محمد بن تاج الدين بن مرعي
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
ثم أما بعد:
في عصرنا: عصر الإنفجار المعلوماتي -لا عصر المعلومات الصحيحة؛ فليس “ما يميز عصرنا صحة المعلومة وإنما كثرتها وسهولة انتشارها”[1]– نشأ إرنيو فونيس وتوأمه الروحي أحمد عاكف وترعرعا في خضم هذه ظاهرة التي غيرت الواقع بما فيه الإنسان: وأرغمت البشرية على أن تعيش في واقع فكري مليء -بكل ما تحمله كلمة مليء من معنى- بالآراء المختلفة والمتشظية والمتناقضة، والإشاعات الكاذبة المرسلة، وبطبيعة الحال والمعلومات الصحيحة.
ليس هذا فقط بل وسلب الإنفجار المعلوماتي من قطاعات واسعة حساسية الشعور بالمعنى، والنقص والضعف البشري، وسلبهم القدرة على الفهم والإبداع إلى آخر ذلك من آثارٍ يصعب احصاؤها.
فجاءت هذه المقالة المختصرة لتسلط الضوء على جانبٍ يسير جدا مما أصاب كلًا من فونيس وعاكف من أدواء، وأعني بالخصوص: “متلازمة الإغراق المعلوماتي”، والتي “يصاب بها الإنسان بسبب ذلك الحجم الكبير من المعلومات الذي يتسبب في ضوضاء لدى الملقِّي عند بلوغها معدَّل مرتفع تجعله يعجز عن معالجتها بشكل صحيح نظرًا للتشتُّت والإجهاد وكثرة الأخطاء”[2]، وما نتج عن هذه المتلازمة: من تشويشٍ للذهن، ومن سلب القدرة على الفهم، وفقدان السردية إلخ، مع شيءٍ مما مرَّا به في حياتهما لتتضح الصورة ويتجلى المرض، وختمت بمحاولة التقاط شذرات تعبِّر عن هذه الإشكالية وتعالجها من التراث
وقبل البدء أنوِّه إلى عدَّةِ أمور:ٍ
أوَّلها: أن هذه المقالة قد تعتبر مجرَّد مدخل لجانبٍ معيِّن -وهو آثار متلازمة الإغراق المعلوماتي- لقضية شائكة ومعقَّدة، وهي الإنفجار المعلوماتي
ثانيها: أن المقالة لا يراد بها تثبيط أولى الهمم ولا التبرير لعشاق البطالة، بل جاءت لبيان مشكلة تمس بعض مدمني القراءة من طلاب المعرفة
ثالثها: أن هذه الإشكالية -موضوع المقالة- تنبع عند تكاثر المعلومات في الذهن أو عندما تختزن بفوضوية بحيث لا يستطاع التعامل معها، وهذه الاستطاعة تتفاوت بين الأفراد
رابعها: الأسلوب الذي سعيت أن أحاكيه في هذه المقالة، هو ما أشرت إليه في كتابٍ مختصرٍ عن الكتابة -يسَّر الله نشره- في حقِّ الكاتب المتقن إذا “كثرت الاقتباسات في أطروحته وزادت، وانتشرت حتى فاضت”، إذ قلت عن عمله حينها: “رأيته يعمل فيها عمل “المايسترو” = “قائد الأوركسترا” فيجمع وينسِّق بين الأقوال والاقتباسات بحيث لا يشكِّل تزاحمها ضجيجًا بل سيمفونية. في بعض الأحيان قد لا يعزف أو يتكلم، ولكن بالرغم من ذلك يعبِّر عما اعتمل في صدره مستعينًا بعصى الأديب الملتصقة بيده.”
خامسها: لم أستعن في هذه الإبرازة بأية مصادرَ تخصصية في القضية، بل اعتمدت على الشذرات المتناثرة في مقروءاتي، مع إعمال قريحتي العقلية، وذا لأني أخشى على نفسي بأن تبتلعني القوالب الفكرية والأجوبة الجاهزة فأضحي من كاتبٍ إلى “عامل مطبعة: أرتب الحروف وأصنفها ثم أطبع كتابا لم أبذل فيه إلا عملا يدويًّا”: “آخذ من هنا وهناك أجزاءً من كتب غيري، وأضمِّنها كتبي كقطع من العشب في روضة”[3] حتى “إذا قيل لكل كلمة لي ارجعي إلى صاحبك؛ ما بقيت لي كلمة”[4]، على أن أستعين بتلك المصادر في الإبرازات القادمة إن شاء الله.
عصر الانفجار المعلوماتي:
“إذا كانت مشكلة الإنسان القديم في شح المعلومات، فمشكلة الإنسان الحديث كثرتها المفرطة. بحيث يصعب على العقل العادي استيعابها بصورة كلية”
أ. عبد الله الوهيبي[5]
قديما كان الحصول على حفنة قليلة من المعلومات قد يتطلب السفر شهورا كما سافر صالح بن مهدي المقبلي إلى مكة طلبا لكتاب “البحر الزخار” للمهدي[6]، وكما مشى الحافظ ابن المقرئ سبعين مرحلة طلبا لنسخة مفضل ابن فضالة[7]، وقد يعني الاستغناء عن الدار والمسكن، كما باع الحافظ أبو العلاء الهمداني داره لشراء قطعة من كتب ابن الجواليقي[8] ومثله ابن الخشاب ليوفِّي ثمن كتاب اشتراه[9]
أما الآن فيمكنك اقتناء مئات الكتب والمجلات الدسمة بالمعلومات -ورقيا أو الكترونيا- بأثمان زهيدة وانت جالس على أريكتك فـ”نسخة واحدة من عدد الأحد من صحيفة نيويورك تايمز [على سبيل المثال] تحتوي معلومات أكثر مما يستهلكه شخص مثقف في القرن الثامن عشر طول حياته” -على حد تعبير إغانوس راموني-[10] تباع بعدة دولارات، وتصلك أينما كنت
بل وبضغطة زر يخبرك فونيس بآلاف المعلومات ويتيح لك مئات المصادر!
فونيس -لمن يتساءل-: فتًى “يتذكر الشاردة والواردة، وكل ورقة شاهدها على شجرة، وكل كلمة سمعها في حياته، وكل نسمة ريح لامسته، وكل نكهة تذوقها، وكل عبارة سمعها”[11] فونيس شخصية خيالية من اختراع الشاعر والكاتب الإسباني بورخيس[12]، والتجسيد الذي وضعه الروائي الإيطالي امبرتو ايكو للإنترنت[13]
إرنيو فونيس وتوأمه الروحي أحمد عاكف -وهو شخصية خيالية من اختراع نجيب محفوظ[14]– اختيرا لتمثيل مدمني القراءة والمعلومات والمغالين في تغليب المعلوماتية على العقلانية في هذه المقالة
مليءٌ فارغ:
“الواقع يظهر أنه كلما ازداد إنتاج المعرفة كان نصيب كل فرد منها أقل”
عالم الاجتماع جيرالد برونير[15]
فونيس وتوأمه أدمنا القراءة حتى امتلأ عقلهما وكبَّلت المعلومات المزدحمة فكرهما و”أصابهما سوء الهضم العقلي فصارا وعاء لخليط من معارف شتى بدلا من أن يكونا مفكرين”[16] وأصبح عقلهما “دُكان عطار من الطراز العتيق: يحوي جميع أنواع العطارة ولكنها مكدسة بغير نظام؛ فخلطا الملح بالسكر، والصمغ باللبان، والشبه بالسكر النبات”[17]، فما إن يحاولا استحضار معلومة ما إلا ويعلو سطح العقل غيرها، ويقفز إلى طرف اللسان نقيضها!
ومع توالي الأيام وزيادة الحمل سُلبا مرونتهما العقلية تحت وطأة كتلة المعلومات، فالأمر “أشبه بوضع ثقل على زنبرك يضغطه ضغطا مستمرا حتى يفقد قدرته على الارتداد”[18]
ومن ثمَّ فقدا القدرة على التفكير المنظم والإبداع فـ“كانا تقريبًا عاجزين عن الإتيان بأفكارٍ أصيلة”[19]، فـ”القراءة [المفرطة]” بما تنتجه من تكدس للمعلومات في الذهن تفضي إلى داء عضال “يذهب بالعقل بعيدا عن الإبداع والإقناع”[20]، وغدَا في أحسن الأحوال “مضطرين إلي تعليق حريتهما ومبادرتهما الشخصية، ليتحولا إلى مجرد آلة رد فعل” فـ”ينفقا كلية طاقتهما في مقولات الـ«نعم» والـ«لا» ضمن نقد ما فكر فيه غيرهما” دون أن يكون لهما مساحة يبادران فيها بالتفكير بصفة مستقلة[21]، وإلا فكانا -في الغالب- عاجزين عن ابداءِ أية ردود فعلٍ، إذ كانت “الكتب تفكر لهما وتتأمل”[22] فـ“القراءة الكثيرة تسجن القارئ في قوالب من سبقه من المؤلفين”[23]، فيقذفان من فاههما “شذراتٍ من هيغل وهايدغر وماركس كما هي بلا هضمٍ أو معالجة”[24]، معلنين أن “انفجار المعلومات لم يفعل سوى تدمير الأساس الذي تقوم عليه عمليه الفهم”[25]
ولمَّا فقدا الفهم، فقدا القدرة على تمييز المعلومات وتقييمها وإدراك حدودها المعرفية فـ”لم يعودا يعرفان ما يعرفان وما لا يعرفان”[26]، ومن ثمَّ فقدا القدرة على انتقاء المادة المعرفية، إلخ من ضروريات الفهم العميق، ومن ثمَّ انعكس ذلك على فقدان المعنى والقدرة على تحديد الغاية وضبط الوسيلة، فـ”العقل الذي يضل طريقه وتثقله معلوماته يجد صعوبة كبيرة في تحديد غايته، وإذا عرف غايته وهدفه عجز عن بلوغهما”[27]، ومن ثمَّ فقدا السردية، وعجزا عن تركيب رؤية، أو تشكيل سياق، أو مزج حقائق، وبالتالي اتخاذ القرارات السليمة فمن جهة “عندما يُعطى صانع القرار العديد من المعلومات، تتميز بوفرة من التعقيد والكمِّيَّة والتناقض، تنخفض جودة قراره بسبب محدودية الفرد للموارد المطلوبة لمعالجة جميع المعلومات واتخاذ القرار الأفضل على النحو الأمثل”[28]، ومن جهة أخرى فإنتاج قرارات إبداعية ملائمة للسياقات المختلفة يتطلب قدرة على التركيب، التي تحفَّز برصدِ فراغاتٍ تتخذ موطنًا للحركة العقلية والفكرية، وعندما امتلئ وتشبَّع ذهنيهما بالمعلومات، امتلكا أجوبة أنموذجية جاهزة، جعلت من الصعب رصد تلك الفراغات؛ فعسر عليهما “تفعيل معارفها المتراكمة في قوالب من التفكير الخلاق”[29]، فظلَّا أسيرين للاستحضار حيثما استطاعا وإلا كما سبق فيصعب عليهما استحضار ما يريدان بصورة مثالية
فصارا في نهاية المطاف تائهين في الحياة أفضل ما يستطيعانه نقل أخبار، حقائق، معلومات، فكانا “يعرفان أشياء وأشياء ولكنهما لم يتقنا شيئا أبدا”[30]، كانا “أشبه بمكتبة متحركة لا خير فيها لنفسها”[31]، كآلة يكرران عملهما يوميا: دون فهم، دون معنًى، دون غاية. فما كان منهما في النهاية إلا أن فضَّلَا العزلة والانسحاب من الفضاء العام منهمكين في عالمهما المتخيَّل.
وهم المعرفة:
“من تزين بما ليس فيه شانه الله”
أمير المؤمنين عمر بن الخطاب[32]
ومع كلِّ هذه العلل والأمراض التي اجتاحت عقلاهما ظهرت عليهما علامات الغرور والزهو المعرفي، فعدَّا أنفسهما من زمرة العلماء والمثقفين، وبخاصة بعدما انهال عليهما الإطراء من هذا الجاهل وذاك الغبي، والتي كان منها وصف أحمد عاكف بـ”الفيلسوف” من قبل موظفي المحفوظات[33]
فكثرة المعلومات أشعرتهما بالامتلاء والكفاية، وضجيجها أشعرهما بالازدحام، وتشتُّتها وفوضويتها زادتهما يقينًا من معتقداتهما؛ فحيث “تكاثرت المعلومات وتموضعت في النفس بفوضوية خادمة لفكرة ما[34]؛ شكلت -بتموضعها الفوضوي- لهذه الفكرة سلطة نفسية ومعرفية في غاية القوة والسطوة…”[35]
ظنا أن المعلومات هي المعرفة، ولم يدريا أن “المسافة بين المعلومة والمعرفة كالمسافة بين حبة القبح رغيف الخبز”[36] فحسبا الورم الذي أصيبا به شحما، وظنا أن السمنة التي ظهرت عليهما قوة.
| إذا عصف الغرور برأسِ غرٍّ | تــوهــم أنَّ مـنـكـبــه جـنــاحُ |
بدا ولم يكونا، حوا مظهر الحكمة لا الحكمة ذاتها، فإن سألت عن تخمة معلوماتهما، فهي “سرطان”: نمو قاتل، وإن سألت عن معرفتهما فهي “سوء التغذية الموذم”: فراغٌ كاذب: “مصابان بالتخمة، ويشكيان الجوع!”[37]، فظاهرهما القوة والشبع، وحقيقتهما الضعف والجوع، وغايتهما الموت والهلكة.
| إن الـغـرور إذا تـمـلَّـك أمــةً | كالزَّهرِ يخفي الموت وهو زُؤامُ |
فرحا بالصعود ولمَّا هبَّت رياح الخريف عرفا ما يلحق الدُّبَّاء[38]
| مـن تحـلَّى بغـيــر مــا هـو فـيــه | فـضـحـته شــواهــد الإمـتـحـــان | |
| وجرى في العلوم جرى سُكَيْتٍ[39] | خـلَّـفـته الـجــيـاد يــوم الـرهــــان |
المفارقة الكبرى:
“رأيت الشَّرِه في تحصيل الأشياء يُفوِّت الشَّرَهُ عليه مقصوده”
ابن الجوزي[40]
فالمفارقة الكبرى أن كثرة المعلومات في النهاية لم تمنحهما برد اليقين بل نار القلق والاضطراب، ولم تُهْدِهِم نور الرشاد ولكن ظلمة التيه والتشتت، ولم تأخذ بأيديهما إلى سمو الحرية بل إلى هوة التقليد والتحجر.
فيا للعجب صارت القراءة بعدما كانت غذاءَ الروح سمومَها، وبعدما كانت منارات الطريق ظلامَها، وانتقلت من دواء الأنفس إلى أدوائها، و”بدلاً من أن تكون سلما للعقل، صارت كومة من التشويش لا يخرج الإنسان منها إلا كما دخل: متعبًا، مضطربًا، مجهد القلب”[41]، مصداقا لقول امبرتو ايكو: “كلما أكثرت من معرفة الأشياء صارت الأشياء على غير طريقها”[42]
فليست المعلومات ميزان الثقافة والعقلانية والعلم فـ“قد تجد في بعض مدمني القراءة تهافتا في المنطق وانحرافًّا في الآراء وسخفا في التفكير مما لا نرى له نظيرا في العامة أو أشباه العامة”[43]، والتوءمان خير مثال؛ ففي نهاية المطاف غدا “أكثر سخفا وغباءً مما جبلا عليه”[44]، إذ فقدا القدرة على الفهم والتفكير المنظم والمستقل والإبداع وفقدا المعنى والغاية والسردية والقدرة على تشكيل الرؤى واتخاذ القرارات، وأصيبا بالوهم والزهو المعرفي، فضلا عن الفوضوية التي اجتاحت جميع مساراتهما الفكرية.
تمثيل الداء:
“ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه“
خير البرية صلى الله عليه وسلم[45]
في وصف هذا الداء يلوح وصف العقاد للكتب -خزانة المعلومات كما أراها-: بـ”طعام الفكر”[46]، ووصف الأديب حسن محمد حسين للعلم بـ”الماء المثلج اللذيذ”[47] فـ”كما أن إدخال المأكول على المأكول سبب في عسر الهضم فإن إدخال المقروء على المقروء سبيل إلى تبلد الفكر”[48]، وكما انك إذا “عكفتَ تعبُّ الماء دون حساب أو تبصُّر بالعواقب، فإنك لا شك هالك”[49]، فإنك إذا عكفتَ تعبُّ المعلومات دون حساب أو تبصُّر فإنك أيضا هالك
| يقول لي الطبيب: أكلت شيئا | وداؤك في شرابك والطعام |
قِيلَ: “البِطْنَةُ تُذْهِبُ الفِطْنَةَ”[50]، لذا:
| لا تحشِ بطنك بالطعام تسمنا | فجسوم أهل العلم غير سمان |
الإشكالية في التراث:
لم تكن هذه الإشكالية حاضرة في التراث، إلا أن بين طيات الكتب وثناياها نجد شذراتٍ نستطيع توظيفها في التعبير عن هذه الإشكالية، فمن ذلك ما يروى عن اجتماع الخليل بن أحمد مع عبد الله بن المقفع، حيث جلسا يتحادثان إلى الغداة، فلما تفرَّقا قيل للخليل: كيف رأيته؟ قال: رأيته رجلا علمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ قال: رأيت رجلا عقله أكثر من علمه[51]
فهنا يؤسس كلٌّ منهما إلى نمط تلقي، يكون في حالة الخليل منضبط متقن، فيتلقى المعلومات ثمَّ يمرها على عقله المتقد متفحِّصًا متفكِّرًا متدبرا، ليصل إلى مبتغاه من المعرفة، وفي حالة ابن المقفع: تتزاحم المعلومات في عقله، بحيث يعجز العقل عن أن يسائلها ويتفكر فيها بهيئة سليمة منضبطة فيؤتى من قبلها
وهو ما يؤكده الصفدي، فيقول رحمه الله معلِّقًا على الرواية: “وكذا ابن المقفَّع فإنه قتله قلة عقله، وكثرة كلامه، شرَّ قِتلة، ومات شرَّ مِيتَةٍ” ثم يحكي مدعيا -وظالمًا في الحقيقة- عن شيخ الإسلام هذه الصفة فيقول: “وكذا ايضًا كان الشيخ، الإمام، العالم، العَلَّامة، تقيُّ الدِّين، أحمد ابن تيمية -رحمه الله- علمه متسع جِدًّا إلى الغاية، وعقله ناقص يوَرِّطه في المهالك، ويوقعه في المضايق”[52]
ومن تلك الشذرات: ما روي عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في قوله: “إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله”[53]
فيحذر هنا من أن تتكاثر المعلومات إلى أن يعجز العقل على معالجتها بهيئة سليمة منضبطة، فيوقع ذلك المرء في المهالك، كما يوقعه حديثه بغير علم فيها
ومن ذلك قول الإمام الزهري: “إن هذا العلم إذا أخذته بالمكاثرة غلبك، ولم تظفر منه بشيء، ولكن خذه مع الليالي أخذا رفيقا تظفر به”[54]
ومنها قوله: ”يا يونس، لا تكابر العلم؛ فإن العلم أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة؛ فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي”[55]
ومنه ما يروي عن بعضهم: “ازدحام العلوم مضلة للفهوم“[56]، إلى غير ذلك من الآثار التي يمكن توظيفها ضمن هذا الإطار
الخلاصة:
ويمكننا تلخيص ما سبق في قول أبو سليمان الخطابي: “الإغراق في كل شيء مذموم”[57]، ثمَّ قول بعض الحكماء: “لو قيل للطمع: ما غايتك؟ قال: الحرمان”[58]، وأخيرًا قول توماس هوبس: “إني إذا قرأت كتبا عديدة؛ كما يفعل أكثر الناس، فإني سأكون قليل الذكاء مثلهم“[59]
خاتمة:
وبهذا يتبيَّن أنه ليست كل زيادة في المعلومات زيادةً في المعرفة، ولا كل امتلاءٍ في الذاكرة امتلاءً في العقل، بل قد يكون الامتلاء نفسه حجابًا يحول بين المرء والفهم.
ويتبيَّن أن الفرق بين من يسوق المادة ومن تسوقه، ليس في مقدار ما يدخل إلى العقل فقط، وإنما في القدرة على الإنتقاء، والهضم، والربط، الفرق في القدرة على تنظيم الفكر بحيث تكون المعلومات في موضعها الصحيح في الناء المعرفي.
ويتبَّن أن المراد ليس الكفُّ عن القراءة وتلقِّي المعلومات، وإنما حسن تدبيرها فـ”حسن التصرف في العلم هو إكسير التحقيق وجوهر الصناعة العلمية”[60]؛ فعندما ننتقل من “مركزية المعلومة” إلى “مركزية الملكة”، ومن “استهلاك المعلومة” ومرورها ”مرور الكرام” إلى “معايشة المعرفة” ومن “نثر الأفكار” إلى “تشكيل السردية”، نضع بذا حجر الأساس لـ”ضبط البوصلة”، و”تدوير عجلة الفهم” و”تحفيز مستشعرات المعنى” ومن ثمَّ تتحول المعلومات من مادة ميتة إلى معرفة حية.
هذا والحمد لله، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
[1] قلق المعرفة ص108، بتصرفٍ يسير
[2] أورين كلاب -أستاذ علم الاجتماع-، بواسطة متلازمة تيك توك ص101-102
[3] مونتسكيو، الرسائل الفارسية ص143-144 بتصرف غير يسير
[4] أحد النقاد في بعض الكتُّاب، مستفاد من ميراث الصمت والملكوت ص66، بتصرف
[5] مقالة “المعرفة المكدسة” لعبد الله الوهيبي
[6] البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (1/ 290)
[7] تذكرة الحفاظ (3/ 974)
[8] ذيل طبقات الحنابلة (2/ 277)
[9] مستفاد من سوق الكتب لـ د. أحمد القرني ص21
[10] مستفاد من مقالة “المعرفة المكدسة”
[11] تلخيص جاء في مقالة “المعرفة المكدسة”
[12] وذلك في قصة قصيرة بعنوان: “فونيس قويُّ الذاكرة” الأعمال القصصية (1/ 189-198) لخورخي لويس بورخيس، ترجمة: د. مزوار الإدريسي، قلت: لا يمكننا أن نعتبر فونيس شخصية خيالية بالإطلاق، “ففي عام 2006م نشرت إليزابيث باركر ولاري كاهيل وجيمس ماكغو من جامعة كاليفورنيا في إيرفين وجامعة جنوب كاليفورنيا دراسة حول حالة استثنائية لمريضة يشيرون إليها باسم AJ. AJ تشبه فونيس إلى حدّ كبير. فهي تتذكر كل شيء تقريباً … تدعى هذه الحالة فرط الذاكرة، أو ذاكرة السيرة الذاتية الفائقة جداً. إنها في غاية الندرة، ولم تظهر إلا لدى حفنة من الناس.“ وهم المعرفة: لماذا لا نفكر بمفردنا أبدًا؟ ص50-51
[13] مستفاد من مقالة المعرفة المكدسة
[14] وذلك في رواية بعنوان “خان الخليلي”، قلت: وأحمد عاكف ليس شخصية خيالية بالإطلاق، فهو في الأصل صديق لنجيب محفوظ، وهو الإداري الذي كُلِّف بتأسيس إدارة جامعة الإسكندرية عند إنشائها جامعة “فاروق الأول” في ذلك الوقت، وقد احتفظ نجيب محفوظ ببعض السمات الحقيقة للشخصية في الرواية، والتي منها ما يدخل ضمن السمات التي نناقشها هنا!، أنظر: نجيب محفوظ عن الكتابة، عمرو فتحي ص68-70
[15] من كتابه: ديموقراطية السذج، بواسطة معنى الحياة في العالم الحديث ص15 حاشية1
[16] خان الخليلي ص19-20، بتصرف يسير
[17] مقالة “فن القراءة” لحسن محمد حسين بتصرفٍ كبير، أنظر في محراب القراءة ص60
[18] شوبنهاور، مستفاد من مقالة “من أين تأتي الأفكار” لعبد الله الوهيبي، بتصرف يسير
[19] فونيس قويُّ الذاكرة، الأعمال القصصية لبورخيس (1/ 197) بتصرفٍ
[20] العالم الفزيائي ألأشهر “أينشتين”، مستفاد من مذكرات قارئ ص52
[21] أنظر هذا هو الإنسان لنتشيه، ص56-57، بواسطة مذكِّرات قارئ
[22] خان الخليلي ص19-20، بتصرف يسير
[23] د. البشير عصام المراكيشي، منار الطريق ص87 بحذفٍ يسير
[24] على عزت بيجوفيتش، هروبي إلى الحرية ص32، بتصرفٍ يسير
[25] الناقد سفين بركرنز، بواسطة: “نهاية اليوتوبيا: السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة” لراسل جاكوبي ص196
[26] دونالد رامسفيلد، مستفاد من وهم المعرفة ص45
[27] علي أدهم، مقالة: “خواطر عن القراءة والكتب” بواسطة في محراب القراءة ص202
[28] بيتر روتزل -أستاذ العلوم التطبيقية-، بواسطة متلازمة تيك توك ص101
[29] د. عبد الله البريدي، الكينونة الناقصة ص231، بتصرفٍ يسير
[30] خان الخليلي ص19-20، بتصرف يسير
[31] المازني، أنظر: “العمر الذاهب، رحلة المازني المعرفية…” ص107
[32] سنن البيهقي الكبرى (10/ 150)
[33] أنظر خان الخليلي ص20
[34] وهذا يعني: أنها قد لا تتموضع في خدمة فكرة أو رؤية معيَّنة، وحينها تشكِّل الفوضوية والتشتُّت اضطرابًا وشكًا، لا يقينًا زائفًا، كما هو الحال هنا
[35] محمد بن تاج الدين -المؤلف-، مقالة: “سلطان الفوضى: بين غواية التشظِّي ورشاد التنظيم” في موقع: “أثارة: فقه تدبير المعرفة”، وقد بينَّا في هذه المقالة صورة هذه السطوة وآثارها وآلية تكوُّنها، فانظرها للاستزادة:
https://atharah.net/%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%88%d8%b6%d9%89/
[36] الأديب أحمد فارس الشدياق، مستفاد من كتاب “ظلال الأشياء: ليالي عبد الله هدلق”
[37] الناطق الأخرس ص95
[38] يمثل لنا ابن الجوزي محادثة ظريفة بين شجرة الصنوبر وشجرة الدُّبَّاء فيقول: “شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة، وشجرة الدُّبَّاء تصعد في أسبوعين فتدرك الصنوبر، فتقول شجرة الدُّبَّاء: إن الطريق الذي قطعت في ثلاثين سنة، قد قطعتها في أسبوعين، فيقال لكِ: شجرة، ويقال لي شجرة، فتقول شجرة الصنوبر: مهلا إلى أن تدبَّ رياح الخريف!” اللطائف ص22
[39] السكيت: آخر الخيل وصولا في السباق
[40] صيد الخاطر ص220
[41] مقالة “العزلة: بين غياب الجسد واعتكاف القلب” لعلي آل حواء، ص2
[42] العدد صفر للروائي امبرتو أيكو ص12
[43] علي أدهم، مقالة: “خواطر عن القراءة والكتب” بواسطة في محراب القراءة ص202
[44] شوبنهاور، مستفاد من مقالة “من أين تأتي الأفكار”، بتصرف يسير
[45] الترمذي (2380) وأحمد (17186) واللفظ له
[46] “أنا” ص88
[47] “فن القراءة”, بواسطة في محراب القراءة ص60، بتصرفٍ يسيرٍ جدا
[48] د. البشير عصام المراكيشي، منار الطريق ص100 بتصرف يسير
[49] “فن القراءة”, بواسطة في محراب القراءة ص60، بتصرفٍ يسيرٍ جدا
[50] تعليم المتعلم طريق التعلم ص46
[51] غيث الأدب الذي انسجم في شرح لامية العرب للصفدي ص1564 -المجلد الرابع-
[52] نفس المصدر، قلت: وشيخ الإسلام رحمه الله بريءٌ مما وصفه به الصفدي فهو ممن بلغ علمه وعقله الغاية، فانظر في المقابل وصف الإمام ابن دقيق العيد له بقوله: “رأيت رجلا كل العلوم بين عينه يأخذ منها ويدع” تاريخ ابن الوردي (2/ 278) يتبين لك استقراءه لقدرة شيخ الإسلام على السيطرة والاستحواذ وتملك المدخلات، بحيث يتخير منها ويدع حسب احتياجات فكره ومقتضيات رؤيته، فلا تختلط عليه المدخلات ولا تسوقه ولا تكبله، بل يسوقها هو ويوظفها حيثما شاء وكيفما أراد
[53] البيان والتبيين للجاحظ ص89
[54] حلية الأولياء لأبي نعيم (3/ 364)
[55] جامع بيان العلم وفضله (1/ 431)
[56] الآداب الشرعية لابن مفلح (2/ 125)
[57] العزلة ص111
[58] مختصر منهاج القاصدين ص181
[59] كيف تقرأ كتابا لمورتيمر آدلر ص191
[60] د. مشاري الشثري، إرتياض العلوم ص11



