د. جمعان بن محمد الشهري
يُعَدُّ مفهومُ “التعلُّق” من أدقِّ مباحث الصفات الإلهية في علم الكلام الأشعري، وهو من الأصول النظرية التي بنى عليها الأشاعرة كثيرًا من تقريراتهم في هذا الباب؛ إذ اتخذوه وسيلةً لتفسير علاقة الصفات القديمة بعالَم الحوادث، وربطوه، من الجانب العملي، بموقفهم من السببية الخاصة في الكون، أي: بتفسير وجود الحوادث وتخصيصها، وردِّ سببيتها إلى التعلُّقات الإلهية.
فالأشاعرة يثبتون الصفات السبع المسماة بـ”صفات المعاني”، وهي: العلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والحياة. غير أنّ هذه الصفات ليست في مرتبة واحدة من حيث التعلّق؛ فستٌّ منها متعلِّقة، وواحدةٌ – هي الحياة – لا تعلُّق لها.
والمراد بالتعلّق عندهم: أن الصفة، بحكم معناها، تقتضي أمرًا زائدًا على مجرد قيامها بالذات؛ أي تستدعي وجودَ ما يظهر فيه أثرها. فالعلم يقتضي معلومًا ينكشف به، والإرادة تقتضي مرادًا يتخصّص بها، والقدرة تقتضي مقدورًا يقبل الإيجاد والإعدام، والسمع يقتضي مسموعًا، والبصر مُبصَرًا، والكلام يقتضي ما يدلّ عليه. أمّا الحياة، فهي صفة قائمة بالذات لا تقتضي أمرًا زائدًا على قيامها بها، بل هي شرطٌ عقليٌّ في ثبوت سائر الصفات؛ إذ لا يُتصوَّر اتصاف الذات بها من دون الحياة.
ومن جهة مجالات التعلّق، يرى الأشاعرة أنَّ العلم والكلام يتعلّقان بالواجبات والمستحيلات والممكنات جميعًا؛ فالعلم يتعلّق بهذه الأقسام على وجه الانكشاف، والكلام على جهة الدلالة والإخبار.
أمّا القدرة والإرادة، فلا تتعلّقان إلا بالممكنات دون غيرها؛ إذ تتعلّق القدرة بإيجاد الممكن وإعدامه، وتتعلّق الإرادة بتخصيص الممكن ببعض أحواله الجائزة، كوجوده بدل عدمه، ووجوده في وقتٍ دون وقت، وعلى صفةٍ دون صفة، وفي مكانٍ دون مكان. فلا تتعلّقان بالواجب، لئلّا يلزم تحصيل الحاصل، ولا بالمستحيل، لئلّا ينقلب المستحيل ممكنًا.
أمّا السَّمع والبصر، فيقتصر تعلّقهما على الموجودات مطلقًا، واجبةً كانت أو ممكنةً، على جهة الإحاطة والانكشاف، وإن وقع بينهم خلافٌ في مدى تعلّق كلٍّ منهما بكلِّ موجود.
وبهذا الاعتبار، تكون الصفاتُ الستُّ المتعلِّقة: العلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، ذاتَ تعلّقٍ بمتعلَّقاتٍ مخصوصة، مع بقائها قائمةً بالذات الإلهية قيامًا أزليًّا قديمًا. ومن هنا احتاج الأشاعرة إلى تأصيل “التعلّق“؛ لبيان كيفية ارتباط الصفات القديمة بمتعلَّقاتها الحادثة، من غير أن يستلزم ذلك حدوثُ شيءٍ في ذات الله تعالى.
فالمقصود، عندهم، أن تعلّق الصفات الإلهية الأزلية بحوادثَ تتعاقب في الزمان لا يقتضي تغيّرًا ولا تجدّدًا في الذات الإلهية، إذ ليس التعلّق صفةً قائمةً بالذات على معنى طروء أمرٍ جديد فيها، وإنّما هو نسبةٌ اعتباريةٌ بين الصفة الأزلية ومتعلَّقاتها الحادثة، على وجهٍ لا يوجب حدوثًا في ذات الله تعالى.
فالتعلّق، في هذا السياق، ليس مجرّد لفظٍ تقريريّ، بل هو مفهومٌ ميتافيزيقيّ يتوسّل به الأشاعرة إلى حفظ أزلية الصفات، مع الإقرار بحدوث أفعال الله تعالى في العالم.
ولتحقيق هذا المقصد، ميّز الأشاعرة بين نوعين من التعلّق:
تعلّقٍ صلوحيّ، وتعلّقٍ تنجيزيّ.
فالتعلّق الصلوحي هو صلاحيةُ الصفة أزلًا لأن تتعلّق بما هو ممكنٌ في نفسه قبل وجوده بالفعل؛ أي إن الصفة تكون من حيث الأزل صالحةً للتعلّق بما يقدَّر وجوده بعد ذلك في الزمن. فقبل خلق العالم، مثلًا، كانت قدرة الله تعالى صالحةً لتعلّق الإيجاد بها، من غير أن يكون العالم موجودًا بالفعل.
أمّا التعلّق التنجيزي، فهو التعلّق الفعلي عند تحقّق أثر الصفة في الزمان؛ فإذا خلق الله العالم بالفعل، كان تعلّق القدرة والإرادة به تعلّقًا تنجيزيًّا متحقّقًا.
ثم إنهم قسّموا التعلّق التنجيزي إلى: تنجيزيّ قديم، وتنجيزيّ حادث. فالتعلّق التنجيزي القديم يُمثَّل له بتعلّق العلم بالمعلومات أزلًا؛ إذ إن علم الله، عندهم، لا يتجدّد بتجدّد المعلومات، بل هو علمٌ واحدٌ قديمٌ يتعلّق بكلِّ معلومٍ على ما هو عليه. وما يبدو من تجدّدٍ إنّما هو تجدّدٌ في حال المعلوم أو في نسبته، لا في نفس الصفة القائمة بالذات.
وأمّا التعلّق التنجيزي الحادث، فيُذكر مثاله في تعلّق القدرة بالمقدور عند إيجاده، وفي تعلّق السمع والبصر بالمسموعات والمبصَرات عند وجودها في الخارج.
وفي صفتي السمع والبصر يتّضح التفصيل أكثر؛ إذ يثبت الأشاعرة لهما تعلّقًا تنجيزيًّا قديمًا من حيث الصلاحية، ثم تعلّقًا تنجيزيًّا حادثًا بالموجودات عند وجودها. ويزيدون في البيان بأن لهما تعلّقًا صلوحيًّا قديمًا بما يمكن أن يوجد من المعدومات قبل وجودها، أي إنهما صالحان أزلًا للتعلّق بكل ما يصحّ أن يوجد ويقع بعد العدم.
ومع ذلك، يصرّح كثيرٌ منهم بأن هذه التعلّقات – صلوحيُّها وتنجيزيُّها – اعتباراتٌ ذهنية لا وجود لها في الخارج؛ أي إنها تحليلٌ عقليّ يُراد به بيان صلة الصفات القديمة بآثارها، من غير أن يُثبت في الذات الإلهية رابطٌ وجوديٌّ متجدّد.
ويهدف هذا التصوّر إلى الجمع بين قِدَم الصفات وحدوث متعلّقاتها، بحيث لا يلزم من تجدّد التعلّق تجدّد الصفة نفسها؛ فالتجدّد، عندهم، يقع في جهة النسبة والإضافة بين الصفة ومتعلَّقها، لا في نفس الصفة القائمة بالذات. ومن هنا قرّروا أن التغيّر إنّما هو في المتعلّقات، لا في الصفات، وأنّ ما يُرى من تجدّد إنّما هو تجدّد تعلّقٍ تنجيزيٍّ حادث، لا حدوثُ صفةٍ بعد أن لم تكن.
غير أنّ هذا البناء لم يسلم من اعتراضات الناقدين؛ إذ إنّ إثبات تعلّقاتٍ حادثة للصفات القديمة لا يرفع الإشكال؛ لأنّ تعلّق الصفة بالحادث عند حدوثه يقتضي نوع اختصاصٍ لم يكن، وهو ما يشبه – في نظرهم – تجدّد نسبةٍ تستدعي تفسيرًا أدقّ من مجرّد التفريق بين الصفة وتعلّقها. كما أن القول بأن هذه التعلّقات اعتباراتٌ عقلية لا واقع لها خارج الذهن= يثير سؤالًا منهجيًّا عن كفاية هذا النمط من التفسير:
فهل يفسّر الواقع حقًّا، أم يعيد توصيفه بعبارةٍ لا معنى لها؟
وهنا يتّضح أنَّ “التعلّق” عند الأشاعرة يناظر موقفهم من السببية الخاصّة في العالم؛ إذ يؤدّي، في باب الصفات، وظيفةً شبيهةً بما تؤدّيه “العادة” في باب السببية. فكما أن الاقتران العادي بين السبب والمسبَّب لا يثبت للسبب تأثيرًا، وإنما يجعل ترتّب المسبَّب عليه عادةً مطّردةً يجريها الله بخلقه؛ كذلك لا يثبت التعلّق التنجيزي الحادث، في تفسير الأشاعرة، قيامَ أمرٍ وجوديّ جديدٍ بالذات الإلهية، بل يفسّر ظهورَ النِّسَب بين الصفة ومتعلَّقاتها، من غير أن يقتضي تجدّدًا في نفس الصفة.
ومن ثمَّ يتبيّن اتّحاد المسلك في البابين: نفيُ الروابط الوجودية بين القديم والحادث، وإحلالُ الروابط الإضافية والاعتبارات الذهنية محلَّها؛ فرارًا من لوازم يرون امتناعها، كحلول الحوادث بالذات الإلهية، أو إثبات عللٍ مؤثّرةٍ مستقلة. فهم، في باب الصفات، يمنعون قيام تعلّقات وجودية حادثة بالذات الإلهية؛ كما ينكرون، في باب الأسباب والمسبّبات، السببيةَ الخاصّة، ويردّون اقتران الأسباب بمسبَّباتها إلى مجرّد العادة.
ويتجلّى أثر هذا التصوّر بوضوح في بابَي العلم والقدرة. ففي صفة العلم، يثبت الأشاعرة عموم التعلّق بالواجبات والمستحيلات والممكنات جميعًا، لكنّهم ينفون تجدّد علمٍ حادثٍ في حق الله تعالى؛ فالتعلّق – كما سبق – تنجيزيّ قديم أو صلوحيّ، ولا يتجدّد بتجدّد المعلومات.
وأمّا علم الإنسان، فلا يُثبِتُ الأشاعرة بين العالِم والمعلوم، ولا بين الدليل والمدلول= علاقةَ سببيةٍ مؤثّرة؛ إذ لا يرون النظر أو الدليل مؤثّرين في حصول العلم، بل يجعلون حصوله عقيبهما جاريًا على العادة، بحيث يخلق الله تعالى العلم عند النظر والإدراك، لا بهما على جهة التأثير.
وهذا لا يعني إنكارهم أصل السببية العامة؛ فهم يقرّون بأن الحوادث لا بدّ لها من مُحدِث، ويستعملون هذا الأصل في إثبات حدوث العالم وافتقاره إلى الصانع. وإنّما ينفون السببية الخاصة التي تجعل سببًا معيّنًا مؤثّرًا في مسبَّبٍ معيّن.
وفي صفة القدرة، يقرّر الأشاعرة أنّها صفةٌ أزلية من صفات المعاني، لها تعلّق مباشر بالممكنات، بحيث يكون الفعل منسوبًا إلى القدرة القديمة وحدها. ويترتّب على ذلك نفي تأثير قدرة الإنسان وسائر القوى المخلوقة؛ إذ لا فاعل على الحقيقة إلا الله، أمّا قدرة الإنسان فليست إلا “سببًا عاديًّا”، يخلق الله الفعل عندها، لا بها.
وبهذا يكون “التعلّق” هو المفهوم الميتافيزيقي الذي يفسّرون به كيفية اتصال الصفة القديمة بالفعل الحادث، وكيف تُنسب الأفعال إلى العبد من غير أن تكون له فيها سببيةٌ مؤثّرة. كما يفسّرون به الاحتراق المشاهَد عند التقاء النار بالقطن، من دون إثبات تأثيرٍ للنار.
وهذا المسلك – وإن ظنّوا به تحقّق مقصد التنزيه – تعرّض لنقدٍ من جهة أنّه أفضى إلى سلب العالم خصائصه المؤثّرة، بحيث تصبح الوقائع متجاورةً بلا رابطةٍ واقعية، وتغدو النِّسَب المدركة بين الأشياء مجرّد اعتباراتٍ ذهنية لا تقوم على أساسٍ وجودي. فالقول بأنّ الاحتراق لا علاقة له بالنّار إلا على جهة العادة، وأن التعلّق لا يقتضي نسبةً وجوديةً بين الصفة ومتعلَّقها، يثير إشكالًا في تفسير انتظام العالم، كما يثير إشكالًا في تفسير الفعل الإلهي نفسه؛ إذ يغدو كلٌّ منهما قائمًا على نِسَبٍ وإضافاتٍ لا تثبت في الخارج.
ومع ذلك، يُلاحَظ تناظرٌ منهجيٌّ في البناء الأشعري، من غير إقرارٍ بصحّة مقدّماته؛ فمسلكهم في نفي تأثير النار في الاحتراق يشابه مسلكهم في نفي الأفعال الاختيارية الحادثة القائمة بذات الله تعالى، من جهة رفض إثبات تأثيرٍ أو فعلٍ متجدّدٍ على الوجه الذي يثبته القائلون بالسببية وبقيام الأفعال الاختيارية بذات الله. فكما لا يثبتون للنار تأثيرًا في الاحتراق، لا يثبتون في الذات الإلهية فعلًا متجدّدًا يقوم بها عند حدوث آثاره في العالم، بل يردّون الحوادث إلى القدرة والإرادة القديمتين، وينفون قيام الحوادث بذاته سبحانه.
فآل الأمر، في بعض أنظار الأشعرية، إلى نفي كل تجدّدٍ وجوديّ قائمٍ بذات الله تعالى، مع إثبات تعاقب الحوادث ووجودها بعد عدمها في العالم المخلوق، وإلى تفسير الصلة بين القديم والحادث وانتظام الكون بواسطة “التعلّقات” و”العادات” التي تؤدّي وظيفةً اعتباريةً في هذا البناء، من دون إثبات السببية الخاصة للأسباب، أو تعلّقاتٍ وجوديةٍ قائمةٍ بذات الله تعالى تفسّر أفعاله الاختيارية.
وللبسط بقيّة؛ إذْ يمكن البحث في اختلاف الأشاعرة أنفسهم في تحرير حقيقة التعلّق: أهو أمرٌ وجودي، أم مجرّد نسبةٍ وإضافةٍ اعتبارية؟ وهل يطّرد ما قيل في تعلّق القدرة في سائر الصفات؟ وهل التعلّق الحادث ثابتٌ ثبوتًا واقعيًّا، أم ليس إلا نسبةً تنشأ باعتبار المخلوق بعد وجوده؟ ثم هل التعلّقات المعتمدة محصورة في قسمين، أم تتشعّب إلى أقسامٍ أخرى بحسب اختلاف الآراء وتباين وجهات النظر؟
وليس هذا فحسب، بل يمتدّ الاختلاف إلى تقاسيم التعلّقات وتنوّع النماذج التفسيرية التي صاغها الأشاعرة لبيان صلة الصفات الإلهية بالحوادث. وقد أتاح ذلك للناقدين استهدافَ أصل نظرية التعلّق، وأن يناقشوا مدى برهانيتها وإحكامها في معالجة الأسئلة المتعلّقة بحقيقة الحدوث: هل يقع الحدوث في جانب الصفة، أم في جانب المخلوق؟ وإذا كان التعلّق مجرّد نسبةٍ اعتبارية، فكيف يفسّر الفعل الإلهي الاختياري المتجدّد، كإيجاد البعث مثلًا؟ وإذا كان الفعل متجدّدًا في الواقع، فكيف ينسجم ذلك مع أصلهم في نفي قيام الحوادث بذات الله تعالى؟
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
(1) أَصْلُ هذا المقالِ جُزْءٌ من كتابي: «المنظور الأشعري للسببية الخاصة أصولُه وغاياتُه وآثارُه – قراءةٌ نقديّة»، وهو كتابٌ تحتَ الطبعِ في دارِ مقاربة.



