الضيف: جو وايزنثال
أدار الحوار: ديريك طومسون
ترجمة: د. عبدالله الشهري
مراجعة: شهد الضويحي
إن تراجع القراءة وصعود وسائل التواصل الاجتماعي يغيران مجدداً معنى أن تكون شخصاً مفكراً.
العالم طافحٌ بنظريات تفسّر ’كل شيء‘. فـ’نظرية الهاتف الذكي في تفسير كل شيء‘ ترى أن أجهزتنا الشخصية مسؤولة عن تصاعد الاستقطاب السياسي والقلق والاكتئاب ونظريات المؤامرة؛ فضلًا عن تراجع مدى الانتباه والذكاء والسعادة والوئام الاجتماعي عمومًا. أما ’نظرية السكن في تفسير كل شيء‘ فتعزو عدم المساواة وتغيّر المناخ والسمنة وتراجع الخصوبة إلى عجز الغرب عن بناء ما يكفي من المساكن. وإذا أخذت نظريات ’كل شيء‘ على أنها نظريات حرفية تفسّر كل شيء، فستُحبط حين تجد أن كل واحدة منها لا تخلو من ثغرات. وأفضّل أن أعدّها تمارين فكرية تستكشف كيف يمكن لظاهرة واحدة أن تُحدث آثارًا تبعية كبيرة وغير متوقعة.
أما نظريتي الجديدة المفضلة في تفسير كل شيء فهي ’نظرية الحالة الشفاهية في تفسير كل شيء‘. وتنبثق هذه النظرية من أعمال منظّري الإعلام في منتصف القرن العشرين، وعلى رأسهم والتر أونغ ومارشال مكلوهان. فقد ذهبا إلى أن اختراع الأبجدية وشيوع القراءة والكتابة كانا من أهم الأحداث في تاريخ البشرية. ونقل هذان التطوران الاتصال من عصر الشفاهية، الذي كانت فيه المعلومات كلها منطوقة وكان التعلّم كله اجتماعيًا، إلى عصر الكتابية، الذي مكّنت فيه الكتابة من تثبيت الكلمات، فاستطاع الناس أن يكتبوا منفردين، ويقرؤوا منفردين، ويطوّروا أفكارًا متزايدة التعقيد كان حفظها مستحيلًا. كان عصر الشفاهية عصر الحكاية الاجتماعية والذاكرة الثقافية المرنة. أما عصر الكتابية فأتاح نشوء منظومات من التفكير المجرد، كالتفاضل والتكامل والفيزياء وعلم الأحياء المتقدم وميكانيكا الكم، وهي التي تقوم عليها التكنولوجيا الحديثة كلها. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بحسب أونغ ومن سار على نهجه؛ فالكتابية أعادت، بالمعنى الحرفي، تشكيل وعينا، وها نحن نشهد أفول الثقافة الكتابية، المتمثل في تراجع القراءة وصعود وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يعيد مرة أخرى تشكيل خبرة المرء بوصفه إنسانًا مفكرًا.
وأشدّ أنصار ’نظرية الشفاهية في تفسير كل شيء‘ حماسًا في عصرنا، ممن أعرفهم، جو وايزنثال من بلومبرغ، المشارك في تقديم بودكاست ’أود لوتس‘. وقد ناقشنا الشفاهية والكتابية وما يترتب عليهما في السياسة والسرد والخبرة المتخصصة والعلاقات الاجتماعية وغير ذلك كثير. وحُرّر نص الحوار الآتي توخيًا للوضوح والإيجاز، ولكي يبدو كلا المتحدثين أذكى يسيرًا مما هما عليه:
ديريك طومسون: عودة الشفاهية: لماذا تعتقد أنها تفسّر كل شيء؟
جو وايزنثال: لا أعتقد أنها تفسّر كل شيء، وإنما تفسّر تسعة وتسعين في المئة منه فحسب.
أعتقد أن التواصل البشري يزداد شفاهية. ولا أعني بذلك مجرد أن الناس يتحدثون بأفواههم أكثر، مع أنني أظن أن هذا يحدث بالفعل؛ بل أعني أن التواصل عمومًا، سواء أكان منطوقًا أم رقميًا، جنح إلى اتخاذ خصائص المحادثة. وهذا يعيدنا حقًا إلى زمن سبق الكلمة المكتوبة، أو سبق بالتأكيد انتشار القراءة والكتابة على نطاق واسع.
في عام 2016، إبّان الانتخابات الرئاسية، بدأت أقرأ أعمال والتر أونغ. كان كاهنًا يسوعيًا، درس على يد مارشال مكلوهان، وعمل في جامعة سانت لويس، وألّف كتابًا مدهشًا حقًا عنوانه ’الشفاهية والكتابية‘. وخلاصة الكتاب أن البشر [في الثقافات الشفهية] يفكرون على نحو مختلف جذريًا حين يعيشون في عالم لا يمكنهم فيه تدوين شيء أو الرجوع إلى شيء. ففي معظم التاريخ البشري لم تكن ثمة وسيلة للبحث عن أي شيء، ولم تكن هناك مواد مرجعية وما شابهها، ولذلك كان على الناس أن يكيفوا طرق تواصلهم لتلائم ظروف ذلك الزمن.
ومن خلال دراسات كثيرة لهوميروس وغيره من أصحاب الملاحم القديمة، أدرك الباحثون وجود أنماط معينة للتواصل. كان الناس يتحدثون بإيقاع وقافية ونغم، لأن ذلك يعين على الحفظ. وكانت عبارات بعينها تتكرر مرة بعد أخرى. وصيغ التكرار والتواصل والمعلومات في وحدات يسهل تذكّرها، وبطريقة تنتهي اليوم إلى ما نسميه ’الانتشار الفيروسي‘. وحين بدأت قراءة هذا الكتاب قلت لنفسي: اسمع، إن لهذا قدرة تفسيرية كبيرة. فخصائص العصر الهوميري، أي الطريقة التي كان المجتمع يرتّب بها المعلومات وفقًا لأولويتها ويصوغها في وحدات، تشبه إلى حد بعيد ما نراه اليوم. وأطروحتي الأساسية هي أن التواصل حين يكتسب مزيدًا من الأخذ والرد فإنه سيغيّر طريقتنا في التواصل وفي التفكير.
طومسون: لكي نتعمق في سبب أهمية التحول إلى الكتابية في طريقة تفكيرنا ونقلنا للمعرفة وبنائنا للمؤسسات، أود أن أقتبس هنا من عالمين كبيرين. أولهما جوشوا ميرويتز، أستاذ الاتصال الفخري في جامعة نيوهامبشير، إذ كتب في كتابه ’لا إحساس بالمكان: أثر الإعلام الإلكتروني في السلوك الاجتماعي:
”إن التحرر من الاعتماد الكامل على التواصل الشفهي يتيح للناس تنمية تفكيرهم الاستبطاني وعقلانيتهم واستقلالهم، ويعين على إنشاء التفكير المجرد. ومع مرور الزمن، ينتقل الناس من عالم الصوت الدائري، بأكواخه وقراه المستديرة، إلى التفكير الخطي القائم على السبب والنتيجة، وإلى مدن شبكية التخطيط، وإلى عالم يُنجَز فيه شيء واحد في كل مرة، ويأتي فيه شيء بعد آخر، محاكيًا بذلك خطوط الكتابة والطباعة المستقيمة.“
والاقتباس الثاني لعالم كبير آخر يُدعى جو وايزنثال:
”إن كثيرًا مما تقوم عليه المؤسسات الحديثة، من فكر التنوير والمنطق الصوري والعقل والجدارة وفحص الأدلة، قائم على القدرة على تأمل الكلمة المكتوبة من بُعد.“
لِمَ لا تتوسع في شرح أحد الاقتباسين؟
وايزنثال: لعل الناس يشعرون بهذا شخصيًا. ماذا تفعل حين تكون في محادثة على الإنترنت أو خارجه؟ غالبًا ما تحاول إثارة إعجاب أحدهم، وربما حاولت أن تبزّه. وإذا حضر بضعة أشخاص، فربما حاولت الانتقاص من أحدهم لكي تبدو رائعًا في أعين الآخرين. هذه كلها أمور تقع في المحادثة ولا تقع حين تكون وحدك. ولا يكون التفاعل المنفرد مع اللغة ممكنًا إلا بالكلمة المكتوبة. وحتى إذا تركنا جانبًا الحجج المنطقية التي تربط الأبجدية بالكتابة من اليسار إلى اليمين وبالتفكير الخطي، فأحسب أن معظم الناس يدركون حدسيًا أن البيئات التفاعلية تنشئ أولويات مختلفة.
حين تكتب رسالة، أو لنقل حين تكتب كتابًا كما فعلت أنت، فإن القارئ ليس حاضرًا بالضرورة في ذهنك في تلك اللحظة بعينها. بل تتمتع برفاهية الكتابة من غير أن تضطر إلى التفكير فيما يفعله القارئ آنذاك. وهذه كلها امتيازات يتيحها سياق الكتابية، أي الكلمة المكتوبة، ولا تتيحها المحادثة. وهكذا تفتح الكلمة المكتوبة أبوابًا جديدة شتى للتروي في التفكير في الأمور، وأخذ الوقت، وعدم الرد فورًا.
طومسون: كان التفكير في الماضي نشاطًا لا بد أن يجري اجتماعيًا. وكان يستحيل أن تتعلم ’الأوديسة‘ بمفردك؛ إذ تتلقاها من شخص، ثم ترددها مع شخص آخر. ولذلك كان نمط انتقال المعلومات اجتماعيًا بالضرورة. أما الكتب فتُكتب في عزلة وتُقرأ عادة في عزلة. وهكذا أتاح عصر الكتابية امتياز الخلوة والعالم الباطني، وهو امتياز أراه بالغ الأهمية.
ولدى والتر أونغ، بَطَلنا المشترك، اقتباس رائع أود طرحه عليك لأسمع تعليقك عليه؛ لأنه يمسّ هذه النقطة مباشرة. يقول:
”إن البشر في الثقافات الشفهية الأولية […] لا ’يدرسون‘، وإنما يتعلمون بالتدرّب على يد ذوي الخبرة، كالصيد مع صيادين متمرّسين مثلًا، وبالتلمذة، وهي ضرب من التدرّب، وبالاستماع، وتكرار ما يسمعونه، وإتقان الأمثال وطرائق تركيبها وإعادة تركيبها […] لا بالدراسة بالمعنى الدقيق.“
إني مهتم جدًا بظاهرة أسمّيها ’القرن اللااجتماعي‘؛ وأعني بها أننا لأسباب شتى نقضي وقتًا أطول بكثير منفردين، فتترتب على ذلك عدة آثار من الدرجتين الثانية والثالثة. ومما أثار اهتمامي حقًا، كلما تعمقت في هذا المشروع، أن عصر الكتابية هو الذي مكّننا، من وجوه كثيرة، من الانفراد بأنفسنا أثناء التعلّم، ومن تقدير ضرب معين من الباطنية.
وايزنثال: كانت لمارشال مكلوهان هذه الملاحظة: الأبجدية أقوى تقنية لنزع القبلية عرفها التاريخ. وهي تعني أن المعرفة كلها، قبل ظهور الكلمة المكتوبة، كانت جماعية في ذاتها؛ فلا بد أن توجد داخل جماعة. فإذا كانت أمامك نصوص متعددة، فيمكنك أن تثق بالنص الذي يبدو أكثر منطقية. لكنك لا تتمتع بهذه الرفاهية حين تكون المعرفة كلها جماعية؛ إذ يصبح الانتماء إلى الجماعة جزءًا لازمًا من التعلّم.
الأذن والعين عضوان شديدا الاختلاف. يمكنك إغماض عينيك، ولا يمكنك أن تفعل ذلك بأذنيك. وبالعين تستطيع أن تتخذ منظورًا وتحدّد موقعك من الأشياء على نحو لا تتيحه الأذن. تخيّل أنك تدخل غرفة: يمكنك أن تتراجع إلى زاويتها لكي تضمن رؤية كل ما يجري فيها. أما الأذن فشأنها مختلف تمامًا؛ فنحن نقع دائمًا في مركز كل ما نسمعه، ولا نستطيع إغلاقها. وتظل الأذن عاملة ونحن نيام. وثمة غرض تطوري من استمرار قدرتنا على السمع في أثناء النوم؛ فإذا كان هناك متسلل أو حيوان مفترس أو نحو ذلك، أيقظنا صوته فاستطعنا الفرار.
ولذلك قال مكلوهان إن حاسة الأذن باعثة على الفزع بطبيعتها. وهذا شبيه جدًا بخبرتنا الرقمية؛ فعلى الرغم من أننا ننظر إلى الإنترنت، إلا أن هناك إحساس بأننا عاجزون عن الانفصال عنه. وحتى حين نقرأ ما فيه، تكاد التجربة تبدو أقرب إلى سماعه. وفي الخطاب الرقمي المعاصر خاصية استغراق أراها أقرب بكثير إلى السمع منها إلى الرؤية. ولذلك أعتقد أننا نعود إلى ذلك العالم بطرق شتى.
طومسون: كان لدينا عصر الشفاهية، وهو عصر الأذن. ثم بلغنا ذروة الكتابية، وهي ذروة عصر العين. ونحن الآن في مرحلة ثالثة مضطربة، كأن ثمة عضوًا في وجه الإنسان التحمت فيه عين وأذن؛ إذ لدينا التلفزيون والراديو ووسائل التواصل الاجتماعي وتيك توك. واللافت في هذه التقنيات أنها كلها شفهية: فما الراديو إن لم يكن وسيطًا شفهيًا؟ وما التلفزيون إن لم يكن كذلك؟ وما تيك توك إن لم يكن كلامًا مباشرًا حيًا؟
لكن تغريداتك تخلّف سجلًا باقيًا، وكذلك مقطع تيك توك الذي يمكن مشاركته. وقابلية هذه المواد الإعلامية للتسجيل تعني أنها تنتمي أيضًا، من وجوه كثيرة، إلى عصر الكتابية وإلى نتاجاته الكتابية المسجلة. فكيف نفهم هذه المرحلة الجديدة الغريبة والهجينة التي نعيشها؟ ماذا نسميها؟ وكيف نصفها؟
وايزنثال: يسمّيها أندري مير، الذي كتب بعضًا من أفضل ما جُدّدت به أفكار أونغ، ’الشفاهية الرقمية‘، وتروق لي هذه التسمية. لكن المثير للاهتمام أننا قد لا نمتلك هذه السجلات حقًا في المستقبل. أولًا، الأشياء تختفي. وثانيًا، لم نعد نثق بالصور حقًا، فالأرشيف بات هشًا إلى حد ما. ربما مررنا بفترة وجيزة امتلكنا فيها أرشيفات رقمية كثيرة وأمكننا الوثوق بها، لكن هذه الأرشيفات آيلة إلى الاختفاء، وسوف تظهر نُسخ تحاكي الأصل، أي أشياء تبدو كأنها حدثت مع أنها لم تحدث فعلًا. ومن الطريف أن أونغ يتناول هذا أيضًا.
فقد بيّن أن التاريخ كان أطوع للتشكيل في كثير من الثقافات الشفهية. ويتحدث عن الأنساب الواردة في الكتاب المقدس: فلان أنجب فلانًا، وفلان أنجب فلانًا، وهكذا إلى ما لا نهاية. وفي الثقافات الشفهية أمثلة كثيرة على أن أمرًا ما إذا لم يعد ملائمًا ابتكر الناس قصيدة جديدة ببساطة، كمَثَل سلسلة نسب ملكية يفقد أحد ملوكها مكانته فيستبدلونها. ولذلك لم تكن ثمة فكرة عن تاريخ ثابت. وأحسب أن هذا ما سيحدث اليوم على الأرجح. ستبقى الكتب معنا زمنًا طويلًا، لكن التاريخ سيُصاغ وفق القيم المعاصرة السائدة في كل لحظة.
طومسون: هذه مرحلة يسمّيها بعض الناس ’ما بعد الكتابية‘. فالقراءة تتراجع، ونتائج الاختبارات الموحدة تتراجع. وكما كتبت من قبل، يبدو أحيانًا أن كل شيء يحاول أن يصير تلفزيونًا: وسائل التواصل الاجتماعي تتحول إلى تلفزيون، والبودكاست يتحول إلى تلفزيون، والناس يقل إقبالهم على دور السينما، وكل شيء يتجه نحو مقاطع الفيديو القصيرة. فما رأيك في هذه الأطروحة العامة القائلة إن كل شيء يتجه، في عصر ما بعد الكتابية، نحو الفيديو القصير؟
وايزنثال: أرى أن لفكرة ما بعد الكتابية معنى مجازيًا وآخر حرفيًا. فمن ناحية، حين أسمع هذا المصطلح أو أستخدمه، فلا أعني بالضرورة أن الناس لا يعرفون القراءة. وما زلت أرى أنه مفيد أساسًا في وصف أوضاع للمعلومات والتواصل تختلف اختلافًا بيّنًا عن التواصل الكتابي المنفرد. فما أعنيه في الغالب حين أفكر في ما بعد الكتابية، هو أن جانبًا كبيرًا من التواصل عبارة عن كلام فيه أخذ ورد، وأن جانبًا كبيرًا من المعلومات مصمم للانتشار وسهولة التذكّر والتكرار.
ثم إنني، بالمناسبة، لا أظن أن الناس يعرفون القراءة أيضًا. أنظر إلى نفسي فأحسب أنني أقرأ كتبًا أكثر مما يقرأ 99 في المئة من الناس، ومع ذلك أقرأ صفحتين، ثم أتفقد الإشارات إليّ على تويتر، ثم أقرأ صفحتين وأتفقدها ثانية. ألسنا جميعًا كذلك؟ وهل يستطيع أحد اليوم أن يقرأ ثلاث صفحات فعلًا؟ لعل الأمر يخصني وحدي، ولعل مدى انتباهي قد تحطّم تمامًا؛ وهذا ممكن لأنني، مرة أخرى، أقضي يومي كله أحدّق في شاشة. وأعترف بذلك اعترافًا كاملًا.
طومسون: حين أقرأ، ينتابني مثلك شعور بأن شيئًا ما يستدعيني بعيدًا عن الكتاب طوال الوقت، ولا سيما إذا كان هاتفي في متناول يدي أو في مجال بصري.
وايزنثال: لاحظت في بعض كتابات الستينيات والسبعينيات حديث الناس عن مقاطعة الهاتف لهم أثناء ممارستهم الجنس؛ وكانت هذه ملاحظة شائعة. فقد كانوا يتحدثون عن فصل سلك الهاتف قبل لقاء الزوجين الحميم أو أيًا كان الأمر. ومن القضايا التي يتحدث عنها الناس الآن، وأجدها آسرة، هو الانخفاض الكبير في الخصوبة ومحاولتهم تفسيره. وهو يحدث في كل بلد تقريبًا، بما في ذلك الصين التي لا تشبه سائر العالم وتجنبت كثيرًا من العلل المعاصرة؛ ومع ذلك يحدث فيها أيضًا.
ومن اللافت حقًا، إذا رجعت إلى طائفة ممن تنبهوا إلى هذه الظاهرة حين بدأ الهاتف ينتشر بين الجميع، أنهم وصفوا كيف بدا الهاتف مثل شخص ثالث حاضر يقاطع خصوصية الزوجين. وتلك ملاحظة قوية جدًا، أرى أن لها قدرة تفسيرية كبيرة لما وقع بعد ذلك، حين صار كل إنسان يحمل هاتفًا معه في كل دقيقة من يقظته.
طومسون: أريد تطبيق نظرياتك على بعض مجالات الحياة الحديثة، بدءًا بالسياسة. بحثت عن الألقاب التي أطلقها دونالد ترامب، لأنني أعرف شدة اهتمامك بميله إلى النعوت والألقاب، وهو ميل يكاد يكون هوميريًا. ولحسن حظنا، تحصي ويكيبيديا ألقاب ترامب كلها، فلم أحتج إلى تذكّرها، ما دمنا نتحدث عن إسناد الذاكرة إلى مصدر خارجي. ومن هذه الألقاب: ’ستيف المهمل‘ لستيف بانون، و’جو النعسان‘ لجو بايدن، و’مايك الصغير‘ لمايك بلومبرغ، وبالطبع ’جيب الخامل‘ لجيب بوش. وهذا يندرج في تقليد الشفاهية الكلاسيكي: ’البحر الداكن كلون الخمر‘، و’أخيل السريع القدمين‘. ولدى والتر أونغ مقطع رائع عن هذا، وأود أن أسمع تعليقك عليه:
“إن العبارات المبتذلة المتداولة في الإدانات السياسية في كثير من الثقافات النامية المتأخرة تقنيًا، مثل: ’عدو الشعب‘ و’دعاة الحرب الرأسماليون‘، والتي تبدو جوفاء في نظر ذوي الثقافة الكتابية الرفيعة، ليست في حقيقتها إلا بقايا ضرورية من الصيغ القالبية الملازمة لعمليات التفكير الشفهي.”
من المثير جدًا أن أونغ يقول إن هذه ألقاب تشيع في البلدان النامية المتأخرة تقنيًا؛ لكنك تستيقظ اليوم فتجد أغنى بلد في العالم يرأسه رئيس تولى المنصب مرتين واشتهر مع ذلك ببراعته في إطلاق الألقاب. ما الدلالة التي تستخلصها من ذلك؟ ولماذا يهم أن تجاري شخصية مثل ترامب هذه التقاليد الشفهية القديمة؟
وايزنثال: الأمر مثير للاهتمام؛ فعندما تقول إن في طريقة ترامب في الكلام مسحة هوميرية، ينفر كثيرون من ذلك ويقولون: عمّ تتحدث؟ لا شبه بين هذا وهوميروس. لكن نظريتي، التي لا أستطيع إثباتها، هي أن الشعراء المنشدين الأوائل الذين نظموا ملاحم هوميروس كانوا على الأرجح شخصيات شبيهة بترامب. فبدل أن نقول إن ترامب شخصية هوميرية، يمكننا أن نقول إن الذين كانوا يجتمعون ويروون تلك القصص القديمة ربما كانوا أشباه ترامب في زمانهم: شخصيات لافتة وثقيلة الحضور، صاخبة وقادرة حقًا على اجتذاب الانتباه وأسر المستمعين. ومن ملاحظات أونغ في ’الشفاهية والكتابية‘ تمييزه بين الشخصيات ’الثقيلة‘ و’الخفيفة‘ في المجتمعات الشفهية. فالشخصيات الثقيلة من قبيل سيربيروس، الكلب ذو الرؤوس الثلاثة، وميدوسا، وزيوس؛ وهي شخصيات تفوق المألوف البشري، وكثيرًا ما تكون بشعة المظهر. وقد رفع العالم الحديث شأن كثير من الشخصيات التي أظن أن أونغ كان سيعتبرها ثقيلة. وإني أرى ترامب حقًا شخصية ثقيلة، بمساحيق وجهه وشعره وهيئته البصرية كلها. وأرى إيلون ماسك شخصية ثقيلة أيضًا. إننا نعيش زمن الشخصية الثقيلة.
أما إذا نظرت إلى رموز العصر السابق، فلن تجد جون ف. كينيدي شخصية ثقيلة؛ بل كان شخصية خفيفة تتسم بجاذبية هادئة. وكان باراك أوباما هو الآخر شخصية خفيفة فيها تلك الجاذبية الهادئة. وكثيرًا ما يتساءل الناس: لو أمكن أوباما أن يترشح من جديد، ألن يكتسح الانتخابات؟ ولو استطاع الديمقراطيون إعادته لولاية ثالثة، ألن يحل ذلك مشكلاتهم الانتخابية كلها؟ وربما كنت سأصدق ذلك في عام 2016، بل ربما صدقته في عام 2020، لكن ثقتي به الآن أقل بالتأكيد. أشعر أن أوباما شخصية تنتمي إلى زمن آخر أهدأ؛ إلى زمن سابق لتيك توك من نواح عديدة.
طومسون: دعني أعترض هنا. أعتقد أن أوباما كان في عام 2004، حين ألقى خطابه الأول أمام المؤتمر الوطني الديمقراطي، شخصية ثقيلة، ثم جعلته الرئاسة إنسانًا أخف. وأعتقد أن ترامب كان في عام 2015 شخصية ثقيلة، ثم أصبح الآن أخف بعد أن أضرّ به الإفراط في الظهور. ولعل التصدعات التي تراها في الحزب الجمهوري تعني أن ترامب، الشخصية الثقيلة سابقًا، يفقد الثقل الذي كان لازمًا لإبقاء ذلك الائتلاف متماسكًا، وأن الناس يرون أنه أضاع ما كان لديه، إلى حد ما. وأتساءل هل يبدأ كثيرون في السياسة شخصيات ثقيلة، ثم تخففهم التجربة والسنون والإخفاقات. وقد يكون هذا بعض السبب في أن أي رئيس لا يبدو قادرًا على الاحتفاظ بمعدلات تأييد إيجابية لأكثر من عام واحد. لقد تعلمنا أن نكره الجميع.
وايزنثال: ما دمت قد ذكرت ظاهرة عجز أي رئيس عن الحفاظ على معدلات تأييد مرتفعة، وهي ظاهرة تكاد تبدو عامة في كل مكان، فهل يمكننا أن نغيّر مسار الحديث؟ وهل لي أن أستدعي ميرويتز هنا؟ كان ميرويتز يتحدث عام 1985 عن الإعلام الإلكتروني قبل أن يتصور أحد هذه الفكرة حقًا. ومن ملاحظاته أن لكل إنسان صورة على المسرح وأخرى خلف الكواليس. فنحن نتحدث في هذا البودكاست بطريقة معينة تختلف عن حديثنا في البيت مع أسرنا. وربما تحدثتُ أنا وأنت بطريقة أخرى حين ننهي تسجيل البودكاست ونتبادل الوداع أو نحو ذلك. وهذا طبيعي جدًا؛ فالمرء يتحدث بطرائق مختلفة في البيئات المختلفة.
وقد استشرف ميرويتز في ’لا إحساس بالمكان‘ أن الإعلام الإلكتروني سيثير ريبتنا فيمن يتحدثون بطرق مختلفة في بيئات مختلفة. فإذا بدّل شخص شفرته اللغوية بحسب المقام، أو تحدث في حملته الانتخابية على غير ما يتحدث به في حياته الخاصة، خلصنا إلى أنه شخص متصنع. واللافت في ترامب ندرة الأمثلة، إن وُجدت أصلًا، التي يتحدث فيها بأسلوب مختلف من بيئة إلى أخرى. قد ينفر الناس تمامًا مما يقوله في العلن أو السر، لكنه ليس منافقًا بالمعنى الذي يستعمل به كثيرون هذه الكلمة؛ فهو الشخص نفسه في كل بيئة تقريبًا. وهذا بالضبط ما كان ميرويتز يتوقعه: أن ننجذب إلى من يتصرفون بالطريقة نفسها على المسرح وخلف الكواليس، وأن نعدّ ثبات الشخصية في حد ذاته قيمة.
طومسون: عنوان كتاب ميرويتز هو ’لا إحساس بالمكان‘، وأود أن نتمهل عنده قليلًا لأنه ينطوي على تورية. فهو يعني أولًا أن الإعلام الإلكتروني يجذب وعينا إلى الخارج، فنجهل حقًا أين نحن. فقد أكون أقرأ تويتر في أرلينغتون بولاية فرجينيا، ثم أجدني منفعلاً بسبب أحداث غزة أو أوكرانيا أو مينيابوليس، على نحو كان متعذرًا في العصر السابق للتلفزيون والراديو. إن عصر وسائط الاتصال الجديد هذا ينتزعنا من موضعنا ويضعنا وجهًا لوجه مع أناس يبعدون عنا آلاف الأميال.
لكنه يقصد أيضًا انعدام الإحساس بالمكان في السُّلّم الهرمي؛ أي إن الإعلام الإلكتروني سيمكّن الناس من العمل خارج الخانة التي يشغلونها في ذلك السُّلّم: فسيستطيع الفقراء مثلاً الصراخ في وجوه أصحاب المليارديرات. وقال إن هذا سيولّد المزيد من الاضطراب الاجتماعي، وسيفضي، على ما أظنه كان سيوافق، إلى مزيد من الظواهر الشعبوية. وفكرته الثاقبة أن الإعلام الإلكتروني لا يقتلعنا من مراسينا الجغرافية فحسب، بل يهدم البنى الهرمية أيضًا، وهي فكرة مدهشة إذا تذكَّرنا أنه كتبها قبل 41 عامًا. ثم يأخذ خطوة أبعد بطريقة مدهشة حقًا، وهذا أكثر ما أود أن تعلق عليه. فهو يقول عن علاقتنا المستقبلية بالخبرات المتخصصة، والله وحده يعلم كم تحدث الناس عما أصابها في العقود القليلة الماضية:
”لقد ضاعفَ عالمنا التكنولوجي والاجتماعي المتزايد التعقيد اعتمادنا على ’معلومات الخبراء‘، لكن ’الخبراء‘ الذين ما فتئوا ينكشفون أمام الجمهور بوصفهم بشرًا عرضة للخطأ أضعف ثقتنا بهم أشخاصًا. وقد أورثَنَا تحول تصوراتنا عن القادة والخبراء [وهذه هي فكرتك بالضبط] ارتيابًا في السلطة، مقرونًا باعتماد يبدو أننا لا حول لنا فيه على أناس لا نثق بهم إلا قليلًا.“
وايزنثال: هذا مذهل. يبدو حقًا مثل كلام يصلح أن يُنشر في ’ذا أتلانتيك‘ عام 2025م؛ فقد سبق عصره بمراحل. ذكرتَ أن الفقراء يستطيعون الصراخ في وجوه أصحاب المليارديرات. وأظن أن معظم الناس سيقولون: ’انظر، أوجَدتْ التكنولوجيا بيئةً مكّنت الفقراء من إسماع أصواتهم، ويؤخذ فيها بأصحاب المليارديرات فيُنزَلون من عليائهم ويُعنَّفون. ونحن نرى هذا كل يوم على الإنترنت. ويخمن معظم الناس أن هذا تطور إيجابي جدًا، أي تطور ينزع إلى قيمة المساواة. لكن ثمة، بالمنطق نفسه، أمور أخرى لا يرتاح إليها معظم الناس بالقدر نفسه. وأعتقد أن هذا الحقل كله يوقفنا على طريقة معينة للنظر إلى التاريخ لا ترضي أحدًا ولا تخدم أي مشروع سياسي قائم اليوم.
طومسون: وبمناسبة الموضوعات التي لا يرتاح إليها أي مشروع سياسي، لدي سؤال عن الذكاء الاصطناعي وموضعه من ثنائية الحالتين الشفاهية والكتابية. وسأتناوله من زاوية آمل أن تكون مثيرة للاهتمام. يقول أونغ في ’الشفاهية والكتابية‘:
”النص المكتوب غير مستجيب في أساسه. فإذا طلبت من شخص أن يشرح عبارته، أمكنك الحصول على تفسير؛ أما إذا سألت نصًا، فلن تتلقى سوى الكلمات نفسها – العجماء في أحيان كثيرة – التي اضطرتك إلى السؤال بدايةً.“
أعدت قراءة ذلك المقطع على متن طائرة مؤخرًا فانتفضت في مقعدي. فهذا ما غيّره الذكاء الاصطناعي: صار بوسعك الدخول في محادثة مع النص. وهذا صحيح على المستوى الحرفي؛ إذ يمكنني تنزيل نسخة PDF من كتاب وإعطاؤها لكلود، ثم أقول: يا كلود، هل يمكننا أن نتحدث عن هذا الكتاب؟ لكنه صحيح أيضًا على مستوى أعلى من التجريد؛ فنحن نتحدث عن تقنية مدرَّبة مسبقًا على النصوص، أي على نتاج الثقافة الكتابية، في حين أن علاقتنا بمتنها التدريبي علاقة شفهية، أي حوارية. وهذا غريب.
وايزنثال: لم يستقر الرأي بعد في موضع الذكاء الاصطناعي من هذه الثنائية. فمن جهة، تستطيع تحميل بعض النصوص إلى كلود وطرح الأسئلة عليه، فيغدو الأمر تفاعليًا. وهذا شفهي؛ إنه محادثة. لكن هذه المحادثات مع الذكاء الاصطناعي لا تشبه غيرها من المحادثات على الإنترنت. فالذكاء الاصطناعي لن يهينك، ولن يخاطبك بلغة الميمات، ولن يرمي عليك النعوت. وأنا أيضًا لا أحاول أن أبزّ الذكاء الاصطناعي. وقد استخدم أونغ لفظ ’الشيء الصراعي‘؛ فالثقافات الشفهية ثقافات تنافسية. وهذا ما نراه على الإنترنت، حيث نتنافس بعضنا مع بعض كلما تحاورنا.
أما المحادثات مع روبوتات الذكاء الاصطناعي فلا تحمل نبرة صراعية؛ بل على العكس تمامًا. فأبرز شكاوى الناس من الذكاء الاصطناعي أنه شديد التملُّق وقليل المواجهة. أقول لروبوت الدردشة شيئًا غبيًا، فيجيبني: هذه فكرة رائعة حقًا يا جو! دعنا نستكشفها ونمعن في سبرها. وهذه في الواقع إحدى مشكلات الذكاء الاصطناعي الكبرى: أنه لا يتخذ مواقف حاسمة بما يكفي، ذلك أن الدردشات الآلية لا تصححك. نعم الذكاء الاصطناعي حواري، لكنه يفتقر إلى كثير من الجوانب التي تتصف بها المحادثات الرقمية الأخرى.
طومسون: لعل عصر وسائل التواصل الاجتماعي كان بالفعل انتقامًا للشفاهية؛ أما عصر الذكاء الاصطناعي فأقرب إلى أن يكون انتقاماً للكتابية. يشير أونغ وميرويتز إلى أن الكتابية جذبتنا إلى دواخلنا. فالقراءة تجربة باطنية، ثم انغمست الروايات أكثر في العالم الباطني استجابةً لباطنية القراءة. وروايات القرن التاسع عشر غنية على نحو مدهش بتصوير ما تكون عليه خبرة الإنسان حين يفكر ويحيا في لحظة بعينها. فهمُّها الأعظم ليس الحبكة ثم الحبكة ثم الحبكة، ولا سلاسل الأنساب، وإنما الغوص بكليتها في الخبرة الظاهراتية للشخصيات. أما الذكاء الاصطناعي فيبدو أقرب في نظري إلى كلام باطني غير الملفوظ، إذ يشعرني بأنني أحاور نفسي، مع أنها ليست نفسي، وإنما آلة أتحدث إليها؛ غير أن التجربة أشبه بالاسترسال مع نفسي في أحلام اليقظة منها بتجربة تويتر الصراعية، حيث أدخل عقول الآخرين وأُدفع دفعًا إلى مواجهة غرباء لم ألتق بهم قط.
وايزنثال: هذا محتمل جدًا. ولن تبدو الحال مطابقة للعصر الكتابي السابق، فالعودة لا تتكرر بالصورة نفسها قط؛ إذ تأتي هذه الأشياء وتذهب. ومن الواضح أن العصر الشفاهي الراهن مختلف عن الأول، وكذلك ستكون العودة إلى العزلة. فإذا طفقتَ تتجاذب أطراف الحديث مع روبوت الدردشة ثم أغلقت الحاسوب، فلن يراودك الشعور نفسه: ’آه، ما زالوا هناك يتجادلون في غيابي؛ وهم يتحدثون عني على الإنترنت ولست حاضرًا لأدافع عن نفسي!‘. أيًا كان، لن تشعر تمامًا بقوة الجذب نفسها. وأعتقد أن كل هذه الأشياء ستتعايش معا؛ وستظل أصداء الماضي تتردد فينا، وستكون مختلفة ومتشابهة في آن، ومن المفيد للمرء، إذا ما أراد صيانة اتزانه، أن يتعرف إلى هذه الأنماط ويرصدها، وأن يدرك القوى التي تشده في اتجاهات شتى.
طومسون: لنختم بلازمة جو الشهيرة: ’ماذا أغفلتُ؟‘ ما القضية المهمة في هذا المجال التي لم يتسع وقتنا لمناقشتها، أو التي لم أُحسن سؤالك عنها؟
وايزنثال: أعتقد على وجه العموم أن ثمة عللًا معاصرة كثيرة، ويشير الناس إلى الوسائط الرقمية والهواتف وما إليها بوصفها من أسبابها. وكل ما أود قوله إن هناك كتابات كثيرة، أرى أنها تعين على الإجابة عن هذه الأسئلة، وكُتبت قبل أن يوجد أي شيء من هذا أصلًا. ويسعدني أن يتعرف مزيد من الناس إلى جوش ميرويتز ووالتر أونغ وإريك هافلوك ومارشال مكلوهان وغيرهم. أجل، أظن أن ذلك سيسعدني. أريد فقط أن أتحدث مع الناس عنهم.
المصدر: ذا أتلانتيك



