غلاء أنس
فيما سبق، كانت عندي نظرية في أن من يتميز بفعل شيء ما، ويعترف به ويتحدث عنه، فإن في مقدوره فعل نقيضه، لأن خلق المسافة بين المرء وصفته، تسميتها والحديث عنها، تجعله في منأى عن الاندماج بها، وتجعلها خياراً ضمن الخيارات الكثيرة لديه، وتجعل له مُكنة التقرير وفقاً لحرية إرادته، من هنا في مقدوره اختيار غيرها (نقيضها) كما اختارها.
فإن اتصف أحدٌ بالانفعال الشديد تجاه السخرية من كونه قزماً (مثلاً)، تحدث عن هذا الانفعال، وصفه وأخبر الآخرين أنه عنده، فهو بذلك يقرُّ بأنه المالك لهذه الصفة، وأن بينه وبينها مسافة تمكِّنه من اختيارها أو اختيار غيرها، لهذا يمكنه بدرجةٍ من السهولة اختيار نقيضها، أي اللامبالاة تجاه سخرية أحدهم من كونه قزماً، أو مشاركة الآخر السخرية على نفسه من دون الشعور بالإهانة.
كنتُ أجد هذه النظرية البسيطة متعلقة بالتسمية والحديث إلى الآخر، فالتسمية تثبت الشيء ضمن المُلكيات، والحديث إلى الآخر عنها يُخرجها من ذهن المرء فتخف سطوتها عليه، فيعالجها خارجاً بمجرد الحديث ويمكِّنه ذلك من اختيار غيرها.
من الصحيح دائماً أن التسمية تُنسي المرء الشيء (بعبارة دولوز)، فهي تريحه من حيرته ودهشته وترميه في اليقين وراحة التصنيف. لا حاجة للتفكر في أمرٍ تمت تسميته. نجد أحد الأساتذة يسير في طريق ريفي مع زوجته الفنانة، فإذا بهما يمرَّان بزهرة جميلة يراها لأول مرة، فسألها عن اسمها. عندئذٍ وبَّخته زوجته: “ما فائدة الاسم؟ عندما تعرف اسمها فإنك ستشعر بالرضى ولن تهتم بالاستمتاع بالزهرة بعد الآن”[1].
إن المرء يريح نفسه من الدهشة عبر التسمية والتصنيف، وبهذا فإنه يهرب من العواطف غير المفهومة التي تنتابه أمام الأشياء، وكأنه يهرب من جمال إنسانيته إلى ملل اللغة، وعندما يتعلق الأمر بالحقيقة، بالشعور الخفي الذي يعطي المعنى لإنسانيتنا، فإن تنحيته جانباً عبر التسمية سيفقدنا الكثير من جوهرنا وسيلقي بنا في ملل محيِّر نبحث عن أسبابه طويلاً، الأمر الذي يوحي به هذا الموقف:
” كنتُ أسير مع إبليس في الجادة الخامسة، عندما رأينا رجلاً يتوقف فجأة ويختار جزءاً من الحقيقة من الهواء، من الهواء مباشرة، قطعة حية من الحقيقة، فسألت إبليس: هل رأيت ذلك؟ ألا تُقلقك؟ ألا تعلم أن هذه القطعة من الحقيقة تكفي لتدميرك؟ قال: نعم، ولكني لستُ قلقاً، سأخبرك لماذا، هذه القطعة جميلة وحية الآن، لكن الرجل سيُطلق عليها اسماً في البداية، ثم سيصنفها، وبحلول ذلك الوقت ستكون قد اختفت منها الحياة وماتت، أما لو تركها تعيش حرة وفهمها وهي كذلك، فلسوف تدمرني، ولهذا لستُ قلقاً”[2].
ربما تكون هذه هي المسألة ببساطة، ولكن عندما يبحث فيها فريدريش نيتشه بمشروعه الأخلاقي، فيُحلله كارل يونغ بمشروعه النفسي\ الفلسفي، يصير للنظرية البسيطة أبعادٌ مهولة تصيب صميم الجوهر الإنساني وعلاقته باكتساب الفضائل.
يقول نيتشه بأنك إن سمَّيتَ فضيلتك، أي ميزتك، ستفقد سحرها وستنزل بها إلى المستوى الجمعي، فالتسمية تخلق الشعور بالألفة مع الصفة والمعرفة، عندما نسمِّي الشيء نفترض تلقائياً أننا نعرفه حق المعرفة، نعرفه إلى درجة تثبيته في اسمٍ يُشار إليه لاحقاً. والتسمية تحصر المرء في هذه الصفة وتسلبه حريته في مزيج الفضائل وفي الجوهر الخفي الذي يمكِّنه من التنوع في الخير والتميز بما لديه، يقول يونغ موافقاً نيتشه:
“نحن نغتصب شيئاً عبر منح الاسم. نقول هذه هي، ولا شيء آخر، ونظن أننا نمتلك الجوهر النقي للشيء عندما نمنحه اسماً. وهذا أشبه بعملية التأطير، يشبه أن تقول عن رجلٍ إنه يتصف بهذا أو ذاك. كيف تستطيع أن تصفه بهذا الشكل؟ أو كيف تستطيع أن تصف الإنسان بشكل عام؟ إنه متشكل من ملايين الأشياء، ومن خلال قولك إنه يتصف بهذا وذاك فأنت تصنِّفه وبالتالي لا يعود حرَّاً”[3].
كما أن التسمية تثبت مضمون الصفة وتدفعه إلى أقصاه، فيكون المفهوم مثالياً بالضرورة، وإن تحدثتُ عن امتلاكي صفة ما وسميتها فإنني أفترض أنني أحققها بالكامل وبحذافيرها وبمضمونها المثالي والكامل، وهذا يستحيل على الإنسان تحقيقه. إن الفضائل صورٌ ذهنية مثالية، إن ادَّعيتُ امتلاك فضيلة فأنا أدَّعي تحقيقي لها بصورتها المثالية، فإن وصفتُ نفسي بالعدل فكأنني قلتُ إنني أطبق العدل في كل أمر وشأن من حياتي وبصورته الكاملة غير المنقوصة، وغير المتأثرة بالظرف، المكان، الزمان، الفكر، الخلفية وغير ذلك مما يؤثر على قرار المرء وسلوكه، وهذا نقيض عدم التسمية الذي يترك جوهر الصفة حُراً، ينتج أشكالاً متعددة من الخير:
“إذا كان هناك امتياز، فسوف يتم إظهاره بأشكال عديدة. سيكون للإنسان العادل قيمة في أماكن مختلفة. وليس فقط في ممارسة العدالة، لكن إذا قال إن موضوعه الأساسي هو العدالة، تستطيع أن تتأكد من أنه كاذب. إنه يقول ذلك بهدف تمويه الظلم”[4].
إن تسمية الفضيلة وادِّعاء المرء امتلاكها يجعلها تستبدُّ به وتطالبه بكل صورها المثالية، الأمر الذي سيستعصي على المرء، وإن امتلك أكثر من فضيلة ستتصارع فيما بينها، ولن يكون في مقدوره تحقيقها بصورها المثالية جميعاً معاً: “تُطالب كل مثالية من المثاليات بالإنسان كلِّه لأنه عندما يقوم بتسمية الفضيلة، تطالب كل فضيلة بجوهرها الخاص”[5]. فإن اتصف المرء بالعدالة وتحدث عن ذلك، ستتنافى هذه الصفة مع صفة التعاطف المطلق والمثالي لديه، فالعدالة المثالية تتطلب الحزم والصرامة والقسوة، الأمور المتنافية مع التعاطف أو الإنسانية:
“وهكذا فالإنسان الذي يحاول فعلاً أن يكون فاضلاً من خلال منح اسمٍ لفضيلته يتجه دوماً نحو صعوبات أخلاقية هائلة، وإلى ما يُسمى صراع الضمير، حيث يصطدم الأمران الخيران .. وكلما ازدادت هذه الفضائل الرائعة لديه، وازداد إيمانه بها، ازداد تورطه في جحيم الصراع فيما بينها”[6].
أما امتلاك فضيلة واحدة فيمكن أن يضمن انعدام التصارع في نفس المرء، شرط ألا تتم تسميتها، وإلا فإنها ستتبعه وهو يبحث عن المثالية لتحقيق ما امتلكه، لذلك من الأجدر ألا نسمِّي فضائلنا كي نعتز بها، ونظل متميزين بها، ونتمكن من التخلق بأكثر من فضيلة معاً، وجعلها تمتزج فينا لتنتج الحكمة، من دون داعٍ لتسميتها.
وفي إشارة لافتة لما يتعلق بهذا الأمر، يناقش نيتشه بأن “صبوات” المرء المتكررة تنتج فضائله فيما بعد، والنسخ الكثيرة التي يكون عليها الإنسان طوال حياته، باختلاف المراحل التي يمرُّ بها، تتراكم وتمتزج لتنتج أفضل صوره اللاحقة، فالفضائل غير الموصوفة نتاج تجربة المرء الطويلة والمريرة، وأقرب إلى نهايةٍ مؤقتة ومتجددة للكيفية التي يزدهر بها المرء:
“كان لك فيما مضى صبواتٌ كنت تحسبها شروراً، أما الآن فليس لديك سوى فضائلك، وقد نبتت هذه الفضائل من صبواتك”[7]
من هنا، وعطفاً عما سبق، يؤمن نيتشه بأن الإنسان بعد الصبوات يعيش فضائله، يسميها جميعاً ويستشهد بها ويتحدث عنها، فإذا هي تخلق فيه صراعاً لا ينتهي إلا بمقتله (مجازاً) وتخليه عن التسمية عودةً إلى الجوهر الخفي والرابط بين الفضائل جميعاً، ذلك الذي لا يمكن تسميته بل يمكن عيشه والتصرف بناءً عليه بما ينفع الإنسان، قوته وإرادته:
“إن الإنسان شيء لا بد من تجاوزه، لذلك عليك أن تحب فضائلك، فهي التي تؤدي بك إلى حتفك”[8].
غير أن يونغ في تحليله يشير إلى أن ذلك “وهمٌ طفولي مع الأسف”، فالمرء لا “يتجاوز” هذه المراحل والصبوات والأخطاء، بل يظل حاملاً لها جميعاً وهي التي تمكِّنه من الخير في الأصل.
لقد تحدث نيتشه عن سيكولوجيا إنتاج الخير من الشر، والرابط في ذلك مرئيٌ ليونغ ويوافق عليه، ولكنه يراه من منظور آخر لا يكتفي بمجرد السببية والخبرات المتراكمة، بل يستحضر مفهومه للظل الذي لا يفارق المرء، ويقول بإن المرء يشتغل ويعمل في حياته ونفسه وفقاً للعلاقة بين ظله ووعيه وإرادته، وهو في ذلك حُر الإرادة، تعتمل في نفسه هذه العناصر ويخرج منها بما يرى، عندئذٍ، عندما يُصدر السلوك الخيِّر فإن الصبوات الشريرة ستكون دائماً هناك، في مكانها محفوظة داخل النفس.
وهو في ذلك لا يشير إلى النفاق أو تمثيل الأدوار، بل إلى الفعل الإنساني الطبيعي الذي يصرُّ على اختيار الخير رغم الشرور الكامنة خلفه، عندئذٍ تكون هذه الواجهة الأمامية من الخير حقيقية للغاية، كما هي الصبوات الشريرة خلفها حقيقية أيضاً:
“يمكن للمرء أن يخلق آلاف الملائكة لكن آلاف الصبوات الشريرة ستكون خلف أولئك الملائكة: إنها مجرد واجهة أمامية لكنها واجهة أمامية حقيقية للغاية. هي الواجهة الأمامية للمنزل وسينهار المنزل كله إذا لم تكن هناك واجهة أمامية، لكن ثمة شيء خلفها وإلا فلن يكون لها أيُّ معنى”[9].
بعبارة أخرى، كان تصور نيتشه لامتلاك المرء الفضائل وتخليه عنها في النهاية (بصورتها الاسمية) تصوراً عمودياً لرحلة الإنسان، يبدأ بالأخطاء والتجارب والصبوات، يمر بالكثير من مراحل الإنبات وتشكيل الحكم والفضائل، يتعلم التسمية والاكتساب والامتلاك قبل أن يتخلى عن هذا كله ويختار الجوهر الخفي الجامع بين الفضائل، والذي لا يمكن للإنسان تسميته أو تحديده، بل الإحساس به وعيشه فقط.
أما تصور يونغ في اكتساب المرء فضائله فكان أفقياً، يعتمد على التجربة المعيشة حاضراً، بعمقها وشمولها لعناصر النفس، بأوجهها المختلفة ومحدداتها المؤثرة فيها، والأهم من ذلك كله، بحرية الإرادة التي يعتمد عليها المرء في كل مرة يتخذ قراراً، متأثراً بعوامل كثيرة، معترفاً بوجود الظل، الإمكان الخفي، الرغبات الدفينة، والفضائل التي يظل يكتسبها طوال حياته، محققاً في كيفية تمثيلها في حياته. قد لا يكون إدراك المرء لعناصره النفسية واعياً، ولكنه باكتساب الحكمة يتعلم وجودها وتأثيرها عليه، حتى لو لم يُرد تسميتها وتثبيتها (ومن يجرؤ على ذلك؟).
إن عدنا إلى بداية المقال، وجدنا أن النظرية البسيطة التي “حدستُ” بها كان يدور حولها الكثير من الجدل، وربما أقدم من نيتشه ويونغ بعقودٍ ومئاتٍ وربما آلاف السنين، ربما منذ بدأ الإنسان في التسمية حمل ذلك القلق في نفسه ولم يستطع التعبير عنه، ولمَّا علمته التجارب الفارق بين إعلان الفضيلة وبين الحياة الخاصة لمالكها، بدأ يطرح الأسئلة ويبني أسئلته النظرية الخاصة، والتي لم تكن بعيدة عن سؤال الإنسان اليوم، منطلقاً من تجربته وعائداً إليها: كيف أكون فاضلاً وحُراً في آن؟
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
[1] ماسلو، أبراهام، الدافع والشخصية، ترجمتي، دار القلم العربي، المغرب العربي، 2022، ص307.
[2] المرجع السابق، ص308.
[3] يونغ، كارل غوستاف، نيتشه-زرادشت: أسفار الخير والشر، ترجمة: متيم الضايع، دار الحوار، سوريا، 2021، ص171.
[4] المرجع السابق، ص159.
[5] المرجع السابق، ص169.
[6] المرجع السابق، ص168.
[7] المرجع السابق، ص166.
[8] المرجع السابق، ص174.
[9] المرجع السابق، ص167.



