتال النبي ﷺ وأصحابه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ، فلقيهم في جماعة، فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ! ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا. (انظر مصنف عبد الرزاق (6/ 35)
(2): لحظة الفسوق (رمضان 2 هـ)
لحظة الفسوق: فلما كانت وقعة بدر العُظمى، وقُتل فيها صناديد قريش وسادة العرب، وجِيء بهم أسرى إلى المدينة، أذلّ الله بذلك رقاب المشركين واليهود، ولم يبق بالمدينة يهودي ولا مشرك إلا خضع لوقعة بدر، وأظهر الله كلمته، وأعلى الإسلام وأهله، فقال ابن أبيّ ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمرٌ قد تَوجّه! فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام، وأظهروا الدخول فيه بألسنتهم، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته من المشركين؛ فمن ثم وُجِد النفاق في أهل المدينة ثم من حولها من الأعراب. (انظر صحيح البخاري رقم: 4566) (انظر تفسير ابن كثير (1/ 273) (انظر مغازي الواقدي (1/121)
ولم يقتصر النفاق في مجتمع المدينة على حالات فردية، بل تشكّل في جيوبٍ وخلايا، كل جيب له رأس، أهمهم جيب عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكان يتألّف في أول أمره من عبدة الأوثان بفعل المنزلة الاجتماعية والسياسية التي كان يحظى بها في يثرب وما حولها، وكانت له بطانة منهم تشاركه أهدافه، وقد كان يُنتظر أن يُتوّج ملكًا على يثرب، وإن قومه لينظمون له الخَرز، ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي، قد أَرِب بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها ليتوجوه، فجاء الله بالنبي ﷺ على هذا الحديث، فما يَرى إلا أنه قد سلبه ملكه، وكان رسول الله بحلمه يُقدّر هذا الدافع النفسي فيه، وبحكمته يُدرك أن التعامل الخاطئ مع هذا الرأس سيُحرك أتباعه ومحبيه بالفتنة في قلب التجربة الوليدة. (انظر مغازي الواقدي (2/ 419)
ونزلت الآيات في صدر سورة البقرة تكشف عن ذلك الصنف الجديد على المؤمنين والكافرين جميعًا، فلم يعد المجتمع مسلمًا في مواجهة كافر، بل بينهما مسلم معك باللسان وعليك بالقلب، وهم المنافقون، ولم يكن المؤمنون يعرفون النفاق، بل كانوا يعرفون خلافه؛ فمن الناس من كان يُظهر الكفر مستكرهًا وهو في الباطن مؤمن، ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره: لم يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار؛ فإن مكة كانت للكفار مستولين عليها فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن، ليس هناك داع يدعو إلى النفاق، والمدينة آمن بها أهل الشوكة؛ فصار للمؤمنين بها عز ومنعة بالأنصار، فمن لم يُظهر الإيمان آذوه، فاحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان مع أن قلوبهم لم تُؤمن، فتوالت آيات الوحي تعلّمهم بذلك الصنف الجديد، بعد ذكر المؤمنين في أربع آيات، والكفار في آيتين، والمنافقين في ثلاث عشرة آية: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ﴾ [البقرة: 8-20] الآيات، ونزلت تكشف خداعهم، وتفضح تحركاتهم لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر؛ وهذا من المحذورات الكبار أن يُظنّ بأهل الفجور خير. (انظر تفسير ابن كثير (1/ 274) (انظر صفات المنافقين لابن القيم (4) (انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/ 200)
وكان ركون هؤلاء المنافقين في المدينة إلى اليهود بها، وهم أهل كتاب وحلفاء الجاهلية، لهم قوة نفوذ، بل كانوا الرعاة لظاهرة النفاق، وغيرها من الظواهر الخبيثة، كما أخبر الله عنهم فقال: ﴿ وَقَالَت طَّآئِفَة مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ﴾ [آل عمران: 72]، فأما هؤلاء المنافقون فكانوا إذا لقوا رسول الله ﷺ وأهل الإيمان به من أصحابه، قالوا لهم: إنا مؤمنون بالله وبرسوله، وإذا لقوا إخوانهم من اليهود الذين يحرضونهم أظهروا التكذيب والاستهزاء، وقيل إن اليهود أنفسهم كانوا يفعلون ذلك، فإذا خلوا إلى أصحابهم قالوا إنا على ديننا، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ﴾ [البقرة: 14]. (انظر تفسير الطبري (1/ 278)
وكان المنافقون أبواقًا لآلة الكذب اليهودية، يرددّون ما يملُنوه عليهم من الفِرى والأكاذيب، وكانت للمنافقين واليهود مجالس يتناجون فيها بما يُؤذي المؤمنين، ويخططون للإثم والعدوان، يتواصون بمعصية الرسول، فنزل الوحي بالنهي عن تلك المجالس فلم ينتهوا: ﴿ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ ﴾ [المجادلة: 8]. (انظر الوسيط للواحدي (10/1327)
ولم تطل هذه العلاقة العضوية بين المنافقين واليهود كثيرًا؛ حيث شرع النبي في إجلاء اليهود من المدينة، المجموعة تلو الأخرى، الأقرب والأشد خطرًا، مستغلًا للأحداث وموظفًا للحوادث، فهم مصدر الإفساد وإثارة الفتن بين مكونات المجتمع الجديد، كما فعل شاس بن قيس اليهودي بالتحريش بين الأوس والخزرج، والنفاق مع هذه التحركات النبوية يفقد داعمًا وظهيرًا، فيضعف الشيء بعد الشيء كما سنجد في اللحظات القادمة. (انظر سيرة ابن هشام (1/555)
(3): لحظة بني قينقاع (شوال 2 هـ)
لحظة بني قينقاع: وكانوا أول يهود حاربت، وكانوا أشجَع يهود؛ فتشبث بأمرهم عبد الله بن أبيّ، وقام دونهم، وقد كان ابن أبيّ أَمرَهم أن يتحصنوا، وزعم أنه سيدخل معهم، فخذلهم ولم يدخل معهم، ولزموا حصنهم، فما رموا بسهم ولا قاتلوا حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ بالقتل أول الأمر فأمر بهم فرُبطوا، فكانوا يُكتفون كتافا، ثم جاء التخفيف بعد ضغط من ابن سلول بالجلاء من المدينة، فقد وثب إلى النبي ﷺ فأدخل يده في جنب درع النبي ﷺ من خلفه فقال: يا محمد، أحسن في مواليّ! فأقبل عليه النبي ﷺ غضبان، متغير الوجه، فقال: ويلك، أرسلني! فقال: لا أرسلك حتى تحسن فى موالىّ، أربعمائة دارع وثلاثمائة حاسر، منعوني يوم الحدائق ويوم بعاث من الأحمر والأسود، تريد أن تحصدهم في غداة واحدة؟! يا محمد، إني امرؤ أخشى الدوائر! قال رسول الله ﷺ: خلوهم، لعنهم الله، ولعنه معهم! فتركهم رسول الله ﷺ من القتل، وأمر بهم أن يُجلوا من المدينة وقبض أموالهم. (انظر مغازي الواقدي (1/177)
واتخذ النبي إجراءً أمنيًا تصحيحيًا فوريًا بعد تلك الوقعة بمنع ابن سلول من الدخول عليه، فجاء بحلفائه معه – وقد أخذوا بالخروج – يريد أن يُكلم رسول الله ﷺ أن يقرهم في ديارهم، فيجد على باب النبي ﷺ عويم بن ساعدة الأوسي، فذهب ليدخل فرده عويم وقال: لا تدخل حتى يؤذن رسول الله ﷺ لك، فدفعه ابن أبيّ، فغلظ عليه عويم حتى جحش وجه ابن أبيّ الجدار فسال الدم، فتصايح حلفاؤه من يهود، فقالوا: أبا الحباب! لا نقيم أبدًا بدار أصاب وجهك فيها هذا، لا نقدر أن نغير، فجعل ابن أبيّ يصيح عليهم، وهو يمسح الدم عن وجهه، يقول: ويحكم، قروا! فجعلوا يتصايحون: لا نقيم أبدًا بدار أصاب وجهك فيها هذا، لا نستطيع له غيرًا! (انظر مغازي الواقدي (1/178)
ونزل القرآن في هذه الأجواء – حين حاربت بنو قينقاع ونبذت العهد – يقطع الولاية بين المؤمنين وأهل الكتاب المحاربين منهم، وإنما النصرة بين المؤمنين بعضهم لبعض، فجاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ، وكان أحد بنى عوف بن الخزرج، له من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبيّ، فكانا منهم بمنزلة واحدة في الحلف، فقال: يا رسول الله! إن أوليائى من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيرًا سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإنى أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إنى رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي، إنى رجل لا بد لى منهم، فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن أبي: يا أبا الحباب! ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه، قال: قد قبلت، فأنزل الله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَة فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡر مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ﴾ [المائدة: 51-52] (انظر تفسير الطبري (8/ 504) (8/ 505)
وأمر رسول الله ﷺ عبادة بن الصامت أن يُجليهم، فجعلت قينقاع تقول: يا أبا الوليد! من بين الأوس والخزرج – ونحن مواليك – فعَلت هذا بنا؟ قال لهم عبادة: لما حاربتم جئت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني أبرأ إليك منهم ومن حلفهم، فقال عبد الله بن أبيّ: تبرأت من حلف مواليك؟ ما هذه بيدهم عندك! فذكره مواطن قد أبلوا فيها، فقال عبادة: أبا الحباب! تغيرت القلوب ومحا الإسلام العهود، أما والله إنك لمعصم بأمر سترى غِبه غدًا! (انظر مغازي الواقدي (1/179)
خرجت بنو قينقاع وبقيت منهم فلول أظهروا الإسلام ليعصموا أنفسهم من الدخول في حكم الجلاء الموقّع عليهم، ويوفقوا أوضاعهم في المدينة، وانضموا لحزب النفاق السلولي الخبيث، فتوسع وزاد عدده، وكان هؤلاء المنافقون الجدد يظهرون الإيمان والتصديق بين المسلمين ويكتمون الكفر والفسوق والعصيان، فينزل القرآن يفضحهم، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ﴾ [المائدة: 61] (انظر تفسير الطبري (8/546)
وأما إقرار النبي ﷺ لابن سلول على فعله فكان بالمقام الأول اعتبارًا لمنزلته ونفوذه في المدينة، كما أن فعله في هذه النازلة – كما ذكر ابن عطية – لم يكن ظاهره مغالبة رسول الله ﷺ، ولو فعل ذلك لحاربه رسول الله، وإنما كان يُظهر للنبي ﷺ أن يستبقيهم لنصرة محمد ولأن ذلك هو الرأي، وقوله إني امرؤ أخشى الدوائر أي من العرب وممن يحارب المدينة وأهلها، وكان يُبطن في ذلك كله التحرز من النبي والمؤمنين والفَتِّ في أعضادهم، وذلك هو الذي أَسَرَّ هو في نفسه ومن معه على نفاقه ممن يفتضح بعضهم إلى بعض. (انظر المحرر الوجيز لابن عطية (2/ 205)
ومن جهة أخرى فإن حلف ابن سلول مع اليهود الذين لم ينصرهم بشيء، أصبح مفرغًا من حقيقته بعد أن فقدت بنو قينقاع رجالها إلى خارج المدينة، وكذلك سلاحها الذي حازه المؤمنون، ولعله قد نزلت في هذه الأجواء الأوامر الإلهية بإعداد القوة ورباط الخيل، والاستثمار في الإنفاق العسكري، ومن علة ذلك إرهاب جماعة النفاق في المدينة، بدوام الاستعداد والتسلح، فلا يبقى لما استبقاه ابن سلول من حلف يهود فائدة تُرجى، ويَنفضُّ عنه مرضى القلوب – الذين تأسرهم القوة – إلى أصحاب التسليح الأفضل والقوة الأظهر وهم المؤمنون، أو يحسبون لها حسابها في أقل الأحوال، فقال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَة فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡء فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 58-60].
(4): لحظة أحد (شوال 3 هـ)
لحظة أحد: وكان هذا أوان اختبار هذا الجيب النفاقي المتشكل في المدينة عسكريًا، فخرج ابن أبيّ مع الجيش – وكان رأيه أن يتحصنوا في المدينة ولا يخرجوا – فنزل ناحية من العسكر، فجعل حلفاؤه ومن معه من المنافقين يقولون لابن أبيّ: أشرت عليه بالرأي ونصحته وأخبرته أن هذا رأي من مضى من آبائك، وكان ذلك رأيه مع رأيك فأبى أن يقبله، وأطاع هؤلاء الغلمان الذين معه، فصادفوا من ابن أبيّ نفاقًا وغِشًا، وكان هذا التكتل فيه حلفاء ابن سلول من اليهود، فجاء أن النبي ﷺ التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها زجل خلفه، فقال: ما هذه؟ قالوا: يا رسول الله، هؤلاء حلفاء ابن أبيّ من يهود، فقال رسول الله ﷺ: لا يُستنصَرُ بأهل الشرك على أهل الشرك. (انظر مغازي الواقدي (1/ 215)
فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى أحدٍ وهو يرى المشركين، ارتحل ابن أبيّ من ذلك المكان في كتيبة كأنه هيقٌ يَقدُمهم، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: أذكركم الله ودينكم ونبيكم، وما شرطتم له أن تمنعوه مما تمنعون منه أنفسكم وأولادكم ونساءكم؟! فقال ابن أبيّ: ما أرى يكون بينهم قتال، ولئن أطعتني يا أبا جابر لترجعن، فإن أهل الرأى والحِجى قد رَجعوا، ونحن ناصروه في مدينتنا، وقد خالفنا، وأشرتُ عليه بالرأي فأبى إلا طواعية الغلمان، فلما أبى على عبد الله أن يرجع ودخلوا أزقة المدينة، قال لهم أبو جابر: أبعدكم الله! إن الله سيُغني النبي والمؤمنين عن نصركم! فانصرف ابن أبيّ وهو يقول: أيعصيني ويطيع الولدان؟ وانصرف عبد الله بن عمرو بن حرام يعدو حتى لحق رسول الله ﷺ، وهو يسوي الصفوف، فلما أصيب أصحاب النبي ﷺ سر ابن أبيّ، وأظهر الشماتة وقال: عصاني وأطاع من لا رأي له! (انظر مغازي الواقدي (1/ 219)
وقد كان مجموع من انسحب مع ابن أبيّ ثلاثمائة، يمثلون ثلث الجيش، فقد خرج رسول الله ﷺ إلى أحد في ألف رجل، فهم كتلة لا يُستهان بها تأتمر بأمر هذا المنافق، وكان من آثار هذا الانسحاب أن همَّت بنو سلمة وبنو حارثة بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبيّ، فعصمهم الله، وبقى رسول الله ﷺ في سبعمائة، قال تعالى: ﴿ إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ﴾ [آل عمران:122] (انظري تفسير الطبري (6/ 13)
ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة عند نكبة قد أصابته في نفسه وأصحابه، فجعل ابن أبيّ والمنافقون معه يشمتون ويسرون بما أصابهم ويظهرون أقبح القول، ورجع من رجع من أصحابه وعامتهم جريح، ورجع عبد الله بن عبد الله بن أبيّ وهو جريح، فبات يكوي الجراحة بالنار حتى ذهب الليل، وجعل أبوه يقول: ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي! عصاني محمد وأطاع الولدان، والله لكأني كنت أنظر إلى هذا، فقال ابنه: الذي صنع الله لرسوله وللمسلمين خير.
وأظهرت اليهود القول السيئ فقالوا: ما محمد إلا طالب مُلك، ما أصيب هكذا نبي قط، أصيب في بدنه وأصيب في أصحابه! واستغل المنافقون الظرف وجعلوا يخذلون عن رسول الله ﷺ أصحابه ويأمرونهم بالتفرق عنهم، وجعلوا يقولون لأصحاب رسول الله ﷺ: لو كان من قتل منكم عندنا ما قُتل، حتى سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك في أماكن، فمشى إلى رسول الله ﷺ ليستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من اليهود والمنافقين، فقال رسول الله ﷺ: يا عمر! إن الله مظهر دينه ومعز نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم، قال: فهؤلاء المنافقون يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: بلى يا رسول الله، وإنما يفعلون ذلك تعوذًا من السيف؛ فقد بان لهم أمرهم وأبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة، فقال رسول الله ﷺ: نهيت عن قتل من قال لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ونزلت آيات القرآن تحذّر من مباطنة منافقي اليهود، وتكشف ما تبطنه نفوسهم من الغيظ والبغضاء، وكان في المسلمين من يواصلونهم؛ لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، قال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَة مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَة تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَة يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيط ﴾ [آل عمران: 118-120]
ونلحظ أن السياسة النبوية في المنافقين رغم صبرها على أذاهم إلا أنها لم تتهاون في الرد على شبهاتهم وادعاءاتهم، فينزل الوحى بآيات تتلى لتفنيدها والرد عليها، قال تعالى: ﴿ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ﴾ [آل عمران: 167-168]، وهذه سياسة عامة نلحظها في كل المشاهد، فإن بذور النفاق تلتمس التربة المريضة لتنبت فيها، وما أخصبها في مجتمع فيه اليهود ورؤوس الشرك تستر بالنفاق، تثبت الأكاذيب وتنشر الإفساد باسم الإصلاح، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ﴾ [البقرة: 11]، تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف، قال تعالى: ﴿ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡض يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡ ﴾ [التوبة:67]، لذلك كانت قذائف الحق تتنزّل فتدمغ باطلهم أولًا بأول، حتى لا يتّمكن في مرضى القلوب فيزيدهم مرضًا، فيكسب النفاق أرضًا، بل تكشف تلبيسهم وتدحض أباطيلهم وتعرّيهم من الحقائق حتى ينفض الناس من حولهم.
وأما رأس النفاق فخصم هذا الانسحاب المخزي من رصيد التعاطف معه عند عشيرته من الخزرج، وحُرِم على إثر ذلك من بعض الصلاحيات الممنوحة له سابقًا، فبعد أن حُرِم من المجالس الخاصة مع النبي ﷺ، مُنِع من اعتلاء المنابر والخروج على العامة، فقد كان لعبد الله بن أبيّ مَقامٌ يقومه كل جمعة شرفًا له لا يُريد تركه، فلما رجع رسول الله ﷺ من أحد إلى المدينة جلس على المنبر يوم جمعة، فقام ابن أبيّ فقال: هذا رسول الله! بين أظهركم، قد أكرمكم الله به، انصروه وأطيعوه، فلما صنع بأُحد ما صنع قام ليفعل ذلك، فقام إليه المسلمون فقالوا: اجلس يا عدو الله! وقام إليه أبو أيوب وعبادة بن الصامت، – وكانا أشد من كان عليه ممن حضر، ولم يقم إليه أحدٌ من المهاجرين – فجعل أبو أيوب يأخذ بلحيته، وعبادة بن الصامت يدفع في رقبته، ويقولان له: لست لهذا المقام بأهل! فخرج بعد ما أرسلاه، وهو يتخطى رقاب الناس، وهو يقول: كأنما قلت هجرًا! قمت لأشد أمره! فلقيه معوذ بن عفراء فقال: مالك؟ قال: قُمت ذلك المقام الذي كنت أقوم أولَا، فقام إلي رجال من قومي، فكان أشدهم علي عبادة، وخالد بن زيد، فقال له: ارجع فيستغفر لك رسول الله، فقال: والله ما أبغي يستغفر لي، وجعل يقول: أخرجني محمد من مربد سهل وسهيل. (انظر مغازي الواقدي (1/ 317)
ولعل حادثة طرد المنافقين من المسجد كانت في هذه الظروف أيضًا، فلم يعد المسلمون يَصبرون على سخريتهم واستهزائهم فيه، وكان المنافقون يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين، ويسخرون ويستهزئون بدينهم، فاجتمع يومًا في المسجد منهم ناس، فرآهم رسول الله ﷺ يتحدثون بينهم، خافضي أصواتهم، قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم رسول الله ﷺ فأخرجوا من المسجد إخراجًا عنيفًا، فقام أبو أيوب إلى عمر بن قيس، – أحد بني غنم بن مالك بن النجار، وكان صاحب آلهتهم في الجاهلية – فأخذ برجله فسحبه، حتى أخرجه من المسجد، وهو يقول: أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بني ثعلبة! ثم أقبل أبو أيوب أيضا إلى رافع بن وديعة، أحد بني النجار فلببه بردائه ثم نثره نثرًا شديدًا، ولطم وجهه، ثم أخرجه من المسجد، وأبو أيوب يقول له: أف لك منافقًا خبيثا، أدراجك يا منافق من مسجد رسول الله ﷺ.
وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو، وكان رجلًا طويل اللحية، فأخذ بلحيته فقاده بها قودًا عنيفا حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عمارة يديه فلدمه – أي ضربه ببطن كفه – بهما في صدره لدمة خرّ منها، وهو يقول: خدشتني يا عمارة! قال: أبعدك الله يا منافق، فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك، فلا تقربن مسجد رسول الله ﷺ.
وقام أبو محمد مسعود بن أوس، بدريًا من بني النجار: إلى قيس بن عمرو بن سهل، وكان غلامًا شابًا، وكان لا يعلم في المنافقين شابٌ غيره، فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه من المسجد.
وقام عبد الله بن الحارث من رهط أبي سعيد الخدري، إلى رجل يقال له: الحارث بن عمرو، وكان ذا جمة، فأخذ بجمته فسحبه بها سحبًا عنيفًا، على ما مر به من الأرض، حتى أخرجه من المسجد، فقال: لقد أغلظت يابن الحارث! فقال له: إنك أهل لذلك، أي عدو الله! لما أنزل الله فيك: فلا تقربن مسجد رسول الله ﷺ فإنك نجس.
وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى أخيه زوي بن الحارث فأخرجه من المسجد إخراجًا عنيفًا، وأفف منه، قال: غلب عليك الشيطان وأمره، فهؤلاء من حضر المسجد يومئذ من المنافقين، وأمر رسول الله ﷺ بإخراجهم. (انظر سيرة ابن هشام (2/ 125)
وتجدر الإشارة هنا لاستغلال ذلك الظرف المؤلم للجميع، – خاصة الأنصار حيث قُتِل منهم سبعين ومُثّل بهم، – في التحرك المنضبط الذي لا يثير فتنة – وكان التحرك من الأنصار أنفسهم دون المهاجرين، – نحو المنافقين لطردهم من نوادي المسلمين ومجالسهم العامة، ولوضع حد لمجالس الأذي بالسخرية والاستهزاء، واتخاذ سياسية حازمة في حصر رؤوس المنافقين والتشديد عليهم.
(5): لحظة بني النضير (ربيع الأول 4 هـ)
لحظة بني النضير: ويظهر فيها دور النفاق الخبيث في مظاهرة اليهود على المؤمنين سرًا، وقد كاد بنو النضير ينزلون على حكم رسول الله لولا تحريض ابن سلول ووعده إياهم بالنصرة، فبينما هم يتجهزون للخروج إذا جاءهم رسول ابن أبي، يقول: لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون من آخرهم قبل أن يُوصل إليكم، وتمدكم قريظة فإنهم لن يخذلوكم، ويمدكم حلفاؤكم من غطفان، فلم يزل يرسل إلى حيي بن أخطب حتى قال: أنا أرسل إلى محمد أعلمه أنا لا نخرج من دارنا وأموالنا، فليصنع ما بدا له. (انظر مغازي الواقدي (1/ 368)
ونزل القرآن كعادته يفضح هذه التآمر الذي لم يطلع عليه المؤمنون، فقال تعالى: ﴿ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ﴾، [الحشر: 11]، وإنما أراد المنافقون بذلك أن تقوى نفوس بني النضير، لا حقيقة النصرة، عسى أن يثبتوا حتى لا يقدر محمد عليهم، فيتم لهم مرادهم، وكانوا كذبة فيما قالوا، ولذلك لم يخرجوا حين أخرج بني النضير بل قعدوا في ديارهم، ثم لقي المنافقون عليهم يوم خرجوا حزنًا شديدًا، إذا فقدوا أوراقًا جديدة من القوم يؤذون بها رسول الله، والمدينة تصفو له وينبسط فيها نفوذه يومًا بعد آخر. (انظر مغازي الواقدي (1/ 376) (انظر المحرر الوجيز لابن عطية (5/ 289)
كما نزل مثبّتًا للمؤمنين في خطواتهم، موضحًا حقيقة الرابطة الهشة بين المنافقين بعضهم بعضًا واليهود بعضهم بعضًا، فقال تعالى: ﴿ لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَة فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡم لَّا يَفۡقَهُونَ لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيد تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡم لَّا يَعۡقِلُون َ﴾ [الحشر: 13-14]، وإن من اليهود أنفسهم من كان يدرك هذه الرابطة الكاذبة بينهم، كما جاء أن سلام بن مشكم احتج على حيي بن أخطب في نقضه العهد محمد أن بني قريظة رفضت نقض عهدها مع محمد لأجل بني النضير، وأن ابن أبيّ قد وعد حلفاءه من بني قينقاع مثل ما وعده حتى حاربوا ونقضوا العهد، وحصروا أنفسهم في صياصيهم وانتظروا نصرة ابن أبيّ، فجلس في بيته وسار محمد إليهم، فحصرهم حتى نزلوا على حكمه، فابن أبيّ لا ينصر حلفاءه ومن كان يمنعه من الناس كلهم، ونحن لم نزل نضربه بسيوفنا مع الأوس في حربهم كلها، إلى أن تقطعت حربهم، فقدم محمد فحجز بينهم، وابن أبيّ لا يهودي على دين يهود، ولا على دين محمد، ولا هو على دين قومه، فكيف تقبل منه قولا قاله؟ (انظر مغازي الواقدي (1/ 369)
وكان من صور المظاهرة المنتشرة حينئذ نقل أخبار المسلمين إلي اليهود ومجتمع المنافقين السري، كما كان يفعل أحد رؤوس النفاق وهو عبد الله بن نبتل، وكان من أشراف بني عمرو بن عوف، وكان يجالس النبي ﷺ ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله ﷺ في حجرة من حجره، إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار، وينظر بعيني شيطان، – وذلك بعد أن نزل عليه جبريل معلّمًا النبي وأصحابه لهذا المنافق ليحترزوا من الحديث بين يديه ويحذروا غائلته وشره – فدخل عبد الله بن نبتل، وكان أزرق، فقال له رسول الله ﷺ: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل ذلك، فقال له النبي ﷺ: فعلت، فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه، وقيل إن النبي ﷺ قال له: إنك تواد اليهود! فحلف عبد الله بالله أنه لم يفعل، وأنه ناصح؛ فأنزل الله الآيات: ﴿ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ﴾ [المجادلة: 14] إلى آخر الآيات. (انظر تفسير مقاتل بن سليمان (4/ 263 – 264) (انظر أسباب النزول للواحدي (ص413) (انظر مغازي الواقدي (3/ 1048)
(6): لحظة بني المصطلق (شعبان 5 هـ)
لحظة بني المصطلق: وفيها خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة المريسيع بَشر كثير من المنافقين – لم يمنعهم رغم موقفهم السابق في أحد – ولم يخرجوا في غزاة قط مثلها، ليس بهم رغبة في الجهاد إلا أن يُصيبوا من عرض الدنيا، وقرب عليهم السفر، كعادتهم التي كشفها الله فقال: ﴿ لَوۡ كَانَ عَرَضا قَرِيبا وَسَفَرا قَاصِدا لَّٱتَّبَعُوكَ ﴾ [التوبة: 42]. (انظر مغازي الواقدي (1/ 405)
وقد هاجت على إثر هذا العدد الكبير من المنافقين فتنة بين الأنصار والمهاجرين، فكان ابن أبيّ جالسًا في عشرة منهم، فبلغه صياح جهجا – غلام لعمر بن الخطاب: – يا آل قريش! فغضب ابن أبيّ غضبًا شديدًا، وكان مما ظهر من كلامه وسمع منه أن قال: والله، ما رأيت كاليوم مذلة! والله إن كنت لكارهًا لوجهي هذا ولكن قومي غلبوني! قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منتنا والله، ما صرنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجًا وأنا حاضر، لا يكون لذلك مني غيَرٌ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل! ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم فنزلوا منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتى استغنوا! أما والله، لو أمسكتم بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا، فقتلتم دونه، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا.
فبلغ ذلك النبي ﷺ من خبر زيد ابن أرقم – وكان حاضرًا لمجلس المنافقين – وتغير وجهه، ثم قال رسول الله ﷺ: يا غلام، لعلك غضبت عليه! قال: لا والله، لقد سمعته منه، قال: لعله أخطأ سمعك! قال: لا يا نبي الله! قال: لعله شبه عليك! قال: لا والله، لقد سمعته منه يا رسول الله! وشاع في العسكر ما قال ابن أبيّ، وليس للناس حديث إلا ما قال ابن أبيّ، وجعل الرهط من الأنصار يؤنّبون الغلام ويقولون: عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل، وقد ظلمت وقطعت الرحم! فقال زيد: والله لقد سمعت منه! قال: ووالله، ما كان في الخزرج رجل واحد أحب إلي من عبد الله بن أبيّ، والله، لو سمعت هذه المقالة من أبيّ لنقلتها إلى رسول الله ﷺ، وإني لأرجو أن ينزل الله تعالى على نبيه حتى يعلموا أنا كاذب أم غيري، أو يرى رسول الله ﷺ تصديق قولي.
وقام النفر من الأنصار الذين سمعوا قول النبي ﷺ ورده على الغلام، فجاءوا إلى ابن أبيّ فأخبروه، وقال أوس بن خولي: يا أبا الحباب! إن كنت قلته فأخبر النبي يستغفر لك، ولا تجحده فينزل ما يكذبك، وإن كنت لم تقله فأت رسول الله فاعتذر إليه واحلف لرسول الله ما قلته، فحلف بالله العظيم ما قال من ذلك شيئا، ثم إن ابن أبيّ أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أبيّ، إن كانت سلفت منك مقالة فتب، فجعل يحلف بالله: ما قلت ما قال زيد، ولا تكلمت به! وكان في قومه شريفًا، فكان يظن أنه قد صُدّق، وكان يظن به سوء الظن. (انظر مغازي الواقدي (2/ 416)
فقال له عمر: يا رسول الله! إيذن لي أن أضرب عنق ابن أبيّ في مقالته، فقال رسول الله ﷺ: أو كنت فاعلًا؟ قال: نعم، والذي بعثك بالحق! قال رسول الله ﷺ: إذا لأرعدت له آنُفٌ بيثرب كثيرة، لو أمرتهم بقتله قتلوه، قلت: يا رسول الله، فمُر محمد بن مسلمة يقتله، قال: لا يتحدث الناس أن محمدًا قتل أصحابه، قال، فقلت: فمُر الناس بالرحيل، قال: نعم، فأُذّن بالرحيل فى الناس. (انظر مغازي الواقدي (2/ 418)
وبلغ ابنه عبد الله ابن عبد الله بن أبيّ مقالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله ﷺ: مر محمد بن مسلمة يأتك برأسه، فجاء إلى النبى: ﷺ، فقال: يا رسول الله! إن كنت تريد أن تقتل أبيّ فيما بلغك عنه فمرني، فو الله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله، لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالد مني، وما أكل طعامًا منذ كذا وكذا من الدهر، ولا يشرب شرابًا إلا بيدي، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبيّ يمشي في الناس، فأقتله فأدخل النار، وعفوك أفضل، ومنك أعظم، قال رسول الله ﷺ: يا عبد الله، ما أردت قتله وما أمرت به، ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا. (انظر مغازي الواقدي (2/ 420)
ونزلت في ابن أبيّ وحده سورة من أولها إلى آخرها: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ ﴾، ولعل هذا أول قرآن مكذّب لابن سلول ومعيّنٌ لنفاقه، فأظهر التوبة وبقيت الآيات تُتلى فيه، فمر عبادة بن الصامت بعبد الله بن أبيّ عشية راح النبي ﷺ من المريسيع، بعد أن نزلت سورة المنافقون فلم يسلم عليه، ثم مر أوس بن خولي فلم يسلم عليه، فقال ابن أبيّ: إن هذا الأمر قد تمالأتما عليه، فرجعا إليه فأنباه وبكتاه بما صنع، وبما نزل من القرآن إكذابًا لحديثه، وجعل أوس بن خولي يقول: لا أكذب عنك أبدًا حتى أعلم أن قد تركت ما أنت عليه وتبت إلى الله، إنا أقبلنا على زيد بن أرقم نلومه ونقول له: كذبت على رجل من قومك، حتى نزل القرآن بتصديق حديث زيد وإكذاب حديثك، وجعل بن أبيّ يقول: لا أعود أبدا!
ولعلنا نلحظ إصرار النبي ﷺ على الكف عنهم ثم معالجة الآثار المترتبة على نفاقهم بالحكمة، فلم يشعر أهل العسكر إلا برسول الله ﷺ قد طلع على راحلته القصواء، وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد، فأسرع بالناس ليَدَعوا حديث ابن أبيّ، فكان يستحث راحلته ويخلف بالسوط في مراقها، ولقد راح الناس وهم يتحدثون بمقالة ابن أبيّ وما كان منه، فما هو إلا أن أخذهم السهر والتعب بالمسير، فما نزلوا حتى ما يسمع لقول ابن أبيّ في أفواههم، فلما نزلوا وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. (انظر مغازي الواقدي (2/ 422)
(7): مقالة الإفك (شعبان 5 هـ)
مقالة الإفك: وفي طريق العودة من نفس الغزوة، هاجت مقالة الإفك وكان عبد الله بن أبيّ أول من ابتدأ الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يَقُود بها! ثم كانوا يجتمعون في بيته، فيُتَحدّث به عنده فيقره ويسمعه ويستوشيه، والعصبة كما أخبر الله الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولا يقال عصبة لأقل من عشرة. (انظر تفسير الطبري (17/ 195) (انظر المحرر الوجيز لابن عطية (4/ 169)
وخاض الناس في قول أصحاب الإفك، حتى هلك في ذلك بعض الصالحين، مما اضطر رسول الله ﷺ لوضع حد ذلك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: من يعذُرني ممن يؤذيني في أهلي؟ ويقولون لرجل، والله ما علمت على ذلك الرجل إلا خيرًا، وما كان يدخل بيتا من بيوتي إلا معي، ويقولون عليه غير الحق.
فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن يك من الأوس آتك برأسه، وإن يك من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك نمضي لك، فقام سعد بن عبادة – وكان قبل ذلك رجلا صالحًا، ولكن الغضب بلغ منه، وعلى ذلك ما غمص عليه في نفاق ولا غير ذلك إلا أن الغضب يبلغ من أهله – فقال: كذبت لعمر الله! لا تقتله ولا تقدر على قتله، والله، ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنه من الخزرج، ولو كان من الأوس ما قلت ذلك، ولكنك تأخذنا بالذحول كانت بيننا وبينك في الجاهلية، وقد محا الله ذلك!
فقال أسيد بن حضير: كذبت والله! لنقتلنه وأنفك راغم، فإنك منافق تجادل عن المنافقين! والله، لو نعلم ما يهوى رسول الله من ذلك في رهطي الأدنين ما رام رسول الله مكانه حتى آتيه برأسه، ولكني لا أدري ما يهوى رسول الله! قال سعد بن عبادة: تأبون يا آل أوس إلا أن تأخذونا بذحول كانت في الجاهلية، والله، ما لكم بذكرها حاجة، وإنكم لتعرفون لمن الغلبة فيها، وقد محا الله بالإسلام ذلك كله.
فقام أسيد بن حضير فقال: قد رأيت موطننا يوم بعاث! ثم تغالظوا، وغضب سعد بن عبادة فنادى: يا آل خزرج! فانحازت الخزرج كلها إلى سعد بن عبادة، ونادى سعد بن معاذ: يا آل أوس! فانحازت الأوس كلها إلى سعد بن معاذ، وخرج الحارث بن حزمة مغيرًا حتى أتى بالسيف يقول: أضرب به رأس النفاق وكهفه، فلقيه أسيد بن حضير وهو في رهطه وقال: ارم به، يُحمل السلاح من غير أمر رسول الله! لو علمنا أن لرسول الله في هذا هوى أو طاعة ما سبقتنا إليه، فرجع الحارث واصطفت الأوس والخزرج، وأشار رسول الله ﷺ إلى الحييّن جميعا أن اسكتوا، ونزل عن المنبر فهدأهم وخفضهم حتى انصرفوا.
وهذا يُفسّر الخيار النبوي بالتهدئة والاحتواء رغم ما أصابه من الأذى في نفسه وأهله، إذا البديل فتنة واقتتال، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم؛ وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدًا يقتل أصحابه؛ ولهذا لما خاطب الناس في قصة الإفك بما خاطبهم به واعتذر منه وقال له سعد بن معاذ قولًا الذي أحسن فيه: حمي له سعد بن عبادة مع حسن إيمانه. (انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/ 131)
وأنزل الله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَة مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّا لَّكُمۖ ﴾ [النور: 11] الآيات، فخرج رسول الله ﷺ إلى الناس مسرورًا فصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم تلا عليهم بما نزل عليه في براءة عائشة، ثم سعى في الصلح بين الأوس والخزرج وإذهاب ما كان في أنفسهم من ذلك القول الذي تقاولا، والراجح أن رسول الله ﷺ لم يحد أحدًا في الإفك، حتى الذي تولى كبره منهم، إطفاء لنار الفتنة التي بدأت ثائرتها بين الأوس والخزرج. (انظر مغازي الواقدي (2/ 429) (نظر النكت والعيون للماوردي (4/ 81) (انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (12/ 202)
ثم كان النبي ﷺ يقرع المنافقين كل جمعة ويوبخهم بقراءة سورة المنافقين على جمع الناس، فصح أنها كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقين. (انظر صحيح مسلم رقم: 64 – (879) (انظر مصنف ابن أبي شيبة رقم: 5567)
وعلى الرغم من الفتنة الكبيرة التي نفخ فيها المنافقون إلا إن الصبر وحسن التصرف قد أثمر توظيفًا إيجابيًا للمؤمنين، وخصمًا أعظم من رصيد المنافقين المجتمعي، فجعل بعد ذلك اليوم إذا أحدث ابن أبيّ الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه ويتوعدونه، ولم يكن بعد ذلك ينصره أحد ولا يتكلم فيه أحد، فلقد كان رجل من بني ثعلبة يأتيه وهو جالس في المسجد فيأخذ بلحيته ويقول: اخرج منافق، خبيث، فيقول: أما أحد يَنصرني من أسيد بني ثعلبة، هذا فما يتكلم فيه أحد، وروى أن رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم: كيف ترى يا عمر؟! أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله لأرعدت له آنُف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته، فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري. (انظر تفسير الطبري (22/ 670) (انظر تفسير القرآن من الجامع لابن وهب (1/ 150)
وهكذا نلحظ كيف استطاع النبي ﷺ في ظرف ثلاث سنوات على التقريب أن يفكك هذا الجيب النفاقي الخطير بالصبر والحكمة، وكسب المواقف وقلبها على الخصم شيئًا فشيئًا، مع تفادي وقوع فتنة مجتمعية، ونلحظ أن النفاق بعد ذلك تحول إلى حالات فردية أو جيوب صغيرة يتم رصدها والتعامل معها سريعًا، وسيأتي التدليل على ذلك.
(8): الحصار الداخلي (5 هـ – 8 هـ)
الحصار الداخلي: فلم يزل القرآن ينزل بالتحذير من اتخاذ بطانة أو وليجة من دون المؤمنين، يقول تعالى: ﴿ لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ ﴾ [آل عمران:28]، ويقول: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ﴾ [النساء: 144]، ويقول: ﴿ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَة ﴾ [التوبة:16]، وآيات غيرها، وقد كان لإجلاء اليهود المجموعة تلو الأخرى الأثر الظاهر في الحصار الداخلي للمنافقين في المدينة، وحرمانهم من الظهير والراعي المؤجج لتلك الظاهرة وذلك الإفساد.
كما نزل القرآن بقطع خطوط الاتصال بين المنافقين في المدينة والمتربصين خارجها، وحرمانهم فرصة الاستقواء بهم أو يتحولوا في أقل أحوالهم إلى عيون تكشف عورات المؤمنين، فأوجب الله هجرة إلى دار الإيمان على كل مُدّعٍ للإيمان، وقطع الولاية عن المترددين مطلقًا وإن أظهروا الإسلام، مع استثناءات فصّلَها، بل أمر بالحمل عليهم ومجاهرتهم بالقتال، فقال تعالى: ﴿ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء: 89]، وقال تعالى أيضا في شأن نصرتهم: ﴿ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ ﴾ [الأنفال: 72] (انظر المحرر الوجيز لابن عطية (2/ 89)
وأصل ذلك أن قومًا كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يُظاهرون المشركين، وقيل هاجروا من مكة إلى المدينة، فقدموا وأرادوا الرجعة، فقال بعضهم: نخرج كهيئة البُداة، فإذا غفل عنا مضينا إلى مكة، فجعلوا يتحولون منقلة منقلة، حتى تبَاعدوا من المدينة، ثم إنهم أدلجوا حتى أصبحوا قد قطعوا أرضًا بعيدة، فلحقوا بمكة، فكتبوا إلى النبي ﷺ: إنا على ما فرقناك عليه، ولكنا اشتقنا إلى بلادنا وإخوتنا بمكة، ثم إنهم خرجوا تجارًا إلى الشام، واستبضعهم أهل مكة بضائعهم، فقالوا لهم: أنتم على دين محمد ﷺ وأصحابه، فلا بأس عليكم، فساروا، وبلغ المسلمين أمرهم، فقالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! تقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم؟ تستحل دماؤهم وأموالهم لذلك؟ فكانوا كذلك فئتين، والرسول ﷺ عندهم لا ينهى واحدًا من الفريقين عن شيء، فنزل قول الله تعالى يعظ المؤمنين ليكون أمرهم جميعا عليهم: ﴿ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ ﴾ [النساء: 88] الآية. (انظر تفسير الطبري (7/ 283) (انظر تفسير مقاتل بن سليمان (1/394–395)
ونظرًا لأن المنافق يمثل ثغرة أمنية في جسد المجتمع؛ كان الحرص على الفصل الجغرافي بين مجتمع المؤمنين ومجتمع الكافرين، لا تراءى ناراهما! وكان من النتائج الإيجابية لذلك والله أعلم – بالإضافة للإجراءات الأمنية الأخرى بالتأكيد – أن أحزاب الكفر تفاجأت بالخندق أمامهم، وهو الذي استغرق حفره على العجل ستة أيام في أقل تقدير كما تقول المرويات، وبقي الحصار إلى خمسة عشر يومًا والأحزاب عاجزون عن ثغرة للمدينة، اللهم إلا يهود قريظة، بينما النبي ﷺ بلغه الخبر أول فصول قريش، فاستشار وضرب الخندق على المدينة وفاجأ الأحزاب جميعهم، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. (انظر سيرة ابن هشام (2/ 216) (2/ 224) (انظر مغازي الواقدي (2/ 444) (2/ 477) (2/491)
ولعل ذلك يُفسّر تركيز القرآن على إرجاف المنافقين يوم الأحزاب، فقال تعالى: ﴿ وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورا ﴾ [الأحزاب: 12]، وكانوا يقولون: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك! لذا قال تعالى: ﴿ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: 18]، وقد كان دأبهم في تلك المواقف التربص بالمؤمنين، فإن كان الظهور للكافرين امتنّوا عليهم بأدوارهم الخبيثة، في تحريضهم على المؤمنين والتهوين من أمرهم، وفي نفس الوقت بتخذيل المؤمنين ونقل أخبارهم إلى الكافرين، وهو معنى الاستحواذ والمنع في قول الله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيب قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ ﴾ [النساء: 141]، فالمنافقين – كما تحدثت الآيات وكشفت الأحداث – لم تكن لهم مشاركة فعلية في الغدر أو الخيانة التي يحلم بها الأحزاب يومئذ، والتي كثيرًا ما تبزغ في لحظات الخوف الشديد والحصار الطويل، بل حتى يهود بني قريظة قد غدروا بعد إلحاح، وهذا يشير إلى نجاح السياسة النبوية في حفظ الجبهة الداخلية. (انظر تفسير الطبري (19/ 50) (انظر التفسير البسيط للواحدي (7/ 158)
(9): الخيانة الحربية (5 هـ – 8 هـ)
الخيانة الحربية: تجلت في بعض المواقف المصنفة نفاقًا، وجرى التعامل معها مراعاة لمنزلة أصحابها ودوافعهم ومآلاتها، فهذا عيينة بن حصن سيد بني فزارة وأحد رؤوس الأحزاب، أعلن إسلامه قبل الفتح بيسير، وكان في المؤلفة وأعطاه النبي ﷺ من الغنائم مائة من الإبل رجاء إسلام قومه لأنه كان رئيسهم، وكان مطاعًا فيهم رغم حمقه، لذلك سماه: الأحمق المطاع، وقيل في إعلان إسلامه أنه أقبل إلى المدينة قبل إسلامه، فتلقاه ركب خارجين من المدينة، فقال: أخبروني عن هذا الرجل، قالوا: الناس فيه ثلاثة، رجل أسلم فهو معه يقاتل قريشا والعرب، ورجل لم يسلم فهو يقاتله فبينهم التذابح، ورجل يظهر له الإسلام ويظهر لقريش أنه معهم، قال: ما يسمى هؤلاء القوم، قالوا: يسمون المنافقين، قال: ما في من وصفتم أحزم من هؤلاء، اشهدوا أني منهم. (انظر الطبقات الكبير (6/ 177)
وأما سبب إيراده هنا فلتحريضه مشركي الطائف على مواصلة القتال وقد جاءهم مبعوثًا من قبل رسول الله ﷺ، فقيل إنه في غزو الطائف قال للنبي ﷺ: يا رسول الله! ايذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلمهم، فأذن له، فدخل عليهم الحصن، فقال: فداءكم أبي وأمي! والله لقد سرني ما رأيت منكم، والله لو أن في العرب أحدًا غيركم! والله ما لاقى محمد مثلكم قط، ولقد مل المقام، فاثبتوا في حصنكم، فإن حصنكم حصين، وسلاحكم كثير، وماءكم واتن، لا تخافون قطعه! قال: فلما خرج قالت ثقيف لأبي محجن: فإنا كرهنا دخوله، وخشينا أن يخبر محمدًا بخلل إن رآه فينا أو في حصننا، قال أبو محجن: أنا كنت أعرف له، ليس منا أحد أشد على محمد منه وإن كان معه، فلما رجع إلى النبي ﷺ قال له: ما قلت لهم؟ قال: قلت ادخلوا في الإسلام، والله لا يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لأنفسكم أمانًا، قد نزل بساحة أهل الحصون قبلكم، قينقاع والنضير وقريظة وخيبر أهل الحلقة والعدة والآطام، فخذلتهم ما استطعت، ورسول الله ﷺ ساكت عنه، حتى إذا فرغ من حديثه، قال له رسول الله ﷺ: كذبت! قلت لهم كذا وكذا! للذي قال، قال عيينة: أستغفر الله! فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أقدمه فأضرب عنقه، قال رسول الله ﷺ: لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي.
ويقال: إن أبا بكر رضي الله عنه أغلظ، له يومئذ وقال: ويحك يا عيينة! إنما أنت أبدًا تُوضع في الباطل، كم لنا منك من يوم بني النضير وقريظة وخيبر، تجلب علينا وتقاتلنا بسيفك، ثم أسلمت كما زعمت فتُحرّض علينا عدونا! قال: أستغفر الله يا أبا بكر وأتوب إليه، لا أعود أبدا! (انظر مغازي الواقدي (3/ 932)
ولم يزل معدودًا في أهل الجفاء حتى ارتد وآمن بطليحة، وأخذ أسيرًا، فجعل الصبيان يقولون له- وهو يساق إلى أبي بكر- ويحك! يا عدو الله ارتددت بعد إيمانك، فيقول: والله ما كنت آمنت، ثم أسلم في الظاهر، ولم يزل جافيا أحمق حتى مات. (انظر الروض الأنف للسهيلي (7/ 287)
وأما لبابة بن عبد المنذر – وقد كان بدريًا – فقد سرب لبني قريظة – وكانوا حلفاءه في الجاهلية – سرًا عسكريًا، أن محمدا قد أبى إلا أن ننزل على حكمه، فقالوا: أفننزل؟ قال: نعم، فانزلوا – وأومأ إلى حلقه، هو الذبح! قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، فنزل فارتبط إلى أسطوانة بالمسجد، وبلغ رسول الله ﷺ أمره، فقال: دعوه حتى يحدث الله فيه ما يشاء، لو كان جاءني استغفرت له، فأما إذ لم يأتني وذهب فدعوه!
وارتبط أبو لبابة سبعًا بين يوم وليلة في حر شديد، لا يأكل فيهن ولا يشرب، وقال: لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله علي، قال: فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد، ورسول الله ﷺ ينظر إليه بكرة وعشية، ثم تاب الله تعالى عليه فنودي: إن الله قد تاب عليك! وأرسل النبي ﷺ إليه ليطلق عنه رباطه، فأبى أن يطلقه عنه أحد غير رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ بنفسه فأطلقه وأنزل الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27] (انظر مغازي الواقدي (2/ 506) (وانظر تفسير الطبري (11/ 122)
وأما حاطب ين أبي بلتعة – وقد كان بدريًا أيضًا – فقد كتب إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ، وأعطى الكتاب امرأة من مزينة، وجعل لها جعلا على أن توصله قريشا، وآتي رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فأدركها أصحابه، وجاؤوا بكتابه إلى رسول الله ﷺ، فدعا حاطبا فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله! إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت! ولكنى كنت امرءًا ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد فصانعتهم، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قاتلك الله! ترى رسول الله يأخذ بالأنقاب وتكتب الكتب إلى قريش تحذرهم؟ دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد نافق! فقال رسول الله ﷺ: وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع يوم بدر على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم! وأنزل الله عز وجل في حاطب: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ ﴾ [الممتحنة:1] إلى آخر الآية. (انظر مغازي الواقدي (2/ 797)
وتشير هذه المواقف في الجملة إلى أن الثغرات الأمنية رغم إحكام القبضة ستبقى مع أسبابها، إما نفاقًا أو ضعفًا أو تأولًا أو غير ذلك، لكنها تبقى محدودة العدد محدودة العواقب، بالنسبة لمجتمع عسكري لا تمر عليه أشهر معدودة بلا سرية أو غزوة أو عمل أمني.
(10): خلية العقبة (رجب 9 هـ)
خلية العقبة: وكانت أجرَأ تحرك لمجموعة نفاقية وأخطره، حيث استهدف بالإيذاء البدني لنبي مرسل ورأس الدولة، ولا توضح المصادر من رواء هذه المجموعة الغامضة، فإن عامة المنافقين قد آثروا القعود عن الجهاد في تبوك لقول الله تعالى: ﴿ لَوۡ كَانَ عَرَضا قَرِيبا وَسَفَرا قَاصِدا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ ﴾ [التوبة: 42]، إلا مجموعة خرجت ساعية إلى انتهاز فرصة للنيل من رسول الله ﷺ، فلما أقبل قافلاً من تبوك أمر مناديًا فنادى: إن رسول الله أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، وقال للناس: اسلكوا بطن الوادي، فإنه أسهل لكم وأوسع! فسلك الناس بطن الوادي وسلك رسول الله ﷺ العقبة، وأمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة يقودها، وأمر حذيفة بن اليمان يسوق من خلفه، فلما بلغ العقبة إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، وقد ائتمروا أن يطرحوه من تلك العقبة، فسمع رسول الله ﷺ حس القوم قد غشوه، وأنفروا بالنبي؛ فسقط بعض متاع رحله، فغضب رسول الله ﷺ وأمر حذيفة أن يردهم، فرجع حذيفة إليهم وقد رأوا غضب رسول الله ﷺ، فجعل يضرب وجوه رواحلهم بمحجن في يده. (انظر مسند أحمد رقم: 23792)
وظن القوم أن رسول الله ﷺ قد أطلع على مكرهم، فانحطوا من العقبة مسرعين حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أتى رسول الله ﷺ فساق به، فلما خرج رسول الله ﷺ من العقبة نزل الناس، فقال النبي ﷺ: يا حذيفة، هل عرفت أحدًا من الركب الذين رددتهم؟ قال: يا رسول الله، عرفت راحلة فلان وفلان، وكان القوم متلثمين فلم أبصرهم من أجل ظلمة الليل، فقال رسول الله ﷺ: فإنهم فلان وفلان حتى عدهم كلهم، فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: أكره أن تقول العرب، لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيناهم الله بالدبيلة، قيل: وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يوضع على نياط قلب أحدهم فيقتله. (انظر تفسير البغوي (4/ 69) (انظر المعجم الأوسط للطبراني رقم: 8100)
فلما أصبح قال له أسيد بن الحضير: يا رسول الله! ما منعك البارحة من سلوك الوادي، فقد كان أسهل من العقبة؟ قال: يا أبا يحيى، أتدري ما أراد البارحة المنافقون وما اهتموا به؟ قالوا: نتبعه في العقبة، فإذا أظلم الليل عليه قطعوا أنساع راحلتي ونخسوها حتى يطرحوني من راحلتي، فقال أسيد: يا رسول الله! فقد اجتمع الناس ونزلوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي هم بهذا، فيكون الرجل من عشيرته هو الذي يقتله، وإن أحببت، والذي بعثك بالحق، فنبئني بهم، فلا تبرح حتى آتيكم برءوسهم، وإن كانوا في النبيت فكفيتكهم، وأمرت سيد الخزرج فكفاك من في ناحيته، فإن مثل هؤلاء يُتركون يا رسول الله؟! حتى متى نداهنهم وقد صاروا اليوم في القلة والذلة، وضرب الإسلام بجرانه! فما يستبقى من هؤلاء؟ قال رسول الله ﷺ لأسيد: إني أكره أن يقول الناس إن محمدًا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه! فقال: يا رسول الله، فهؤلاء ليسوا بأصحاب! قال رسول الله ﷺ: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولا شهادة لهم! قال: أليس يظهرون أني رسول الله؟ قال: بلى، ولا شهادة لهم! قال: فقد نهيت عن قتل أولئك.
وكان أهل العقبة الذين أرادوا بالنبي ﷺ ثلاثة عشر رجلا، قد سماهم رسول الله ﷺ لحذيفة، وقال له: إني مسرٌ إليك أمرًا فلا تذكرنّه، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان وفلان، فلما توفي رسول الله ﷺ، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته إذا مات رجل ممن يظن أنه من أولئك الرهط، أخذ بيد حذيفة فقاده إلى الصلاة عليه فإن مشى معه حذيفة صلى عليه عمر، وإن انتزع يده وأبى أن يمشي انصرف معه. (انظر مغازي الواقدي (3/ 1042) (انظر صحيح مسلم رقم: 11 – (2779)
ولعل اختيار النبي ﷺ استيداع هذا السر عند واحد بعينه وهو حذيفة رضى الله عنه لمعنىً أكبر من حفظ السر، وهو متابعة هؤلاء النفر ميدانيًا مخافة أن تكون لهم محاولات إفساد أخرى، وكذلك تحذير دوائر صنع القرار في حال وجود تعاون مع أحدهم، كما قال تعالى: ﴿ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ ﴾ [المنافقون: 4]، كل ذلك دون فضحهم وإغلاق طريق العودة أمامهم.
(11): نفوق ابن سلول (ذي القعدة 9 هـ)
طي صفحة ابن سلول: مرض من كان رأسًا للنفاق، فكان النبي ﷺ يعوده في مرضه الذي طال عشرين ليلة، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه، فقال: قد نهيتُك عن حب اليهود! فقال عبد الله بن أبيّ: أبغضهم سعد بن زرارة فما نفعه! ثم قال ابن أبيّ: يا رسول الله، ليس بحين عتاب! هو الموت، فإن مت فاحضر غسلي وأعطني قميصك أكفن فيه، فأعطاه الأعلى – وكان عليه قميصان – فقال: الذي يلي جلدك.
فنزع قميصه الذي يلي جلده فأعطاه، ثم قال: صل علي واستغفر لي! فحضر غسله وحضر كفنه، ثم حمل إلى موضع الجنائز فتقدم رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام وثب إليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا كذا ويوم كذا كذا؟ فعدّ عليه قوله، فتبسم النبي ﷺ وقال: أخرّ عني يا عمر! فلما أكثر عليه عمر قال: إني قد خُيّرت فاخترت، ولو أعلم أني إذا زدت على السبعين غفر له زدت عليها، وهو قوله عز وجل: ﴿ ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّة فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ ﴾ [التوبة: 80] فيقال إنه قال: سأزيد على السبعين.
فصلى رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يكن إلا يسيرا حتى نزلت هذه الآيات من براءة: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَد مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦ ﴾ [التوبة: 84]، ويقال إنه لم تزل قدماه بعد دفنه حتى نزلت عليه هذه الآية، فعرف رسول الله ﷺ في هذه الآية المنافقين، فكان من مات لم يصل عليه.
فكان عمرو بن أمية الضمري يحدث يقول: لقد جهدنا أن ندنو من سريره فما نقدر عليه، قد غلب عليه هؤلاء المنافقون وكانوا قد أظهروا الإسلام، وهم على النفاق، من بني قينقاع وغيرهم: سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، وسلامة بن الحمام، ونعمان بن أبي عامر، ورافع بن حرملة، ومالك بن أبي نوفل، وداعس، وسويد، وكانوا أخابث المنافقين، وكانوا هم الذين يعرضونه، وكان ابنه عبد الله ليس شيء أثقل عليه ولا أعظم من رؤيتهم، وكان به بطن، فكان ابنه يغلق دونهم الباب، فكان ابن أبيّ يقول: لا يليني غيرهم، ويقول: أنت والله أحب إلي من الماء على الظمأ، ويقولون: ليت أنا نفديك بالأنفس والأولاد والأموال! فلما وقفوا على حفرته، ورسول الله ﷺ واقف يلحظهم، ازدحموا على النزول في حفرته وارتفعت الأصوات، وجعل عبادة بن الصامت يذبهم ويقول: اخفضوا أصواتكم عند رسول الله! حتى أصيب أنف داعس فسال الدم، وكان يريد أن ينزل في حفرته، فنحي ونزل رجال من قومه، أهل فضل وإسلام، وكان لما رأوا من رسول الله ﷺ من الصلاة عليه وحضوره، ومن القيام عليه، فنزل في حفرته ابنه عبد الله، وسعد بن عبادة بن الصامت، وأوس بن خولي حتى سُوّي عليه، وإن عليه أصحاب النبي ﷺ والأكابر من الأوس والخزرج يدلونه في اللحد، وهم قيام مع النبي ﷺ، ثم قام على القبر حتى دفن، وعزى ابنه وانصرف.
وجاء أن النبي ﷺ أتى عبد الله بن أبيّ بعد ما أدخل قبره، فأمر به فأخرج، ووضع على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، والله أعلم. (انظر صحيح البخاري رقم: 5459)
وكان مأتمًا مشهودًا، فلم تتخلف امرأة من الأوس والخروج إلا أتت ابنته جميلة بنت عبد الله بن أبى، وهي تقول: وا جبلاه! – ما ينهاها أحدٌ ولا يعيب عليها – وا جبلاه! واركناه! قالوا: ولقد انتهي به إلى قبره، وأما أصحابه من المنافقين فكانوا يحثون في القبر التراب ويقولون: يا ليت أنا فديناك بالأنفس وكنا قبلك! وهم يحثوا التراب على رؤوسهم، فكان الذي يحسن أمره يقول: قوم أهل فقر، وكان يحسن إليهم! (انظر مغازي الواقدي (3/ 1057)
وهكذا يؤسس النبي ﷺ لمعاملة الدين لظاهر الناس لا ما تخفيه بواطنهم من الكفر والنفاق، وقد اتفق العلماء على أن اسم المسلمين في الظاهر يجري على المنافقين لأنهم استسلموا ظاهرا؛ وأتو بما أتوا به من الأعمال الظاهرة بالصلاة الظاهرة والزكاة الظاهرة والحج الظاهر والجهاد الظاهر كما كان النبي يجري عليهم أحكام الإسلام الظاهر. (انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/ 351)
ولولا أن القرآن نزل بإكفاره، لعُدّ في الظاهر من أصحاب رسول الله ﷺ، قال القاضي ابن العربي: فأخبر عنه بالكفر والموت على الفسق، وهذا عموم في الذي نزلت الآية بسببه، وفي كل منافق مثله. (انظر أحكام القرآن لابن العربي (2/ 560)
وروى أن عمر لامه في إعطاء ابن سلول قميصه فقال : وما يغني عنه قميصي من الله! وإني لأرجو أن يُسلم به ألفٌ من قومه، ووقع في مغازي ابن إسحاق وفي بعض كتب التفسير: فأسلم وتاب لهذه الفعلة من رسول الله ﷺ ألف رجل من الخزرج، قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، قاله من لم يعرف عِدة الأنصار. (انظر تفسير الطبري (14/ 410) (انظر المحرر الوجيز لابن عطية (3/ 68)
(12): الفاضحة (رجب 9 هـ – … )
الفاضحة: لم يزل القرآن يتنزّل منجمًا يعالج نماذج النفاق ومقالاتهم أولًا بأول مع الأحداث، حتى خرج رسول الله ﷺ لغزو الروم في تبوك، في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحرّ، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، وأحبت الظلال، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص منها، فاتخذ المنافقون منها موقف الانسحاب والمقاطعة، فمنهم من استأذن من غير علة فأذن لهم، ومنهم من تسلل ومنهم من قعد، وكان المنافقون الذين استأذنوا بضعة وثمانين.
وأقبل عبد الله بن أبيّ بعسكره، فضربه على ثنية الوداع بحذاء ذباب، معه حلفاؤه من اليهود والمنافقين ممن اجتمع إليه، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين، – وهي مبالغة واضحة – وأقام رسول الله ﷺ ما أقام، فلما سار تخلف ابن أبيّ فيمن تخلف من المنافقين، وقال: يغزو محمد بني الأصفر، مع جهد الحال والحر والبلد البعيد، إلى ما لا قبل له به! يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ ونافق معه من هو على مثل رأيه، ثم قال ابن أبيّ: والله لكأني أنظر إلى أصحابه غدًا مقرنين في الحبال! إرجافًا برسول الله ﷺ وأصحابه. (انظر مغازي الواقدي (3/ 995)
وقيل بل إنه كان ممن استأذن فأذن لهم رسول الله، وهو الأصح والله أعلم والأشبه بالآيات: ﴿ لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّة وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ [التوبة: 44-47]، فقيل كان الذين استأذنوا من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبيّ بن سلول، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وكانوا أشرافًا في قومهم، فثبطهم الله؛ لعلمه بهم أن يخرجوا معهم فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم، وطاعة فيما يدعونهم إليه؛ لشرفهم فيهم، فقال: ﴿ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ ﴾، وفيهم أنزل الله أيضًا: ﴿ لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ ﴾ [التوبة: 48] (انظر تفسير الطبري (11/ 489) (11/ 486)
والإشارة واضحة إلى أعداد كبيرة من المنافقين شاركت في هذا التخذيل والإرجاف بصور مختلفة، فنزلت سورة شديدة تفضح صور النفاق وممارساته وتقرعهم بخبائث نفوسهم، وهي سورة التوبة، فروي عن حذيفة بن اليمان قال: التي تسمون: سورة التوبة؛ هي سورة العذاب، والله، ما تركت أحدًا إلا نالت منه، ولا تقرءون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها، وقال ابن عباس: بل هي الفاضحة! ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم، حتى ظننا ألا يبقى منا أحد إلا ذكر فيها، وقال عبد الله بن عمر: وهل فعل بالناس الأفاعيل إلا هي؟! ما كنا ندعوها إلا: المقشقشة، والمقشقشة: التي تبرئ من الشرك والنفاق كإبراء المريض من علته، وقيل كانت تسمى: المنقرة؛ نقرت عما في قلوب المشركين، وقيل كان يقال لها: المثيرة، أنبأت بمثالبهم وعوراتهم، وقيل كانت تسمى في زمان النبي ﷺ وبعده: المبعثرة؛ لما كشفت من سرائر الناس. (انظر مصنف ابن أبي شيبة (10/ 554) (انظر فضائل القرآن لأبي عبيد (130) (انظر تفسير الطبري (11/ 542)
كل ذلك يؤكد وَقع السورة عليهم وعملها في نفوسهم، وقد كانوا قبلُ يحذرون نزول مثلها، فكانوا يقولون القول فيما بينهم، ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا هذا! فجمع الله مثالبهم فيها، قرآنا يتلوه الناس إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَة تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِج مَّا تَحۡذَرُونَ ﴾ [التوبة: 64] (انظر تفسير الطبري (11/ 541)
ولهذا لما كشفهم الله بسورة براءة بقوله: منهم، منهم، صار يُعرف نفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك، فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس منهم، وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزمة لنفاقهم، وإن كان بعضهم يظن ذلك وبعضهم يعلمه، فلم يكن نفاقهم معلومًا عند الجماعة، بخلاف حالهم لما نزل القرآن؛ ولهذا لما نزلت سورة براءة كتموا النفاق وما بقى يمكنهم من إظهاره أحيانًا ما كان يمكنهم قبل ذلك. (انظر الإيمان لابن تيمية (170)
كما نزلت العقوبة على طائفة منهم – قيل إنهم اثنى عشر منافقًا ممن تخلفوا – بالتشديد في حرمانهم من ذلك الفضل، فلا تخرج مع النبي في غزو ولا تقاتل معه عدوًا، كما أنها لن تظفر بغنيمة أو تحظى بشرف، وهما مُبتَغَى المنافق، قال تعالى: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَة مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّة فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَد مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ﴾ [التوبة: 83-85]، ويشبه أن تكون هذه الطائفة قد ختم عليها بالموافاة على النفاق، وُعيّنوا للنبي ﷺ، وإلا فكيف يترتب ألا يصلي على موتاهم إن لم يعيّنهم له!، يؤيد هذا ما روي أن النبي ﷺ عينهم لحذيفة بن اليمان. (انظر المحرر الوجيز لابن عطية (3/ 66)
ولم تقتصر السياسة بعد نزول سورة براءة على التعريض بالآمارات أو الإسرار ببعض الأسماء للخواص، بل جاءت سياسة الإبهام للأعيان والحصر في مجموعة منهم لتضييق الخناق عليهم، لعلهم يرتدعون، فروي أن رسول الله ﷺ خطب خطبة فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: إن فيكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال: إن فيكم، أو منكم، فاتقوا الله! قال: فمرّ عمر على رجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه قال: ما لك؟ قال: فحدثه بما قال رسول الله ﷺ فقال: بعدًا لك سائر اليوم. (انظر مسند أحمد رقم: 22348) (انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (14/247)
(13): مسجد الضرار (رجب 9 هـ)
مسجد الضرار: وهم مجموعة تمالأت مع أبي عامر الراهب – الهارب إلى الشام – على بناء مسجد يأويهم، ويكون ملتقى مجامعهم ومنطلق تحركاتهم، تحت ستار من إرادة الخير، فقالوا: يا رسول الله، إنا رسل من خلفنا من أصحابنا، إنا قد بنينا مسجدًا لذي القلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، ونحن نحب أن تأتينا فتصلي بنا فيه! ورسول الله ﷺ يتجهز إلى تبوك، قال رسول الله ﷺ: إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا بكم فيه، فلما نزل رسول الله ﷺ بذي أوان راجعًا من تبوك أتاه خبره وخبر أهله من السماء، وكانوا إنما بنوه، قالوا بينهم: يأتينا أبو عامر فيتحدث عندنا فيه، فإنه يقول: لا أستطيع آتي مسجد بني عمرو بن عوف، إنما أصحاب رسول الله يلحظوننا بأبصارهم، فشق ذلك عليهم وأرادوا مسجدًا يكونون فيه لا يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم، فكان أبو عامر يقول: لا أقدر أن أدخل مربدكم هذا! وذاك أن أصحاب محمد يلحظونني وينالون مني ما أكره، قالوا: نحن نبني مسجدًا تتحدث فيه عندنا.
فدعا رسول الله ﷺ رجلين من أصحابه، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالمِ أهله، فاهدماه ثم حرّقاه! فدخل أحدهما إلى أهله فأخذ سعفًا من النخل فأشعل فيه النار، ثم خرجا سريعين يعدوان حتى انتهيا إليه بين المغرب والعشاء وهم فيه، فأحرقاه حتى احترق، وكان الذي ثبت فيه من بينهم زيد بن جارية بن عامر حتى احترقت أليته، فهدماه حتى وضعاه بالأرض وتفرقوا، وكان الذين بنوا مسجد الضرار خمسة عشر رجلًا. (انظر مغازي الواقدي (3/ 1045) (3/ 1049)
ونزل الوحي على النبي ﷺ بفضح النوايا الخبيثة لتلك الخلية من وراء بناء ذلك المسجد فلم يتردد في حرقة وتسويته بالأرض بلا إنذار، فقد كان هذا المسجد يمثل قاعدة موازية للإرجاف المنظم، وتمرير أعمال تخريبية عابرة للحدود كما قال تعالى: ﴿ وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ ﴾ [التوبة: 107]، يعني أبا عامر الفاسق، وهو أبي عامر عبد عمرو، المعروف بالراهب لتنسكه بالجاهلية، وكان سيدًا نظيرًا وقريبًا من عبد الله بن أبيّ ابن سلول وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة واجتمع عليه الناس وأظهره الله يوم بدر شرِق اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعداوة ونافق، ولم يزل مجاهرًا بذلك فسماه رسول الله ﷺ الفاسق، ولازال محاربًا لرسول الله مؤلبًا عليه، فلما فتح الله مكة هرب إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج هاربًا إلى الشام يريد قيصر مستنصرًا به على رسول الله ﷺ، فوعده ومناه، وكتب إلى قومه المنافقين منهم أن ابنوا مسجدًا مقاومة لمسجد قباء وتحقيرًا له، فإني سآتي بجيش من الروم أخرج به محمدًا وأصحابه من المدينة فبنوه وأحكموه. (انظر تفسير ابن عطية وابن كثير للآيات)
وكان ظاهره هدفًا مشروعًا – لا ينكره عاقل – الرفق بالمسلمين والمنفعة والتوسعة على أهل الضعف والعلة ومن عجز عن المصير إلى مسجد رسول الله ﷺ للصلاة فيه: ﴿ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ ﴾ [التوبة: 107]، فجاءوا يخادعون النبي ﷺ ويقولون: يا رسول الله، قد بنينا مسجدًا لذي العلّة والحاجة، والليلة المطِيرة والشاتية، وربما جاء السيلُ فيقطع بيننا وبين الوادي، ويحول بيننا وبين القوم، ونصلي في مسجدنا، فإذا ذهب السيل صلينا معهم! إنا وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه! (انظر تفسير الطبري وابن كثير للآية)
وخلية العقبة ومجموعة مسجد الضرار تؤكدان أن النفاق لم يكن ينحصر في ابن سلول وجيبه، بل كان للنفاق جيوبٌ وخلايا لها أذرع ورؤوس، وظل المسلمون متربصين لها يواجهونها الواحد تلو الآخر، كلما خرج منهم قرن قُطع.
(14): المارقة (8 هـ – 10 هـ)
المارقة: وهم أعراب دخلوا الإسلام بعد الفتح وعُرفوا بالنفاق، قال الله فيهم: ﴿ ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرا وَنِفَاقا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَما وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم ﴾ [التوبة: 97-98]، وقال: ﴿ وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ﴾ [التوبة: 101]
ولعل من هؤلاء ذو الخويصرة التميمي، وسماه بعضهم: حرقوصًا، وذكرت له وقعتان، إحداهما ما وقع عام الجعرانة – وهو العام الثامن من الهجرة – ورسول الله ﷺ يقسم فضة في ثوب بلال للناس، فقال رجل: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟! لقد خبت إن لم أكن أعدل، فقال: عمر: يا رسول الله، دعني أقتل هذا المنافق! فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم – أو تراقيهم – يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿ وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ ﴾ [التوبة: 58]. (انظر مسند أحمد: رقم 14804) (انظر صحيح البخاري رقم: 3610)
والأخرى لما بعث عليٌ وهو باليمن إلى رسول الله ﷺ بذهيبة في تربتها، – وذلك عام عشرة للهجرة – فقسمها رسول الله ﷺ، بين أربعة ذَكرهم، فأقبل رجل غائر العينين ناتئ الجبين كث اللحية مشرف الوجنتين محلوق الرأس، فقال: يا محمد، اتق الله! فقال: من يطيع الله إذا عصيته! يأمنني على أهل الأرض، ولا تأمنوني؟! قال: فسأل رجل من القوم قتله النبي ﷺ، – قيل خالد بن الوليد – فمنعه، وقال: لا، لعله أن يكون يصلي، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم، فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. (انظر مسند أحمد: رقم 11695)
ويفيد ذلك أن الاعتراض وقع مرتين مختلفتين، في القسمة الأولى (1): قسمة غنائم حنين سنة ثمان للهجرة ولم تكن اليمن فتحت يومئذ، ونفل النبي ﷺ غنائم حنين خلقًا كثيرًا من قريش وأهل نجد، والذي طلب ضرب عنق المعترض عمر t، والقسمة الثانية (2): قسمة الذهيبة التي أرسلها علي من اليمن بعدما استعمله رسول الله ﷺ عليها سنة عشر للهجرة، فقسم الذهيبة بين أربعة من أهل نجد، والذي طلب ضرب عنق المعترض حينئذٍ خالد t، وهكذا فرق ابن تيمية وقال: وإذا كان كذلك فإما (1): أن يكون المعترض في هذه المرة غير ذي الخويصرة، وإما (2): أن يكون المعترض في ذهيبة علي t هو ذو الخويصرة أيضًا، وهو الأشبه والله أعلم. (انظر الصارم المسلول (230-231)
وقد روي أن رسول الله أمر بقتل رجل من هؤلاء المارقة، فجاء أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! إني مررت بوادي كذا وكذا، فإذا رجل متخشّع حسن الهيئة يُصلي، فقال له رسول الله ﷺ: اذهب إليه فاقتله، فذهب إليه أبو بكر فلما رآه على تلك الحالة كره أن يقتله، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ، لعمر: اذهب فاقتله، فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر فكره أن يقتله فرجع، فقال: يا رسول الله إني رأيته يُصلي متخشعًا فكرهت أن أقتله، قال: يا علي! اذهب فاقتله، فذهب علي فلم يره، فرجع فقال: يا رسول الله إني لم أره، فقال رسول الله ﷺ: إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه؛ فاقتلوهم هم شر البرية، وروي أن رسول الله ﷺ قال: لو قُتل ما اختلف من أمتى رجلان، كان أولهم وآخرهم. (انظر مسند أحمد رقم: 11118) (انظر مسند أبي يعلى رقم: 4143)
فلو صح ذلك يكون النبي ﷺ قد امتنع من قتله أولًا دفعًا لمفسدة مقالة أن محمدًا يقتل أصحابه، ثم أذن بقتله أخيرًا لما انتفت هذه المفسدة وخَشي افتتان الناس بعبادته وتخشعه، والفتنة التي تأتي من ورائهم، وبذلك يكون ذو الخويصرة أول خارجي خرج في الإسلام كما قال ابن الجوزي، ويكون من ضئضئه المارقة الذين حذر منهم، قال ابن كثير: وليس المراد به أنه يخرج من صلبه ونسله؛ لأن (الخوارج) الذين ذكرنا لم يكونوا من سلالة هذا، بل ولا أعلم أحدًا منهم من نسله، وإنما المراد: من ضئضئ هذا؛ أي مِن شكله وعلى صفته فعلا وقولا والله أعلم، وهذا الشكل وهذه الصفة كثيرة في الناس جدًا في كل زمان وكل مكان، في قراء القرآن وغيرهم لمن تأملها. (انظر فتح الباري لابن حجر (12/299) (انظر تلبيس إبليس: (1/82) (انظر الفتاوى: (19/71) (انظر البداية والنهاية لابن كثير (10/618)
وقد قيل إن الأمر بالصبر على أذاهم قد نُسخ أخيرًا، لما أنزل الله براءة، وأمره بنبذ العهود التي كانت للمشركين، وقال فيها: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ﴾ [التوبة: 73]، فلم يبق حينئذ للمنافق من يعينه لو أقيم عليه الحد، ولم يبق حول المدينة من الكفار من يتحدث بأن محمدًا يقتل أصحابه، فأمره الله بجهادهم والإغلاظ عليهم، ونسخه كذلك إيعادهم بالقتل حين أرداوا إظهار النفاق، في قوله تعالى: ﴿ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلا مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلا سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلا ﴾ [الأحزاب: 60-62]، أي لنسلطنك عليهم، ثم لتنفينهم، ثم لتأخذنهم أسرى وتقتلنهم تقتيلا، كسنة الكافرين قبلهم، فلما توعدوا بالقتل إذا أظهروا النفاق، كتموه. (انظر الصارم المسلول لابن تيمية (359) (انظر الإيمان لابن تيمية (170) (انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (6/ 562)
وتظل السياسة النبوية تتعامل مع الواقع لا مع كشوف الغيب، فإن النبي ﷺ الذي أخبر أصحابه بأحداث الفتنة الكبرى وحذرهم من الانخراط فيها وحرّضهم على قتل المارقة الذين كانوا هم السبب الرئيس فيها، ترك صاحب الضئضئ مراعاة لواقع لن يتفهم قتله في حينه، وإن صح الإذن آخر الأمر، فإن السياسة النبوية لم تسجل عمليًا حالة واحدة من استخدام السيف صبرًا مع المنافقين، وإن اعتمدته مع أئمة الكفر في نماذج متعددة، ككعب بن الأشرف، وسلام بن أبي الحقيق، وسفيان بن نبيح الهذلي وغيرهم، واستطاعت بما دون السيف أن تحقق ما لا يستطيع الحسم العسكري تحقيقه غالبا دون مفاسد مجتمعية وآثار واقعية سلبية.
(15): الخلاصة
وبعد ذلك التطواف على التسلسل الزمني للتوجيهات الإلهية والتحركات النبوية في جهاد المنافقين والتي أثمرت إخمادًا لحالة النفاق في المدينة وما حولها، فهم إما تابوا من نفاقهم، أو انتهوا عنه، ولا ريب كانوا مغمورين أذلاء مقهورين، لا سيما في آخر أيام النبي ﷺ. (انظر منهاج السنة النبوية لابن تيمية (2/43)
فالنفاق ظاهرة خفية لا يمكن ملاحقتها والقضاء عليها، لكن العمل يكون في إطار الحد منها والسيطرة عليها، وقد اشترك الصنفان الكفار والمنافقون في جنس الأمر الإلهي بالجهاد، وإن اختلفا في نوعه، قال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ﴾ [التوبة: 73] وهذا القول ينسب لابن عباس: حيث يقول في الآية: جهاد الكفار بالقتال، والمنافقين أن يغلظ عليهم بالكلام ونحوه، بينما يرى آخرون أنهما يشتركان في النوع أيضًا، فالله أمر نبيه ﷺ من جهاد المنافقين بنحو الذي أمره به من جهاد المشركين، وإنما العبرة في ذلك كله بالقدرة والآثار، وهذا القول ينسب لابن مسعود: حيث قال في الآية: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فليكفهرَّ في وجهه. (انظر تفسير الطبري 11/567)
ومنشأ اختلاف القولين في تعليل التحركات النبوية، فالقول الأول: يرى المنافقين لم يستحقوا القتل ابتداءً، بل ظلوا على نفاقهم المستتر، لذلك كان التعامل معهم في إطار جهاد الكلام، والقول الثاني: يرى المنافقين استحقوه بالفعل، لكن تركه النبي لاعتبارات سنذكرها، لذلك جهادهم كجهاد الكفار خاضع للقدرة، مع اتفاق الرأيين: أن القتل لا يكون إلا مع التجليح =المكاشفة، ومن جلح خرج عن رتبة النفاق، واستحق القتل، ثم يعود التنفيذ إلى القدرة.
#فالتعليل الأول: أن عامة المنافقين كانوا يُظهرون الإسلام، ويسترون نفاقهم فلا يعرفون إلا بوحي من الله، كما قال تعالى: ﴿ وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ ﴾ [التوبة: 101]، أو يعرفون بلحن القول، كما قال الله: ﴿ وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ ﴾ [محمد: 30] فأقسم أنه لا بد أن يعرفهم في لحن القول، أو يعرفون بالشواهد والدلالات والقرائن والأمارات، ثم إنهم كانوا يتخذون أيمانهم جنة، كما قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّة ﴾ [المنافقون: 2]، فتُنقل عنهم كلمة الكفر، فيحلفون بالله ما قالوا، أو يقول أحدهم القول أو يعمل العمل فينزل القرآن يخبر أن صاحب ذلك القول والعمل منهم، كما في سورة براءة، فيُنكر أو يلوذ بالتوبة، وقد كانت مبسوطة لهم، قال تعالى: ﴿ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَة مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ﴾ [التوبة: 66]، وقال تعالى: ﴿ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيما فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّ وَلَا نَصِير ﴾ [التوبة: 74]، وقال تعالى: ﴿ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ ﴾ [النساء: 146]، فمن وُوجه منهم أظهر التوبة، صحت أو لم تصح، ولا تقوم عليهم البينة الشرعية الموجبة للانتقال من النفاق إلى الكفر، فلم يكن ﷺ يأخذه إلا بما أظهر له من قوله عند حضوره بين يديه، دون ما سلف من قولٍ كان نطق به قبل ذلك، ودون اعتقاد ضميره الذي لم يبح الله لأحد الأخذ به في الحكم وتولى الأخذ به هو دون خلقه، فيقبل علانيتهم ويَكِل سرائرهم إلى الله، ولا يأخذهم بخبر الواحد ولا بمجرد الوحي ولا بالدلائل والشواهد حتى يثبت عليه الكفر ببينة أو إقرار، وكانت سياسته المعلنة: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، ثم لم يبلغنا أنه استتاب واحدًا بعينه، فعلم أن الكفر لم يثبت على واحد بعينه ثبوتًا يُوجب أن يُقتل. (انظر الصارم المسلول لابن تيمية (ص355) (انظر تفسير الطبري 11/ 567) (انظر المحلى بالآثار لابن حزم (12/ 127) (12/ 136)
#والتعليل الثاني: أنه من عُرف منهم أو اشتهر نفاقه، كان يخاف أن يتولد من قتلهم من الفساد أكثر مما في استبقائهم، فإن التشهد الذي كانوا يظهرون كان ملبسًا لأمرهم مشبهًا لهم بالعصاة من الأمة، وقد بين ذلك حيث قال: لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فإنه لو قتلهم بما يعلمه من كفرهم مع إظهارهم الإسلام لأوشك أن يظن الظان أنه إنما قتلهم لأغراضٍ وأحقاد، وإنما قصده الاستعانة بهم على الملك، كما قال: أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم، فالعرب كانوا أهل أنفة وكبر بحيث لو قتل النبي ﷺ هؤلاء المنافقين لنفر من بَعُد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وتعللوا أنه يقتل أصحابه، وهو نقيض المقصود، وكان أيضًا يخاف أن تغضب قبائلهم لقتلهم، فيكون ذلك سببا لهياج فتنة وإثارة حروب، فقال: إذا ترعد له آنف كثيرة بيثرب. (انظر الصارم المسلول لابن تيمية (355) (انظر المحرر الوجيز لابن عطية (3/59) (5/334) (انظر أحكام القرآن لابن العربي (2/544) (انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (6/562)
فخلاصة التعليلين، أن النفاق لم يثبت بالحجة الشرعية التي يعلمه بها الخاص والعام على واحدٍ بعينه، وإن ثبت فمع المانع الشرعي المقتضي لتنفير أقوام عن الدخول في الإسلام، وارتداد آخرين عنه، وإظهار قوم من الحرب والفتنة ما يربى فساده على فساد ترك قتل منافق.
لذلك نجد المعاملة قد تنوعت من منافق لآخر، ومن وقت لآخر باعتبار الظرف الميداني، فبين صبر على الأذى ورفق ومقابلة السيئة بالحسنة، وبين تضييق وتشديد وزجر وتهديد، فشرح الله صدر بعضهم للإيمان وهلك على النفاق من هلك عن بينة.
(16): بين الأمس واليوم
وقد ذكر ابن تيمية أن التعليلين حكمهما باق إلى يومنا هذا إلا في شيء واحد، وهو أنه ﷺ ربما خاف أن يظن الظان أنه يقتل أصحابه لغرض آخر مثل أغراض الملوك، فهذا منتف اليوم. (انظر الصارم المسلول لابن تيمية (355)
وكان مما انتفى أيضًا بعد موته ﷺ، وأدى إلى نجوم النفاق بعد خموده انقطاع الوحي، فقد كان المنافقون يحذرون افتضاح خبايا نفوسهم في زمن الوحي، كما قال تعالى: ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة:64]، قال مجاهد: يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله ألا يفشي علينا سرنا هذا، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ﴾ [المجادلة: 8]، وقال في هذه الآية: ﴿ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِج مَّا تَحۡذَرُونَ ﴾ [التوبة: 64] أي: إن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به، ويبين له أمركم كما قال: ﴿ أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ﴾ [محمد: 29]، فصار بعد الانقطاع احتكامهم إلى ظاهر الأعمال، ووكّلت السرائر إلى الله، كما روى عن عمر بن الخطاب t قال: إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا، أمنّاه، وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه، ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة. (انظر تفسير ابن كثير للآيات) (انظر صحيح البخاري: رقم 2641)
فكان الوحي يُشكّل حصارًا معنويًا على المنافقين، ثم أدرك الصحابة التحول في موقف المنافقين بعد رسول الله ﷺ، فأصبحوا أكثر جَرأة في الاستعلان به، كماجاء عن حذيفة بن اليمان: إن المنافقين اليوم شرٌ منهم على عهد النبي ﷺ، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون، وفي رواية قيل له: المنافقون اليوم أكثر أم على عهد النبي ﷺ؟ قال: بل هم اليوم أكثر، لأنه كان يومئذ يستسر به واليوم يستعلن به. (انظر صحيح البخاري رقم: 7113) (انظر صفة النفاق للفريابي رقم: 51، 52) (وانظر صفة النفاق لأبي نعيم (137)
المنافقون على عهد رسول الله ﷺ كانوا يحلفون بالله طلبًا لرضا المؤمنين ودفعا لتهمة النفاق، قال الله تعالى: ﴿ وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ ﴾ [التوبة: 56]، وقال: ﴿ يحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ ﴾ [التوبة: 62]، وقال: ﴿ يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ ﴾ [التوبة: 96]، وقال: ﴿ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ ﴾ [التوبة: 74]، وقال: ﴿ سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ ﴾ [التوبة: 95].
المنافقون على عهد رسول الله ﷺ كانوا يعتذرون عن الخروج ويستأذنون في التخلف أو يتسللون خفية ويختبئون في البادية، يقول الله تعالى: ﴿ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا ﴾ [التوبة: 42]، وقال: ﴿ يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ ﴾ [التوبة: 94]، وقال: ﴿ إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ ﴾ [التوبة: 45]، وقال: ﴿ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ ﴾ [التوبة: 93]، وقال: ﴿ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذاۚ ﴾ [النور: 63]، وجاءت في مواضع عدة من كتاب الله أعذارٌ كانوا يتعللون بها عند رسول الله ﷺ.
فكيف لو رأى حذيفة النفاق اليوم؟! فإن النفاق لم يزل يستعلن مع الأيام حتى فشا وساد وحكم أصحابه وعلو في بلاد الإسلام علوًا كبيرًا، فطغوا في البلاد ونشروا الفساد وقمعوا العباد، حتى كانت غربة الدين، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص: كان النفاق غريبًا في الإيمان، ويوشك أن يكون الإيمان غريبا في النفاق. (انظر صفة النفاق للفريابي (117)، وروي في الأثر: يأتي على الناس زمان يستخفي المؤمن فيهم، كما يستخفي المنافق فيكم اليوم. (انظر مسند الشاميين للطبراني رقم: 238) (وانظر صفة النفاق لأبي نعيم (134)، أو ما وروي أيضًا: لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها. (انظر المعجم الكبير للطبراني رقم: 9771) (انظر صفة النفاق لأبي نعيم (133)
وما أفجع مصيبة الأمة إن كان النفاق في قرائها وحملة كتابها! بل إنهم أكثر المنافقين كما صح عنه ﷺ: إن أكثر منافقي أمتي قراؤها. (انظر مسند أحمد رقم: 6633)، لذا كان حذيفة ﷺ يوصيهم ويقول: يا معشر القراء! استقيموا، فقد سبقتم سبقا بعيدًا، فإن أخذتم يمينا وشمالا، لقد ضللتم ضلالا بعيدا. (انظر صحيح البخاري رقم: 7282)
والمنافق المستتر كما هو متفقٌ يُعامل بظاهر إسلامه، فتقبل علانيته، وتوكل سريرته إلى الله تعالى، كما تُقبل يمينه الكاذبة، ولا يُعاقب على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة، ويواجه مع ذلك بما يخرج عن دائرة القتل، ويقع غالبًا في دائرة القول، من بيان وحجة، وتهديد ووعيد، كما قال تعالى: ﴿ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغا ﴾ [النساء: 63]، وكذلك التضييق تقييد، وإذا أظهر من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر.
وذكر ابن تيمية أن المنافق لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه، وما يستقر في القلب من إيمان ونفاق فلا بد أن يظهر موجبه في القول والعمل، وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿ وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ﴾ [محمد: 30]، فأقسم أنه لا بد أن يعرفهم في لحن القول. (انظر لإيمان الأوسط لابن تيمية (575)
ومتى أظهر المنافق نفاقه وأعلنه، ذهب النفاق وحكمه، لأنه ارتفع مسماه واسمه، وصار كافرًا أو ما يسميه الفقهاء: الزنديق، ولذلك قال مالك: النفاق في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة فينا اليوم. (انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (6/ 562)
وقد تنازع الفقهاء في استتابة، لكن في العموم – كما ذكر ابن تيمية – حيث ما كان للمنافق ظهورٌ وتخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية ﴿ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ ﴾ [الأحزاب: 48]، وحيث ما حصل القوة والعز خُوطبنا بقوله: ﴿ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ ﴾ [التوبة: 73]. (انظر الصارم المسلول لابن تيمية (359)
فإنه كلما قويت شوكة الإسلام وعزّ سلطانه، لجأ خصومه إلى النفاق والاستتار، وهذا تفسره لحظة الفسوق، وكلما ضعفت الشوكة، تجرأ المنافقون وتحولوا إلى الزندقة والمكاشفة كما هو واقع غربة الدين اليوم، والذي يترجح بعد؛ أنه لا يصح إخضاع التعامل مع المنافق في زمن سيادة النفاق لقاعدة واحدة ترتكز على الاستضعاف، بل ينبغي محاكاته بمبدأ التدافع، فيختلف باختلاف المنافق ومنزلته وأدواره وآثاره، وتخير الوسائل الأنسب، والتدرج الدافع للهداية والتوبة، ثم التصعيد الذي لا يشعل فتنة ولا يقود لمفسدة أعلى، وكذلك تنويع الخطاب طريقةً ومضمونًا ليصل لآفات النفاق المختلفة ويلامس أصحابها المختلفين.
لكن تظل هناك سياسات عامة تصطحبها التجربة النبوية في جميع مراحلها، منها والله أعلم: السعي للاستقلال العسكري والاقتصادي الذي يحرم النفاق أهدافه المادية، ويجفف منابعه ويحوّل ولاءاته، ويجعله مشروعًا غير مربح في الدنيا قبل الآخرة، ثم دفع السيئة بالحسنة رجاء الهداية وكسب من في قلوبهم مرض؛ لأنهم الظهير الميداني للنفاق، وكذلك الصبر واتباع سياسة النفس الطويل درءًا للفتنة، وتقديم الحلول السلمية مع الحيطة والحذر الدائم، وكذلك التصدي الفوري للأراجيف وتفنيد الشبهات، والحصار المعنوي المستمر للمنافقين، وعدم التصالح مع أفكارهم الضالة.



