لمى العمرو
في شركة مبيعات أعيدت هيكلة قسم المحاسبة مما أدى إلى تسريح نصف الموظفين، منهم مارتن وكيفن، فأصيبا بالاكتئاب ولم يستطع أي منهما تحمّل البحث عن وظيفة أخرى لعدة أشهر، وتجنبا القيام بضريبة الدخل أو أي شيء آخر ذكّرهما بالمحاسبة، رغم ذلك فقد ظل مارتن زوجًا محبًا ونشطًا، واستمرت حياته الاجتماعية بشكل طبيعي، وحافظ على صحته واستمر يمارس الرياضة لثلاث مرات في الأسبوع. وفي المقابل فإن كيفن انهار وتجاهل زوجته وابنه الطفل، وقضى كل أمسياته مكتئبًا متجهم الوجه، ورفض الذهاب إلى الحفلات، قائلًا إنه لا يستطيع تحمل رؤية الناس، ولم يضحك أبدًا على النكات، وأصابته نزلة برد استمرت طوال فصل الشتاء، بات كيفن متشائمًا يكرر الأسئلة في دوامة لا تنتهي: لماذا يحدث ذلك لي؟ لماذا أنا فقط؟ أنا حظي سيء، لن أحصل على شيء جيد أبدًا.. حتى أقعده ذلك عن حياته كلها.
هذا الذي فعله كيفن يسمى في علم النفس: الاجترار Psychological Rumination وهي كلمة معناها الأول “مضغ الطعام المجتر”، فالحيوانات المجترة كالأبقار تمضغ طعامًا مجترًا يتألف من غذاء متقيأ مهضوم جزئيًا؛ وهي تشبه ما يفعله الناس الذين يجترون بأفكارهم، وفي السابق كان يُظن أن الاجترار من أعراض الاكتئاب لكنه في الحقيقة هو من أسبابه الكبرى، إن هذا المصطلح عُرِف من قبل سوزان نولين-هويكسما (Susan Nolen-Hoeksema) وهي أول من صاغ واكتشف مفهوم “الاجترار النفسي” (Psychological Rumination) بصورته العلمية الحديثة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي (تحديداً عام 1987).
وفي الثمانينات أيضًا أصدر مارتن سليجمان Martin Seligman علم النفس التفاؤلي (Positive Psychology) في محاولة لعلاج الاكتئاب الناتج عن الاجترار، فهو يرى أن التفاؤل هو العامل الأكبر لمواجهة متاعب الحياة، وأن الكثير من حالات الاكتئاب والنكسات سببها استسلامنا للتشاؤم، فالمحن تصيب المتفائل والمتشائم على حدٍ سواء، وبيّن أن الأفراد يمكنهم اختيار الطريقة التي يفكرون بها. وبيّن أن باستطاعة بعض الناس وضع متاعبهم جانبًا والاستمرار في حياتهم، حتى عندما يصابون في حياتهم المهنية أو العاطفية. وفي المقابل، هناك من يحوّل الأمر إلى كارثة، فعندما ينقطع خيط واحد من حياته، ينحل النسيج كله.
يرى سليجمان أن النمط التفسيري الذي يتخذه الإنسان لتفسير الأمور، ينبع من نظرته إلى نفسه ومكانه في العالم، ومدى شعوره بالقيمة والكفاءة، وهو ما يحدد ميله إلى التفاؤل أو التشاؤم. فالمتشائم يميل إلى تضخيم العقبات، ويرى الإخفاقات وكأنها دليل على عجز دائم، وقد يجد دائمًا أسبابًا تقلل من قيمة نجاحاته أو تحولها في نظره إلى فشل.
ويرتبط بذلك مفهوم العجز المكتسب، إذ إن طريقة تفسير الإنسان لمشكلاته وإخفاقاته قد تخفف من مشاعر العجز والاكتئاب أو تزيدها. فالفشل أو الهزيمة قد تولّد شعورًا مؤقتًا بالعجز، لكن امتداده وتأثيره يرتبطان بالنمط التفسيري؛ فإذا كان الشخص متشائمًا، فقد يفسر المشكلة بأنها بسببه، وستستمر طويلًا، وستؤثر في كل ما يفعله، مما يجعله أكثر عرضة لتفاقم الاكتئاب. أما النمط المتفائل فيساعد على النظر إلى الإخفاق بوصفه موقفًا محدودًا ومؤقتًا يمكن تجاوزه.
ويشير سليجمان أيضًا إلى أن بعض الأشخاص يسترسلون في التفكير في الأحداث السلبية وأسبابها ونتائجها بصورة متكررة، ويُعرف هؤلاء بـالمجترين، وقد يسهم هذا الاجترار في تعزيز النظرة المتشائمة واستمرار المشاعر السلبية.
تفاقم الاجترار بالخوف من المستقبل:
أمّا الأدهى والأمرّ فهو الخوف من المستقبل بالمعارك الوهمية في الذهن، فيكون عقلك محبوسًا في موقف محرج حدث قبل سنتين، أو قلقًا من سيناريو سيئ قد لا يحدث أبداً في المستقبل. تمر عشرون دقيقة دون أن تدري كيف وصلت، فطاقتك الذهنية بالكامل كانت مستهلكة في معركة وهمية داخل رأسك. هذا الانفصال المفاجئ عن اللحظة الحالية هو الفخ الذي يوقعنا فيه الاجترار الزائد كل يوم.
لو أتاك طفل وصرخ في وجهك أنك مجنون وأنه سيحدث لك الكثير من الأحداث السيئة، بالتأكيد ستعرض عنه، فلماذا لا نعترض على ذهننا الذي يشوه المستقبل أكثر مما يشوهه هذا الطفل؟ لأننا بالتأكيد نصدق أنفسنا ونظن أن ما نقوله حقّ.
اختلاف نمط الاستجابة بين الجنسين:
يذكر سليجمان في كتابه التفاؤل المكتسب نوعين من أنماط الاستجابة مستندًا إلى عدة اختبارات أثبتت أن الناس يستجيبون للحزن بطريقتين: استجابة اجترارية: وهي التركيز القهري على المشكلة وأسبابها دون إيجاد حلول، وهو ما يطيل مدة الاكتئاب، استجابة تشتيتية: إشغال العقل بأنشطة تحرف الانتباه عن الدوامة السلبية.
وقد أظهرت عدة اختبارات اختلافًا في طريقة استجابة النساء والرجال للحزن؛ إذ تميل النساء غالبًا إلى التركيز على المشكلة وتحليل مشاعرهن ومحاولة اكتشاف أسبابها، وهي استجابة قد تقود إلى الاجترار وتزيد من استمرار المزاج السلبي. في المقابل، يميل الرجال أكثر إلى الاستجابة التشتيتية، كإشغال أنفسهم بأنشطة ممتعة مثل الرياضة أو العزف، أو اتخاذ قرار بعدم الانشغال بحالتهم المزاجية.
وتكرر هذا النمط في دراسات مختلفة؛ ففي دراسات اليوميات ركزت النساء على تحليل مزاجهن، بينما لجأ الرجال إلى تشتيت أنفسهم، وكذلك أثناء الخلافات الزوجية، حيث ركزت النساء أكثر على مشاعرهن والتعبير عنها. وفي تجربة مختبرية، اختارت 70% من النساء مهمة تتطلب وصف حالتهن المزاجية بدلًا من مهمة مشتتة للذهن، بينما انعكست النسبة لدى الرجال. وتشير هذه النتائج إلى أن الاجترار والانغماس المتكرر في تحليل المشاعر السلبية قد يكونان من العوامل التي تفسر ارتفاع قابلية النساء للإصابة بالاكتئاب مقارنة بالرجال.
الألعاب كمحاولة لقطع دوامة الاجترار:
تخيل أن عقولنا تشبه أجهزة تسجيل معطوبة، تعيد تشغيل اللحظة المزعجة ذاتها مرارًا، وفي كل مرة تلتقط تفصيلًا جديدًا يعيد القلق من البداية. هذه الحلقة الفكرية الصامتة تُعرف بـالاجترار النفسي. لكن ماذا لو كان الخروج منها لا يحتاج دائمًا إلى تحليل معقد، بل قد يبدأ بصوت «تك» صغير لقطعة ليجو تستقر في مكانها، أو بقطعتين من البازل تتطابقان أخيرًا؟
بعد الحديث عن الاجترار واختلاف أنماطه بين الرجال والنساء، يمكن النظر إلى الألغاز والأحجيات بوصفها وسيلة بسيطة لتشتيت الذهن بصورة إيجابية. فالبازل يقدم للعقل مشكلة واضحة ومحددة: فرز الأشكال، ومطابقة الألوان، والبحث عن موضع القطعة المناسبة. وهذا يتطلب قدرًا كافيًا من التركيز لشغل الذهن دون إرهاقه، فيترك مساحة أقل للأفكار المتكررة والهموم العالقة.
كما تمنح الألغاز العقل فرصة للابتعاد عن التدفق المستمر للمحفزات الرقمية؛ فبين الإشعارات والرسائل ومقاطع الفيديو ووسائل التواصل ينتقل انتباهنا باستمرار من شيء إلى آخر، أما الانشغال بالبازل أو الليجو فيعيد التركيز إلى مهمة واحدة ملموسة، ويمنح الذهن فترة أكثر هدوءًا بعيدًا عن الشاشات.
ولا يقتصر أثر الألغاز على تشتيت التفكير، بل إنها تحفز عددًا من القدرات العقلية، وتسهم في دعم ما يُعرف بـالاحتياطي المعرفي؛ أي قدرة الدماغ على التكيف وإيجاد طرق بديلة لإنجاز المهام. ومن هنا يمكن أن تصبح الأحجية أكثر من مجرد وسيلة للتسلية: مساحة ذهنية صغيرة تقطع دورة التفكير الزائد، وتعيد توجيه الانتباه نحو مشكلة يمكن حلها بالفعل.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
المصادر:
– التفاؤل المكتسب، كيف تغير عقلك وحياتك، مارتن سليجمان، مكتبة جرير، إعادة طبع الطبعة الأولى ٢٠٢٣م .
– https://www.ravensburger.us/en-US/blog/jigsaw-puzzles-for-stress-relief-and-mindfulness



