فكر وثقافة

ما الذي يخيفُ الملحدين الجدد؟

  • جون جراي
  • ترجمة: ميَّا محمد
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: إسراء عبد الله
  • تدقيق: أميرة القحطاني

نبذة تعريفية

قلما يجد المرء بين كتابات الملحدين الكثيرة شيئاً يخلو عن جرعةٍ زائدةٍ من تعصبٍ أو جهلٍ بالعلم أو بالتاريخ، وعندما نعثرُ على شيءٍ به جرعةٍ قليلة من التعالم مع شيء كثيرٍ من الحق، فإنه -وإن لم يزد المؤمنَ شيئا- يفضحُ جهالاتٍ كثيرة ويزيلُ العديد من الالتباسات التي -للأسف- وقع فيها كثيرون وعمت بها البلوى. وإذا ارتبطت سردية المؤمن عن التاريخ وموقفه من العلم في أذهان الكثيرين بوسوم كالتعصب والأدلجة وليّ الحقائق، فإن صدور نفس هذه الادعاءات المؤمنة من أقلام غربية ملحدة يكفي -أو هكذا يُفترض- أن يقنع من ارتبط الحق في عقولهم بأسماء غربية.

يخطو جون غراي -الملحد- في هذا المقال خطوات واسعة داخل مغارة الإلحاد المعاصر، محاكما العديد من المغالطات العلمية والتاريخية التي يلجأ إلى ترويجها أشهر الملحدين، وكاشفاً اللثام عن حقائق قد لا تكون معلومة لبعض المؤمنين، كما أن العلم بها يثبت حجة المؤمن ويثري تكوينه الفكري.

وكما هو معلوم، لا تتوقف الاستفادة مما كتبه شخص على كون هذا الشخص معصوماً لا يخطئ، فلا شك أن المشتغل بهذا الملف من المؤمنين سيستفيد من ردود الملحدين بعضهم على بعض ويوظف هذه الردود في تقوية حجته، مع محاكمتها إلى مرجعيته لتمييز صحيحها من سقيمها؛ لذا فالمقال هو مناقشة لأسس الإلحاد من داخل الإلحاد نفسه، فلا عجب أن تُبنى بعض الحجج على أسس لا يُسلم بها المؤمن، لكنها تصلح أن تكون من باب الجدل وإلزام المخالف.


في عام ١٩٢٩، في مكتبة المفكر، نُشرت سلسلة أنشأتها “جمعية الصحافة العقلانية” لتعزيز الفكر العلماني والتصدي لتأثير الدين في بريطانيا. نُشرت ترجمة إنجليزية لكتاب عالم الأحياء الألماني إيرنست هيكل في عام ١٨٩٩ “لغز الكون”، الذي اشتهر باسم “داروين الألماني”. كان هيكل واحداً من أكثر المفكرين تأثيراً من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ حيث بِيع نصف مليون نسخة من كتاب “لغز الكون” في ألمانيا وحدها، وقد تُرجم إلى عشرات اللغات الأخرى. معاديا التقاليد اليهودية والمسيحية، ابتكر هيكل “عبادة العلم” التي تدعى “الوحدة”، والتي تتضمن الأنثروبولوجيا، حيث قسم الجنس البشري إلى تسلسل هرمي من المجموعات العرقية. على الرغم من أنه توفي في عام ١٩١٩ قبل تأسيس الحزب النازي، لكن مما لا شك فيه أن أفكاره ونفوذه الواسع النطاق في ألمانيا، ساعدت على خلق مناخٍ فكري تمكنت فيه سياسات الرق العنصري والإبادة الجماعية من ادعاء وجود أساس علمي لها.

مكتبة المفكر أيضًا عرضت أعمال جوليان هكسلي، حفيد توماس هنري هكسلي، عالم الأحياء الفيكتوري الذي كان يعرف باسم “كلب داروين” لدفاعه الشرس عن نظرية التطور. أصبح هكسلي من دعاة “الإنسانوية التطورية”، التي وصفها بأنها “دين منزوع الوحي”، كما شارك بعض وجهات نظر هيكل، بما في ذلك الدعوة إلى تحسين النسل. في عام 1931، كتب هكسلي أن هناك “كمية معينة من الأدلة على أن الزنجي نتاج سابق على تطور الإنسان من المنغولية أو الأوروبية، وعلى هذا النحو قد يكون من المتوقع أن يكون أقل درجة، سواء في الجسم والعقل”. كانت التصريحات من هذا النوع شائعة، فهناك العديد من العلمانيين المثقفين – بما في ذلك هيربيرت جورج ويلز، أيضا مساهم في مكتبة المُفكر – الذين يتطلعون إلى وقت حيث الشعوب “المتخلفة” سيتم إعادة صهرها في قالب غربي أما ما عدا ذلك فيختفي من العالم.

ولكن بحلول أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت هذه الآراء موضعَ شك. ففي عام ١٩٣٥، اعترف هكسلي بأن مفهوم العرق “غير قابل للتعريف من الناحية العلمية”. بينما لم يتخلَ أبداً عن علم تحسين النسل، ثم لم يسمع عنه سوى القليل عن هذا الموضوع بعد الحرب العالمية الثانية. إن العلم الذي يهتف باسم الشعب الغربي كان مزيفاً؛ لكن ما غيّر وجهات نظر هكسلي لم يكن أي كشف علمي: بل كان صعود النازية، الذي كشف ما تم القيام به تحت رعاية العنصرية على غرار هيكل.

وقد لُوحظ في كثير من الأحيان أن المسيحية تتبع تغير الموضة الأخلاقية، وهو الأمر الذي ظلت المسيحية طوال الوقت تظن أنها بعيدة عنه. ويمكن أن يقال نفس الشيء عن النسخة السائدة من الإلحاد. إذا كان جيل سابق من الملحدين يشاطرون التحيزات العنصرية في عصرهم ويرفعونها إلى حالة الحقائق العلمية، فإن الملحدين المعاصرين يفعلون نفس الشيء بالقيم الليبرالية التي تؤيدها المجتمعات الغربية اليوم، بينما ينظرون بازدراء للثقافات “المتخلفة” التي لم تتخل بعدُ عن الدين. النظريات العرقية التي روجها الملحدون في الماضي هي الآن في مزبلة التاريخ، والملحدون الأكثر نفوذاً اليوم لن يؤيدوا علم الأحياء العنصري تمامًا كما لن يتبعوا أحد المنجمين. لكنهم لم يتخلوا عن الاقتناع بأن القيم الإنسانية يجب أن تقوم على العلم. والآن، بدلاً من الشعارات العرقية، فالقيم الليبرالية هي التي تحصل على تلك الأوسمة. وهناك نزاعات مريرة حول كيفية تعريف هذه القيم وتفسيرها، ولكن تفوقها لا يكاد يكون موضع شك. بالنسبة للمبشرين الملحدين في القرن الواحد والعشرين، لا فرق بين كونك ليبراليا وعلميًا في نظرتك للأمور.

إنها معادلة بسيطة بشكل مطمئن. في الواقع لا توجد صلات موثوقة سواء في المنطق أو التاريخ بين الإلحاد والعلوم والقيم الليبرالية. عند تنظيم حركة مدعومة من الدولة، فإن ملحدي الأيديولوجيات يصبحون جزءًا لا يتجزأ من الأنظمة الاستبدادية التي ادعُيَ أيضًا صلتها بالعلوم، مثل الإتحاد السوفييتي السابق. هناك العديد من القيم المتنافسة والنظم السياسية -التي معظمها حتى الآن ليبرالي- يحاول التأكيد على “علميته”؛ إلا أن جميعهم كانوا محتالين ولم يصمدوا طويلًا؛ ومع ذلك فإن نفس المحاولة مستمرة في الحركات الإلحادية اليوم، التي تدعي أن القيم الليبرالية يمكن التثبت منها علميًا وبالتالي فهي عالمية إنسانيًا.

لحسن الحظ، هذا النوع من الإلحاد ليس الوحيد الذي وجِد في أي وقت مضى. كان هناك الكثير من الإلحادات الحديثة، بعضها أكثر إقناعاً وأكثر تحرراً فكرياً من النوع الذي يصدر الكثير من الضوضاء اليوم. إن حملة الإلحاد هي مشروع تبشيري يهدف إلى تحويل البشرية إلى نسخة معينة من الإلحاد؛ لكن لم يكن كل الملحدين مهتمين بنشر إنجيل جديد، بل كان بعضهم ودودًا تجاه الأديان التقليدية.

ينظر الملحدون “الإنجيليون” اليوم للقيم الليبرالية كجزء من حضارة عالمية ناشئة، ولكن ليس كل الملحدين -حتى عندما يتشاركون الليبرالية- يشتركون في هذا الاقتناع المريح. يأتي الإلحاد في العديد من الأشكال المختلفة بشكل لا يمكن اختزاله، إلا أن النوع الذي يتم الترويج له في الوقت الحالي يبدو بشكل لافت للنظر سطحيًا وضيقَ الأفق.

الإلحاد في حد ذاته موقف سلبي تمامًا. في روما الوثنية “الملحد” (من الأصل اليوناني atheos) يعني أي شخص رفض عبادة الآلهة المتعددة في الـ “بانثيون”. وطبق المصطلح على المسيحيين الذين لم يرفضوا فقط عبادة آلهة بانثيون، بل توجهوا بعبادتهم الخالصة إلى إلههم. العديد من غير الديانات الغربية لا تحتوي على مفهوم الخالق “الله”، مثل البوذية والطاوية في بعض أشكالها، وعليه فهذه الديانات الملحدة والعديد من الأديان الشبيهة لم يكن لديهم أي مصلحة في التبشير. ومع ذلك، في السياقات الغربية الحديثة فإن الإلحاد ورفض التوحيد هما عمليًا قابلان للتبادل. وعلى وجه التقريب فإن الملحد هو أي شخص لا يستخدم مفهوم “الله” -فكرة العقل الإلهي- الذي خلق البشرية ويُجسِّد القيم التي يعتز بها البشر ويجتهدون في تحقيقها. العديد من الملحدين بهذا المعنى (بما فيهم أنا) ينظرون إلى الإلحاد الإنجيلي الذي ظهر على مدى العقود القليلة الماضية شاعرين بشيء من الإهانة. لماذا تثير ضجة حول فكرة ليس لها معنى بالنسبة لك؟ هناك حشود لا حصر لها ليس لها مصلحة في شن حرب على المعتقدات التي لا تعني لهم شيئًا. وعلى مر التاريخ، كان الكثيرون سعداء بأن يعيشوا حياتهم دون أن يزعجوا أنفسهم بشأن الأسئلة النهائية؛ هذا النوع من الإلحاد هو أحد الاستجابات الدائمة لتجربة الإنسان.

كحركة منظمة، لا يكون الإلحاد أبداً وفيًا لمنطلقاته بهذه الطريقة. دائماً ما ينتهي به الأمر بنظام اعتقاد بديل، وعادة ما يكون مجموعة من الأفكار التي تساعد على إظهار الغرب الحديث على أنه ذروة التطور البشري. في أوروبا من أواخر القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الثانية، كانت هذه نسخة من نظرية التطور التي وصفت الشعوب الغربية بأنها الأكثر تطورًا. في الوقت الذي كان فيه هيكل يروج لنظرياته العرقية، قام ماركس بتطوير نظرية مختلفة للتفوق الغربي. وبينما كان ماركس يدين المجتمعات الليبرالية ويتنبأ بموتها، كان ينظر إليها على أنها أقصى ما وصل إليه التطور البشري حتى الآن. (ولهذا السبب أشاد بالاستعمار البريطاني في الهند بوصفه تطورًا تقدميًا في جوهره)، إذا كان لدى ماركس تحفظات جدية حول الداروينية – وقد كان- فإن ذلك؛ لأن نظرية داروين لم تحدد التطور كعملية تقدمية.

كانت الأنواع السائدة من التفكير الإلحادي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تهدف إلى إظهار أن الغرب العلماني هو -وفقط هو- نموذج الحضارة العالمية. إن الإلحاد التبشيري في الوقت الحاضر هو إعادة لهذا الموضوع، ولكن الغرب يتراجع اليوم، وتحت الحماس الذي يهاجم به هذا الإلحاد الدين، هناك مزاج واضح من الخوف والقلق إلى حد كبير، الإلحاد الجديد هو تعبير عن الذعر الأخلاقي الليبرالي.

سام هاريس، عالم الأعصاب الأمريكي ومؤلف “نهاية الإيمان، الدين والإرهاب ومستقبل العقل (٢٠٠٤)” و “المشهد الأخلاقي: كيف يمكن للعلم تحديد القيم الأخلاقية (٢٠١٠)” حيث يوضح أول الملحدين الجدد هذه النقطة. متأثرًا بالعديد من الإيديولوجيين الملحدين في وقت سابق، يريد هاريس “أخلاقًا مبنية على العلم” لكن في حين أن الدعاة السابقين لهذا النوع من الإلحاد استخدموا العلم لدعم القيم التي يتفق الجميع الآن على أنها غير ليبرالية؛ يعتبر هاريس أن من المسلم به أن ما يسميه “علم الخير والشر” لا يمكن أن يكون غير ليبرالي في مضمونه. لن يتفق الجميع مع رواية هاريس عن القيم الليبرالية، والتي يبدو أنها تجيز ممارسة التعذيب، حيث كتب عام 2004 “بالنظر إلى ما يعتقد الكثيرون أنه مقتضيات حربنا على الإرهاب، فإن ممارسة التعذيب في ظروف معينة يبدو أنه لا يجوز فقط بل ضروري”.

يبدو أن نزعة هاريس في تأكيد هذه القيم هي إلى حد كبير رد فعل على الإرهاب الإسلامي. وبالنسبة لليبراليين العلمانيين من جيله، تجاوزت صدمة هجمات ١١ أيلول / سبتمبر الخسائر الفادحة في الأرواح التي ترتبت عليها. تأثير الهجمات وضع علامة استفهام على الاعتقاد بأن القيم تنتشر ببطء، وفي مرات أخرى بشكل متقطع، ولكنها على المدى الطويل ستصبح غير قابلة للمقاومة في جميع أنحاء العالم. وعندما أصبح المجتمع أكثر اعتمادًا على العلم اعترضوا بلا رجعة. ومما لا شك فيه أن العملية ستكون وعرة، وأن جيوب اللاعقلانية ستظل على هامش الحياة الحديثة. ولكن الدين سيتضاءل كعامل في الصراع الإنساني؛ والطريق سيكون طويلًا ومتعرجًا، ولكن مسيرة العقل العلماني الكبرى سوف تستمر، مع انضمام المزيد والمزيد من المجتمعات إلى الغرب الحديث في تهميش الدين. ويومًا ما، المعتقدات الدينية لن تكون أكثر أهمية من الهوايات الشخصية أو الأطعمة العرقية.[1]

يتضح اليوم أنه لا توجد مسيرة كبيرة جارية. إن ظهور الجهادية العنيفة ليس سوى المثال الأكثر وضوحًا لرفض الحياة العلمانية. التفكير الجهادي يأتي في أصناف عديدة، وهو خليط من طبقات من إيديولوجيات القرن العشرين مثل النازية واللينينية، مع عناصر مستمدة من القرن الثامن عشر مثل الحركة الإسلامية الأصولية الوهابية؛ لكن ما تشترك فيه جميع الحركات الإسلامية هو رفض قاطع لأي عالم علماني؛ لكن يجب ملاحظة أن الارتداد المستمر إلى العلمنة ليس ظاهرة غريبة على الإسلام.[2]

إن عودة الدين إلى الظهور هو تطور عالمي. الأرثوذكسية الروسية أقوى مما كانت عليه لأكثر من قرن، وتعد الصين مسرحًا لإعادة إحياء دياناتها الأصلية والحركات السرية التي يمكن أن تجعلها أكبر بلد مسيحي في العالم بحلول نهاية هذا القرن. وعلى الرغم من التحولات المؤقتة في الرأي التي تم الترحيب بها كدليل على أنها أصبحت أقل تدينًا، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال متدينة على نطاق واسع، فمن غير المتصور أن يصبح غير المؤمن رئيسًا على سبيل المثال.

أما بالنسبة للمفكرين العلمانيين، فإن استمرار حيوية الدين يثير الشكوك حول الاعتقاد بأن التاريخ يشكل أساس قيمهم. ومن المؤكد أن هناك اختلافًا فيما يتعلق بطبيعة هذه القيم؛ ولكن كل المفكرين العلمانيين الآن يعتبرون من غير المشكوك فيه أن عامة المجتمعات الحديثة يجب في نهاية المطاف أن تصل إلى نسخة من الليبرالية؛ هذا الافتراض أصبح غير معقول اليوم، لذا -وليست تلك أول مرة- يبحث المفكرون العلمانيون عن أساس لقيمهم.

ربما من الأفضل أن الجيل الحالي من الملحدين يبدو أنه لا يعرف إلا القليل من التاريخ الطويل للحركات الإلحادية. وعندما يؤكدون أن العلم يمكن أن يجسد الحقائق والقيم، يتغاضون عن العديد من أنظمة القيم غير المتوافقة التي تم الدفاع عنها بنفس هذه الطريقة. ليس هناك سبب آخر يجعلنا نعتقد أن العلم يمكنه أن يرسم خارطة القيم الإنسانية اليوم أكثر مما كان في زمن هيكل أو هكسلي. لا يوجد بين القيم المتباينة التي يروج لها الملحدون من وقت لآخر أي علاقة أساسية مع الإلحاد، أو مع العلم. كيف يمكن لأي زيادة في المعرفة العلمية أن تثبت صحة قيم مثل المساواة البشرية والاستقلال الشخصي؟ كما أن مصدر هذه القيم ليس العلم. في الواقع، كما قال المفكر الملحد الأكثر قراءة على نطاق واسع في كل العصور: هذه القيم الليبرالية الجوهرية ترجع جذورها إلى نزعة التوحيد.

نادرًا ما يأتي الملحدون الجدد على ذكر فريدريك نيتشه، وعندما يفعلون ذلك فعادة ما يكون في سياق الازدراء؛ هذا لا يفسره فقط أن أفكار نيتشه يُقال أنها ألهمت نزوع الطائفة النازية لعدم المساواة العرقية، وهذا أمر مستبعد بالنظر إلى أن النازيين ادعوا أن عنصريتهم كانت مبنية على العلم. إن السبب في استبعاد نيتشه من التيار السائد من التفكير الإلحادي المعاصر هو أنه فضح مشكلة الإلحاد مع الأخلاق. ليس الأمر أن الملحدين لا يمكن أن يكونوا أخلاقيين -وهو موضوع الكثير من المناظرات السطحية- السؤال هو: أي منظومة أخلاقية يجب أن يتبناها الملحد؟

إنه سؤال مألوف في قارة أوروبا، حيث استكشف عدد من المفكرين آفاق “الإلحاد الصعب” الذي لم تعد فيه القيم الليبرالية أمرًا مسلمًا به. لا يمكن أن يقال إن الجدل قد تخطى هذا الحاجز؛ فمشروع جورج باتيل ما بعد الحداثي  “للاهوت الملحد” لم ينجح في إنتاج الدين الإلحادي الذي كان يقصده أصلا، ولكن على الأقل باتيل -والمفكرين الآخرين مثله- فهموا أنه عندما تتخلى عن الأساس التوحيدي -أو الديني بمفهوم أشمل- الكامن وراء الأخلاق، فلا يمكنها أن تستمر كما كانت من قبل. ومن بين أمور أخرى، تصبح المزاعم العالمية للأخلاق الليبرالية موضع شك كبير.

من المستحيل قراءة الكثير من الأفكار المعاصرة ضد الدين دون ملاحظة الانطباع العام بأن العالم سيكون مكانًا أفضل مع “الملحدين الجدد” لو لم توجد النزعات التوحيدية اليهودية أو المسيحية. ينوح الملحدون دائمًا قائلين بأنه لو لم يغزُ العالمَ هذا الوباءُ الديني لكانت القيم الليبرالية أكثر موثوقية وثباتًا. والمفارقة الفاضحة لفكر هذا النوع من الملحدين هي أن نيتشه رأى أن الليبرالية الحديثة ما هي إلا تجسيد علماني لهذه التقاليد الدينية. وباعتباره مفكرًا كلاسيكيًا، أدرك أن الإيمان اليوناني الغامض بالعقل شكّل المصفوفة الثقافية التي انبثقت منها الليبرالية الحديثة. دافع بعض قدماء الرواقيين عن فكرة عالمية المجتمع، ولكن هذا كان مبنيًا على الاعتقاد بأن البشر يتشاركون نفس “اللوجوس”، وهو المبدأ الخالد للعقلانية الذي تم دمجه لاحقًا في مفهوم الرب الذي نعرفه.[3] نيتشه كان واضحًا، فرأى أن المصادر الرئيسية لليبرالية ترجع إلى الديانة اليهودية والمسيحية؛ ولهذا السبب لم يدخر جهدًا في معاداة هذه الأديان، فقد كان إلحاده -في جزء كبير منه- رفضًا للقيم الليبرالية.

ومن المؤكد أن الملحدين “الإنجيليين” ينكرون بإصرار أن الليبرالية تحتاج إلى أي دعمٍ من الدين. وإذا كانوا فلاسفة، فإنهم سيخرجون معداتهم الفكرية الرديئة ليؤكدوا أن أولئك الذين يعتقدون أن الليبرالية تعتمد على الأفكار والمعتقدات الموروثة عن الدين= متهمون بارتكاب مغالطة الاحتكام إلى الموروث. قد يكون المفكرون الليبراليون الأشهر -مثل: جون لوك وإيمانويل كانط- قد غرزوا في وحل التعصب، ولكن الأفكار لا تكون فاسدة لمجرد أنها نشأت من بعض الأخطاء بعيدة المدى، فإن المطالبات بعيدة المدى التي قدمها هؤلاء المفكرون للقيم الليبرالية يمكن فصلها عن جذورها الدينية. والأخلاق الليبرالية التي تنطبق على جميع البشر يمكن أن تصاغ دون أي ذكرٍ للدين، أو هكذا يتم إخبارنا باستمرار. المشكلة هي أنه من الصعب فهم فكرة الأخلاق العالمية دون التذرع بفهم ما معنى أن تستعير منظومتك الأخلاقية من النزعة الدينية. الاعتقاد بأن الجنس البشري هو كائن أخلاقي يكافح من أجل تحقيق إمكانياته الكامنة -قصة الخلاص التي يعتمدها علماء الأنثروبولوجيا في كل مكان- هي نسخة محرفة عن أسطورة لاهوتية. فكرة أن الجنس البشري يسعى لتحقيق أي غرض أو هدف عالمي -كدولة الحرية أو العدالة- تفترض مسبقًا نزوعًا غائيًا ما قبل الداروينية ليس له مكان في العلم. من الناحية التجريبية، لا يوجد مثل هذا العامل البشري الجماعي، وإنما يوجد بشر مختلفون لهم أهداف وقيم متضاربة. إذا فكرت في الأخلاق من الناحية العلمية، كجزء من سلوك الحيوان البشري، ستجد أن البشر لا يعيشون وفقا لتكرار نظام عالمي واحد. بدلا من ذلك، فقد صمموا العديد من طرق الحياة. إن تعدد الوجدان هو أمر طبيعي للحيوان البشري، تمامًا مثل تنوع اللغات.

في هذه المرحلة، يحوم حولنا شبح النسبية الرهيب. ألا يعني الحديث عن تعددية الأخلاق أنه لا يمكن أن تكون هناك حقيقة في الأخلاق؟ أي شخص يريد أن تكون قيمه مستمدة من قبل كيان ما وراء العالم البشري، فمن الأفضل أن ينضم إلى ديانة قديمة الطراز. إذا وضعت جانباً أي نظرة للبشرية معتمدة على الدين، فيجب أن تتعامل مع البشر كما تجدهم مع قيمهم المتحاربة على الدوام.

هذه ليست النسبية التي يحتفي بها مفكرو ما بعد الحداثة، التي تعتبر أن القيم الإنسانية هي مجرد بناء ثقافي. البشر يشتركون مع الحيوانات الأخرى في وجود طبيعة محددة هي التي تشكل تجاربهم سواء أعجبهم ذلك أم لا، فلا أحد يستفيد من التعرض للتعذيب أو الاضطهاد بسبب دينه أو جنسه، وإن الفقر المدقع نادراً ما يكون تجربة إيجابية، وأن تكون معرضًا لخطر الموت هو أمر سيء لجميع البشر مهما كانت ثقافتهم… ويمكن مضاعفة هذه البديهيات. يمكن فهم القيم الإنسانية العالمية على أنها حقائق أخلاقية، ترسم منافع ومضار بشرية عامة. وباستخدام هذه القيم العالمية، قد يكون من الممكن تحديد الحد الأدنى من معايير الحياة المدنية التي ينبغي أن يستوفيها كل مجتمع؛ ولكن هذا الحد الأدنى لن يكون هو القيم الليبرالية المعاصرة التي تحولت -بمعجزة ما- إلى مبادئ عالمية.

لا تضيف القيم العالمية شيئًا إلى الأخلاق العالمية، و كثيراً ما تكون هذه القيم متضاربة، كما تقوم مجتمعات مختلفة بحل هذه الصراعات بطرق مختلفة. كانت الإمبراطورية العثمانية -خلال بعض تاريخها- ملاذًا للتسامح مع الطوائف الدينية التي تعرضت للاضطهاد في أوروبا، ولكن هذه التعددية لم تمتد إلى تمكين الأفراد للانتقال من مجتمع إلى آخر، أو تشكيل مجتمعات جديدة من اختيارهم بما يتماشى مع النسخة الليبرالية المثالية من الاستقلال الشخصي. تأسست إمبراطورية هابسبورغ على رفض المبدأ الليبرالي القائل بحق تقرير المصير الوطني؛ ورغم ذلك – أو ربما لهذا السبب بالذات – كانت أكثر حماية للأقليات من معظم الدول التي نجحت في تقرير مصيرها. لقد نجحت هذه الأنظمة الإمبريالية القديمة في أن تكون أكثر تحضرًا وصيانة للقيم العالمية من عدد كبير من الدول الموجودة اليوم، دون أن يلزمها ذلك احترام ما يُنظر إليه الآن على أنه مُثُل ليبرالية جوهرية.

وبالنسبة للكثيرين فإن أنظمة من هذا النوع هي أمثلة ناقصة لما يريده جميع البشر من داخلهم -أي عالم لا يوجد فيه أحد غير حر. إن الاقتناع بأن الطغيان والاضطهاد هما انحرافات في الشؤون الإنسانية هو في صميم الفلسفة الليبرالية السائدة اليوم؛ لكن هذه الإدانة مدعومة بالإيمان أكثر من أي دليل آخر. على مر التاريخ، كانت هناك أعداد كبيرة ممن تخلوا عن حريتهم وهم سعداء تماماً مثلما هناك اليوم من يستنكرون أن يُحرم مثليو الجنس واليهود والمهاجرون والأقليات الأخرى من حريتهم. وكان الكثيرون على استعداد لدعم الطغيان والقمع، والملايين من البشر كانوا معادين للقيم الليبرالية، وليس هناك سبب للتفكير أن الأمور ستكون مختلفة في المستقبل.

قبل المفكرون اللليبرالون القدامى هذه الحقيقة، كما قال ستيوارت هامبشاير:

“إنه ليس ممكنًا فحسب، بل من المحتمل -وفقًا للأدلة الحالية- أن معظم مفاهيمنا عن الخيِّر والنافع ومعظم أساليب الحياة -التي هي نموذجية آلات للمجتمعات التجارية والليبرالية والصناعية- غالبًا ما تبدو مكروهة بالكلية للأقليات داخل هذه المجتمعات، وأكثر كرهاً بالنسبة لمعظم السكان داخل المجتمعات التقليدية… بصفتي ليبرالياً عن قناعة فلسفية، أعتقد أنه يجب أن أتوقع أن أكون مكروهًا، وأن أبدو سطحيًا ومحتقرًا، من جانب جزء كبير من البشرية”.

أما اليوم، فهذه فكرة محرمة؛ كيف يمكن للبشرية جمعاء ألا تريد أن تكون كما نتخيل أنفسنا؟ وكيف لنا أن نقبل أن أعدادًا كبيرة تكره وتحتقر قيمًا مثل التسامح والاستقلال الشخصي. كثير من الناس في الوقت الحاضر، يرى تلك سقطة لا تغتفر وافتراء لا يعدله افتراء على البشر. والواقع أن الوهم الجوهري للليبرالية السائدة هو الاعتقاد بأن جميع البشر يولدون محبين للحرية وسلميين ولا يصبحون أي شيء آخر إلا نتيجة للتكييف القمعي، وهم متأكدون أنه لا يوجد ليبرالي متخفٍ يكافح للهروب من قتلة تنظيم الدولة الإسلامية وبوكو حرام، أكثر مما كان موجودًا بين الجلادين الذين خدموا نظام بول بوت. هذه حالات متطرفة، ولكن على مر التاريخ، لا تكاد تخطئ عينا الناظر شيوع العنف والاضطهاد العقائدي والعلماني والديني، وأنها قد حظيت بدعم واسع النطاق. إن التعايش السلمي وممارسة التسامح هما أمران استثنائيان.

إن المجتمعات الليبرالية تستحق الدفاع عن نفسها عندما تبسط البدائل المتاحة. ولكن لا يوجد سبب للتفكير أن هذه المجتمعات هي بداية حضارة علمانية عالمية لكافة البشر من النوع الذي يحلم به الملحدون الإنجيليون. في اليونان القديمة وروما، لم يكن الدين منفصلا عن بقية النشاط البشري، وكانت المسيحية أقل تسامحًا من هذه المجتمعات الوثنية، ولكن بدونها أصبحت المجتمعات العلمانية في العصر الحديث ممكنة. عن طريق الفصل بين ما هو لقيصر وما هو لله، استطاع بولس وأوغسطين تحويل تعاليم المسيح إلى عقيدة عالمية، وفتحوا الطريق أمام المجتمعات التي لم يعد الدين فيها يتعايش مع الحياة. للأنظمة العلمانية العديد من الأشكال، بعضها ليبرالي، والبعض الآخر استبدادي؛ البعض يهدف إلى فصل الكنيسة عن الدولة -كما هو الحال في الولايات المتحدة وفرنسا- في حين أن آخرين – مثل النظام الأتاتوركي الذي حكم تركيا حتى وقت قريب- يؤكد سيطرة الدولة على الدين. وأياً كان شكلها، فإن الدولة العلمانية ليست ضمانًا لثقافة علمانية. لدى بريطانيا كنيسة مرجعية، ولكن على الرغم من ذلك –أو على الأرجح بسبب ذلك– الدين له دور أقل في السياسة منه في أمريكا، وهو أقل انقساما في العلن مما هو عليه في فرنسا.

لا توجد أي إشارة في أي مكان تقول بأن الدين يتلاشى بعيدًا، لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أن ليس جميع الملحدين يعتقدون بأي حال من الأحوال أن اختفاء الدين ممكن أو مرغوب فيه، وأبرز هؤلاء شاعر القرن التاسع عشر والفيلسوف جياكومو ليوباردي، الفيلسوف آرثر شوبنهاور، الفيلسوف النمساوي الهنغاري والروائي فريتز ماوثنر (الذي نشر أربعة مجلدات من تاريخ الإلحاد في أوائل العشرينات)، وسيغموند فرويد، على سبيل المثال لا الحصر، وقد كانوا جميعاً ملحدين قبلوا القيمة الإنسانية للدين. الشيء الوحيد المشترك بين هؤلاء الملحدين: هو اللامبالاة تجاه أسئلة الإيمان. اقترح ماوثنر -الذي يُذكر اليوم بشكل رئيسي بسبب الإشارة الرافضة له في سطر واحد في كتاب فيتجنشتاين “رسالة منطقية فلسفية”- أن الإيمان وعدمه كانا تعبيرين عن إيمان أعمى باللغة. بالنسبة له، كانت “الإنسانية” ظهورًا يذوب مع الإله الغائب. كان الإلحاد تجربة للعيش دون اعتبار المفاهيم الإنسانية حقائق. ومن المثير للاهتمام أن ماوثنر رأى أوجه تشابه بين هذا الإلحاد الراديكالي وتيار اللاهوت السلبي، الذي لا يمكن فيه تأكيد أي شيء عن الله، كما وصف المتصوف المسيحي الهرطقي مايستر إيكهارت بأنه ملحد بهذا المعنى.

وقبل كل شيء، قَبِل هؤلاء الملحدون غير الإنجيليين أن الدين هو الإنسان بشكل قاطع. وعلى الرغم من أنه لا يجوز لجميع البشر أن يعلقوا أهمية كبيرة عليهم، فإن كل مجتمع يحتوي على ممارسات معترف بها ودينية في نفس الوقت. لماذا يجب أن يكون الدين عالميًا بهذه الطريقة؟ بالنسبة للملحدين المعاصرين هذا سؤال محرج بالتأكيد، ودائمًا يدّعون أنهم أتباع لداروين. ومع ذلك لا يسألون أبدًا عن الوظيفة التطورية التي تخدمها هذه الظاهرة على نطاق الأنواع. وهناك تناقض لا يمكن حله: النظر إلى الدين على أنه تكيف إنساني للعيش في العالم، ثم نقده لأنه نسيج من الخطأ والوهم. ماذا لو كانت نتيجة البحث العلمي أن الحاجة للوهم مبنية في العقل البشري؟  إذا كانت الأديان طبيعية للبشر وتعطي قيمة لحياتهم، لماذا تقضي حياتك محاولاً إقناع الآخرين بالتخلي عنها؟

والإجابة التي ستقدم هي أن الدين متورط في العديد من الشرور الإنسانية؛ بالطبع هذا صحيح، فمن بين أشياء أخرى جلبت المسيحية معها نوعًا من القمع الجنسي لم يُعهد حتى في ظل الوثنية، والديانات الأخرى لديها عيوبها. لكن الذنب لا يقع على عاتق الدين أكثر مما يقع اللوم على العلم في انتشار أسلحة الدمار الشامل أو استعمال الطب وعلم النفس من أجل تحسين أساليب التعذيب. الخطأ هو في الحيوان البشري العنيد. مثل الدين في أسوأ حالاته، يغذي الإلحادَ المعاصر الخيالُ بأن الحياة البشرية يمكن إعادة تشكيلها من خلال تجربة التحول- في هذه الحالة التحول إلى الإلحاد.

الملحدون الإنجيليون في الوقت الحاضر هم “رسل” قيمهم الخاصة. وإذا كان جيل سابق قد روج للتحيزات العنصرية كحقائق علمية، فإن جيلنا يهدف إلى إعطاء أوهام الليبرالية المعاصرة أساسًا مشابهًا من العلم. من الممكن أن نتخيل تطور أنواع مختلفة من الإلحاد -بما يتجاوز إلحاد فرويد مثلا، الذي لم يستبدل الله بصورة مبهجة للبشرية- لكن من غير المرجح أن تحظى الإلحادات من هذا النوع بشعبية. يسعى المحلدون المعاصرون -أكثر من أي شيء آخر- إلى التخلص من الذعر الذي يسيطر عليهم عندما يدركون أن قيمهم مرفوضة من قبل الكثير من البشر. ما يريده المفكرون الأحرار اليوم هو التحرر من الشك، والنسخة السائدة من الإلحاد مناسبة تمامًا لمنحهم إياه.


[1] سيخالف المؤلف ما ذكره هنا في آخر المقال، وعامة الأدبيات الفكرية الآن تتوقع عودة قوية للدين، لاسيما عقب الأزمات الحديثة والمدوية التي تعرض لها الغرب بمنظوماته القيمية والثقافية. -المراجع

[2] هذه وجهة نظر الكاتب، وبالتأكيد لا تخلو من تحيز وخلط وتعميم خاطئ، فوجب التنبيه.

[3] يبدأ إنجيل يوحنا بـ “في البدء كان اللوجوس”، وهذا هو النص اليوناني القديم، والترجمة الشائعة هي “في البدء كان الكلمة… و الكلمة هو الله”. وهذا اللفظ في الفلسفة اليونانية ما قبل السقراطية يعود إلى هيرقليط، فقد اعتبر اللوجوس هو “القانون الكلي للكون”؛ والأصل أن هذا اللفظ كان معروفا في الاستعمال اليوناني الدارج بمعنى “الكلمة”، لكنه اكتسب طابعًا فلسفيا خاصا مع هيرقليط وغيره من الفلاسفة، وحتى الوقت الحاضر؛ وعندما دخل اللوجوس إلى المسيحية مع يوحنا اكتسب معنى آخر هو أن هذا اللوغوس أو الكلمة هو الذي كان قبل خلق الكون وكان عند الله، وهو هو الله، وهذا اللوجوس أوالكلمة، تجسد -أي اتخذ جسدًا- وسار بين الناس كاشفا لهم حقيقة الخلاص. -المراجع.

المصدر
theguardian

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى