التربية والتعليمفكر وثقافة

حين يغدو النقد هجومًا

عبد الرحمن الشمري

 

 

قبل تسعة قرون وصف أبو حامد الغزالي حالا ما زالت تتكرر في بيوتنا ومجالسنا. قال في سياق حديثه عن عيوب النفس: “ثم إنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها، ولا نشتغل بإزالتها، بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته، فنقول له: وأنت أيضا تصنع كيت وكيت، وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه” [١].

وما أشبه الليلة بالبارحة! فكثير منا، ولا سيما ذوو الحس المرهف والمراهقون، يتلقون الملاحظة العابرة كأنها سهم مسدد. فيبادرون إلى التبرير قبل أن يكتمل الكلام، أو يردون على الناصح بمثل ما قال. ولا يلزم من ذلك سوء طوية ولا فساد خلق؛ فقد يكون استجابة دفاعية سريعة عند الشعور بالتهديد، ويمكن تعلم تهدئتها بالمران.

وللأمر عاقبة تتجاوز ضيق اللحظة. فقد جمع تحليل إحصائي شامل نتائج مئة وإحدى وثلاثين دراسة، استخرج منها ٦٠٧ مقادير لأثر التغذية الراجعة. وتبين أن متوسط أثرها كان إيجابيا، لكن أكثر من ٣٨٪ من مقادير الأثر كانت سلبية، وأن فاعليتها تقل كلما انتقل انتباه المتلقي من المهمة إلى ذاته [٢]. فالانتفاع بالنقد رهن بطريقة تلقيه، كما هو رهن بطريقة إسدائه.

وليس النفور من الناصح داء حادثا؛ فقد حكى القرآن الكريم قول صالح عليه السلام لقومه: ﴿وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩].

أولا: لماذا يبدو النقد هجوما؟

الدماغ يقرأ التقييم تهديدا

راجع تحليل جامع مئتين وثماني تجارب مخبرية في الضغط النفسي. ووجد أن المهام التي تجمع بين التقييم الاجتماعي واحتمال الحكم السلبي، وبين صعوبة التحكم في الموقف، ارتبطت بأكبر تغيرات هرمون الكورتيزول وأطول أزمنة التعافي [٣].

وعند الشعور بهذا التهديد، قد يظهر الميل إلى الدفاع في الحوار في صورة هجوم مضاد وتبرير، أو انسحاب وصمت متجهم. وهذا تصوير سلوكي محتمل، لا تقسيم عصبي حتمي إلى نمطين.

النفس تحرس صورتها

تذهب نظرية “تأكيد الذات” إلى أن الإنسان مجبول على صيانة شعوره بأنه خير كفء. فإذا بدا له النقد خدشا لهذه الصورة، هب يذود عنها قبل أن يزن صحة ما قيل [٤].

ومن هنا عز على الناس أن يبصروا عيوبهم، حتى قال ابن حزم: “طوبى لمن علم من عيوب نفسه أكثر مما يعلم الناس منها” [٥]. وإنما يغبط المرء على ما عز نظيره.

المراهقة: حساسية متقدة وكوابح لم تكتمل

تشتد الحساسية للتقييم الاجتماعي في سنوات المراهقة لدى كثير من الناشئة [٦]، مع استمرار تطور الشبكات العصبية المرتبطة بتنظيم الانفعال خلال المراهقة وبدايات الرشد. ولذلك قد يكون للنقد عند بعض المراهقين وقع أشد؛ لكن لا يصح تحديد سن قاطعة لاكتمال نضج الدماغ، ولا تعميم ذلك على جميع المراهقين.

حال المتلقي تلون ما يتلقاه

يميل بعض الناس إلى حمل المواقف المحتملة على سوء القصد، وتسمي الأبحاث ذلك “انحياز العزو العدائي” [٧]. وقد تجتمع معه لدى بعض الأشخاص سمة أخرى هي “الحساسية للرفض”، أي توقع الرفض بقلق، والمسارعة إلى إدراكه، والانفعال الحاد به [٨]. فيسمع صاحبها في الملاحظة البريئة اتهاما، وفي النصيحة الرفيقة تعريضا.

وقد صور المتنبي هذا المعنى أبلغ تصوير، حين رد عيب الإدراك إلى المُدرِك لا إلى المُدرَك:

ومن يك ذا فم مر مريض … يجد مرا به الماء الزلالا [٩]

فالماء عذب في ذاته، وإنما المرارة في الفم العليل. وكذلك الكلمة، قد تكون سليمة القصد، فيتلقاها القلب المتوجس على غير وجهها.

ثلاثة أزرار يضغطها النقد

يقسم دوغلاس ستون وشيلا هين ردود الفعل الدفاعية إلى ثلاثة محفزات [١٠]:

  • محفز الحقيقة: “هذا الكلام غير صحيح”.
  • محفز العلاقة: “ومن أنت حتى تقول لي هذا؟”.
  • محفز الهوية: “هذا يزلزل صورتي عن نفسي”.

ولما كان الاندفاع إلى الدفاع قد يقع سريعا، جاءت الخطوات الخمس لتفسح مجالا للتروي، حتى يتحول الرد المتعجل إلى اختيار واع.

ثانيا: الخطوات الخمس

الخطوة الأولى: أمسك قبل أن تجيب

ماذا تفعل: تمهل لحظات قبل أن تنطق بكلمة. خذ شهيقا هادئا من الأنف، ثم زفيرا أطول منه، وسم شعورك في سرك: “أنا متضايق”.

لماذا قد تنفع: تشير مراجعة علمية إلى ارتباط التنفس البطيء بمؤشرات على تحسن تنظيم الجهاز العصبي الذاتي والانفعال [١١]. وفي تجربة عشوائية امتدت شهرا، أسهمت ممارسة “التنهيدة الدورية” — وهي شهيقان متتابعان يعقبهما زفير طويل — لخمس دقائق يوميا في تحسين المزاج وخفض معدل التنفس بدرجة أكبر من التأمل اليقظ [١٢]. ولا تعني النتيجة أن التمهل ثواني معدودة في أثناء النقد قد خضع للتجربة نفسها.

أما تسمية الشعور بالكلمات، فقد ارتبطت في تجربة تصوير وظيفي بانخفاض استجابة اللوزة الدماغية للصور السلبية، وارتفاع النشاط في منطقة من القشرة الجبهية [١٣]. وهي نتيجة تدعم هذا الأسلوب في تنظيم الانفعال، وإن لم تختبر تلقي النقد مباشرة.

من الهدي النبوي: أثنى النبي ﷺ على خصلة الأناة، فقال لأشج عبد القيس: “إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة” [١٤]. والأناة هي التمهل وترك العجلة، وهي جوهر هذه الخطوة.

وأرشد ﷺ الغاضب إلى الإمساك عن الكلام، فقال: “إذا غضب أحدكم فليسكت” [١٥]. وأرشده إلى تغيير هيئته، فقال: “إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع” [١٦].

وفي هذا الهدي التفات لطيف إلى أن تسكين البدن باب إلى تسكين النفس. فالسكوت يسد على الغضب منفذه إلى اللسان، وتغيير الهيئة يكسر اندفاع الجسد. وهو معنى تلتقي معه أبحاث التنظيم الانفعالي التي سبق ذكرها.

مزلق ينبغي اجتنابه: التنهد المسموع أو المشوب بنفاد الصبر؛ فإنه يفهم استخفافا، فيلتهب الموقف بدل أن يخبو. اجعل تنفسك هادئا لا يكاد يلحظ.

الخطوة الثانية: اسأل قبل أن تحكم

ماذا تفعل: قبل أن تقضي في النقد بصحة أو بطلان، استوثق من أنك فهمته:

  • “ماذا تقصد بالضبط؟”
  • “هل تضرب لي مثالا؟”
  • “ما الذي لاحظته تحديدا؟”

لماذا قد تنفع: كثير من النقد يأتي وصفا مجملا، كقولهم: “أنت مهمل”. والمعنى الذي يريده المتكلم بهذا الوصف قلما يطابق ما يسمعه المتلقي. ولهذا يوصي ستون وهين بأن يتقدم الفهم على التقييم [١٧].

والسؤال ينقل الذهن من حال الدفاع إلى حال الاستكشاف. ويجمع من البينات ما يدفع الحمل على سوء القصد. ويشعر الطرف الآخر بالتقدير، فتسكن حدته هو أيضا.

من هدي التراث: قال النبي ﷺ في قوم أفتوا صاحبهم بغير علم فهلك: “ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال” [١٨]. والعي هو العجز عن البيان والجهل بالأمر، فجعل السؤال دواءه.

وقيل لدغفل النسابة: “أنى لك هذا العلم؟” فأجاب بكلمة جمعت المنهج كله: “لسان سؤول، وقلب عقول” [١٩]. وأنشد الفرزدق في المعنى نفسه:

ألا خبروني أيها الناس إنما … سألت، ومن يسأل عن العلم يعلم [٢٠]

فالسؤال مفتاح الفهم، والفهم شرط الإنصاف. ويستأنس لهذا المعنى بأصل “التبين” الذي قرره القرآن في تلقي الأخبار قبل البناء عليها: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. فكم من ندامة أعقبت ردا سبق الفهم!

مزلق ينبغي اجتنابه: أن يستحيل السؤال سلاحا، كقول بعضهم: “يعني أنا دائما المخطئ؟” أو “ومن أنت لتحكم علي؟”. فالسؤال النافع نبرته الاستفهام والفضول، لا التهكم والاستنكار.

الخطوة الثالثة: التمس الحق ولو في كلام خصمك

ماذا تفعل: فتش في الملاحظة عن أي جزء صحيح، ولو كان عشرها، ثم أقر به صراحة:

  • “صحيح، تأخرت عن الموعد”.
  • “معك حق، كان صوتي مرتفعا”.

لماذا قد تنفع: عد جون غوتمان الدفاعية واحدا من أربعة أنماط تضر بالعلاقات الزوجية، واقترح للتخفيف منها تحمل المرء مسؤولية نصيبه من المشكلة، ولو كان جزءا يسيرا [٢١]. وقد يخفف الإقرار بالجزء الصحيح من حدة الحوار، ويفتح الباب لمعالجة الخطأ.

وتظهر أبحاث “تأكيد الذات” أن من يستحضرون قيمهم الأساسية قبل مواجهة معلومة مهددة يصيرون أرحب صدرا بها، وأقل دفاعا عن أنفسهم [٢٢].

من هدي التراث: عقد الغزالي فصلا في الطرق التي يعرف بها المرء عيوب نفسه، وجعل ثالثها: “أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه، فإن عين السخط تبدي المساويا، ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكره عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه، إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد، ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه” [٢٣].

وفي هذا الكلام تنبيه إلى أن موقف المرء من قائله قد يحجبه عن الحق في كلامه، وهو معنى يلتقي من وجه مع أثر التوقعات العدائية في تأويل المواقف؛ من غير أن نعد كلام الغزالي تعريفا للمصطلح النفسي الحديث “انحياز العزو العدائي”.

وأشار الغزالي بقوله “عين السخط تبدي المساويا” إلى البيت السائر لعبد الله بن معاوية:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة … ولكن عين السخط تبدي المساويا [٢٤]

فعين المحب قد تغضي عن العيب، وعين الخصم قد تكشفه أو تبالغ فيه؛ والعبرة بوزن القول بالدليل، لا بموقف قائله.

وبهذه الروح روي عن عمر بن عبد العزيز قوله: “رحم الله رجلا أهدى إليّ عيوبي” [٢٥]. فانظر كيف سمى كشف العيب “هدية”، فقلب النقد من طعنة تتقى إلى عطية تشكر.

وفي الحديث: “المؤمن مرآة المؤمن” [٢٦]. والمرآة تريك ما فيك بلا زيادة ولا شماتة.

وكان الشافعي يقول مقسما: “والله، ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ” [٢٧]. ومن لم يتمن خطأ محاوره، هان عليه أن يسلم له إذا أصاب.

كيف تطبقها: قبل أن تجيب، حدث نفسك: “أنا أكبر من هذا الخطأ، وخطأ واحد لا يحدد قيمتي”.

مزلق ينبغي اجتنابه: قولك: “معك حق، لكن…”. فقد تضعف “لكن” هنا أثر الإقرار في نفس السامع. قف بعد الإقرار، أو افصل بين الاعتراف وشرح الظروف.

الخطوة الرابعة: فسر ولا تبرر

ماذا تفعل: بعد الإقرار، اذكر تفسيرك إن كان لك تفسير حقيقي، مفرقا بين أمرين:

  • التفسير يجلي الظروف، ويبقي المسؤولية قائمة.
  • التبرير يتلمس أي علة يتخفف بها من المسؤولية.

لماذا قد تنفع: للترتيب هنا أثر في تلقي الكلام؛ فالتفسير الذي يسبق الإقرار قد يفهم تملصا، أما ما يأتي بعد الاعتراف فقد يكون أقرب إلى البيان.

ويقترح ستون وهين النظر إلى المشكلة على أنها “منظومة إسهام”، يسأل فيها كل طرف عما أسهم به هو، بدل التنقيب عن مذنب واحد [٢٨]. وبذلك تشرح ظروفك دون أن تنكر نصيبك.

من هدي القرآن: في قصة الخلق مثلان متقابلان لهذين المسلكين.

  • إبليس لما سئل عما منعه من السجود، ساق علة يبرئ بها نفسه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
  • آدم وزوجه لما أكلا من الشجرة، لم يتعللا بشيء، بل قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].

فأقر آدم وزوجه بالذنب وسألا المغفرة، في حين استكبر إبليس واحتج بما رأى لنفسه من فضل. والمقصود هنا مقابلة الاعتراف بالمكابرة، لا المساواة بين الواقعتين.

ويذكر القرآن في الصورة المقابلة من إذا نصح استكبر: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. وفي معناها قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إن من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله، فيقول: عليك نفسك، أنت تأمرني؟”. وقال أيضا: “كفى بالمرء إثما إذا قيل له: اتق الله غضب” [٢٩]. وفي الأثرين تصوير للمكابرة التي قد تحول النصيحة إلى مواجهة، على نحو يذكر بالهجوم المضاد الذي وصفه الغزالي في مطلع المقالة.

اختبر تفسيرك بسؤالين: هل يجلي الظرف أم يسقط مسؤوليتي؟ وهل يتضمن ما سأفعله بعد ذلك؟

ومثال التفسير السديد: “تأخرت لأن السيارة تعطلت، وكان عليّ أن أتصل وأخبرك، وفي المرة القادمة سأتصل”.

مزلق ينبغي اجتنابه: الإسهاب في الشرح، أو الهجوم المضاد بقولك: “وأنت أيضا فعلت كذا”. فهذا يحول الحوار من إصلاح المشكلة إلى تراشق التهم.

الخطوة الخامسة: أجل الحكم وعد إليه

ماذا تفعل: إن لم تستطع أن تقطع بصحة النقد، أو كانت مشاعرك ما تزال متقدة، فأرجئ الحكم بعبارة واضحة: “دعني أتأمل الأمر، ونعود إليه مساء”.

لماذا قد تنفع: يميز نموذج “النظام الحار والنظام البارد” بين الاستجابة الانفعالية السريعة والمعالجة التأملية التي تعين على ضبط النفس [٣٠]. وقد وضع النموذج أساسا لتفسير تأخير الإشباع، لا لتجريب تلقي النقد مباشرة؛ لذا يستأنس به هنا في تعليل الإرجاء القصير المنضبط.

وتظهر أبحاث “التباعد الذاتي” أن تأمل الموقف من مسافة يخفف الانفعال ويعمق البصيرة. ومن صوره أن ينظر المرء إلى الموقف نظر المراقب، أو يخاطب نفسه باسمه [٣١].

من هدي التراث: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء: “لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، وإن الحق لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل” [٣٢].

فإذا كان عمر يحث القاضي على الرجوع إلى الحق بعد مراجعة حكمه، فأحرى بالمرء أن يراجع رأيه في ملاحظة وجهت إليه. وهذه فضيلة في الإنصاف وتصحيح الحكم، وإن لم تكن هي بعينها ما تسميه الأبحاث المعاصرة “التباعد الذاتي”. وهي كذلك من معاني الأناة التي سبقت الإشارة إليها.

كيف تطبقها: إذا خلوت بنفسك فاسألها: “لو سمع صديقي هذه الملاحظة، بم أنصحه؟”. أو خاطب نفسك باسمك، كأن تقول: “يا خالد، ما الصحيح في هذا الكلام؟”.

مزلق ينبغي اجتنابه: أن تتخذ العبارة ذريعة مهذبة لدفن الموضوع. فقيمتها كلها في أن تعود إليه فعلًا في الموعد الذي ضربته.

ثالثا: للآباء والمربين

هذه الخطوات لا تكتسب بالشرح وحده، بل بالتكرار والقدوة.

ولقبول النقد شرط من جهة قائله أيضا: أن يكون نصحا لا غلبة. وقد كان الشافعي يحلف ويقول: “ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة” [٣٣]. ومن أمثال العرب القديمة: “أخوك من صدقك” [٣٤]. والصدق إذا اقترن بالرفق قُبِل، وإذا اقترن بالتشفي رُدّ.

  • دربوا أبناءكم عليها في أوقات الصفاء، لا في احتدام الخلاف.
  • كونوا قدوة: اطلبوا منهم ملاحظات عليكم، وطبقوا الخطوات أمامهم.
  • أسدوا النقد على نحو ييسر قبوله: على السلوك لا على الشخص، وفي خلوة، وبتحديد، ومرة واحدة.
  • اجعلوا الاعتراف أخف عاقبة من التبرير، وإلا تعلم الابن أن المراوغة أسلم.
  • امدحوا المحاولة حين يطبق خطوة واحدة، ولو على نقص.

متى يستشار المختص؟

إذا كانت الحساسية للنقد شديدة مستمرة، وصحبها قلق دائم، أو مزاج منخفض، أو غضب يعكر الدراسة والعلاقات، فاستشارة المختص النفسي أولى من الاكتفاء بالنصح.

خاتمة

ليست الخطوات الخمس دعوة إلى قبول كل نقد، بل إلى سماعه قبل الحكم عليه:

  • التنفس يسكن البدن.
  • السؤال يجلب الفهم.
  • الإقرار يحقق الإنصاف.
  • التفسير يضيف الوضوح.
  • الإرجاء يمنح الأناة.

وقد جمع القرآن هذا المنهج في وصف أولي الألباب: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧–١٨]. فهم يستمعون أولا، ثم يزنون، ثم يتبعون الأحسن. ومن أدمن هذا المسلك، صار النقد في يده مرآة لا سهما، وهدية لا طعنة.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – 

[١] إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، ٣/٦٥.

[٢] Kluger, A. N., & DeNisi, A. (1996). The effects of feedback interventions on performance: A historical review, a meta-analysis, and a preliminary feedback intervention theory. Psychological Bulletin, 119(2), 254–284. رابط البحث: https://doi.org/10.1037/0033-2909.119.2.254

[٣] Dickerson, S. S., & Kemeny, M. E. (2004). Acute stressors and cortisol responses: A theoretical integration and synthesis of laboratory research. Psychological Bulletin, 130(3), 355–391. رابط البحث: https://doi.org/10.1037/0033-2909.130.3.355

[٤] Steele, C. M. (1988). The psychology of self-affirmation: Sustaining the integrity of the self. Advances in Experimental Social Psychology, 21, 261–302: https://doi.org/10.1016/S0065-2601%2808%2960229-4؛ وSherman, D. K., & Cohen, G. L. (2006). The psychology of self-defense: Self-affirmation theory. Advances in Experimental Social Psychology, 38, 183–242: https://doi.org/10.1016/S0065-2601%2806%2938004-5

[٥] الأخلاق والسير في مداواة النفوس، ص٢٦.

[٦] Somerville, L. H. (2013). The teenage brain: Sensitivity to social evaluation. Current Directions in Psychological Science, 22(2), 121–127. رابط البحث: https://doi.org/10.1177/0963721413476512

[٧] Dodge, K. A. (2006). Translational science in action: Hostile attributional style and the development of aggressive behavior problems. Development and Psychopathology, 18(3), 791–814: https://doi.org/10.1017/S0954579406060391

[٨] Downey, G., & Feldman, S. I. (1996). Implications of rejection sensitivity for intimate relationships. Journal of Personality and Social Psychology, 70(6), 1327–1343. رابط البحث: https://doi.org/10.1037/0022-3514.70.6.1327

[٩] ديوان المتنبي، قصيدة “بقائي شاء ليس هم ارتحالا”، نسخة موسوعة الشعر العربي.

[١٠] Stone, D., & Heen, S. (2014). Thanks for the feedback: The science and art of receiving feedback well. Viking.

[١١] Zaccaro, A., et al. (2018). How breath-control can change your life: A systematic review on psycho-physiological correlates of slow breathing. Frontiers in Human Neuroscience, 12, 353: https://doi.org/10.3389/fnhum.2018.00353

[١٢] Balban, M. Y., et al. (2023). Brief structured respiration practices enhance mood and reduce physiological arousal. Cell Reports Medicine, 4(1), 100895: https://doi.org/10.1016/j.xcrm.2022.100895

[١٣] Lieberman, M. D., et al. (2007). Putting feelings into words: Affect labeling disrupts amygdala activity in response to affective stimuli. Psychological Science, 18(5), 421–428: https://doi.org/10.1111/j.1467-9280.2007.01916.x

[١٤] رواه مسلم في صحيحه، رقم ١٧، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

[١٥] رواه أحمد في المسند، رقم ٢١٣٦، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٦٩٣.

[١٦] أخرجه أبو داود في السنن، رقم ٤٧٨٢، من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٦٨٨)، وحسن شعيب الأرناؤوط بعض طرقه، وحسنه ابن حجر في هداية الرواة (٤/٤٧٤)، مع وجود خلاف بين أهل الحديث في اتصال بعض طرقه والحكم عليها.

[١٧] Stone & Heen (2014).

[١٨] أخرجه أبو داود في السنن، رقم ٣٣٦، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٤٣٦٢، مع ملاحظة اختلاف أهل الحديث في بعض أسانيده وزياداته.

[١٩] الجاحظ، عمرو بن بحر (ت ٢٥٥هـ)، الحيوان، ٣/٢٣٦. وذكر محقق الكتاب أن القول يروى أيضا لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

[٢٠] الجاحظ، الحيوان، ٣/٢٣٦.

[٢١] Gottman, J. M. (1994). What predicts divorce? Lawrence Erlbaum؛ وGottman, J. M., & Silver, N. (1999). The seven principles for making marriage work. Crown. وانظر: The Gottman Institute (2013؛ 2026). The Four Horsemen: The Antidotes، The Antidote to Defensiveness: Take Responsibility: https://www.gottman.com/blog/the-four-horsemen-the-antidotes/.

[٢٢] Cohen, G. L., Aronson, J., & Steele, C. M. (2000). When beliefs yield to evidence: Reducing biased evaluation by affirming the self. Personality and Social Psychology Bulletin, 26(9), 1151–1164: https://doi.org/10.1177/01461672002611011؛ وSherman & Cohen (2006).

[٢٣] الغزالي، إحياء علوم الدين، ٣/٦٥.

[٢٤] الجاحظ، الحيوان، ٣/٢٣٦، وفيه نسبة البيت إلى عبد الله بن معاوية.

[٢٥] أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤هـ)، الأمثال، ص١٨٥. ونسب بعض المتأخرين القول إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[٢٦] رواه أبو داود في السنن، رقم ٤٩١٨، والبخاري في الأدب المفرد، رقم ٢٣٩، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[٢٧] ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد (ت ٣٢٧هـ)، آداب الشافعي ومناقبه، دار الكتب العلمية، ص٦٩.

[٢٨] Stone & Heen (2014).

[٢٩] الأثر الأول: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٩/١١٣، رقم ٨٥٨٧، بنصه، والبيهقي في شعب الإيمان، طبعة الرشد، ١٠/٥١٠، رقم ٧٨٩٦، وقال محققه: “إسناده جيد”. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٧/٢٧١، رقم ١٢١٦٢: “رجاله رجال الصحيح”. والأثر الثاني: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٩/١١٤، رقم ٨٥٨٨، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد، ٧/٢٧١، رقم ١٢١٦٣، وقال: “رجاله رجال الصحيح”. والمقصود بالجزء والصفحة في مجمع الزوائد ترقيم النسخة المعروضة في مكتبة إسلام ويب. والأثران موقوفان على ابن مسعود رضي الله عنه.

[٣٠] Metcalfe, J., & Mischel, W. (1999). A hot/cool-system analysis of delay of gratification: Dynamics of willpower. Psychological Review, 106(1), 3–19: https://doi.org/10.1037/0033-295X.106.1.3

[٣١] Kross, E., & Ayduk, O. (2011). Making meaning out of negative experiences by self-distancing. Current Directions in Psychological Science, 20(3), 187–191: https://doi.org/10.1177/0963721411408883؛ وKross, E., et al. (2014). Self-talk as a regulatory mechanism: How you do it matters. Journal of Personality and Social Psychology, 106(2), 304–324: https://doi.org/10.1037/a0035173

[٣٢] البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨هـ)، السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، ١٠/٢٠٤، رقم ٢٠٣٧٢.

[٣٣] ابن أبي حاتم، آداب الشافعي ومناقبه، ص٦٩.

[٣٤] أبو عبيد، الأمثال، ص١٨٥.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى