د. فهد بن صالح العجلان
مما ينبغي التأكيد عليه أنه يمكن الجمع بين بيان الحق والقيام بلوازمه، وحفظ حقوق المسلمين وجمع كلمتهم، وأن هذا لا يعني إلغاء الاختلاف، ولا إيقاف النزاع بين المسلمين، لكنَّه يقوي أسباب الاجتماع على الحق، ويخفف الصوارف والموانع الصادة عنه، وأنَّ هذا مسلكٌ وسطٌ بين طرفين متقابلين، لا يمكن في تصورهما الجمع بين الأمرين، فإمَّا أن يتمسَّك بما يرى أنَّه هو الحق بغض النظر عن أي معانٍ شرعيَّةٍ أخرى، وإما أن يُزهِّد في الحق أو يتركه بسبب الحرص على هذه المعاني.
سأضرب هنا مثالًا تطبيقيًا على هذا المسلك المعتدل في قضيةٍ كثُر الجدل فيها في أيامنا، وهي الموقف من بعض علماء الأمة كالنووي وابن حجر ونحوهم رحمة الله عليهم أجمعين.
نجد هنا أنَّ موقف عامة العلماء المعاصرين يسير في هذه القضية على طريقةٍ واضحةٍ، وهي أنَّهم يوضحون الحقَّ بدليله، ويشرحون المعتقد بحججه، ويردُّون الشبهات الصادَّة عنه، فإذا جاءت حاجةٌ إلى الحديث عن بعض العلماء الذين خالفوا المعتقد كأن احتجَّ أحدٌ بهم، أو كان في مقام بيان معتقدهم أو نحو ذلك بيَّنوا أنَّ هذا العالم أخطأ، وخالف الصواب، وأن الحقَّ أولى بالاتباع، وقد يتوسَّعون في الرد على بعض كلامهم، ثم يكتفون بهذا، ويحسنون القول فيهم، ويرجون لهم المغفرة والرحمة، ويستفيدون مما فتح الله عليهم من العلوم النافعة فيما عدا ذلك، ويذكرون ما لهم من عملٍ صالح فلا يغمطونهم حقوقهم.
فهذا مسلكٌ عاقلٌ بالغ العقل، نشر الحقَّ وبيَّنه، وحفظ حقوق الناس، وسعى في جمع القلوب على الحق، ولم ينشغل بالأشخاص، فلم يُفرِّط في بعض الحق تعظيمًا لقدر عالمٍ، ولم يهمل حقَّ هذا العالم، ولا انشغل بالخوض في عرضه بدعوى تعظيم الحق، بل جمعوا بين الأمرين، وهذا العقل في التعامل مع أخطاء العلماء حقَّق لهم أيضًا تقوية الحق نفسه، إذ سعى في إزالة الموانع، ودفع الصوارف التي قد تصد الناس عن اتباع الحق بسبب تعظيم بعض الرجال.
احفظ هذا المسلك جيدًا لأنني سأعود إليه.
ما الذي جرى في هذه الأيام؟
الذي حدث أنَّ بعض من يظهر بيان الحق والتمسُّك به -سواءً قيل هم بدأوا بذلك أو كان ردة فعل، فلا يهم- رأوا أهمية بيان حال النووي وابن حجر وأمثالهم، وأصبحوا يثيرون الجدالات المتوالية:
هل هو مبتدعٌ أو لا؟
من أهل السنة أم لا؟
وبعد ذلك: هل هو مسلمٌ أو كافر؟
وهل يعرف ربه أو لا يعرف ربه؟
ثم الحديث عن بعض معتقداته تفصيلاً، وما قال في الكتاب الفلاني، وماذا ذكر في الكتاب الآخر؟
وهل يصح أن يطلق عليه إمام أو لا؟
وهل يحذَّر منه ومن كتبه؟
ودواليك.
وقابلهم طرفٌ آخر: ساءهم ما في ذلك من استطالةٍ على علماءٍ يحبونهم ويعظمونهم، فخاضوا في الجدالات: فبعضهم ينفي وجود أي أخطاءٍ عند هذا العالم، أو ربما سوَّغ هذه المخالفات بسبب حبِّه لهذا العالم، وربما ابتعد أكثر فهوَّن من هذه المسائل، ورأى أنها مضيعةٌ للوقت، ومفرقةٌ للأمة، وسببٌ للافتراق، واستهان بالبحث العقدي كله في مقابل الحاجة الماسَّة في عصرنا إلى أمور كثيرة.
هي جدالاتٌ طويلةٌ عريضةٌ مستدامةٌ تدور حول هذه القضايا وغيرها، يختلطُ فيها الحقُّ بالباطل، والصوابُ بالغلط، والحكمةُ بعدمها، والعلمُ بالجهل، وكلُّ عاقلٍ يتابعها يدرك أنَّها أضرَّت بالمعنيين جميعاً، فلا هي حفظت المعتقد الصحيح، ولا أظهرت الحقَّ والصواب، ولا قوَّته في قلوب الناس، ولا حفظت كلمة المسلمين ولا جمعتهم على الخير، ولا قرَّبتهم من الخير، بل أثارت الشقاق والافتراق والعداوة بين المتفقين أنفسهم، فتجد المتفقين في المعتقد، الذين لا يختلفون في أي أصلٍ عقدي، بل تجدهم يتفقون في جمهور البحث الفقهي، يتنابزون بالألقاب، ويرمي بعضهم بعضًا بأقبح العبارات وأقذع الشتائم.
فهذا الخوض في أعراض علماء المسلمين بهذه الطريقة لم يكن له حاجةٌ حقيقية، ولا حقَّق مصلحةً معتبرة، بل كان سببًا لإحداث مفسدتين عظيمتين:
الأولى: التهوين من الحق، وإثارة الريبة عليه، وتنفير كثيرٍ من الناس عنه.
الثانية: الخوض في أعراض المسلمين، والاستطالة في حقهم، وتضييع حقوقهم.
فتلحظ في هذه الظاهرة ظهور المفاسد الآتية:
(1) إثارة الجدل بطريقةٍ لم يكن ثمَّ حاجة حقيقية لها، أو لا ثمرة منها، أو مصلحتها قليلة في مقابل مفسدتها:
فتجد أنَّ الناس أصبحوا منشغلين بقضايا جدلٍ كثيرةٍ لا حاجة لهم بها، ولا يقوم عليها حفظ دينهم، ولا استقامة معتقدهم، ولا اتباعهم لكتاب ربهم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا سيرهم على معتقد سلفهم الصالح.
خذ مثلًا الجدل الطويل: هل النووي مبتدعٌ، أو غير مبتدع:
1- فهو جدلٌ فارغٌ لا حاجة إليه، فما الداعي أن يشغل المسلم نفسه بتنزيل حكمٍ معينٍ على العالم ممن وقع في بدعةٍ أو خالف السنة بأن يطلق عليه كلمة مبتدع أو لا يطلق، فليس له أيُّ حاجةٍ شرعيَّةٍ ولا تقتضيه مصلحةٌ معتبرةٌ، وإنما جدلٌ يُفرِّق المسلمين بلا ثمرة.
فالغريب أنَّ هذا الجدل يصدر ممن يُشدِّد في التمسُّك بمنهج السلف، وهو يعلم أنَّ السلف كانوا ينهون عن الجدل، وكان هذا النهي في أول الأمر يشمل عندهم حتى الرد على أهل البدع، أو محاورتهم، -وبطبيعة الحال هو موقف مصلحي، تغيَّر بعد فتوسَّعوا في الرد على البدع لأجل البيان-، فكيف يكون الحال مع الجدل في القضايا المتعلقة بالأشخاص وماذا يطلق عليهم! خاصَّة حين يكون مسببًا للخصومات ومشغلًا عن الحق، لا شك أنَّه أولى بالذم والتحذير والبعد.
2- ولو افترضنا أنَّ النووي رحمه الله مبتدع، فهل يسوغ لكل شخص أن يُعيِّره بهذه الكلمة، وأن تكون شعاراً له تعلكه الأفواه وتلوكه الألسن فلا يبقى له حرمة ولا لعرضه مكانة؟!
فهذا من قبيل الطعن والغيبة المحرمة، ولا يجوز أن تنتهك بدون حاجة أو مصلحة مقتضيةٍ تستثني هذا من عموم المنع والتحريم، ومن التديُّن الفاسد أن يظنَّ أحدٌ أنَّ وقوع المسلم في بدعةٍ أو معصيةٍ ينسخ له ما حرَّمته الشريعة قطعًا من أعراض المسلمين فيخوض في أعراضهم بلا حسيب ولا رقيب.
وحتى يتضح الأمر فلو جاء أحدٌ وطعن فيمن يراه من المسلمين يفعل بعض المعاصي، فقال هذا فاسقٌ، وهذا ليس بفاسق، ثم عُرِض على قاضٍ عدلٍ لعزَّره تعزيرًا بالغًا يقطع لسانه عن أعراض المسلمين، فوقوع المسلم في معصيةٍ أو كبيرةٍ لا يُحيل عرضه كلأً مستباحًا فلا يبقى له من حرمة الإسلام شيء، وإنما يُعيَّر بذنبه بحاجةٍ وبغير حاجةٍ.
فإذا كان هذا في حال المسلم الحي فكيف بمسلمٍ لقي الله من قرون، وهو من أهل العلم والدين والفضل، فتستهلك الأوقات في نقاشٍ جدليٍّ فارغ هل هو مبتدع أو غير مبتدع؟ ثم يصر بعضهم على أنه لا بد أن يقال عنه مبتدع؟ ثمَّ يتمدَّد المسكين بعدها فرحًا أن قد بيَّن الحقَّ، وأظهر السنَّة، وقمع البدعة!
نعم، لو جاء هذا في بحثٍ علمي، أراد صاحبه تحرير قضيَّةٍ علميَّةٍ معينةٍ، ثم صوَّب أنَّ أحدًا من العلماء هو من المبتدعة، فلا يثير مثل هذا أي إشكال، لأنه محدد الهدف، وفي سياقٍ يحفظ الحق، ويعرف حدوده، وهذا شيءٌ مختلفٌ تمامًا عن هذا الجدل الفارغ الذي بلينا به.
3- ثمَّ لو أنَّ أحدًا غلط في توصيف حال النووي فظنَّ أنَّه ليس بمبتدعٍ وهو مبتدع في حقيقة الأمر، أو ظنَّ أنه لم يقع في أي بدعةٍ، فهذا كلُّه لن يضرَّ تمسُّكه بالحق، ولا اعتقاده بالسنة ما دام أنَّه لم يقع في انحرافٍ، ولم يعتقد بدعة، فالغلطُ في هذه القضايا لا يضرُّ أيَّ أصلٍ من أصول السنَّة، بما يؤكد أنَّه جدلي لا حاجة إليه، وإنما كان الواجب التنبيه عند الحاجة إلى بيان الأخطاء حتى لا يتابع عليها، ويحذَّر من اتباع زلات العلماء، أو تقليدهم فيما غلطوا فيه، وأما الموقف الشخصي المحض الذي يثير الجدل، ويحرك الخصومات والعداوات فلا ثمرة منه.
وأشد من هذا فراغًا وإشغالًا: هل يصح أن يُطلق على النووي أنَّه إمامٌ أو لا.
فيصيح طرفٌ: إنَّ لفظ الإمام لا يقال إلا لمن كان على أصول السنة كلها، وليس من خالف معتقدهم في بعض الأصول، وطرفٌ آخر يقول: بل الإمامةُ تطلق على من له بروزٌ في العلم ولو أخطأ في مسائل.
فيا لضيعة الأعمار، خلافٌ لفظيٌّ تُستهلَكُ فيه الأنفس والأوقات والأعمار، ومن يصحح اللفظ له معنى يختلف عمن يرفضه.
ثم من يرفض لفظ الإمامة على مثل النووي، هل يقبل أن يُسمَّى بالحافظ أو العلامة، أو الشيخ الصالح التقي العابد، ونحو ذلك، فإن صحَّح مثل هذه العبارات كان تمسُّكه بمنع الإمامة جمودًا لفظيًا قبيحًا، وإن منعها جميعًا لأنَّ فيها ثناء وتمجيدًا وهذا هو الظاهر كان تمسُّكه بمنع الإمامة عبثًا، فهو يمنع أيَّ لفظٍ فيه أدنى ثناءٍ عليه، ثمَّ يُظهر الجدل والخصومة في منع إطلاق أعلى الأوصاف ثناءً!
وليتَ هذا الجدل الفارغ بقي في حدود الإشغال وتضييع الأوقات والجهود، بل أصبح مسرحًا للتطاول والتشفي والبغي وصنوف الكلام القبيح وبقية الآثام التي تقال في حقِّ عالمٍ صالحٍ ناصحٍ متبعٍ متأوُّل لقي ربَّه، ولا شكَّ أنَّ هذا من التديُّن الفاسد الذي ساهمت هذه الخصومات في تحريك أهوائه. وقد يعترض قائلٌ هنا فيقول: كيف يكون التحذير من أهل البدع من قبيل الجدل الفارغ؟
والجواب: أنَّ التحذير الشرعي المعتبر هو ما كان في مَحلِّه، وبقدره، وتحققت به المصلحة ولم تغلب المفسدة، فإذا جاء بعلمٍ وعدلٍ وقدرٍ ومصلحةٍ فهو مشروعٌ محمودٌ، ولهذا ذكرتُ في أول الأمر أنَّ عامة المشايخ المعاصرين يبينون حال من وقع في بدعٍ من علماء الامة، لكنَّ هذا المسلك العاقل العادل المنصف يختلف عن مسلك الجدل الفارغ من عدة جهات:
1– الحاجة: فهو يقتصر على ما فيه مصلحةٌ وحاجةٌ، ولا يُشغِل الناسَ بالجدل حول الأشخاص بدعوى التحذير من البدع.
2– العدل: فهو يذكر الغلط الذي وقع فيه العالم، ويحذر من متابعته عليها، وتقليده فيها، ولا يسقط بقية حقوقه، ولا يستطيل في عرضه.
3– العلم: فهو يدرك محلَّ الانحراف فيوضحه، ويسعى في بيان السنَّة والحق، فهم من العلماء المؤهلين الذين يعرفون الحق والسنَّة، ويعرفون حدود ما يجب التحذير منه، وما ينبغي السكوت عنه، وما يحسن ترك الخوض فيه.
4– مراعاة المصلحة: فهو يتبع مصلحة حفظ دين الناس، وجمعهم على الحق، وتقوية أصول السنَّة في قلوبهم، ولا يجعل التحذير مسلكًا مفتوحًا بلا زمام ولا خطام.
وهذه المعاني تكشف لك الفرق الظاهر بين التحذير الشرعي الذي يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة، ويحفظ دين الله، ويدفع شر البدعة، وبين الجدل الفارغ الذي يبعد الناس عن الحق، ويفرق المجتمعين عليه، ويثير النزاعات والخصومات بينهم.
ومن أعظم المعاني الملحِّة هنا، القائمة على العلم والعدل: مراعاة التأوُّل وأثره، فمن يقع في مخالفة حكم أو نصٍّ شرعي عناداً أو شهوة أو إعراضًا ليس مثل من يقع في ذلك بسبب التأول، مع صدق قصده للحق، واجتهاده في البحث عنه، فالمساواة بين أغلاط المتأولين وغيرهم هي من الجهل والظلم، جهل بهذا الأصل الشرعي المعتبر، وظلمٌ لأنَّه يساوي بين المختلفين، ويتجاوز في حق المتأول لأنه لا يفهم فرقًا بين المتأول وغيره، وهذا من أعظم مداخل الخلل في هذا الباب.
(2) إشاعةُ الانحرافات لأجل التحذير منها! :
ومن عجائب هذه الظاهرة: أنَّ الناس أصبحوا يعرفون من أقوال بعض العلماء وأفعالهم التي خالفوا فيها السنَّة ما لم يكونوا يعرفونه من قبل، فبسبب هذه الخصومات أصبح جمهور الناس يعرفون هذه الأخطاء على كيفيَّةٍ مفصَّلةٍ، لأنَّه يُراد تحذيرهم من صاحبها!
فكثيرٌ من الناس إن لم يكن أكثرهم لا يعرف أصلًا أقوال العالم المخالفة للمعتقد الصحيح، فأصبحوا يعرفونها، فشاع المنكر، وظهر المعتقد الفاسد، وانتشر بين الناس لأجل أن نثبت أنَّ النووي على عقيدة فاسدة يستحق الهجر والتقريع!
ومن أعجب الوقائع هنا: أنَّ بعضهم نشر كتابًا لأحد العلماء حتى يُحذِّر منه ويطعن فيه ويستطيل عليه، لا أبالغ لو قلتُ: إنَّ جمهور طلبة العلم فضلًا عن عامة الناس لا يعرفون هذا الكتاب ولم يطلعوا عليه، فجيء بهذا الكتاب ونشر بين العالمين لأنَّ فيه كما يقولون طعنًا في القرآن واستهزاءً به من هذا العالم الذي يجب أن يحذَّر منه! فسبحان الله، ماذا تفعل الخصومات، أصبحنا نشيع ما نراه سخريةً واستهزاءً بالقرآن على جمهور الناس، ويتناقلونه، ونؤذيهم في كتاب ربهم، لأجل أن نثبت أنَّ فلانًا من العلماء يستحق التكفير والطعن؟
أرأيتم كيف انقلبت الصورة بالكلية بسبب هذه الخصومات، فلا نحذِّر من شخصٍ انتشرت بدعته، بل ننشر بدعته حتى يصح لنا التحذير منه!
فالسلف كانوا يحذرون من الشخص إذا شاعت بدعته حتى لا يتأثر الناس ببدعته، لكنَّ رهق هذه الخصومات دفعنا أن نخرج البدع المغمورة حتى يصح لنا التحذير من الشخص!
والإشكال أنَّ هذا الجدل لا بدَّ أن يعود بالضرر على أصل بيان الحق، فمن ينشغل بهذه الجدالات ويشغل الناس بها فلا بد أن يضعف معه بيانُ الحق شاء أم أبى، وسيؤثر هذا على بيان السنَّة بقدر ما انشغل بهذه الجدالات، بل حتى الردود على الشبهات يجب أن تكون بقدرٍ واعتدالٍ وإلا أضرَّت ببيان السنة والمعتقد الصحيح، فإذا كان هذا حال الردود العلمية النافعة فكيف بحال الانشغال بمثل هذه الخصومات حول الأشخاص!
(3) المقصود الغائب:
فالذي يلاحظه كلُّ عاقلٍ بصير أنَّ هذه الطريقة لا تجمع الناس على الحق، بل تحرك العوامل التي تنفرهم عنه، وتشغلهم بأمورٍ بعيدة عنه.
فالتحذير من النووي وأمثاله من أهل العلم إن كان دافعه الغيرة على الاعتقاد، وبيان الحق، والحاجة إلى ذلك لئلا يقع الناس في الانحراف بسبب تعظيمهم للنووي وأمثاله.
فالسؤال هنا الذي يعرضه كل عاقل: هل هذا المقصد متحققٌ في هذا المسلك؟
هل الطعن والتحذير من العلماء الذين يعظمهم الناس، ويقدرونهم، هو من أسباب تقوية الحق وجمع الناس عليه؟
إذا خرج الشخص من سكرة هذه الخصومات فإنَّه لن يتردَّد في أنَّ هذه الطريقة لا تقرب الحق ولا تحذر من الباطل، بل أثرها في مخالفة ذلك أظهر، فلم يجَمعُوا الناس على الحق، بل أحدثوا خصومة عليه، وجدالًا حوله، ونزاعًا فيه، وكلامًا كثيرًا يبعد الناس عنه، لم يكن ثمَّ حاجةٌ له، ولا ثمرة منه ولا مصلحة، بل وانتهز بعض المبتدعة هذا الأمر في الترويج لبدعتهم.
فمن يُحذِّر من عالمٍ كبيرٍ كالنووي هنا ليس هو الإمام أحمد، ولا هو الأوزاعي أو سفيان، فبعض الناس يسوق لك هنا الآثار الكثيرة عن السلف من الهجر والردع والرد، ويغفل أنَّ هذا الهجر والزجر جاء من مثل هؤلاء الأئمة في زمان ظهور السنَّة فكانت مصلحته ظاهرة، وأثره بينًا، فأظهر الله به الحق ولم يترتب عليه مفسدةٌ ظاهرةٌ، فأحمد رحمه الله لما هجر بعض الناس انقطع أثر بدعته تمامًا، فكان فعله موافقًا للمصلحة، دافعًا للمفسدة، فكان تصرفًا معقولًا ظاهرًا معناه ومصلحته.
أما أن يأتي شخصٌ مجهول، أو له قدرٌ عند عددٍ يسيرٍ من تلاميذه ومحبيه، أو يعرفه عدد أكبر منهم، فيحذر ممن هو أعظم منه بكثيرٍ في نفوس الناس، وأكثر علمًا، وأشهر فضلًا وقدرًا، ويظن أنَّه بهذا قد حقَّق بيان الحق والتحذير من الشر، فهو في عمايةٍ وغفلةٍ شديدةٍ، لأنَّ هذا استعمالٌ لمسلكٍ مصلحيٍّ بلا فقهٍ ولا عقلٍ، حتى أصبح الأمر وكأنَّه تعبديٌّ محضٌ لا يُعقل معناه، فهو يتمسَّك بالأسلوب مع عدم تحقق مصلحته، بل وبما يترتب عليه مفسدة أظهر، وبغض النظر عما يترتب من عواقب!
ومن طرائف ما رأيتُه هنا: أنَّ بعض الشباب يريد التحذير من إمامٍ كبيرٍ كأبي حنيفة لأنَّه يقول بخلق القرآن، فيجب في تصوُّره أن يُحذَّر من أبي حنيفة حتى لا يغترَّ الناس به، وما يدري هذا المسكين أنَّ أبا حنيفة يقلِّده مئات الملايين من المسلمين، ويتبعون قوله في عباداتهم ومعاملاتهم، فلو كان يقول بخلق القرآن فعلًا، وعرف الناس ذلك يقينًا، لكان هذا أعظم نشر وأكبر تسويقٍ لهذه البدعة المنكرة، فما أكثر من سيقلَّده فيما يقول، لن يحذروا منه بسبب تحذيرك العبقري من الشر، وهذا معنى بدهي يفهمه العامي العاقل لكنه يغيب في سكرة هذه الخصومات ورهق الجدالات.
وقد رأيتُ بعض الإخوة يشتكي من أنَّ الناس نسوا جهوده في نشر العلم والخير والسنَّة والرد على أهل الباطل ولم يعودوا يعرفون عنه إلا الكلام في النووي، وقد كان الواجب أن يكون هذا موقظًا لإدراك الخلل الذي سبَّب هذا التجاوز، فالانشغال بالنووي وأمثاله ممن يعظمهم الناس لعلمهم ودينهم، والحكم عليه، والطعن فيه يفرَّق الناس عن الحق، ويشغلهم بما فيه مضرة، ويحرِّك مثل هذه الخصومات التي لن تخلو من ظلمٍ وبغي وتجاوز لا يكاد يسلم منه أحد.
والإشكال أنَّ من يستعمل الهجر من دون وعي ولا فقه ينسب هذه الطريقة إلى منهج السلف، وهذا في الحقيقة إساءةٌ للسلف لا اتباعٌ لهم، فهو يعرض موقفهم من الهجر وكأنَّه بلا معنى مصلحي صحيح، ولا مسلك عقلي مستقيم، فيتوهَّم كثيرٌ من الناس في عصرنا أنَّ هذه الطريقة المشوَّهة هي التنزيل الصحيح لمنهج السلف وفقههم، وهذا مفسدة أخرى مضافة إلى ما سبق.
(4) تحريك الأهواء والخصومات الشخصية:
ومن الملاحظ في هذه الظاهرة، وهي من آثار تفريق الناس عن الحق بدل جمعهم عليه: كثرةُ الخصومات الشخصية التي تصاحبها، فتجد أنَّ جزءاً ليس باليسير منها يدور حول دفاع الشخص عن نفسه، وتبرئته من أفهام الآخرين وأحكامهم، وإظهار أنهم ظلموه وغلطوا عليه، وكذبوا عليه، ثم مقابلته لذلك ببيان ما عند الآخرين من أخطاءٍ وقبائح، ثم تتحرَّك بعد ذلك الجدالات والخصومات المتلاحقة التي تدور حولها، وتستهلك أوقاتهم وأوقات الناس معهم.
وبطبيعة الحال أن كلَّ شخص سيقول: أنا أدفع الظلم عن نفسي، ولستُ من ابتدأ ذلك، ولا اعتراض لي على هذا من حيث الأصل، ولا أنسب أحداً فيها إلى ظلمٍ أو غلطٍ، ولا ألوم من دافع عن نفسه، وإنما انتقادي منحصرٌ في السبب الذي حرَّك هذه الخصومات، فحتى لو كان موقف الشخص فيها مستقيمًا، فلم يكن ثمَّ حاجةٌ إلى أن ينشغل الناس بخصوماتٍ شخصيةٍ في سياقٍ يقول عن نفسه: إنَّه تثبيت الاعتقاد الصحيح والرد على الانحرافات عنه!
وهذه الأهواء الشخصية تتسع فلا تبقى غالبًا في جانب الأمر المباح أو السائغ، بل يدخل فيها الظلم والبغي والفجور، وما لا يعلمه إلا الله، واللوم هنا يقع على طرفين: مَن ظلمَ وبغَى وفجَر، ومن كان سببًا لتحريك أسباب هذا الظلم والفجور في مقامٍ شريف يقتضي جمع قلوب الناس على الحق لا تنفيرهم عنه.
ومن الأهواء التي تحرَّكت في خضم هذه الظاهرة: الدفاع عن الباطل، ونصرة الانحراف غيرة على النووي وأمثاله، ولا شك أنَّ هذا مسلكٌ منحرفٌ، وخطأٌ جسيمٌ، فالحقُّ أعلى وأشرف من الرجال، ولا يجوز أن يُعظِّم المسلم شخصًا مهما كان عظيمًا حتى يرد بسببه حقًا، أو يرفض سُنَّة، أو يُهوِّن من باطلٍ، وأقبح منه من استغلَّ هذه الخصومات للتزهيد في البحث العقدي كله، وأنَّه ثمرة خلافاتٍ تاريخيَّةٍ لم يعد لها حاجة، وأنها تُفرِّق المسلمين، وأنَّ أهل الإسلام يجب أن ينشغلوا بما هو أهم منها، وربما استغل بعض الأحداث المعاصرة المهمة لتحقيق غرضه القبيح هنا.
واللوم هنا يقع على طرفين: من فرَّط في الحق أو هوَّن منه أو سوَّغ الباطل لأجل هذه الخصومات، ومن هيَّأ لهم أسباب ذلك، فبدلًا من أن يُخفف الشرَّ، ويسكِّن الأهواء ليجمع النفوس على الحق، حرَّك الأهواء في الناس حتى يتفرقوا عنه.
ومن الأهواء التي تحركت هنا: تقحُّم الحديث في هذه الأمور من عموم الناس من دون تأهيلٍ شرعي ولا معرفة كافية، وهذا والله من أعظم الذنوب، ومن القول على الله بغير علمٍ، فيتورَّع الكثير منهم عن الفتيا في دقائق مسائل الطهارة والصلاة لأنَّه جاهلٌ فيها، لكنَّ هذا الورع يستحيلُ جرأةً واقتحامًا في هذه الأبواب، حتى سهل على بعض الناس تكفير علماء المسلمين، أو تسويغه لقصور عقلهم وعلمهم، وقد يقول ابن تيمية في تكفير مثل هؤلاء العلماء: (إنَّ تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات).
(5) الفتنة في الدين:
وهنا معنى مهم جدًا، وهو من المفاسد الكبيرة التي يغفل عنها الغارقون في مثل هذه الخصومات، وهو: أنَّ كثرة الجدل على أحكام الدين عند عوام الناس مضعفٌ لليقين، ومهشِّم للثبات، ومثير للشبهات، ومعززٌ للإعراض، فأكثر الناس لا يحسنون التعامل مع مفصَّل هذه القضايا، ولا يدركون طبيعة النزاعات فيها، فالخير لهم أن ينشغلوا بما فيه علمٌ نافعٌ أو عملٌ صالحٌ، فإذا كثرت عليهم الجدالات فإنَّ أثرها لن يكون حسنًا، ولعلَّ هذا أحد المقاصد الكبرى في تشديد السلف في النهي عن الجدل في الدين، وضرورة الاكتفاء بالتعليم ونشر الحق دون جدالٍ، وما جرى بعد ذلك من توسُّعٍ فيه فهو مبني على وجود حاجة ومصلحة، لكن يجب أن يكون هذا معتدلًا، ولا يلغي أصل الأمر، ولا أن يتحول الجدل ليكون محمودًا بمجرد أن يقول الشخص نريد التحذير من البدع حتى لا يقع الناس فيها، وإذا كان الجدل حول الأشخاص فهو كما سبق أشد ضررًا وأظهر فسادًا.
ثمَّ إنَّ هذا الطعن والاستطالة في أعلام المسلمين هو فتنةٌ على عوام المسلمين، وأهل السنَّة منهم، فهذه الجدالات ليست في الكتب، ولا في المجالس الخاصة بين طلبة العلم، أو في قاعات خاصة تجمع المهتمين من الناس، بل هي مطروحة بين الناس كلهم، وهو فتنةٌ عليهم من جهتين:
الأولى: أنَّهم يرون المتفقين على السنة والمعتقد الصحيح، وكل طرفٍ منهم يرمي صاحبه بالتكفير أو التضليل أو التبديع، ويتقاسمون الشتائم والمعايب والأمور العظام، ويتفنَّون في ابتداع الأوصاف والتصنيفات، وكلُّ طرفٍ منهم يدَّعي اتباع السنة، وموافقة منهج سلف الأمَّة، فهذه مفسدةٌ عظيمةٌ يدرك أثرها كل عاقل.
الثانية: أنهم يرون العالم المعظَّم في قلوبهم لما يعرفون عنه من حبٍ للسنة، وجهودٍ في نشرها، وعبادة وطاعة واستقامة، يُرمَى بعظائم الأمور، ويستطال عليه بالتكفير، ويستخف به، ويسفَّه به وبعقله، فقدر هذا العالم أكبر في نفوسهم من قدر من يستطيل عليه، فهذا سيحدث فتنة لهم، فهو يُحفز كثيرًا من الناس لقبول الباطل بسبب حبهم لهذا العالم، أو ردِّ الحق الذي ذكره من اعترض عليه، وهي مفسدة ظاهرة، ولهذا ترى بعض المخالفين لأصول أهل السنة يستغلَّ هذه الخصومات ليقول للناس: اتبعوا العالم فيما يقول، ودعوا عنكم من ينتقده، ولا شكَّ أنَّ هذا انحراف عن الحق، لكن العاقل يتبصَّر فلا يقع في مغرياته من حيث لا يشعر.
فإذا كنا نقول عن سعة العقل والعلم: إنها تقرب الحق إلى المخالف، وتخفف من شره، وتسعى لجمع من يمكن منهم على الحق، فإنَّ هذه الظاهرة فرَّقت المجتمعين على الحق، فتجد المجتمعين على الأصول السنية العقدية المعروفة، والذين ينهلون من معينٍ واحد يتراجمون بالاتهامات بالخروج عن السنة، ومخالفة السلف، والطعن في الأمة، فما أبعد هذا عن العلم والعقل والبصيرة. هذه بعض الآثار السيئة المترتبة على هذه الظاهرة، وبطبيعة الحال أنَّي أنتقد ظاهرة أو سلوكًا عامًا ولا أقصد شخصًا معينًا، فالكلام في الأشخاص يقتضي علمًا بحالهم وعدلًا في أمرهم، وليس هذا المقام مقام التعرض لواحدٍ بعينه.
خاتمة:
نعود إلى ما ابتدأنا القول فيه من منهج عامة العلماء المعاصرين، فهذه الملاحظات المركزية تظهر ما في موقفهم من سعةٍ في العلم والعقل، فمع اختلافهم فإنَّهم لا يختلفون في هذا المسلك: أن تُبين الحق، وتحافظ عليه، وترد على المخالف، وفي نفس الوقت تحفظ حقوق المسلمين، ولا تخوض في أعراضهم، ولا تنشغل بالجدالات الفارغة، وتسعى لجمع النفوس على الحق، لا تحرك العوامل المنفرة عنه.
ومن المعاني التي ذكرها أهل العلم واستحسنوها: أنَّ (كل مسألةٍ حدثت في الإسلام فخاضَ فيها الناس فتفرَّقوا واختلفوا فلم يُورث ذلك الاختلافُ بينهم عداوةً ولا بغضًا ولا تفرُّقًا، وبقيت بينهم الألفة والنصيحة والمودَّة والرحمة والشفقة عَلِمنا أنَّ ذلك من مسائل الإسلام).
وهذا معنى حسنٌ، فإثارة هذه المعاني المذمومة بين المسلمين دليلٌ على وجود خللٍ في هذه المسائل، أو في طريقة التعامل معها مما سبَّب هذه المفاسد، فهو يوجب أن يراجع المسلم نفسه حتى يتجنَّب مثل هذه المسائل، أو يصحح طريقة تعامله معها فيتجنَّب ما يسبب هذه المفاسد، خاصَّة حين تكون بين المتفقين في الأصول والمعتقد، فالنزاع ليس بسبب خلافٍ في أصول الشرع، أو ردٍّ لبعض محكماته.
هذا المنهج العادل منهج اجتماعٍ على الحق لا افتراق عليه، ورحمة بالخلق لا عذاب لهم، وتأليف الناس على الدين لا تنفيرهم عنه، يغذَّي المحبة والإخوة بين أهل الإسلام لا يثير البغضاء بينهم، تعامل فيه كلٌّ طبقةٍ من طبقات هذه الأمة من سبقهم بالإيمان بقول الله تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنَّك رؤوفٌ رحيمٌ).



