التربية والتعليم

لماذا تنهار البيوت بأدنى عارض؟

نادر باوزير

تتكرَّر في حياة النَّاس الاجتماعية صورٌ متنوِّعةٌ من العلاقات، لكن من أكثرها إثارةً للتأمُّل: أن ترى بيتًا مضى على قيامه أعوامٌ، ثُمَّ يعترضه أمرٌ لا يكاد يُعدُّ شيئًا في نفسه؛ مثل: اختلافٍ في بعض شؤون البيت، أو تقصيرٍ يتكرَّر في بعض الحقوق، أو فتورٍ في التقدير والاهتمام، أو تجاهلٍ متكرِّر لاحتياج أحد الزَّوجين، أو خلافٍ يسيرٍ متعلِّق بالمشتريات، ونحو ذلك ممَّا يتكرَّر في الحياة اليومية؛ فإذا بهذه الأمور -بتكرارها- تتراكم حتى يعظُم أثرها ويتَّسع، ثم ينتهي أمر هذه العلاقة إلى الانفصال والمفارقة.

وحين يتأمَّل النَّاس مثل هذه النِّهايات، فإنَّهم غالبًا ما يُعلِّقون الانفصال بالسَّبب الذي ظهر في آخر الأمر، فيقولون: افترقَا بسبب خلافٍ على كذا، أو لأنَّ أحدهما قصَّر في كذا، أو لأنَّ موقفًا معيَّنًا وقع بينهما، ونحو ذلك، وقد يعجبون لانهيار هذا البيت بمثل هذا العارض، ويُردفون التعجُّب بلوم الزوج الذي كان يُظَنُّ قبل ذلك أنَّه عاقلٌ ورزين، ولا يقتصر مثل هذا التعليق على مَن كان خارج تلك العلاقة؛ بل قد يكون الزَّوجان أنفسُهما أسرع إلى هذا الرَّبط؛ إذ يَسهُل على النَّفس أن تربط النتيجة بأقرب واقعةٍ ظهرت لها، وأن تجعلها علَّةً لما انتهى إليه أمرهما؛ لأنَّ الانفصال إنَّما يقع في الغالب عقِبَ سببٍ ظاهر كانت عنده المفارقة، لكن قد يغفل الزَّوجان أو مَن يُعلِّق على انتهاء هذه العلاقة عن الأسباب التي سبقت هذا السَّبب الظاهر، وتراكمت شيئًا فشيئًا حتى صار العارض الأخير قادرًا على إحداث ما لم يكن ليُحدِثَه لو كان منفردًا، فليس كل ما وقع قبل المفارقة هو بالضَّرورة علَّة الانفصال.

ولذلك؛ فإنَّ السؤال الأهم ليس: ما الأمر الذي وقع قبل الانفصال؟ وإنَّما: لماذا بلغ هذا الأمر من الأثر ما أدَّى إلى انتهاء العلاقة؟ إذ قد يقع الأمر نفسه بين زوجين فيتجاوزانه، ويقع بين آخرين فيُفضي بهما إلى المفارقة؛ فالعبرة ليست بالعارض وحده، وإنَّما بما كان في العلاقة قبله، وبما منحه من الأثر حتى انتهى بها إلى هذه النتيجة.

وهذا يُعيدنا إلى معنى أعمق في العلاقة الزوجية؛ فالعبرة ليست بمجرد ما يقع بين الزَّوجين من خلافٍ، فإنَّ هذا حاصلٌ ولا بُدَّ في كل علاقة؛ لأنَّ اختلاف الطِّباع وتعدُّد فهم ظواهر الأشياء أمرٌ يكاد يكون ملازِمًا للاجتماع البشري، ولكلٍّ من الزَّوجين عقلُه ونظرُه وطريقته  في فهم الأمور وتقديرها، فلا يُمكن أن يتَّفقا في كلِّ شأنٍ، ولا أن يريَا كلَّ واقعة بعينٍ واحدةٍ، ولا من زاويةٍ واحدةٍ([1])، وإنَّما العبرة بكيفيَّة نظر كلٍّ منهما إلى الآخر عند وقوع الخلاف،  أو وقوع شيءٍ يكرهه؛ فإن كانت الرَّغبة في الآخر حاضرة، كان الأصل عند وقوع أيِّ عارضٍ هو استبقاء العلاقة أولًا، وتحييد أصلها عن أثر هذا العارض، فلا يكون سببًا للتهديد بإنهائها، وإنَّما يتَّجه الهمُّ إلى إصلاح أثر العارض ومعالجة جذره الذي أنشأه؛ لأنَّ الإنسان يحتمل  مِن أجل مَن يرغب في العيش معه ما لا يحتمله ممَّن لا يرغب فيه، أمَّا إذا ضعُفَت هذه الرَّغبة أو فُقِدت، صار هذا العارض أثقلَ في النَّفس من أن تحتمله، وتحوَّل الخلاف من أمرٍ يُعالج داخل العلاقة إلى سببٍ يهدد بقاءها واستمرارها.

فالعلاقة الزوجية لا يضمَنُ استمرارها مجرَّد قيامها، ولا يكفي فيها أن يكون كلُّ واحدٍ من الزَّوجين قادرًا على أداء ما عليه من حقوق؛ إذ إنَّ بقاءَها يحتاج إلى أمرٍ زائد عن ذلك، وهو في نظري: «الرَّغبة الحقيقيَّة في الآخر»، والمقصود بها: أن يرغبَ كلٌّ من الزَّوجين في أن يعيش مع الآخر حياةً مشتركةً، وأن تكون رغبته في صُحبَته رغبةً حقيقيةً تتجاوز مجرَّد بقاء الزواج قائمًا، أو الشعور العابر بالألفة والمحبَّة، إلى أن يكون الآخر حاضرًا في تفاصيل حياته، ويكون هو أيضًا حاضرًا في تفاصيل حياة الآخر؛ فيتشاركان هموم الحياة وأعباءَها، ويتقاسمان شؤونها الخاصة، ويأنس كلٌّ منهما بقُرْب الآخر، ويرغب في أن يكون شريكًا له فيما يمرُّ به من أفراحٍ وأتراح، وفيما يعرض له من مُشكلاتٍ وقراراتٍ وتطلُّعات، فليست الرَّغبة المقصودة هنا هي: مجرَّدُ ميلٍ في النَّفس تجاه الآخر، وإنَّما هي رغبةٌ صادقةٌ لها أثرها في طريقة العيش، تجعل كلًّا منهما يريد الآخر شريكًا حقيقيًّا في حياته، لا مجرَّد شخصٍ تجمعه به مجرد علاقة اجتماعيَّة قائمة.

وهذه الرَّغبة لا تُعرف بمجرد دعواها، وإنَّما يظهر صِدقها فيما تُحدثه في سلوك الإنسان وطريقة عيشه مع الآخر؛ فإنَّ مَن يرغب حقًّا في أن يعيش مع زوجه حياةً مشتركةً لا يكون مراده مجرَّدَ أن يبقى الآخر في حياته مع بقاء كلٍّ منهما يعيش بالطريقة التي اعتادها قبل زواجه، بل يكون وجود الآخر في حياته أمرًا مؤثِّرًا في اختياراته وعاداته وطريقة عيشه، فيُراعي ما يُحبه، ويتجنَّب ما يُؤذيه، ويأخذ احتياجاته ومشاعره في الحُسبان، ويُعيد النَّظر في بعض عاداته وتصرُّفاته حين يعلم أنَّها تُؤذي الآخر أو تكدِّر عليه عيشه، وقد يتنازل عن بعض ما اعتاده أو يغيِّر بعض ما ألفه؛ لا لأنَّ هذه الأشياء في نفسها لازمةً لزومًا ضروريًّا في كل علاقة، وإنَّما لأنَّ العيش مع الآخر يقتضي أن يُفسِحَ له في نفسه وحياته مجالًا حقيقيًّا، وأن يقبل من أجله أن يُغيِّر بعض ما اعتاده إذا كان بقاؤه على حاله مؤذيًا له أو مضرًّا بحياتهما المشتركة.

ومن هنا فإنَّ الرَّغبة في الآخر تظهر في القُدرة على تعديل التصوُّرات والتصرُّفات الذاتيَّة من أجل استمرار الحياة المشتركة، وليس المقصود بذلك أن يتخلَّى الإنسان عن شخصيَّته، أو أن يستجيبَ لكلِّ رغبةٍ للآخر مهما كانت، وإنَّما أن يكون مستعدًّا لمراجعة نفسه، ولديه من المرونة النفسيَّة ما يجعله قادرًا على الاستجابة لما تقتضيه الحياة المشتركة من وعيٍ ورُشدٍ ونضجٍ، وأن يُدركَ أنَّ بعض ما كان يفعله قبل الزَّواج أو يراه حقًّا له على إطلاقه، قد يحتاج بعد الزواج إلى تعديل؛ لأنَّه لم يعُدْ يعيشُ لنفسِه وحدها، بل أصبح في علاقةٍ يكون لسلوكه فيها أثرٌ مباشرٌ في إنسانٍ يُشاركه حياته، فكلَّما كان الآخر حاضرًا في نفسه، كان علمه بما يُؤذيه أو يُثقله باعثًا له على مراجعة سلوكه وتغييره، وكان حرصه على راحته وسلامة حياتهما المشتركة مقدَّمًا على التمسُّك بكلِّ ما ألفه واعتاده.

ولا يعني هذا أنَّ كلَّ اختلافٍ أو تقصيرٍ يدُلُّ على غياب الرَّغبة؛ فالرَّغبة لا تمنع وقوع الخطأ، ولا تجعل الإنسان قادرًا على تغيير نفسه في كلِّ شأن، ولكنَّ الفارق يظهر في الموقف من الخطأ بعد معرفته: أيتعامل معه صاحبه على أنَّه أمرٌ يستحق المراجعة، فيحاول التعديل بقَدْر استطاعته، أم أنَّه لا يبالي بتكرار خطئه، ولا يرى في رغبة الآخر في تغييره وتحسين سلوكه ما يدعوه إلى إعادة النَّظر فيما يقوله له، فالتصرُّف الخاطئ قد يكون عارضًا، أمَّا عندما يتكرَّر الخطأ مع كثرة التنبيه عليه، ثم لا يرى المخطئ أنَّه بحاجة إلى مراجعة وتعديل، فإنَّ هذا يُرسِّخ في نفس الآخر معنىً عن مقدار اهتمام صاحبه به، وعن حقيقة رغبته في الحياة المشتركة معه.

ومن هنا يتبيَّن أنَّ الرَّغبةَ الصادقة في الآخر ليست مجرد شعورٍ يُريده الإنسان أن يبقَى في قلبه، وإنَّما هو معنًى لا بُدَّ أن يظهر أثرُه في سلوكه؛ فمَن أراد أن يعيش مع الآخر حياةً مشتركةً حقًّا، فعليه أن يسمح لهذه الحياة بأن تُغيِّر بعض ما في حياته، وأن يجعل وجود شريكه وما يحتاج إليه وما يؤذيه باعثًا له على قَدْرٍ من التنازل، خاصَّة إذا كان التنازل إنَّما هو عن تصرُّفاتٍ في أصلها خاطئة، وتصوُّراتٍ في نفسها قاصرة، وإلَّا بقيت الرَّغبة مجرَّد معنىً في النَّفس لا أثر له في الواقع.

ولا يقتصر ظهور ضعف هذه الرَّغبة على تكرار التصرُّفات المؤذية، بل قد تظهر معالمه بوضوحٍ أكبر في حال الخصومة؛ إذ قد تدفع شدَّة الغضب أحد الزَّوجين إلى إطلاق عباراتٍ تكشف عن صورةٍ من صور التَّخلِّي عن مقتضيات الحياة المشتركة، أو إظهار عدم الاكتراث بما يتحمَّله الطرف الآخر من أعباء، وإطلاقُ العبارات التي تحمل هذه المقتضيات ممَّا يكشف عن معنًى أعمق في النَّظر إلى الحياة المشتركة، ومقدار الرَّغبة في الاستمرار فيها.

فإذا كانت الرَّغبة في الآخر حاضرةً، فإنَّ الزَّوجين يضعان العارض داخل العلاقة نفسها، ولا يجعلان العلاقة داخل ذلك العارض، أو مقياسًا لها، أو سببًا للحُكم عليها؛ فالذي يريد الآخر حقًّا ينظر إلى ما يقع بينهما بوصفه مشكلةً طرأت على حياتهما المشتركة، فينصرف تفكير كل واحدٍ منهما إلى إصلاحها، وتجاوز أثرها، ومنع تكرارها بحسب استطاعته، لا إلى جعلها سببًا للتخلِّي عن العلاقة أو النُّفور من الحياة معها، ولذلك قد يختلف الزَّوجان، ويُغضِبُ أحدهما الآخر، بل قد يَتْعَبُ أحدهما من صاحبه أحيانًا، ثم تبقى الرَّغبة في استبقاء هذه الحياة قائمة؛ فلا يتجاوز الخلاف حدَّه، ولا يتحوَّل ما وقع إلى طعنٍ في أصل العلاقة أو تهديدٍ لبقائها، وإنَّما يبقى أمرًا عارضًا يُطلب له الحل من داخل العلاقة نفسها.

ومن هنا يتبيَّن أنَّ البيوت لا تنهار لمجرَّد أنَّ أهلها اختلفوا؛ فالاختلاف سنَّةٌ في الاجتماع البشري ولا بُدَّ، وما من علاقةٍ بين اثنين إلا وتتنازعها اختلافاتُ الطِّباع، وتفاوتُ الأفهام، وتباينُ تقدير الأمور، وتعارضُ الرَّغبات، وإنَّما تنهار حين لا يعود في العلاقة من المعاني الناضجة المتينة ما يجعل الاختلاف محتمَلًا، والإصلاح مرغوبًا، والتنازل ممكنًا، والاعتذار مقبولًا، والصَّبر متيسِّرًا، فالمشكلة ليست دائمًا في ثِقَل العارض، وإنَّما في ضعف ما كانت العلاقة تمنحه من قُدرةٍ على احتماله وتجاوزه.

ولذلك قد يقع الأمر نفسه بين زوجين، فيبقى عارضًا عابرًا يمكن مناقشته وإصلاحه، ويقع بين آخرين فيكون شرارةً تُنهي ما بقي من علاقتهما؛ لا لأنَّ العارض في الحالة الثانية أشدُّ أو أنَّ الزَّوجين فيها أقلُّ عقلًا، وإنَّما لأنَّ ما كان بين كلِّ زوجين قبل وقوع العارض لم يكن واحدًا؛ فما يكون يسيرًا في علاقةٍ تملؤها الرَّغبة والمودَّة وحُسن التحمُّل، قد يُصبح ثقيلًا في علاقةٍ استُنزف فيها الصَّبر، وضَعُفَ فيها الحرص، وتراجعت فيها الرَّغبة في الحياة المشتركة، فالعارض لا يصنع وحده نهاية العلاقة، وإنَّما تكشف شدَّة أثره عمَّا كانت عليه العلاقة قبل وقوعه، وعن مقدار ما بقي فيها من المعاني التي تجعل الإصلاح ممكنًا والاستمرار مرغوبًا.

ولهذا؛ فالبيوت لا تنهار لأنَّ الحياة الزوجية خَلَت من العوارض، ولا لأنَّ الزَّوجين اختلفَا؛ وإنَّما تنهار حين يضعف في العلاقة ما يجعل هذه العوارض قابلةً للاحتواء، وحين لا يبقى في نفسِ كلٍّ منهما من الرَّغبة في الآخر ما يدفعه إلى الاحتمالِ والتَّنازلِ واستبقاءِ الحياةِ المشتركة، فليس المهمُّ أن تخلو الحياةُ من الخلاف، وإنَّما المهمُّ أن يظلَّ فيها من الحبِّ والرَّغبةِ ما يجعلُ العارِضَ مجرَّدَ عارِضٍ يُعالَج، لا قرارًا بالانفصال يُتَّخذ.

ولهذا، فالسؤالُ الذي ينبغي أن يُطرَحَ عند انهيارِ بيتٍ بسببِ أمرٍ يبدو يسيرًا ليس: كيف انتهى بسبب هذا الأمر؟ وإنَّما: ما الذي كان قد انتهى في العلاقةِ قبلَ أن ينهار البيت؟

– – – – – – – – – – – – – – – – — – – – – – – – –

([1]) والذي يجعل العلاقة الزوجية مختصَّة بهذا أكثر من غيرها من العلاقات: أنَّها علاقةٌ يتداخل فيها شأنُ شخصَيْن في أكثر تفاصيل الحياة، وتتعدَّد فيها الحقوق والمسؤوليَّات والقرارات المشتركة، حتى إنَّ ما يراه أحدُهما حاجةً للأسرة  قد يراه الآخر أمرًا زائدًا، وما يعدُّه أحدُهما إنفاقًا لازمًا قد يعدُّه الآخر إنفاقًا يمكن الاستغناء عنه، ويظهر هذا بوضوحٍ في الجانب المالي؛ إذ تقع على الزوج مسؤوليةُ النَّفقة، فيكون له نظرٌ في ترتيب مصروفات الأسرة وتقديم حاجاتها، بينما قد تنظر الزوجة إلى بعض ما تحتاج إليه الأسرة من زاويةٍ مختلفة، وقد يختلط أحيانًا تقديرُ الحاجة الفعلية للأسرة بالرَّغبة في بعض أوجه الرَّفاه أو الاستهلاك، ومن هنا تنشأ صورٌ من الخلاف لا ترجع في أصلها إلى بخلٍ أو تقصيرٍ أو سوءِ قصد، وإنَّما إلى اختلافٍ في تقدير الحاجة، وترتيب الأولويات، وحدود ما يدخل في الضروري والحاجي والكمالي حتَّى لا تتجاوز الأسرة قُدرَتَها المالية فتضطر إلى الاستدانة من أجل إشباع حاجاتٍ ليست في أصلها من الضروريات، وهذه من أكثر المواطن التي تكشف أثر ما في نفس كلٍّ من الزَّوجين تجاه الآخر؛ فمتى كان الأصل هو الرَّغبة في الآخر واستبقاء الحياة المشتركة، أمكن أن يُدار هذا التفاوت بالتفاهم والموازنة والصَّبر والاحتمال، أمَّا إذا ضعفت هذه الرَّغبة، فإنَّ الاختلاف في مثل هذه الجزئيات قد يتحوَّل إلى معضلةٍ لا تجد الأسرة حَلًّا له سوى المفارقة والانفصال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى