د. حصة السنان
الملخص
يسجّل لفظ (التعاطف) حضورًا لافتًا في اللغة المعاصرة، في لغة الحياة اليومية، والإعلامية، ويتعالق مع العديد من المجالات الثقافية والمعرفية، منها: الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتربية، وفي الخطاب السياسي، وغيرها، وعلى تلك الأهمية والحضور، لم أجد دراسة تهتم بتأريخ اللفظ في العربية. يقدم هذا البحث محاولة لرصد تاريخي لورود اللفظ وتحولاته في النصوص العربية، من القرن الأول حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري. درس البحث المعاني التي أحال إليها اللفظ في الاستعمال -حسبما وردت في النصوص- بمنهج دلالي بنيوي، وحلَّل مكونات المعنى، بفحص جانبين أساسيين: أنواع الممارسات التي أحال إليها اللفظ في الاستعمال، ودوائر العلاقات التي وقعت فيها تلك الممارسات، ورصَد تلك المعاني بمقاربة زمانية بنيوية، صُنِّفت فيها المعاني تصنيفاً موضوعياً، مع ترتيبها ترتيباً زمانياً -بحسب الأقدم-. وتكمن أهمية البحث في محاولته لدراسة اللفظ في خصوصيته الثقافية؛ بوصفه معبرًا عن البنية الثقافية والاجتماعية للجماعة اللغوية في تلك الحقبة. واشتمل البحث بعد المقدمة على ثلاثة مطالب، أولها: التعاطف بوصفه حالة غريزية، وثانيها: التعاطف بوصفه فاعلية حركية، وثالثها: التعاطف بوصفه ممارسة شعورية فاعلة. وخَلُص البحث إلى أن اللفظ في الاستعمال قد ورد معبراً عن معانٍ عدة، منها: التعايش؛ بوصفه نوعاً من السلوك التواصلي الحيوي بين الخلائق، والتعاطف بوصفه حركة فيزيائية تتضمن: الالتفاف، التوشح والاشتمال، والاجتماع والمعاودة، والتعاطف بوصفه ممارسة شعورية فاعلة تتضمن سلوكاً تضامنيًّا ماديًّا، أو حالة وجدانية، أو مواقف فكرية وإيمانية، أو ممارسات أخلاقية عامة تدعو إلى الفضائل، وإلى الدين، وغيرها.
الكلمات المفتاحية: التغير الدلالي، الدلالة المعجمية، التعاطف، تاريخ الألفاظ، المعجم التاريخي
(al-Ta‘aāṭuf): A Study in the Semantics of the Term and Its Usage
from the First through the Thirteenth Centuries AH
Abstract
The Arabic term al-ta‘aāṭuf (usually translated as empathy) is noticeably present in the language of daily life, and other media, and it correlates with many cultural and intellectual fields, including philosophy, psychology, sociology, education, and political discourse. Despite the importance and prevalence of this term, I did not find any previous study tracking the history of its usage and transformations. This research examines the meanings of the term in Arabic texts, from the first through the thirteenth centuries AH. Through a structural-semantic approach to component analysis, two main aspects of the meaning are examined: 1) types of practices referred to, and 2) relationships in which these practices occur. The meanings are classified thematically, and the meanings in each section are ordered diachronically. The importance of this research lies in its attempt to study the meanings of the term in its cultural specificity, as a mirror reflecting the cultural and social structure of the linguistic group in the selected period. Its three main sections discuss al-ta‘aāṭuf as an instinctive state, a motor activity, and an active emotional practice. It concludes that the term was used to express various meanings, including coexistence, as a kind of biological communicative behavior between creatures; physical actions such as turning away/around, enwrapping and enfolding, gathering, and returning; active expressions of solidarity such as financial or other support; emotional states; intellectual and faith attitudes; general moral practice calling for virtues and religion; and other meanings.
Keywords: semantic change – lexical semantics – empathy (al-ta‘aāṭuf) – history of words – historical dictionary
المقدمة
إن شيوع لفظ (التعاطف) أمر ظاهرٌ لا يكاد يحتاج إلى رصد لإثباته([1])؛ فاللفظ يُتداول في اللغة المعاصرة؛ في لغة الحياة اليومية، وفي الإعلام، ويتعالق مع العديد من المجالات الثقافية والمعرفية، مثل: الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتربية والتعليم، والطب، والسياسة، وغيرها، ويحضر في التجارب الإنسانية على اختلافها، معبّراً عن دلالات تتفاوت، بتفاوت التجارب أو المواقف الشعورية والممارسات المعبَّر عنها. ويرى بعضهم (التعاطف) بوصفه موقف شعوريّ من معاناة الآخر، يعكس مفهوماً إنسانياً عاماً، متجاوز للخصوصيات، عابر للثقافات، بينما تحتج لانزوني بأن “نظرة في تاريخ التعاطف تُظهِر لنا أن التعاطف ما كان معبّرًا عن شيء واحد بسيط قط، وأن أجيالًا من الباحثين قد سكّوا معانيه وأعادوا تشكيلها، لمشاريع وأهداف مخصوصة. في الحقيقة، إن معاني التعاطف قد تحوّلت تحولًا سريعًا جدًا، حتى أن معناه الأصلي قد تحوّل إلى نقيضه”([2]).
درست لانزوني تاريخ (التعاطف) في كتاب (Empathy: A History) (نشر عام 2018)، رصدت فيه أول ظهور للفظ في الإنجليزية، ترجمةً للكلمة الألمانية Einfühlung (عام 1908م)، وقدمت معالجة تاريخية للمفهوم في ثلاثة مباحث: تناول المبحث الأول (التعاطف) بوصفه ممارسة حركية في مجال الفن، وتناول الثاني تصيير (التعاطف) علمًا قابلًا للقياس، في مجالات علم النفس والخدمة الاجتماعية، وتناول الثالث (التعاطف) في الثقافة والسياسة.
وعلى أهمية اللفظ وحضوره اللافت، لم أجد -فيما وقع تحت بصري، وما اطلعت عليه- دراسةً تعنى بتاريخ لفظ (التعاطف) في العربية، ورصد استعماله وتحولاته. ويحاول هذا البحث -ويكمن الإسهام المرجو منه- أن يقدّم رصداً للمعاني التي عبر لفظ (التعاطف) في النصوص العربية، من القرن الأول حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري، في محاولة لسليط الضوء على إسهام الدرس الدلالي التاريخي في رصد تاريخ ألفاظ المشاعر (والأفكار)، بما هي معبرة عن تصورات الجماعة اللغوية، ورؤيتها للعالم.
ولا شك أن ارتباط هذا اللفظ بالشعور الإنساني يتطلب مقاربة خاصة لفحص معانيه -التي عبّر عنها في الاستعمال-، وتنطلق مقاربة هذا البحث من النظر إلى المشاعر(emotions) بوصفها تنطوي على نوع من الفعل (act)، كما يحاجج Solomon Robert روبرت سولمن، لا محض شعور (داخلي)[3]. وهذا التصور يتضمن اعتبار المشاعر تتضمن ممارسات؛ بمعنى أنها يتحقق بها نوع من الانخراط العملي (Practical Engagement) مع العالم، وتتمظهر بتصرفات جسدية -أو ظاهرة- يحكمها سياق اجتماعي له -دائمًا- خصوصياته الثقافية والتاريخية[4].
و”كما أن لكل ثقافة ما يسميه بول إكمان “قواعد إبداء”، حتى وإن كانت بعض المشاعر “أساسية”، متجذرة، وعالمية (كما يعتقد إيكمان)”[5]، فإن الثقافة تحكم تمظهر تلك المشاعر في السلوك والتصرفات، وتشكّل طريقة التعبير عنها[6]. وعليه فإن مدلول الشعور، إذا قلنا بأنه ممارسة، يختلف من ثقافة إلى أخرى؛ ومن وقت إلى آخر، ويتحدد مفهومه تبعاً لأنواع هذه الممارسات، في مظاهر تحققها في الواقع.
وبُغية الوصول للدلالات التي عبّرت عنها ألفاظ (التعاطف)، في خصوصيتها الثقافية، ونطاقها التاريخي، جرى استقراء معانيها بتحليل مكونات المعنى، بفحص جانبين أساسيين: نوع السلوك/التصرف الذي أحال إليه اللفظ في الاستعمال (مثل: العطاء، أو النجدة، أو التواصل اللفظي، وغيرها)، ودوائر العلاقات التي وقع فيها هذا السلوك (مثل: القرابة، الرابطة المهنية، رابطة المعتقَد).
وتبنى البحث مقاربة زمانية بنيوية، صُنَّفت بها معاني (التعاطف) تصنيفاً دلالياً موضوعياً، بحسب أنواع الممارسات التي عبّرت عنها، والأفعال التي أحالت إليها، مرتبة ترتيبًا زمانيًا (من الأقدم) حسب ورودها في النصوص. وفي حدوده الموضوعية: اقتصر البحث على لفظ (التعاطف) ومشتقاته، في صيغة الاسم والفعل (مثل: يتعاطف، متعاطفون، ونحوهما)، فلم يدرس الألفاظ الأخرى التي قد تصاحبها أو تتعالق معها في بعض السياقات. وفي حدوده الزمانية: من القرن الأول حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري. وفيما يأتي محددات للبحث:
1 – تقيَّد البحث بلفظ (التعاطف) ومشتقاته، ورُصِد الألفاظ في مجموعة كبيرة من المؤلفات والنصوص العربية، من القرن الأول وحتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري.
2- اعتمد البحث مجموعة كبيرة من المؤلفات والنصوص العربية -في الحقبة محل الدراسة- مصدرًا للبحث عن ألفاظ (التعاطف)، وشملت: كتباً في الحديث والسيرة النبوية، والعلوم الدينية، والتاريخ، واللغة والأدب، وغيرها، واستعان بأدوات حديثة وتقليدية للبحث عن الألفاظ، ورَصد جميع المواضع التي ورد فيها لفظ (التعاطف) ومشتقاته في تلك النصوص، مع مراعاة ذِكر أول استعمال دالٍ عن معنى جديد/مختلف مع استبعاد تكرار النص أو الدلالة.
3- رُتِّبت المعاني ترتيباً زمانياً، وروعي في الترتيب نسبة النص القرن الذي ينسب إليه قائله، لا إلى القرن الذي نُقِل فيه النص، فإذا ورد اللفظ -مثلًا- في نص من القرن الرابع منسوبًا، فإنه يُحال إليه زمانياً باعتبار وفاة القائل، لا باعتبار وفاة الناقل.
4 – اقتصر البحث على النصوص العربية، فلم يشمل ألفاظ (التعاطف) التي وردت في نصوص منقولة إلى العربية من لغات أخرى.
5- اقتصر البحث على لفظ (التعاطف) ومشتقاته، فلم يحلل الألفاظ التي تعالقت معها في بعض السياقات (إلا في حدود ما يخدم تحليل معنى التعاطف)، إلا في حدود ما يخدم فهم معنى (التعاطف)، والممارسة المتعلقة به.
وقُسِّم البحث -بعد المقدمة- إلى ثلاثة مطالب، وخاتمة.
المطلب الأول: (التعاطف) بوصفه حالة غريزية.
المطلب الثاني: (التعاطف) بوصفه فاعلية حركية.
المطلب الثالث: (التعاطف) بوصفه ممارسة شعورية فاعلة.
الخاتمة: وشملت أهم نتائج البحث.
وقد تبيّن بتتبُّع دلالات ألفاظ التعاطف ومجالات استعمالها، أن ورود (التعاطف) بما هو معبر عن حالة غريزية (بين الخلائق عامة) كان منحصراً في نصوص الحديث الشريف، بينما استُعمل اللفظ للتعبير عن فاعلية حركية (تشمل: التوشّح، أو الالتفاف، أو الميل، أو المطاوعة، والمعاونة) قد كان محدوداً أيضاً، بينما ورد توسّع في مجالات استعمال ألفاظ التعاطف، وتنوّع في دلالاتها إذا ما هي عبَّرت عن ممارسات شعورية فاعلية، وإلى هذا يرجع الاتساع المُلاحظ في المبحث الثالث، وضيق البحثين الأول والثاني.
هذا، وكُلي أمل أن يكون في هذه المحاولة إسهام في فهم الألفاظ المعبرة عن التجارب الإنسانية، في سياقاتها الثقافية والتاريخية، فهماً بأقل قدر ممكن من الافتراضات أو المواقف النظرية المسبقة.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
المطلب الأول: (التعاطف) بوصفه حالة غريزية
ورد لفظ التعاطف، في الحديث النبوي الشريف، بصيغة الفعل: “يتعاطفون”، مسندًا إلى الخلائق عامة، في حديث: “إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ، وَالْإِنْسِ، وَالْبَهَائِمِ، وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وبِهَا تَعْطِفُ الوحش عَلَى ولدها، وأَخَّر َالله تِسْعَاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“[7].
(وقد ورد لفظ (التعاطف) في هذا الحديث برواياته المتعددة، بصيغ أخرى متنوعة، مثل: “وبها يتعاطف الْوَحْشُ عَلَى أَوْلَادِهَا”[8]، و”تتعاطف الْوَحْشُ عَلَى أَوْلَادِهَا”[9]. وإذا كانت لفظ الحديث السابق هي ما رواه الإمام مسلم (ت261هـ)، فإن ثمة روايات أخرى للحديث؛ مرفوعة إلى النبي عليه السلام، أو موقوفة على بعض الصحابة، قد وردت فيها بعض ألفاظ التعاطف).
وفعل (التعاطف) في هذا الحديث يحيل إلى نوع من السلوك الغريزي (الفطري، الحيوي)، تتلبس به الخلائق عامةً كُلٌّ مع جنسه[10]، وتتحقق لهم به ضرورات معاشهم، إذ لكل منهم غريزته الباعثة على ممارسة العطف مع بني جنسه، بغض النظر عن عاطفته نحو الآخر من غير جنسه. والذي دل على (التعايش) بهذا المعنى؛ ما ورد عن النبي عليه السلام بلفظ: “وبها تشرب الطير والوحوش من الماء، وبها يعيش الخلائق”[11]. ويتمثل هذا التعايش، بين الخلائق، بنوع من السلوك التواصلي، نحاول رصده فيما يأتي -حسبما ورد في النصوص:
- الاجتماع:
والذي يدل على معنى الاجتماع؛ ما ورد في رواية أخرى، فيها: “فبها يتآلف الخلائق”[12]. فالاجتماع والتآلف هنا، حسياً كان أو معنوياً، هو نوع من السلوك التواصلي، بين الخلائق، يعدّ معبّراً عن ممارسة من ممارسات التعاطف.
- التساير في الجيئة والرواح:
والذي يدل على هذا المعنى، أثر مروي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه في تفسير قول الله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام:12]، منسوب للتوراة[13]، قال: “وَبِهَا “تَتَابَعُ الطَّيْرُ، وَبِهَا تَتَابَعُ الْحِيتَانُ فِي الْبَحْر”[14].
والملاحَظ في حركة الطير في هجرتهم، أو بحثهم عن الطعام والشراب، أنهم يطيرون في تتابع عجيب، يعبَّر عن نوع من التواصل، وكذلك الحال في الأسماك في البحر، فلكلٍ من الأنواع سبيل للاجتماع التواصل، بصورة مخصوصة.
- التواصل:
والذي يدل على هذا المعنى، ما ورد في الأثر المتقدم، عن سيدنا سلمان، حيث قال:”وَبِهَا يَتَبَاذَلُونَ، وَبِهَا يَتَزَاوَرُونَ، وَبِهَا تَحِنُّ النَّاقَة، وَبِهَا تَنْئِجُ الْبَقَرَةُ، وَبِهَا تَثْغُو الشَّاةُ”[15]. فالكائنات تتواصل فيما بينها، ويتزوار بعضها، ويبذل الواحد منها نفعه للآخر، بصورةٍ ما.
وباعث هذا السلوك الغريزي -كما يبين الحديث- مصدر إلهي: الرحمة الإلهية، التي جعلها الله بين الخلائق، تحثّهم بالغريزة إلى نوع من السلوك الذي يتحقق به دفع الضرر عن الأفراد، ومنافع البقاء الضرورية، مثل الغذاء والماء، ورعاية الصغير، ونحوها.
المطلب الثاني: (التعاطف) بوصفه فاعلية حركية
وردت ألفاظ (التعاطف) في مجموعة من الأحاديث النبوية، بصيغة الفِعل: تفاعَل [16]، للتعبير عما يمكن وصفه بحركة، تشمل: التوشّح، أو الالتفاف، أو الميل، أو المطاوعة، والمعاونة[17].
- (التعاطف) معبّراً عن التوشّح واشتمال للثوب:
وقد ورد في الحديث الشريف:“إِذَا مَا اتَّسَعَ الثَّوْبُ، فَتَعَاطَفْ بِهِ عَلَى مَنْكِبَيْكَ، ثُمَّ صَلِّ، وَإِذَا ضَاقَ عَنْ ذَاكَ، فَشُدَّ بِهِ حَقْوَيْكَ، ثُمَّ صَلِّ مِنْ غَيْرِ رِدٍّ لَهُ”[18].
ورد فعل (التعاطف)، بصيغة الأمر، ليحيل إلى توشح واشتمال الثوب، في أمرٍ يُتطلَب به حُسن هيئة المسلم في الصلاة.
- (التعاطف) معبّراً عن الالتفاف:
ورد هذا المعنى في حديث يصِف حال الملائكة حول العرش: “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ جَلَالِ التَّمْجِيدِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّهْلِيلِ يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ يَقُلْنَ لِصَاحِبِهِنَّ أَلَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَ الرَّحْمَنِ شَيْءٌ يُذَكِّرُهُ بِهِ”[19].
- (التعاطف) معبّراً عن حركة فيها انثناء، وميل، ومطاوعة:
ورد بهذا في حديث” أنه مر بقوم يتعاطفون سيفاً، فنهاهم عنه”[20] أي يجعلونه تحت أعطافهم[21].
وفي لسان العرب لابن منظور (ت711هـ):” وتعاطف في مشيه: تثنى، يقال: فلان يتعاطف في مشيته بمنزلة يتهادى ويتمايل من الخيلاء والتبختر”[22].
- (التعاطف) معبّراً عن حركة فيها مطاوعة ومعاودة:
جاء في شرح الخطيب الشربيني (ت977هـ) لحديث “ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه كان في سرية بعثهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففروا إلى المدينة، فقلت: يا رسول الله، نَحْنُ الْفَرَّارُونَ، فقال:”بَلْ أَنْتُمُ العَكَّارُوُن“، وفي رواية:” الْكَرَّارُونَ “[23] أي: المتعاطفون إلى الحرب، “وأنا فئتكم” “[24].
وقد عبّر (التعاطف) في هذا النص أو (في هذه الحالة) عن معنى الانعطاف، الذي تكون به المعاودة، ووصف الشربيني هذا الفعل بقوله:”(وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ) [الأنفال:16] أي: يوم لقائهم (دبره) أي: يجعل ظهره إليهم منهزمًا (إلا متحرفًا) أي: منعطفًا:” (لقتال) بأن يريهم أنه منهزم خداعًا ثم يكرُّ عليهم، وهو باب من مكايد الحرب (أو متحيزًا) منضمًّا وصائرًا (إلى فئة) أي: جماعة أخرى من المسلمين”[25].
المطلب الثالث: (التعاطف) بوصفه ممارسة شعورية فاعلة
في محاولتها لتعريف (الممارسة الشعورية( (emotional practice)، تذكر Monique Scheer (مونيك شير) أن “ما يفرّق بين ما هو داخلي وما هو خارجي من الشعور … : هي الكيفية التي “نؤدي” بها التجربة في العادة؛ بحيث ينشأ الشعور داخلياً ثم يظهر ما يعبر عنه”[26]. وتؤكد Scheer (شير) أن الممارسة -بما هي فعل (action)-: “على الرغم من أنها قد تتضمن نوعاً من الفعل المقصود المعتمد، فإنها تشمل أيضًا، ]بل[ وتؤكّد على فعلٍ يمارَس بالعادة، ولا يتطلب القيام به بذل الكثير من التركيز الذهني”[27]. وتشير إلى أننا إذا ما عددنا المشاعر نوعاً من الممارسات، فإن هذا يستلزم أنها تتجسد [28]، بمعنى أنها تتمظهر (بنوع من السلوك الظاهر).
فإذا قلنا إن الذي يحدد دلالة (التعاطف) هي الممارسة التي تعبّر عنه، فإن تحديد هذه الممارسات ومكوناتها ونطاقاتها؛ بفحص نوع الأفعال، والمواقف -فكرية كانت أو شعورية- التي تتجسد بها هذه الممارسات، والدوائر التي تقع فيها، هو ما يدلنا على معنى (التعاطف). وفيما يأتي رصد لهذه الأفعال والممارسات، وأنواع الروابط التي وقعت فيها – حسبما ورد في النصوص-:
- (التعاطف) بوصفه ممارسة تكافلية:
ورد (التعاطف) ليعبِّر عن حالة من التكافل والتضامن تقع بين الأرحام، برابطة النسب، كما تقع بين غيرهم بروابط أخرى، وتتمثل في ممارسات أو مواقف لازمة، تتحقق بها للأفراد منافع أساسية. غير أن هذه الممارسات أو المواقف -حتى وإن كان باعثها الرحم- لا تبدو (طبيعية غريزية)، بمعنى أنها لا تقوم بمحض وجود رابطة النسب، ولكنها (كسبية تعاقدية)؛ تُستجلب ويُطلَب إليها؛ فالأفراد، حتى في دائرة الرحم الأولى، يتواصون بها، يتساءلون عليها[29]. ومن هذه الممارسات -كما عبّرت النصوص-:
- (التعاطف) معبِّراً عن علاقة المصاهرة (بين الأرحام):
ورد فعل (التعاطف) في نص بالقرن الأول الهجري، ليحيل إلى علاقة مصاهرة بين الأرحام؛ بما هي رابطة اجتماعية (اختيارية)، زائدة على الرحم، تتعزز بها -بين الجماعات القرابية، لا بين الزوجين وحدهما- أسباب الوصل، وتتحقق لهم بها درجات من التكافل والتناصر.
روى ابن الجوزي (ت597هـ) حادثة متعلقة بزواج رملة بنت الزبير من خالد بن يزيد بن معاوية (ت90هـ):” وكان الحجاج قد بعث إلى خالد: “ما كنت أراك تخطب إلى آل الزبير حتى تشاورني، فكيف خطبت إلى قوم ليسوا بأكفائك … فقال لرسوله: ارجع … فإنها قريش تتقارع، فإذا أقر الله الحق مقره تعاطفوا وتراحموا”[30].
غير أن التعاطف هنا قد ورد ليعبر عن عما يبدو أنه ممارسة اجتماعية خالصة، منفكة عن مواقف التناصر السياسي، وخارجة عنها-.
- (التعاطف) معبّراً عن المواساة بالمال بين أهل المدينة الواحدة:
ورد (التعاطف) -في نص منسوب إلى القرن الثاني- ليعبّر عن المواساة بالمال، تقوم برابطة الجوار، وتُتَطلَّب ويُدفع إليها بباعث نفسيّ أخلاقي، بما هي موقف واجب للمحتاج على المقتدر.
أورد البلاذري (ت279هـ) في سيرة الحكم الجواد ابن المطلب بن عبدالله (190هـ):” قَالَ: نزل الحكم الجواد بْن المطلب منبج([31])، فكان أهلها يقولون: أغنى فقراءنا وَلا مال لَهُ يومئذ، كَانَ متزهدًا، قيل: وكيف ذَلِكَ؟ قالوا: حضّنا على التبارّ والتعاطف والتآسي، فأفضلَ غنينا عَلَى فقيرنا حَتَّى استغنى”[32].
- (التعاطف) معبّراً عن التضامن المالي بين أصحاب المهن والصناعات:
ورد لفظ (التعاطف) -في نصوص من القرنين الثالث والرابع- ليعبّر عن المواساة بالمال، بما هي موقف تكافلي، يقوم بالرابطة المهنية ، بين أصحاب المهنة الواحدة، عند وجود الخلل والاحتياج في أحد أفرادها. وقد وردت بعض هذه المواقف والممارسات في نص عند الجاحظ (ت255هـ) يمتدح أهل الصناعات لتعاطفهم، ويذم الكتّاب؛ لعدم تعاطفهم: ” ثم وصف أصحاب الصناعات، وذكر تعاطف أهلها على نظرائهم، وتعصُّب رجالها على غيرهم؛ فقال: لا أعلم أهل صناعة إلا وهم يجْرون في ذلك إلى غاية محمودة، ويأتون منه آيةً مذكورة، إلا الكُتَّاب”[33]، ونقل الجاحظ عن عُمر سيف “أنه حضر مجلس أبي عبّاد ثابت بن يحيى ]ت220هـ[ يوماً في منزله، وعنده جماعة من الكتاب، فذكر ما هم عليه من ملائم الأخلاق ومدانس الأفعال، قال: ووصف تقاطعهم عند الاحتياج، وعدم تعاطفهم عند الاختلال، وزُهدهم في المواصلة، فقال: … ثم إنَّكم في غاية التقاطع عند الاحتياج، وفي ذروة الزُّهد في التعاطف عند الاختلال، وإنَّه ليبلغني أنَّ رجلاً من القصابين يكون في سُوقه، فيتلف ما في يديه، فيخلَّى له القصَّابون سُوقهم يومًا، ويجعلون له أرباحهم، فيكون بربحها منفردًا، وبالبيع مُفردًا، فيسدُّون بذلك خلَّته، ويجبرون منه كسره …”[34].
ويظهر لي أن هذا الموقف التكافلي الذي يتمظهر في العطاء المالي بين أصحاب الصناعات -وإن كان يعكس موقفاً تعاقدياً مهنيّاً يتحقق به التناصر والتعاضد-، فهو -في أصله، أيضاً- راجع إلى موقف نفسيّ من التراحم، يتمثل في سدّ حاجة المحتاج، وتحقيق المواساة الواجبة له. ويظهر مثل هذا المعنى، في نص شعري ورد عند قدامة بن جعفر (ت337هـ)، في “مدح المتعيشين بأصناف الحرف وضروب المكاسب ..” “بما يضاهي الفضائل النفسانية”، “وذلك مثل قول الشاعر:
متراحمينَ ذوُو يسارِهِـــــــمُ يتعاطفونَ علَى ذوِي الفقرِ
وذوُو معاســـــــــرِهم كأنهمُ من صِدْقِ عفتِهِمْ ذوُو وَفْرِ”[35]
فهو قد مدحهم هنا بنص شعري يصف التعاطف فيما بينهم، بأنه فعل مواساة، يتمثل بالعطاء الذي يتحصل به سد حاجة المحتاج، وعَدّ ذلك الفعل (المادي) من الفضائل (النفسانية).
- (التعاطف) بالنفقة على المحتاج (من الأقارب ومن في حكمهم):
ورد لفظ (التعاطف)[36]– في نص منسوب إلى القرن الرابع الهجري- في تفسير قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ)، [يس:47] وعُبِّر بـ” التعاطف”، في هذا النص، عن فعل الإطعام والنفقة على الأقارب المحتاجين، ومن في حكمهم من الموالي، ووُصف هذا الفعل بأنه واجب، وأنه حق للمحتاجين.
قال :”فندب أولئك المؤمنون قرابتهم من الكفار إلى أن يصلوهم وينفقوا عليهم مما رزقهم الله، فقالوا عند ذلك: (أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) [يس:47] قال الرماني ]ت384هـ[:” ونسوا ما يجب من التعاطف وتآلف المحقين”[37].
ولعل في سؤالهم الاستنكاري هذا، معنى قيام مثل هذا الموقف (التراحمي -في أصله-، التكافلي -في مظهره-) برابطة غير رابطة النسب، وفي هذا الموقف ما يؤكد على أن التعاطف بالنسب علاقة تعاقدية كسبية لا تتحصل بمحض وجود رابطة الدم، بل وقد يُقدّم عليها غيرها من الروابط، في بعض المواقف، (مثل الرابطة السياسية، ورابطة المعتقد).
- (التعاطف) بالتضامن المالي بين الأرحام:
ورد (التعاطف) – في نص فقهي في القرن الخامس- معبرًا عن التضامن المالي الواجب -شرعاً- بين الأقارب، في نص جبر الكسر الذي يقع من أحدهم على غيره خطأ فتحمل القبيلة الدية عن القاتل: “وفي تحمُّل العاقلة عنه مواساة تفضي إلى حفظ الدماء واستبقاء الأحوال، وهذا أدعى إلى المصلحة وأبعث على التعاطف“[38].
- (التعاطف) بحضانة الصغير:
وكذلك ورد (التعاطف) -في نص فقهي من القرن الخامس-، معبّرًا عن حالة من الكفالة بين الأقارب، تتحقق بها حضانة الخالة للصغير، معللة بالموقف النفسي والعاطفة القلبية (الكسبية)، قال: “فلم يجعل للأخت للأب حقًّا في الحضانة؛ لأن العادة جارية أن التعاطف والحنان بين الأخوين من الأم، والتباغض والشنآن بينهما إذا كانا من أب لاختلاف ما بين أمهاتهن على ذلك يربون وينشئون“[39].
وفي هذا النص ما يؤكد -أيضاً- ما ذكرناه من أن (التعاطف) بين الأرحام، بما هو ممارسة تكافلية، لا يقع بمحض رابطة الدم، ولكن يقع بالصلات التي تُؤَسس على رابطة الدم، كما تؤَسس على روابط غيرها، وبذلك يكون التعاطف -بما هو ممارسة فعلية- مبنياً على مواقف وروابط وصلات سابقة لوجود ممارسة التعاطف.
ثانيًا: (التعاطف) بوصفه حالة وجدانية:
ورد (التعاطف) في المجال الدلالي الوجداني؛ ليعبر عن ميل نفسي، أو عن: حالة يتحقق بها التواصل بين: المتجانسين في الطباع (أو المتحابين). وفيما يأتي رصد لأنواع الدلالات التي عُبّر عنها بألفاظ التعاطف، في دائرة الشعور النفسي والعاطفة القلبية، -حسبما ورد في النصوص-، مرتبةً زمانياً:
- (التعاطف) بوصفه ميلاً نفسياً ناتجاً عن تجانس الطباع:
ورد عن الجاحظ (ت255هـ) -في نص منسوب للقرن الأول- لفظ (التعاطف) للتعبير عن: “ميل نفسي متعلق بالتشابه في الطباع”[40]، من مظاهره الرغبة في التواصل بين المتشاكلين في الطباع، يتحقق لهم بها السرور. قال: “وقال العباس بن جرير ]ت 51هـ[: المودة تعاطف القلوب، وائتلاف الأرواح، وأنس النفوس، ووحشة الأشخاص عند تنائي اللقاء، وظهور السرور بكثرة التزاور، وعلى حسب مشاكلة الجواهر يكون الاتفاق في الخصال”[41].
- (التعاطف) بوصفه حالة تَحَقُّق الوصل بين المتحابين:
ورد لفظ (التعاطف) -في نص منقول من القرن الثاني- في بيت شعر منسوب إلى هدبة بن الخشرم (ت نحو 50هـ)، وعُبِّر به عن حالة الوصل بين المتحابين يحصل لهما بعد التراضي: “قال ابن أبي ثابت]ت119هـ[: أنسب بيت قالته العرب (طويل):
إِذَا نَزَوَاتُ أَحْدَثْت عِند بَيْنَنَا عتايًا تراضينا وعاد التعاطف”[42]
- (التعاطف) معبّراً عن محض الحنان على الأرحام:
ورد لفظ (التعاطف) معبراً عن (العطف) بما هو عاطفة قلبية من الرحمة والحنان في “(باب المثل في تعاطف ذوي الأرحام وتحنن بعضهم على بعض): قال ابن الكلبي ]ت204هـ[: ومن أمثالهم في عطف ذوي الأرحام قولهم: يا بعضي دع بعضًا”[43]. فلفظ (التعاطف) في (عنوان الباب) هنا ورد ليعبر عن عاطفة قلبية من الرحمة والحنان بين الأقارب، وفي قصة المَثَل الوارد ما يشير إلى محض عاطفة الحنان (منفكة عن وجود ممارسة أو فعل).
- (التعاطف) معبِّراً عن ممارسة العطف بين الزوجين:
ورد تعبير (رقة التعاطف) -في نص من القرن الخامس- في تفسير ابن فورك (ت406هـ): للدلالة على العطف والرقة بين الزوجين إذا تحققت بفعل التواصل بينهما، بينما ورد تعبير (رقة العطف) ليحيل إلى الشعور القلبي. يقول ابن فورك (ت406هـ):” ومعنى” لتسكنوا”: سكون أُنس وطمأنينة، بأن الزوجة من النفس؛ إذ هي من جنسها وشكلها، فهو أقرب إلى المودة، والألفة. الرحمة: رقة التعاطف بينهم؛ إذ كل واحد من الزوجين يرق على الآخر رقة العطف عليه بما جعل في قلب كل واحد لصاحبه ليتم سروره”[44]
وفي إشارة واضحة للتفريق بين (العطف) بما هو شعور قلبي، و(التعاطف) بما هو تحقق عملي لهذا الشعور، قال الزيداني (ت727هـ): “(التعاطف): جريان العطف بين الاثنين، و(العطف): الشفقة والرحمة.”[45] وفي هذا التفريق إحالة إلى الجانب العملي/الفعلي من الممارسة الشعورية.
كما يتوسع المجال الدلالي لـ(المجانسة في الطباع) -التي عُدّت سبباً للميل النفسي بين المتحابين، فيما سبق- ليشمل: تماثل الرجل والمرأة في الجنس البشري، فيكون هذا التجانس سببًا للميل النفسي الحاصل بين الزوجين. وهذا الميل النفسي، الذي عُبِّر عنه بـ (رقة العطف) أو (رقة القلب) يعدّ باعثًا على (التعاطف). يقول الخطيب الإسكافي (ت420هـ):”(وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً(، [الروم:21] أي: ميل نفس بالمجانسة، ورقّة قلب تبعث على التعاطف، ليتكامل سرور كلّ منهما بصاحبه”[46].
- (التعاطف) معبراً عن نوع الوصل يتضمن الاتصال الحسي:
ورد (التعاطف) للتعبير عن التواصل الحسي، -في نص من القرن العاشر- فيه تفسير لمعنى (المودة)، بما يحصل بين الزوجين من معاشرة[47]، وما ينتج عنها من ولد:”(لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا): لتأووا إلى أزواجكم (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً): الجماع، (وَرَحْمَةً): الولد[48]، فبرحمة الله يتعاطفون، ويرزق بعض بعضًا”[49].
وفي اقتران التعاطف -في هذا النص- بالترازق ما يشير إلى التكافل المادي (الذي ورد فيما سبق بوصفه ممارسة من أبرز ممارسات التعاطف)، غير أن الذي يظهر لي هو أن الرزق المراد هنا غير ما أحيل إليه سابقًا من معنى التضامن المالي؛ لأن المعنى هنا منصرف إلى ما يحصل بالعطاء (المادي) من معنى التواصل (الذي يتحقق به السرور).
يدل على هذا نص متأخر في القرن الثاني عشر الهجري للزرقاني (ت1122هـ) يقول فيه في باب الهبة: “قوله: “وهبة أحد الزوجين للآخر” لا يصدق في دعواه الثواب؛ لأن قصد كل واحد منهما التعاطف والتواصل”[50].
فانظر كيف انصرف معنى (المودة) من المعنوي إلى الحسي، ثم صار معنى العطاء المادي إلى ما يتحصل بالعطاء من الوصل والتحابب، وكيف انزاح القصد من الهدية عن ما هو ديني (الثواب)، إلى ما هو دنيوي (روابط التواصل)، باعتبار أن الهبات والهدايات بين الزوجين سبيل من سبل التقارب والتواصل والتعاطف والمودة.
- (التعاطف) معبّراً عن وصل يتضمن نوعاً من الاتصال الحسي في علاقة مثلية:
ورد (التعاطف) في -نص من القرن الثاني عشر – معبرًا عن شدة القرب والوصل بين مُحِبين (أو عن ما يمكن أن يُكنى به عنه بالوصل من الاتصال الجسدي في علاقة مثلية)، حيث ذكر المحبي (ت1111هـ) ما بين أحمد بن ولي الدين وبين أحمد بن شاهين من “صحبة”، يقول: “متعاكفان [51] على تعاطف وائتلاف، ومتعارفان على تهارج واختلاف، فعلقا فتى أُلحِمَ بينهما بسحره الألفة، وأماط فيما بينهما حجاب الكلفة، وبقيا سنين متلازمين تلازم الدليل بالمدلول، والعلة بالمعلول ومتصلين اتصال الأرواح بالأشباح، والمساء بالصباح”[52].
وعلى أن في النص ما يشير إلى علاقة مثلية عاطفية، تعددية، ثابتة على مستوى الممارسة، فإن في نص القصة ذاته ما يدل على عدم الإقرار بهذه الفعل؛ من جهة التكنية عنه، ومن جهة التصريح باعتباره ذنباً يُتأثَّم به ويُستتاب منه. وللوقوف على القصة بتمامها يُنظر المرجع المذكور.
ثالثًا: (التعاطف) بالرابطة السياسية:
ورد لفظ (التعاطف) -في نصوص من القرن الثالث والرابع والخامس والعاشر الهجري- معبرًا عن نوع من التفاعل الذي يقع بالرابطة السياسية بين أفراد المجتمع الواحد، وفيما يأتي تفصيل لأنواع هذه الممارسات:
- (التعاطف) بوصفه حالة من الانتظام السياسي بين أفراد المجتمع الواحد:
ورد (التعاطف) -في نصوص من القرن الثالث، والرابع، وما بعدهما- معبرًا عن حالة من الانتظام السياسي الضروري بين الناس في المجتمع، تتحقق لهم بها مصالح معايشهم، وتحفظ بها الحقوق وتؤدى الواجبات، ويُتوصّل إلي هذه الحالة بالسلطة السياسية، التي تقوم على أساس من العدل. ولا يتحقق هذا (التعاطف) الضروري بين الناس بمحض تعاليم الدين التي تحث عليه، وإنما تتحقق بسلطان يُقيم العدل، ويقوم على الإنصاف.
وفي هذا يقول الجاحظ (ت255هـ): “فلو تركهم وأصل الطبيعة، مع ما مكن لهم من الأرزاق المشتهاة في طبائعهم، صاروا إلى طاعة الهوى، وذهب التعاطف التبارُّ، وإذا ذهبا كان ذلك سببًا للفساد، وانقطاع التناسل، وفناء الدنيا وأهلها … فعلم الله أنهم لا يتعاطفون ولا يتواصلون ولا ينقادون إلا بالتأديب، وأن التأديب ليس إلا بالأمر والنهي غير ناجعين فيهم إلا بالترغيب والترهيب الذين في طباعهم…”[53].
وذكر ابن طاهر المقدسي (ت بعد355هـ) أن “الشرائع والأديان التي هي وثاق الله تعالى في سياسة خلقه، وملاك أمره، ونظام الألفة بين عباده، وقوام معاشهم، والمنبه على معادهم، ]هي[ الرادع لهم عن التباغي والتظالم، والمهيب بهم إلى التعاطف والتواصل …”[54].
وفي نص لابن حزم (ت456هـ) ما يؤكد هذا المعنى، يقول: “لا سبيل إلى منع التظالم ولا إلى إيجاد التعاطف بغير النبوة أصلاً”، إذْ “من منافع ما جاءت به النبوة: دفع مظالم الناس الذين لم تصلحهم الموعظة ولا سارعوا إلى الحقائق، وحياطة الدنيا والأبشار والفروج والأموال، والأمن على كل ذلك من التعدي والغلبة وكفاية من ضاع ولم يقدر على القيام بنفسه. وهذه منفعة عظيمة جليلة، لا بقاء لأحد في هذه الدنيا، ولا صلاح لأهلها إلا بها”[55].
ومما يؤكد هذا المعنى؛ من أن (التعاطف) حالة من التعايش الضروري يُتوصل إليها بقوة السلطان ما ذكره الماوردي (ت450هـ)، قال:”وَلَو لم يتناصف أهل الْفساد لما تمّ لَهُم فعل الْفساد، فَكيف بِملك قد استرعاه الله صَلَاح عباده ووكل إِلَيْهِ عمَارَة بِلَاده إِذا لم يحمل على التناصف والتعاطف“[56].
كما جعل الماوردي من شروط الوزير-في وزارة التفويض والتنفيذ:” أنْ يَسْلَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ عَدَاوَةٍ وَشَحْنَاءَ، فَإِنَّ الْعَدَاوَةَ تَصُدُّ عَنِ التَّنَاصُفِ وَتَمْنَعُ مِنَ التعاطف”[57].
- التعاطف بوصفه حالة من التعاقد السياسي بين الكيانات السياسية المسلمة:
ورد لفظ (التعاطف) -في (مكاتبات سياسية) منسوبة إلى القرن الرابع- ليعبر عن حالة من التعاقد السياسي القائم على الصلح بين الدول المسلمة، أو بين أجزاء منها. ذكر القلقشندي (ت821هـ) “مواصفة بالصلح”[58]. جرت بين شرف الدولة أبو الفوارس، وصمصام الدولة أبو كاليجار، ابنَي عضد الدولة أبي شجاع (ت372هـ)، كتبها أبو إسحاق الصابي (ت384هـ) “في إحكام معاقد الأخوة، وإبرام وثائق الألفة”[59]، فيها اتفاق وتعاهد على “التآلف والتّوازر، والتّعاضد والتّظافر…”[60]، لِأجل “ما دعاهما إليه ]والدهما[ من التعاطف والتآلف والتصافي والتخالص”[61].
ويقدَّم في هذه المكاتبات ما هو سياسي؛ بمعنى أن الصلح قد يُتطّلب بين أخوين، بما هما حاكمان يمثل كل منهما كيانًا سياسيًّا منفصلًا. فلا يحيل التعاطف في هذه المكاتبات إلا إلى معنى التعاقد السياسي، ويعبَّر عن هذا التعاقد في” بروتوكولات” المراسلات باستعمال مفردات اجتماعية أو نفسية؛ تحيل على صفاء القصد وخلوص النية، والتعاون والتآخي.
وفي هذا ما يُظهر أن (التعاطف) -بما هو ممارسة تعاقدية كسبية، سياسية أحياناً- موقف معاشي منفعي، بالمقام الأول، نفسي شعوري بالمقام الثاني، يُتكلف لأجل ما يتحقق به من منفعة مقصودة (عامة)، لا تقوم بروابط الدم وحدها.
ووصفت حالة التوافق السياسي هذه بـمفردات مثل:” اجتماع الشمل”، و” السلم”،” الائتلاف والاتفاق، المزيلة للخلاف والشقاق”، ولم أجد -فيما اطلعت عليه من هذه المكاتبات- ما يستعمل فيه لفظ (التعاطف) للتعبير عن حالة تعاقد سياسي مع كيانات سياسية (أو دول) من غير المسلمين؛ فلا يظهر (التعاطف) بمعنى التعاقد السياسي إلا مع الكيانات السياسية المسلمة، فإذا وقع صُلح بين كيانات سياسية غير مسلمة فلا يُستعمل لفظ (التعاطف) لوصف هذه الحالة -فيما وجدت في النصوص-.
رابعًا: (التعاطف) بوصفه حالة إيمانية:
يظهر (التعاطف)، بوصفه حالة إيمانية بين المؤمنين بعضهم مع بعض، متعلقًا بمواقف وممارسات عبادية يدعو إليها الدين ويحثهم عليها، أو بأحوال إيمانية تتحقق بينهم باجتماعهم على الدين. وفيما يأتي محاولة لرصد هذه الأعمال، والأحوال -حسبما ظهرت في النصوص-:
- التعاون على أعمال الإيمان:
يقع بين المؤمنين تعاطف يقودهم إلى التعاون على أعمال الخير والإيمان الذي يدعوهم إليه الدين، وتجعلهم تعاليم الدين، إذا هم اشتركوا في هذا الخير، كنفس واحدة. قال أبو حيان التوحيدي (ت400هـ):”وقال صلى الله عليه وآله:”الدَّالِّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ“[62]؛ هذا حثٌّ على الخير وتشبيهٌ لمن وطّأ الطريق إليه، ودلّ الطالب عليه بمن تفرّد بفعله، واشتراك بين مَن دَلّ وبين مَن قبِل ليقع التعاطف، ويعمّ التلاطف، وليكونوا كنفس واحدة”[63].
- الإعانة والتقوية بين المؤمنين بعضهم بعضًا:
يظهر (التعاطف) بين المؤمنين بوصفه حالة من الائتلاف والاجتماع، يتحقق بها التناصر بالمعتقد، بين المؤمنين، وتُسَدّ بها حالة الضعف المادي أو المعنوي الواقع أو المحتمل، ومن مظاهر هذه الحال: الرحمة والمودة بين المؤمنين، ويقابلها الشدة على الكفار، قال ابن عجيبة (ت1224هـ) “في حربهم”[64].
وفي تفسير آية:( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، [الفتح:29] يُفسَر لفظ “رحماء” عند كثير من المفسرين بـ:( متوادون)، و(متعاطفون)[65] ويفسَر هذا بتشبيه حالهم مع بعضهم بعضًا بحال الوالد مع ولده[66]، ويُفسَّر بحالهم مع الكفار: أنهم:” يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقه الرحمة والرأفة”[67].
ولم يرد -في التفاسير التي بين يدي- تفريق بين معاني الألفاظ الثلاثة: (التراحم) و(التواد) و(التعاطف) في تفسير هذه الآية، غير أنه ورد -في نصوص من القرن السابع- تفريق يُنسب إلى ابن أبي جمرة[68] (ت675هـ) يرجح وجود “فرق لطيف” بين معانيها: ويعرّف فيه (التعاطف) بقوله: “وأما التعاطف، فالمراد به: إعانة بعضهم بعضا كما يعطف طرف الثوب عليه ليقويه”[69]. فالتعاطف إذاً، هو حالة من الإعانة والتقوية بين المؤمنين، تتحقق باجتماعهم على الدين، الذي “نهاهم عن الافتراق والاختلاف وأمرهم بالاجتماع والائتلاف”[70].
كما يظهر (التعاطف) بين المؤمنين، منصرفاً إلى أحوال متلبسة بضعف في الناس: الكبير، والصغير، وذي الحاجة، والغريب، في نص ورد عند البغوي (ت510هـ)، فيه وصف لأصحاب النبي، عليه الصلاة السلام، في مجلسه بأنهم : “يتعاطفون فيه بالتقوى متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب”[71].
خامسًا: التعاطف) بوصفه ممارسة أخلاقية عامة داعيةً إلى الدين:
يظهر لفظ (التعاطف) للتعبير عن نوع من الممارسات الأخلاقية التي يدعو إليها الدين، ويمارسها المؤمن في تعامله مع الآخر، بالدافع الديني؛ أي: بوصفها ممارسات تمثّل القيم الأخلاقية الدينية وتؤلَّف القلوب على الدين، ومن هذه الممارسات -التي وردت مقترنة بالتعاطف- ما يأتي:
- التعاطف بكف الأذى والإعراض عن مكافأته:
ورد التعاطف متعلقًا بمعنى الإعراض عن مكافأة الإساءة مطلقًا، بما هي ممارسة دينية أخلاقية عامة. في تعليق للماوردي (ت450هـ) على حديث عائشة رضي الله عنها، حيث قالت: “مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلِمَةٍ ظُلِمَهَا قَطُّ مَا لَمْ تُنْتَهَكْ مَحَارِمُ اللَّهِ، فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ كَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا، وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا”[72].
وفي زيادة عند الماوردي: “وقد كان صلى الله عليه وسلم أحث الناس على الصفح والتعاطف.“[73].
ومن هذا القبيل أيضًا ما ذكره القرطبي (ت656هـ) في شرحه لحديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: “إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ مَجْلِسٍ وَبِيَدِهِ نِبَالٌ فَلْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا”، قَالَ أَبُو مُوسَى: ” فَوَاللهِ مَا مِتْنَا، حَتَّى سَدَّدَهَا بَعْضُنَا فِي وُجُوهِ بَعْضٍ”[74].
قال: “ذكر هذا في معرض التأسف على تغير الأحوال، وحصول الخلاف لمقاصد الشرع من التعاطف والتواصل، على قرب العهد وكمال الجد”[75].
وفي هذا ما يشير على اقتران دلالة (التعاطف) بكفّ يسير الأذى عن المسلمين.
- التعاطف بالاجتماع على نصرة المظلوم:
ورد لفظ (التعاطف) -في القرن السادس- ليحيل إلى معنى إقامة الحق ونصرة المظلومين مطلقًا، بما هي قيمة دينية أخلاقية، وبهذا المعنى تتسع دائرة التعاطف لتشمل غير المسلمين. في نص يفسر فيه السهيلي (ت581هـ) قول النبي صلى الله عليه وسلم عن (حلف الفضول):”وَلَوْ دُعِيت بِهِ الْيَوْمَ لَأَجَبْت”[76]، يقول:” يريد: لو قال قائل من المظلومين: يا لحلف الفضول لأجبت، وذلك أن الإسلام إنما جاء بإقامة الحق ونصرة المظلومين، فلم يزدد به هذا الحلف إلا قوة، وقوله عليه السلام: “وما كان من حلف في الجاهلية، فلن يزيده الإسلام إلا شدة” ليس معناه: أن يقول الحليف: يا لفلان لحلفائه، فيجيبوه، بل الشدة التي عُنِيَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما هي راجعة إلى معنى التواصل والتعاطف والتآلف، وأما دعوى الجاهلية، فقد رفعها الإسلام، إلا ما كان من حلف الفضول كما قدمنا، فحكمه باق، والدعوة به جائزة”[77].
- التعاطف بوصفه ممارسة تراحمية عامة تؤسس للاجتماع على التوحيد:
يظهر (التعاطف) بوصفه ممارسة أخلاقية عامة -بين الناس جميعًا تؤسس لأداء الواجبات الأخلاقية/الدينية- بين الناس في معاملاتهم-، بوصفها الأساس الأخلاقي المؤسس لرابطة التوحيد والداعي إلى الاجتماع على الدين. ويظهر هذا التداخل، بين الديني والأخلاقي، في تفسير البقاعي (ت885هـ) لسورة (النساء)، يقول:” لما تقرر أمر الكتاب الجامع الذي هو الطريق، وثبت الأساس الحامل الذي هو التوحيد، احتيج إلى الاجتماع على ذلك، فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع والتواصل والتعاطف والتراحيم ]كذا[، فابتدأت بالنداء العام لكل الناس، وذلك أنه لما كانت أمهات الفضائل -كما تبين في علم الأخلاق أربعًا: العلم، والشجاعة، والعدل والعفة … جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين الباقيتين، وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين الأخريين حسبما تدعو إليه المناسبة، وذلك مثمر للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على طاعة الدّيان، فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب المبين، وما أحسن ابتداءها بعموم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، [النساء:1] بعد اختتام تلك بخصوص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) [آل عمران:200]” [78].
فممارسات التكافل والتعطف على الضعاف جُعلت ضرورة أخلاقية معاشية، تؤسس لاجتماع الناس على التوحيد، أو العكس: بأن يكون الأمر الديني -الموجه للناس جميعًا- بتقوى الله “(الذي) جَعل بينكم غاية الوصلة لتراعوها ولا تضيعوها، وذلك أنه (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [النساء:1]، هي أبوكم آدم عليه الصلاة والسلام”[79]، أساساً للقيام بالواجبات الأخلاقية بين الناس عامة.
سادساً: التعاطف بوصفه ممارسة دعوية
ظهر (التعاطف) بوصفه ممارسة بين المؤمنين، متوجهةٌ إلى دعوة غيرهم إلى الدين، تتمثل في إظهار التعاطف بين المؤمنين، تأليفاً لغيرهم على الدين، وفيما يأتي ممارساتها -حسبما ظهرت في النصوص-:
- التناصر بين المؤمنين سبب يدعو غيرهم إلى اعتناق الإسلام:
في نص من القرن الخامس يظهر بُعد يصلح أن يوصف بأنه دعوّي للتعاطف والتناصر بين المؤمنين، باعتبار أن هذا السلوك داع غير المسلم إلى الإيمان. يقول الواحدي (ت 468هـ) في تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) ]الأنفال:73[: “وذلك أنه إذا لم يتول المؤمن المؤمن توليًا يدعو غيره ممن لا يكون مؤمنا إلى مثل ذلك لحسن التواد والتعاطف، ولم يتبرأ من الكافر بما يصرفه عن كفره أدى ذلك إلى الضلال، وكذلك في التناصر، وذلك أن المسلمين كانوا قليلًا، ولم يكن مسلم إلّا وله أقارب من الكفار فإذا هجر أقاربه الكفار، ونصر أقاربه المسلمين كان ذلك أدعى إلى الإسلام وترك الكفر لأقاربه الكفار”[80].
وفيه إشارة على انزياح في دوائر التعاطف والتناصر؛ من علاقة النسب إلى علاقة الدين، بقصر التعاطف والتناصر على أصحاب الدين أو لأجل الدين.
- إظهار (التعاطف) تأليفا لغير المسلم على الدين:
أورد البقاعي (ت 885هـ) فعلاً من السيرة النبوية (في موقف النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته على عبدالله بن أُبيّ ابن سلول)، وفسّر -هذا الفعل النبوي من التعطّف (وهو إظهار العطف) على الميت- بما قد يتحقق به من غاية إيمانية دعوية في الأحياء؛ هي دعوة المسلمين إلى التعاطف فيما بينهم، ودعوة غيرهم إلى الإسلام. قال البقاعي:”تطييبًا لخاطر ابنه الرجل الصالح، ودفعًا لما قد يتوهمه من إحنة عليه، وتأليفا لغيره. فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: “إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب”، فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ففي بعض الروايات أنه هو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفنه في قميصه. وتعطفه عليه، أدعى إلى تراحم المسلمين وتعاطف بعضهم على بعض”[81].
سابعاً: (التعاطف) بوصفه حالة من التآلف بين المؤمنين يوم القيامة:
تحيل بعض التفاسير -في القرن السادس الهجري- إلى (التعاطف) بوصفه حالة من التواصل والتآلف بالأعمال بين المؤمنين يوم القيامة، تقابلها حالة “التقاطع” بين الأرحام، إذ “لا يعتد بالأنساب لزوال التعاطف والتراحم بين الأقارب”، يوم “التقاطع يقع بينهم حيث يتفرقون معاقبين ومثابين، ولا يكون التواصل بينهم والتآلف إلا بالأعمال”[82].
وفي تفسير قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ)، [يونس:45] يورد القرطبي (ت671هـ) قولاً منسوبًا للضحاك (ت64هـ) يصف فيه هذا التعارف بأنه” ذَلِكَ تَعَارُفُ تَعَاطُفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْكَافِرُونَ لَا تَعَاطُفَ عَلَيْهِمْ”[83]، إذْ تعارفهم “تعارف توبيخ وافتضاح”[84] كما وُصف في قول منسوب للكلبي (ت146هـ)، في مقابل تعارف المؤمنين؛ الذي هو “تعارف شفقة ورأفة وعطف”.[85].
ويلاحظ أن لفظ (التعاطف) هنا يُستعمل للتعبير عن تعارف المؤمنين دون غيرهم، فلا يوصف تعارف الكافرين يوم القيامة بالتعاطف، وكذلك لا يوصف اجتماع أهل الضلالة بالتعاطف -كما تُظهر النصوص-، وإنما يُسند إليهم فعل الاجتماع، بينما يُوصف المؤمنون وإخوة النسب بالتعاطف، على أنهم جميعاً (المؤمنين، وأصحاب الضلالة) سُمُّوا إخوانًا.
يقول الجصَّاص الحنفي (ت370هـ): “قوله تعالى:( وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ)، [الأعراف: 202] قال الحسن [ت110هـ]، وقتادة [ت117هـ]، والسدي [ت127هـ]: إخوان الشياطين في الضلال يمدهم الشيطان. وقال مجاهد (ت104هـ) إخوان المشركين من الشيطان، وسماهم إخوانًا؛ لاجتماعهم على الضلالة، كالإخوة من النسب في التعاطف به، وحنين بعضهم إلى بعض لأجله، كما سمى المؤمنين إخواناً بقوله تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، [الحجرات:10]، لتعاطفهم وتواصلهم بالدين”[86].
ويصف البقاعي (ت885هـ) حالة الاجتماع عند الكافرين والمنافقين بـ”اجتماع الدفاع”، نافيًا عنهم حالة التعاطف الحقيقي، واصفًا حالهم بـ”التعاطف الظاهر”، و”الاتفاق الذي يخيل الاجتماع” معللًا ذلك بـ”اختلاف الأهواء”، و”تنافر القلوب واختلافها”، فهم في حالة من الاجتماع ليست ناشئة عن اجتماع القلوب، فلا يوصف اجتماعهم بالتعاطف[87]، يقول: “ولما كانت علة الشدة الاجتماع، شرح حالتي الشدة والرهبة بقوله، مخاطبًا للنبي صلى الله عليه وسلم، إشارة إلى شدة ما يظهرون من ألف بعضهم لبعض:” تحسبهم” أي اليهود والمنافقين -يا أعلى الخلق، ويا أيها الناظر- من كان [كذا] ذلك التعاطف الظاهر “جميعًا”، لما هم فيه من اجتماع الدفاع، وعن ذلك نشأت الشدة، “وقلوبهم شتى”؛ أي: مفترقة أشد افتراق، وعن ذلك نشأت الرهبة. وموجب هذا الشتات اختلاف الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل … ولما كان السبب الأعظم في الافتراق ضعف العقل، قال معللًا:” ذلك” أي الأمر الغريب من الافتراق بعد الاتفاق الذي يخيل الاجتماع “بأنهم قوم” أي مع شدتهم “لا يعقلون، فلا دين لهم”[88].
ثامناً: (التعاطف) بوصفه ممارسة فكرية:
يظهر (التعاطف) بما هو موقف يتجسد في ممارسات إعمال الفكر، مع الآخر في حال الاختلاف في قضية من القضايا، أو رأي من الآراء، مع وجود غاية عقدية إيمانية مشتركة، ويتمثل هذا الموقف في ممارسات أو معانٍ بيانها فيما يأتي:
- (التعاطف) معبّراً عن اتفاق الغاية التعبدية من النشاط الفكري/ العقدي بين المجتهدين:
يظهر لفظ (التعاطف) -في القرن الثامن الهجري- عند الشاطبي (ت790هـ)؛ ليحيل إلى حالة من اتفاق القصد، عند المجتهدين في مسائل الخلاف، إذا هم اختلفوا في النظر الفكري مع اجتماعهم على طلب قصد الشارع، تجعل من هذا التعارض في النظر حالة الموالاة والتعاطف، ويحاجج الشاطبي بأنَّ ما يظهر من التعارض ليس تعارضًا في الحقيقة؛ لأن أصله راجع إلى غاية تعبدية واحدة، ليس يحيد عنها أحد المجتهدين، وهذا كفيل بوصف هذا النشاط -باعتبار غايته الدينية، لا مظهره الفكري- تعاطفًا؛ وذلك “لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع، فاختلاف الطرق غير مؤثر”.
يقول الشاطبي: “ومن هنا يظهر وجه الموالاة والتحاب والتعاطف فيما بين المختلفين في مسائل الاجتهاد، حتى لم يصيروا شيعًا ولا تفرقوا فرقًا؛ لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع، فاختلاف الطرق غير مؤثر، كما لا اختلاف بين المتعبدين لله بالعبادات المختلفة … فكذلك المجتهدون لما كان قصدهم إصابة مقصد الشارع صارت كلمتهم واحدة وقولهم واحدًا”[89].
- (التعاطف) بوصفه أثراً من آثار الالتزام بآداب النشاط الفكري/العقدي:
وجه آخر من وجوه (التعاطف) في النشاط الفكري يتحقق بالالتزام بآداب المناظرة: ذكره ابن الوزير (ت840هـ) فيما وصفه بـ” آداب بين المتناظرين” أهمية إنصاف الخصوم الفكريين بنقل نص كلامهم عند نقده، ووصف أن مذهب النقاد في أن يحكوا مذاهب الخصوم بالمعنى فيه” شوب من الظلم”، وعلل ذلك، ثم ذكر أن هذه الممارسات [عدم نقل كلام الخصوم بالمعنى عند نقده] مؤدية بها إلى العدل، الذي يتأتى به التعاطف:” المذهب الثاني من مذاهب النقاد في نقض كلام الخصوم: أن يحكوا مذاهبهم بالمعنى، وفي هذا المذهب شوب من الظلم، … وهذه الأمور [وإن] لم تكن مظالم شرعية، وحقائق حسيّة، فهي آداب بين المتناظرين رائقة، ولطائف بين المتأدبين لائقة، ومراق إلى العدل والتناصف، ودواع إلى الرفق والتعاطف، وكل ما خالفها من الأساليب فارق حظه من هذه الآداب الحسان”[90].
تاسعاً: (التعاطف) بوصفه ممارسة قولية:
يظهر في القرن التاسع الهجري التعاطف بوصفه ممارسة تتحقق بالقول -كما بالفعل-، ويُعدّ السلام والشفاعة (وهما ممارستان قوليتان) من أعظم أسباب التعاطف. يقول البقاعي (ت885هـ) في تفسيره لآية (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)، [النساء:86]”وما أحسن جعلها تالية لآية الجهاد إشارة إلى أن مَن بذل السلام وجب الكف عنه ولو كان في الحرب، على أن من مقتضيات هاتين الآيتين أن مبني هذه السورة على الندب إلى الإحسان والتعاطف والتواصل، وسبب ذلك إما المال وقد تقدم الأمر به في قوله تعالى:( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ)، [النساء:8] وإما غيره ومن أعظمه القول؛ لأنه ترجمان القلب الذي به العطف، ومن أعظم ذلك الشفاعة والتحية”[91][92].
وبعد، فها قد وصلنا إلى نهاية هذه الرحلة، مع لفظ (التعاطف) عبر اثني عشر قرنًا من الزمان. وفيما يأتي خاتمة فيها أهم النتائج.
الخاتمة
إذا نظرنا إلى النصوص -في الحقبة محل الدراسة-، نجد أن (التعاطف) قد ورد في النصوص العربية، منذ القرن الأول الهجري، وعبّر، في الاستعمال، عن عدة معانٍ، من أبرزها – كما أظهرت العينة – :
- نوع من السلوك التواصلي الغريزي، بين أجناس الخلائق، بدافع الرحمة الإلهية، وورد هذا المعنى في نصوص من السنة النبوية.
- نوع من الحركة (التي تتضمن الميل)، تشمل: الالتفاف، التوشح والاشتمال، الانثناء والميل، الاجتماع والمعاودة، وهذه المعاني منها ما بمعناه الحقيقي، ومنها ما ورد بالمعنى المجازي (كالميل النفسي)، ومنها: ما ورد مسنداً إلى الملائكة، ومنها ما ورد مسنداً للإنسان، في بعض تدابيره كالحرب والمكيدة فيها، وغيرها.
- نوع من السلوك الفاعل (فيه معنى التضامن غالباً)، يقع- في كثير من الأحيان- بوجود رابطة سابقة على فعل (التعاطف)؛ بوصفه -بوصفه فعل كسبي تعاقدي- بين أفراد جماعةٍ واحدة، تربطهم رابطة، من دمٍ، أو مصاهرةٍ، أو مهنةٍ، أو محلٍّ، أو معتقدٍ، أو غيرها، أو بوجود موقف فكري مقصود من الممارسة. ومن هذه الممارسات:
- التعاطف برابطة المصاهرة بين الأقارب (القرن الأول)، وبالمواساة بالمال بين أهل المدينة الواحدة (القرن الثاني)، وبالتضامن المالي بين أهل المهنة الواحدة (القرن الثالث)، وبالنفقة على المحتاج من الأقارب ومن في حكمهم (القرن الرابع)، وبالتكافل بين الأرحام (القرن الخامس)، وغيرها.
- التعايش بين الناس في المجتمع السياسي الواحد، بوصفه (أي: التعايش) حالة من التواصل الضروري تتحقق بها للنافع مصالح المعاش، وتقوم على حالة من الانتظام المُلزم للأفراد (القرن الثالث والرابع والخامس)، يتحقق بسلطة سياسية تقيم العدل (القرن العاشر).
- نوع من العاطفة والشعور القلبي (مثل: الحنان، والعطف، والرقة) الذي يتحقق به فعل التواصل ولوازمه، ويتمثل بممارسات معبّرة عن هذه العاطفة.
- حالة من حالة من التعاقد السياسي بين الكيانات المسلمة (القرن التاسع).
- حالة إيمانية، متعلقة بمواقف وممارسات عبادية يدعو إليها الدين ويحثهم عليها، أو بأحوال إيمانية، تتمثل في ممارسات وأحوال منها:
- التعاون على أعمال الإيمان (القرن الخامس)، وإعانة المؤمنين وتقويتهم (القرن الثاني عشر).
- ممارسة أخلاقية عامة، يدعو إليها الدين، ويمارسها المؤمن في تعامله مع الآخر، الديني ومنها: لاجتماع على نصرة المظلوم (القرن السادس والتاسع)، والسلام والشفاعة (القرن التاسع).
- حالة من تطَلّب الحق (بمعناه الديني) في النشاط الفكري/العقدي، جاء في عدة صور منها: اتفاق الغاية التعبدية في الوصول لمقصد الشارع، بين المجتهدين (القرن الثامن)، والالتزام بآداب المناظرة بينهم (القرن التاسع)
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
([1]) أوحى إلي بهذه العبارة مدخلُ د. عزمي بشارة في بحثه. بشارة، عزمي: “الإرهاب: بموجب هوية الفاعل أم بموجب هوية الضحية؟”، سياسات عربية، العدد 29، (نوفمبر 2017، ص 7-19).
([2])Lanzoni, Susan M. Empathy: A History. Yale University Press, 2018, p. 8.
([3]) Solomon, Robert C. True to Our Feelings: What Our Emotions Are Really Telling Us. Oxford University Press, 2007, p. 157.
([4]) Scheer, Monique. “Are Emotions a Kind of Practice (And Is That What Makes Them Have a History)? A Bourdieuian Approach to Understanding Emotion.” History and Theory, vol. 51, no. 2 (May 2012, pp. 193-220. https://www.jstor.org/stable/23277639-p. 193.
([7]) النيسابوري، أبو الحسن مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، ج1، بدون طبعة، القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1955، ص2108. (حديث 2752). وقد ذكر الإمام الهروي استنتاجًا لحكمة التخصيص بالأولاد، فقال: “وَلَعَلَّ التَّخْصِيصَ بِالْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَاطُفَ فِيمَا بَيْنَهَا حَتَّى لَا تَعْطِفَ أَوْلَادُهَا عَلَى وَالِدَيْهَا، وَلَعَلَّهَا مَوْجُودَةٌ فِيهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ:” أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ”، ومن قوله تعالى: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار) ]البقرة:74[، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاس ظُهُورُ النَّبَاتَاتِ، وَخَوَاصُّ الْأَشْيَاءِ، وَالْمُتْعَةُ بِالنَّارِ، وَالْهَوَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ”. الهروي، علي بن سلطان القاري: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج4، ط1، بيروت: دار الفكر، 2002، ص1639. (حديث 2365).
([8]) المروزي، عبدالله بن المبارك: الزهد، تحقيق: حبيب الأعظمي، ط2، بيروت: دار الكتب العلمية، 2004، ص268. (حديث 893).
([9]) ابن أبي الدنيا، أبو بكر عبدالله بن محمد: حسن الظن، تحقيق: مخلص محمد، ط1، الرياض: دار طيبة، 1988، ص 120. (حديث 145).
([10]) “قوله: ” فبها يتعاطفون”؛ أي: يوصل الرأفة والشفقة بعضهم إلى بعض، (التعاطف) مثل التراحم؛ يعني: كل راحة ورحمة تصل من آدمي إلى آدمي أو من جن إلى جن، أو من حيوان إلى آخر من جنسه أو غير جنسه”. الزيداني، الحسين بن محمود: المفاتيح في شرح المصابيح، تحقيق: لجنة من المحققين، ج3، ط1، الكويت: دار النوادر: 2012، ص195. (حديث 1693).
([11]) البغدادي، أحمد بن علي: المتفق والمفترق، تحقيق: محمد الحامدي، ج1، ط1، دمشق: دار القادري، 1997، ص441-440. (حديث 196).
([12]) ابن الجراح، وكيع : الزهد، تحقيق: عبدالرحمن الفريوائي، ط1، المدينة المنورة: مكتبة الدار، 1984، ص815. (رقم 503).
([13])لا يتعارض إيراد هذا مع ما ذكرته في منهج البحث بعدم التعرض للألفاظ غير العربية، لأنه قيل بلغة العرب وعلى لسان صحابي، ولم يرد مترجما، فيعامل على أنه أثر من آثار الصحابة.
([14]) النص بتمامه: ” عَنْ سَلْمَانَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، [الأنعام:54] أَنَّ سَلْمَانَ قَالَ: إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، ثُمَّ خَلَقَ أَوْ جَعَلَ مِائَةَ رَحْمَةٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ، ثُمَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَوَضَعَ بَيْنَهُمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، وَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً “قَالَ: “فَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَبَاذَلُونَ، وَبِهَا يَتَزَاوَرُونَ، وَبِهَا تَحِنُّ النَّاقَةُ، وَبِهَا تَنْئِجُ الْبَقَرَةُ، وَبِهَا تَثْغُو الشَّاةُ، وَبِهَا تَتَابَعُ الطَّيْرُ وَبِهَا تَتَابَعُ الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ تِلْكَ الرَّحْمَةَ إِلَى مَا عِنْدَهُ، وَرَحْمَتُهُ أَفْضَلُ وَأَوْسَعُ”. الصنعاني، عبدالرزاق بن همام، تفسير عبدالرزاق، تحقيق: محمود عبده، ط1، ج2، بيروت: دار الكتب العلمية، 1998، ص41. (رقم 774).
([16]) ذكر د.عبداللطيف الخطيب عدة معاني لصيغة تفاعَل، منها: المشاركة: وهي ما يكون للاشتراك في الفاعلية، وفي الفاعلية والمفعولية معًا، مثل: تضاربنا، وتنازعنا الحديث، ومعنى (فعَل)، مثل: توانيت، وتعاطيت، والتكلف:” ومعناه أن يظهر الفاعلُ أنه متصف بصفة وهي ليست له على الحقيقة”، وتجاهل وتغافل، والقصد والطلب، والرَوْم: مثل: تقاربت من الشيء، أي: رمت القرب، والمطاوعة (فاعِل): مثل: باعدته فتباعد…. الخطيب، عبداللطيف محمد: المستقصى في علم التصريف، ج1، ط1، الكويت: مكتبة دار العروبة، 2003، ص354.
([17]) تحيل مادة (عطف) -في كثير من ألفاظها الاشتقاقية- إلى معنى الميل والانثناء، والذي يعنينا في هذا البحث، المعنى الذي عبّر عنه اللفظ إذا ورد بصيغ (التعاطف)؛ مثل: تعاطُف، وتعاطَفَ، ونحوها.
([18]) ابن حنبل، أبو عبدالله أحمد بن محمد: مسند ابن حنبل، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرين، ج22، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001، ص447. (حديث 14594).
([19]) الحاكم، محمد بن عبدالله: المستدرك على الصحيحين، تحقيق: محمد عطا، ج1، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1990، ص678. (حديث 1841)، وقد ورد الحديث في بعض كتب السنة الأخرى بلفظ:” ينعطفن“.
([20]) ابن سلام، أبو عبيد القاسم: غريب الحديث، تحقيق: حسين شرف، ج2، ط1، القاهرة: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، 1984، ص412. (حديث 245).
([21]) “العِطف: المنكب”، “والعُطوف: الآباط”. ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، ج9، ط3، بيروت: دار صادر، 1993، ص255، (مادة: عطف).
([23]) روي بألفاظ عدة، قال البخاري: “العكارون، أي: الكرارون على الحرب، والعطافون نحوها”. البخاري، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل: الأدب المفرد، تحقيق: سمير الزهيري، ط1، الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 1998، ص541. (حديث 972). ورد الحديث، بالرواية الأولى، في: الترمذي، محمد بن عيسى: السنن، تحقيق: أحمد شاكر وآخرين، ج4، ط2، القاهرة: مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1975، ص215. (حديث 1716). وورد لفظ “الكرارون”، مع اختلاف في ألفاظ الحديث في مسند البزار. البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو: مسند البزار، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، ج12، ط1، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 2004، ص8. (حديث 5368).
([24]) الخطيب الشربيني، محمد بن أحمد: السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، ج1، بدون طبعة، القاهرة: المطبعة الأميرية، 1868. ص561.
([25]) السراج المنير، ج1، ص561.
([26]) “Are Emotions a Kind of Practice?”, p. 198.
([27]) “Are Emotions a Kind of Practice?”, p. 200.
([28])“Are Emotions a Kind of Practice?”, p. 209.
([29]) جاء في وصية عمرو بن يزيد الكلبي لبنيه: “أوصيكم بتقوى الله، وبرّ الرحم، والحفظ للعيال، والإحراز للحرم، ولا تحاسدوا فتذلّوا، ولا تواكلوا فتفشلوا، تعاطفوا يصلب عودكم، وتقاربوا، وتحابّوا يظهر حزمكم …”. السجستاني، سهل بن محمد: المعمرون والوصايا، تحقيق: عبدالمنعم عامر، بدون طبعة، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1961، ص128-129.
([30]) ابن الجوزي، عبدالرحمن بن علي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: محمد عطا ومصطفى عطا، ج6، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1992، ص283.
([31]) مَنْبِج: مدينة في بلاد الشام. ينظر: الحموي، ياقوت بن عبدالله: معجم البلدان، ط2، ج5، بيروت: دار صادر، 1995، ص205.
([32]) البلاذري، أحمد بن يحيى: جمل من أنساب الأشراف، تحقيق: سهيل زكار ورياض الزركلي، ج10، ط1، بيروت: دار الفكر، 1996، ص226.
([33]) الجاحظ، أبو عثمان، عمرو بن بحر: الرسائل، ، تحقيق: عبدالسلام هارون، ج2، بدون طبعة، القاهرة: مكتبة الخانجي 1965، ص199- 200.
([34]) رسائل الجاحظ، ج2، ص 200-201.
([35]) ابن جعفر، أبو الفرج قدامة: نقد الشعر، ط1، قسطنطينية: مطبعة الجوائب، 1884، ص28.
([36]) أورد الخليل بن أحمد شاهدًا عن أبي وجزة السعدي (ت130هـ):
“العاطفون تحين لا من عاطفٍ والـمُطعِمون زمان لا مِن مُطعِم”
الفراهيدي، الخليل بن أحمد: العين، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، ج8، بدون طبعة، بيروت: دار ومكتبة الهلال، بدون تاريخ، ص369.
([37]) ابن عطية، عبدالحق بن غالب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج4، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 2001، ص456.
([38]) الماوردي، علي بن محمد: الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، تحقيق: علي معوض وعادل عبدالموجود، ج12، ط1 بيروت: دار الكتب العلمية، 1999، ص342.
([39]) اللخمي، علي بن محمد الربعي: التبصرة، تحقيق: أحمد نجيب، ج6، ط1، قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2011، ص2560.
([40]) وعُبر بـ(التعاطف) عن المشاكلة بالطبع الحاصلة بالنسب، ووصف هذا التشاكل بـ(الميل): “فَإِذَا انْتَهَى إِلَى زَمَانِ الِانْتِسَابِ قِيلَ لَهُ: انْتَسِبْ إِلَى أَحَدِهِمَا بِطَبْعِكَ الْمَائِلِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْأَنْسَابَ تَتَعَاطَفُ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-أَنَّهُ قَالَ:” إِنَّ الرَّحِمَ إِذَا تَمَاسَّتْ تَعَاطَفَتْ””. الحاوي الكبير، ج18، ص224. والحديث ذكره الماوردي وعقَّب عليه قائلا:” ولذلك حفظت العرب أنسابها لما امتنعت بها عن سلطان يقهرها ويكف الأذى عنها لتكون به متظافرة على من ناوأها، متناصرة على من شاقها وعاداها، حتى بلغت بألفة الأنساب وتناصرها عز القويّ الأيّد، وتحكمت فيه تحكم المتسلط المتشدد”. الماوردي، علي بن محمد: أدب الدنيا والدين، ط1، بيروت: دار المنهاج، 2013، ص241.
([41]) الجاحظ، عمرو بن بحر: المحاسن والأضداد، تحقيق: محمد سويد، ط2، بيروت: دار إحياء العلوم، 1998، ص66.
([42]) ورد البيت بلفظ: “إِذَا نَزَوَاتُ أحدثت]عند[ بَيْنَنَا عتاباً تراضينا وعاد التعاطف”
في: ابن المظفر، محمد بن الحسن: حلية المحاضرة في صناعة الشعر، تحقيق: جعفر الكتاني، ج1، طبعة وزارة الإعلام، الجمهورية العراقية: دار الرشيد للنشر، 1979، ص376. وورد البيت بألفاظ عدة، وبلفظ: “وعاد العواطف” في أكثر من مصدر، منها: جمل من أنساب الأشراف، ج5، ص460. ونسبه ابن ميمون إلى هدبة بن الخشرم. يُنظر: ابن ميمون، محمد ابن المبارك: منتهى الطلب من أشعار العرب، تحقيق: محمد طريفي، ج8، ط1، بيروت: دار صادر، 1999، ص215.
([43]) “قال: وأوّل من قاله زرارة بن عدس التميمي” (ت558م). ابن سلام، أبو عبيد القاسم: الأمثال، تحقيق: عبدالمجيد قطامش، ط1، دمشق: دار المأمون للتراث، 1980، ص139.
([44]) ابن فورك، محمد بن الحسن: تفسير ابن فورك، تحقيق: علال بندويش، ج1، ط1، مكة: جامعة أم القرى، 2009، ص424.
([45]) الزيداني: المفاتيح في شرح المصابيح، ص237.
([46]) الإسكافي، محمد بن عبدالله: درة التنزيل وغرة التأويل، تحقيق: محمد آيدين، ج1، ط1، مكة: جامعة أم القرى، 2001، ص1043.
([47]) قال ابن تيمية: “المناكحة في أصل اللغة المجامعة والمضامة، فقلوبهما تجتمع إذا عقد العقد بينهما ويصير بينهما من التعاطف والتراحم ما لم يكن قبل ذلك، حتى تثبت بذلك حرمة المصاهرة في غير الربيبة لمجرد ذلك، والتوارث وعدة الوفاة وغير ذلك”. ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم: مجموع الفتاوى، تحقيق: عبدالرحمن بن قاسم، ج15، بدون طبعة، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2004، ص326. ويظهر لي أن في تعبيره دلالة واضحة على أن التعاطف متعلقٌّ فعل ظاهر، أو أن التعاطف نفسه يُفسّر بفعل أو سلوك ظاهر. فانظر إلى تعليقه اجتماع القلوب على مجرد عقد العقد، الذي على إثره يحصل التواصل الذي به يكون التعاطف.
([48]) ورد تفسير: (المودة) بالجماع، و(الرحمة) بالولد، منسوبًا إلى الحسن: “وعن الحسن رضى الله عنه: (المودة) كناية عن الجماع، و(الرحمة) عن الولد”. الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ج3، ط3، القاهرة: دار الريان للتراث، وبيروت: دار الكتاب العربي، 1987، ص473.
([49]) العليمي، مجبر الدين بن محمد: فتح الرحمن في تفسير القرآن، تحقيق: نور الدين طالب، ج5، ط1، الكويت: دار النوادر، 2009، ص279.
([50]) الزرقاني، محمد بن عبدالباقي: شرح الزرقاني على مختصر خليل، تحقيق: عبدالسلام هارون، ج7، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 2002، ص198. وفي النص تفصيل، وألحق بالزوجين الأقارب.
([51]) “يقال: فلان عاكف على فرج حرام”. لسان العرب، ج9، ص255، (مادة: عكف).
([52]) المحبي، محمد أمين بن فضل الله: نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة، تحقيق: عبدالفتاح الحلو، ج2، ط1، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1968، ص163-164.
([53]) رسائل الجاحظ، ج1، ص103-104.
([54]) المقدسي، مطهر بن طاهر، البدء والتاريخ، ج1، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1997، ص7-8.
([55]) ابن حزم، علي بن أحمد: الرسائل، تحقيق: إحسان عباس، ج3، ط1، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981، ص134.
([56]) الماوردي، علي بن محمد: تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك، تحقيق: محيي هلال السرحان وحسن الساعاتي، بدون طبعة، بيروت: دار النهضة العربية، 1981، ص183.
([57]) الماوردي، علي بن محمد: الأحكام السلطانية، بيروت: دار الحديث، تحقيق: أحمد جاد، بدون طبعة، القاهرة: دار الحديث، 2006، ص57.
([58]) القلقشندي، أحمد بن علي: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، تحقيق: محمد شمس الدين، ج14، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1987، ص105.
([62]) مسند أحمد، ج 37، ص44. (حديث 22360).
([63]) التوحيدي، أبو حيان علي بن محمد: البصائر والذخائر، تحقيق: وداد القاضي، ج7، ط1، بيروت: دار صادر، 1988، ص219.
([64]) ابن عجيبة، أحمد بن محمد: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، تحقيق: أحمد القرشي رسلان، ج5، بدون طبعة، القاهرة: د. حسن عباس زكي، القاهرة، 1998، ص408.
([65]) منهم: ابن عادل، عمر بن علي: اللباب في علوم الكتاب، تحقيق: عادل عبدالموجود وعلي معوض، ج17، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1998، ص513. البغوي، الحسين بن مسعود: معالم التنزيل، تحقيق: محمد النمر وآخرين، ج7، ط1، الرياض: دار طيبة، 1989، ص323.
الثعلبي، أحمد بن محمد: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، تحقيق: أبو محمد بن عاشور، ج9، ط1، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2002، ص65. الواحدي، علي بن أحمد: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: صفوان داوودي، ط1، دمشق: دار القلم وبيروت: الدار الشامية، 1994، ص1014.
([66]) اللباب في علوم الكتاب، ج17، ص513. ومعالم التنزيل، ج7، ص324.
([67]) الشوكاني، محمد بن علي: فتح القدير، ج5، ط1 دمشق: دار ابن كثير، وبيروت: دار الكلم الطيب، 1993، ص66.
([68]) ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني: فتح الباري بشرح البخاري، القاهرة: المكتبة السلفية، ج10، ط1، 1960-1970، ص439. (حديث 6009).
([69]) العيني، محمود بن أحمد: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج22، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 2001، ص167.
([70]) الطبري، محمد بن جرير: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: عبدالله التركي، ج5، ط1، القاهرة: دار هجر للطباعة والنشر، 2001، ص627.
([71]) البغوي، الحسين بن مسعود: الأنوار في شمائل النبي المختار، تحقيق: إبراهيم اليعقوبي، ط1، دمشق: دار المكتبي، 1995، ص347. (حديث457). وقد رويت العبارة بألفاظ عدة، منها: “يتفاضلون”، أو يتواصلون” في عدة مصادر، قبل البغوي وبعده، وورد لفظ “يتعاطفون” عند البغوي، وعند غيره.
([72]) الحميدي، عبدالله بن الزبير بن عيسى: مسند الحميدي، تحقيق: حسن الداراني، ج1، ط1، دمشق: دار السقَّا، 1996، ص287. (حديث 260). والأصبهاني، أحمد بن عبدالله: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج8، ط3، بيروت: دار الكتاب العربي، 1980، 126-127.
([73]) الماوردي، علي بن محمد: أعلام النبوة، بيروت: دار ومكتبة الهلال، ط1، 1988، ص159. (عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة).
([74]) مسند أحمد، ج32، ص348. (حديث19577).
([75]) القرطبي، أحمد بن عمر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، تحقيق: محيي الدين ميتسو وآخرين، ج6، ط1، بيروت ودمشق: دار ابن كثير ودار الكلم الطيب، 1996، ص602. (حديث 2526).
([76]) مسند البزار، ج3، ص235. (حديث 1024).
([77]) السهيلي، عبدالرحمن بن عبدالله: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية، ج2، ط1، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1991، ص82.
([78]) البقاعي، إبراهيم بن عمر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ج5، بدون طبعة، القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، 1984، ص171-172.
([80]) الواحدي، علي بن أحمد: التفسير البسيط، تحقيق: إبراهيم الحسن، ج10، ط1، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود، 2009، ص269. نسب الواحدي هذا القول إلى “أهل المعاني”، قال المحقق: “لم أجده في كتب أهل المعاني التي بين يدي …”. ومحل استشهادي بالنص هو الممارسة التي عُبِّر عنها بلفظ (التعاطف).
([81]) نظم الدرر، ج8، ص560. القصة ثابتة في العديد من المصادر، ومحل الاستشهاد بالنص هو دلالة التعاطف الذي أشار لها البقاعي. وورد كلام النبي عليه السلام بلفظ: “إِن قَمِيصِي لن يُغني عَنهُ من الله شَيْئا إذا كُفّن فيه، وَإِنِّي آمل أَن يدْخل فِي الْإِسْلَام كثير بِهَذَا السَّبَب” في: ابن أبي طالب، أبو محمد مكي: الهداية إلى بلوغ النهاية، تحقيق: مجموعة من الباحثين، ج4، ط1، الشارقة: كلية الشريعة بجامعة الشارقة، 2008، ص3084.
([82]) الطيبي، الحسين بن عبدالله: فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب، ج10، ط1، دبي: جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، 2013، ص628.
([83]) القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ج8، ط2، القاهرة: دار الكتب المصرية، 1964، ص348. يقول النيسابوري في تفسير قوله تعالى: “إخوانًا على سرر متقابلين”]الحجر:47[: “والمراد بالإخوة: إخوة الدين والتعاطف”. النيسابوري، الحسن بن محمد: غرائب القرآن ورغائب الفرقان، تحقيق: زكريا عميرات، ج4، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1995، ص222-223.
([84]) ابن أبي حاتم، عبدالرحمن بن محمد: تفسير القرآن العظيم، تحقيق: أسعد الطيب، ج12، ط3، مكة: مكتبة نزار الباز، 1998، ص537.
([85]) تفسير القرآن العظيم، ج12، ص537.
([86]) الجصاص، أحمد بن علي: أحكام القرآن، تحقيق: عبدالسلام شاهين، ج3، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1994، ص51.
([87]) “قال بعض الحكماء لابنه: يا بني، اقبل وصيتي وعهدي، عن ]كذا[ سرعة ائتلاف قلوب الأبرار، كسرعة اختلاط قطر المطر بماء الأنهار، وبعد قلوب الفجار من الائتلاف، كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها عَلَى أرى [كذا] واحد”. القالي، إسماعيل بن القاسم: الأمالي، ج1، ط2، القاهرة: دار الكتب المصرية، 1926، ص231. ولفظ التعاطف هنا ورد منفياً عن الفجار، ونفيه مُعلَّل بعدم اجتماع قلوبهم.
([88]) نظم الدرر، ج19، ص451-452.
([89]) الشاطبي، إبراهيم بن موسى: الموافقات، تحقيق: مشهور آل سلمان، ج5، ط1، القاهرة: دار ابن عفان، 1997، ص220.
([90]) ابن الوزير، محمد بن إبراهيم: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ج1، ط3، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1994، ص237.
([91]) وقال الأصبهاني: “لفظ التحية صار كناية عن الإكرام، فجميع أنواع الإكرام تدخل تحت لفظ التحية “. نظم الدرر، ج5، ص351.
([92]) نظم الدرر، ج5، ص351- 352.
* أصل الدراسة: المجلة العربية للعلوم الإنسانية
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
– ملحق –
الألفاظ التي اقترنت بألفاظ التعاطف في النصوص حسب القرون
تورد الجداول -أدناه- رصداً للألفاظ التي وردت مقترنة بألفاظ التعاطف في النصوص (المكتوبة)، مرتبةً زمانياً بحسب القرون. يظهِر العمود الأول في كل جدول لفظ (التعاطف) والألفاظ التي اقترنت به ووردت معه في النصوص، ويُظهر الصف الأول دوائر التعاطف ويُقصد بها -هنا-: الفئات التي أُسندت إليها أفعال التعاطف (والألفاظ التي اقترنت به) أو وقعت عليها.
وفيما يلي بعض الضوابط المتبعة والمحددات في رصد هذه الألفاظ وجدولتها:
- وردت الألفاظ في الجداول بصيغة مصادرها[1] (فإذا كان في النص، مثلاً، لفظ (يتراحمون) فيورد في الجدول بصيغة (تراحم). وإذا ورد في النصوص أكثر من مصدر للفعل (مثلاً: حب، محبة)، فإنها تذكر جميعًا.
- لا ترصد هذه الجداول إلا الألفاظ التي وردت مقترنة بلفظ (التعاطف) أو أحد مشتقاته.
- استبعد من الجداول ألفاظ التعاطف والألفاظ المقترنة بها إذا كانت تعبر عن معنى الحركة الجسدية (لأن هذه المعاني رصدت في البحث)، لأن المقصود هنا هو رصد الحقل الدلالي لمفهوم التعاطف من حيث هو شعور/موقف، ورُكِّز على الألفاظ تعبر عن علاقة فيها نوع من الاشتراك في أصل الفعل (وجود متعاطِف، ومتعاطَف معه، وموقف يقع فيه التعاطف).
- ترصد الألفاظ في الجداول بحسب موضع ورودها في الكتب (أي: بحسب زمن النص الذي وردت فيه، لا بحسب زمن القائل بالضرورة)[2]،
- إذا ورد نصٌ في أكثر من قرن، فإن ألفاظ التعاطف تذكر في كل قرن وردت فيه، وإن كانت قد وردت منقولةً عن نص سابق، لأن المقصود هو فحص حضور هذه الألفاظ في النصوص، وتداولها، زمانياً وذلك يكون برصدها حيثما وردت -كما أسلفنا أعلاه-.
القرن الثالث
| الألفاظ | دوائر الفعل | ||||
| الخلائق | الأرحام | الأغنياء والفقراء في مدينة واحدة | أهل الصناعات | القلوب والأرواح والنفوس | |
| تراحم | + | ||||
| تعاطُف | + | + | + | – (الكتّاب) + | + |
| تحنن | + | ||||
| حنين | + | ||||
| عطف | + | ||||
| تبارّ | + | ||||
| تآسي | + | ||||
| ائتلاف | + | ||||
| مودة | + | ||||
| تقارب | + | ||||
| تحابّ | + | ||||
القرن الرابع
| الألفاظ | دوائر الفعل | |||||||
| الخلائق | الأرحام | أهل الصناعات | القلوب والأرواح والنفوس | الناس (المجتمع المسلم) | المؤمنون | الأزواج | الناس عموما | |
| تراحم | + | + | + | + | ||||
| تعاطُف | + | + | + | + | + | + | + | |
| تحنن | + | |||||||
| حنين | + | |||||||
| ائتلاف | + | + | ||||||
| تلاطف | + | |||||||
| تواصل | + | + | ||||||
| مصافاة | + | |||||||
| تباذل | + | + | ||||||
| مودة | + | + | ||||||
| تناصر | + | |||||||
| مؤازرة | + | |||||||
| تعضيد | + | |||||||
| تزاور | + | |||||||
| تراؤف | + | |||||||
| بر | + | |||||||
| مواساة | + | |||||||
| تعارف | + | |||||||
| شدّ | + | |||||||
| رأفة | + | + | ||||||
| رحمة | + | |||||||
القرن الخامس
| الألفاظ | دوائر الفعل | |||||||||
| الخلائق | الأرحام | بين الدول | الناس (المجتمع المسلم) | المؤمنون | الأزواج | الناس عموما | الوزير والناس | النفوس والقلوب | القلة | |
| تراحم | + | + | ||||||||
| تعاطُف | + | + | + | + | + | + | + سورة النساء | + | + | |
| تحنن | + | |||||||||
| ائتلاف | + | + يتصاحب الناس | ||||||||
| تواصل | + | + | + | |||||||
| مودة | + | |||||||||
| تناصر | + | |||||||||
| تعاضد | + | |||||||||
| تظافر | + | |||||||||
| توادّ | + | + | ||||||||
| تناصف | + | + | ||||||||
| ألفة | + | + | + | + | ||||||
| تولي | ||||||||||
| توازر | + | |||||||||
| صفح | + | |||||||||
| تماسك | + | |||||||||
| رقة | + | + | + | |||||||
| تصاحُب | + | |||||||||
| ذل | + | |||||||||
| رحمة | + | |||||||||
| ميل | + | + | ||||||||
| حنان | + | |||||||||
| مواساة | + | |||||||||
| شفقة | + | |||||||||
| عطف | + | |||||||||
| تزاور | + | |||||||||
| تباذل | + | |||||||||
| اتصال | + | |||||||||
| صلح | + | |||||||||
| وصلة | + | |||||||||
| تعاهد | + | |||||||||
| تعاقد | + | |||||||||
| التزام | + | |||||||||
| اتحاد | + | |||||||||
| اجتماع | + | |||||||||
القرن السادس
| الألفاظ | دوائر الفعل | ||||||
| الأرحام | المسيحيون | القلوب | المؤمنون | الأزواج | الوزير والناس | الناس | |
| تراحم | + | + | + | + | |||
| تعاطُف | + | + | + | + | + | ||
| تحنن | |||||||
| ائتلاف | + | + | |||||
| تواصل | + | + | + | ||||
| توادّ | + | + | + | ||||
| التناصف | + | ||||||
| صفح | + | ||||||
| تماسك | |||||||
| تآلف | + | + | |||||
| مواساة | + | ||||||
| تواضع | + | ||||||
| رأفة | + | ||||||
| رحمة | + | + | |||||
| إيثار | + | ||||||
| مودة | + | ||||||
القرن السابع
| الألفاظ | دوائر الفعل | |||||
| الخلائق | الأرحام | الدول أفراد السلطة السياسية | الناس )المجتمع المسلم) | المؤمنون | ||
| تراحم | + | + | + | |||
| تعاطُف | + | + | + | + | + | |
| تواصل | + | + | ||||
| توادّ | + | |||||
| تناصف | + | |||||
| مواساة | + | |||||
| بر | + | |||||
| تعارف | + | |||||
القرن الثامن
| الألفاظ | دوائر الفعل | ||||||||
| الخلائق | السلطة السياسية | قلوب | الناس (المجتمع المسلم) | المؤمنون | الأزواج | الناس عموما | المحبون | أصحاب المذاهب الفكرية الإسلامية | |
| تراحم | + | + | + | ||||||
| تعاطُف | + | + | + | + | + | + | + | + | |
| ائتلاف | + | ||||||||
| تواصل | + | + | + | ||||||
| توادّ | + | + | |||||||
| تناصف | + | ||||||||
| تآلف | + | + | |||||||
| مواساة | + | ||||||||
| تواضع | + | ||||||||
| رأفة | + | + | |||||||
| رحمة | + | + | |||||||
| إيثار | + | ||||||||
| تناصر | + | ||||||||
| بر | + | ||||||||
| ذل | + | ||||||||
| تعاون | + | ||||||||
| اتفاق | + | ||||||||
| شفقة | + | ||||||||
| راحة | + | ||||||||
| تعارف | + | ||||||||
| لطف | + | ||||||||
| ألفة | + | ||||||||
| تحاب | + | + | |||||||
| موالاة | + | ||||||||
| تراضي | + | ||||||||
| مودة | + | ||||||||
| لين | + | ||||||||
القرن التاسع
| الألفاظ | دوائر الفعل | ||||||||
| الخلائق | الأرحام | السلطة السياسية | المؤمنون | الأزواج | الناس عموما | المجتهدون – في مسائل الخلاف | النيات والصدور | المسيحيون | |
| تراحم | + | + | + | + | |||||
| تعاطُف | + | + | + | + | + | + | |||
| ائتلاف | |||||||||
| تواصل | + | + | + | ||||||
| توادّ | + | + | |||||||
| تناصف | + | ||||||||
| رأفة | + | + | |||||||
| رحمة | + | + | + | ||||||
| ذل | + | ||||||||
| معاونة | + | ||||||||
| شفقة | + | ||||||||
| تعارف | + | ||||||||
| ألفة | + | ||||||||
| تزاور | + | ||||||||
| تهادٍ | + | ||||||||
| ملاطفة | + | ||||||||
| معاونة | + | ||||||||
| مشاركة في الألم | + | ||||||||
| حنو | + | ||||||||
| عطف | + | ||||||||
| رقة | + | ||||||||
| إحسان | + | ||||||||
| رفق | + | ||||||||
| اجتماع | + | ||||||||
| تعاضد | + | ||||||||
| تآلف | + | ||||||||
| تصافي | + | ||||||||
| تخالص | + | ||||||||
| التوافق في التعب والراحة | + | ||||||||
| إعانة | + | ||||||||
| تقوية | + | ||||||||
| طاعة الأئمة | + | ||||||||
| رعاية الذمم | + | ||||||||
| صلة الرحم | + | ||||||||
| الصلاح الاستصلاح | + + | ||||||||
| الموافقة | + | ||||||||
| المطابقة | + | ||||||||
القرن العاشر
| الألفاظ | دوائر الفعل | ||||
| الخلائق | المؤمنون | الأزواج | المحاربون من المسلمين | ||
| تراحم | + | + | |||
| تعاطُف | + | + | + | + | |
| رحمة | + | ||||
| إيثار | + | ||||
| تواضع | + | ||||
| تواصي | + | ||||
| مودة | + | ||||
| ترازق | + | ||||
القرن الحادي عشر
| الألفاظ | دوائر الفعل | ||||
| الخلائق | الأرحام | المؤمنون | الأزواج | الأرواح والنفوس | |
| تراحم | + | + | |||
| تعاطُف | + | + | + | ||
| رحمة | |||||
| مودة | |||||
| تناصر | + | ||||
| ألفة | + | ||||
| تواد | + | ||||
| تواصل | + | ||||
| تسلية | + | ||||
| تألم | + | ||||
| ميلان | + | ||||
| تعطُّف | + | ||||
| تمايل | + | ||||
القرن الثاني عشر
| اللفظ | دوائر الفعل | |||
| الخلائق | المؤمنون | المتحابون (علاقة مثلية( | ||
| تراحم | + | + | ||
| تعاطُف | + | + | + | |
| رحمة | + | |||
| تعاكف | + | |||
| رأفة | + | |||
| تلازم | + | |||
| اتصال | + | |||
| ألفة | + | |||
| تعارف | + | |||
| محبة | + | |||
| حب | + | |||
| هوى | + | |||
| صداقة | + | |||
نصوص القرن الثالث عشر
| اللفظ | دوائر الفعل | ||||
| الخلائق | المؤمنون | الناس عموما | |||
| تراحم | + | + | |||
| تعاطُف | + | + | |||
| رحمة | + | ||||
| إيثار | |||||
| تواصل | + | ||||
| تواص | |||||
| مودة | |||||
| تواد | + | ||||
| تواضع | + | ||||
| ذل | + | ||||
| تباذل | + | ||||
| تزاور | + | + | |||
| إعانة | + | ||||
| تقوية | + | ||||
| تهادٍ | + | ||||
| لين | + | ||||
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
[1] ذهب البصريون إلى أن المصدر أصل المشتقات، على خلاف مع الكوفيين الذين ذهبوا إلى أن الفعل هو أصل المشتقات. وقد رصد د. عبد اللطيف الخطيب تفصيلاً لخّص فيه وجه الخلاف في المسألة، ثم بين رأيه في الخلاف فقال: “إنما هو خلاف معتبر فيه العلاقة المنطقية بين التصورات؛ إذ إن المصدر دال على حدثٍ صِرف، والفعل دالٌّ على حدث وزمن، وتقتضي القاعدة المنطقية أن البسيط يكون أصلاً للمركب، غير أن الخلاف بين الفريقين ينتهي عند التماس التعليل لبنية المشتق.” (المستقصى: 1/386)
[2] فإذا ورد حديث نبوي مثلاً -أو أثر، فإنه يوضع في الجداول بحسب القرن الذي وردت فيه ألفاظه منقولة فيه.



