الدينالفلسفة

نقد السَّفَّارِينِيّ لتعلّقات الصفات الإلهية عند الأشاعرة: عرض وتقويم([1])

د. جمعان بن محمد الشهري

 

 

فاتحة:

يقرّر الأشاعرة أن الصفات الإلهية قديمةٌ قائمةٌ بذات الله تعالى، وأن ارتباطها بمتعلَّقاتها يُفسَّر بمفهوم التعلّق؛ وهو نسبةٌ بين الصفة وما تقتضيه، لا صفةٌ وجوديةٌ متجدّدةٌ في الذات الإلهية.

ويثبتون التعلّق لستٍّ من صفات المعاني، دون الحياة؛ فيتعلّق العلم والكلام بالواجب والممكن والمستحيل، وتتعلّق القدرة والإرادة بالممكنات خاصةً، ويتعلّق السمع والبصر بالموجودات، مع تفصيلٍ وخلافٍ في بعض ذلك.

ويميّزون، بحسب الصفة ومتعلَّقها، بين التعلّق الصلوحي والتنجيزي، وبين القديم والحادث؛ قاصدين بذلك تفسير حدوث المقدورات وتجدّد الموجودات من غير القول بحدوث الصفات أو تجدّد شيءٍ في الذات الإلهية. فمحصّل موقفهم أن تجدّد المتعلَّقات لا يستلزم تجدّد الصفات، وأن ما يُنسب إلى التعلّق من حدوثٍ إنّما هو في النسبة والإضافة، لا في الصفة القائمة بالذات.

وفي ضوء هذا الأصل الأشعري يمكن تناول موقف السَّفَّارِينِيّ (1188 ه) النقدي، بتحرير محلّ اعتراضه أولًا، ثم النظر في مدى إصابته للحق في نقده، بمقارنة نقده بالموقف الصحيح، لا سيّما شيخ الإسلام ابن تيمية (728 ه) رحمه الله.

(1)

عرض نقد السَّفَّارِينِيّ:

للسفّاريني ثلاثة نصوص تتضمن نقدًا للأشاعرة في مسائل: تعلق القدرة، والإرادة، والتكوين.

فالنص الأول في تعلّق القدرة الأزلية، إذ يقول:

” صحّح بعض متأخري الأشعرية أن للقدرة الأزلية تعلّقين: تعلّقًا صلوحيًّا، وهو التعلّق الأزلي؛ بمعنى أنّها في الأزل صالحة للإيجاد والإعدام على وفق تعلّق الإرادة الأزلية بهما فيما لا يزال، وتعلّقًا تنجيزيًّا، وهو التعلّق الحادث المقارن لتعلّق الإرادة بالحدوث الحالي. وظاهر كلام علمائنا، بل وكلام الإمام أحمد أن تعلّق القدرة بالممكن تعلّق واحد مُغيًّا بغاية محدودة من الزمان، يوجد في ذلك الزمان المخصّص بالإرادة القديمة الأزلية، والله أعلم”([2]).

وفي النص يُلاحظ أنّ السَّفَّارِينِيّ يحكي عن بعض متأخري الأشعرية إثبات تعلقين للقدرة: صلوحي أزلي، وتنجيزي حادث عند وقوع المقدور، ثم يستظهر من كلام علماء مذهبه والإمام أحمد (241 ه) أن تعلق القدرة بالممكن تعلق واحد، يرتبط بوجود المقدور في الوقت الذي خصصته الإرادة الأزلية. وفي قوله: “وظاهر كلام…”= هو استنباطٌ منه لا نقل صريح عن الإمام أحمد.

وعلى هذا، فلبّ نقده أن بعض متأخري الأشعرية كثّروا تعلّق القدرة؛ إذ جعلوا لها تعلّقًا صلوحيًّا أزليًّا، ثم تعلّقًا تنجيزيًّا حادثًا عند وقوع المقدور.

أما السَّفَّارِينِيّ فيرجّح أن القدرة تتعلّق بالممكن تعلّقًا واحدًا، وأن الذي يتغيّر ليس نفس التعلّق، بل زمن وجود المقدور، وهو زمن سبق تخصيصه بالإرادة الأزلية.

ومن هنا كان اعتراضه متوجّهًا إلى التصور الكلامي الذي افترض تنجيزًا حادثًا زائدًا على أصل التعلّق، مع أن القدرة قديمة، وتعيين وقت الإيجاد كافٍ في ردّه إلى الإرادة الأزلية المخصِّصة.

ويزداد هذا الإشكال ظهورًا بسبب اختلاف المتكلمين أنفسهم في باب التعلّقات؛ فمنهم من يثبت التعلّق التنجيزي الحادث، ومنهم من يصفه بأنه مجرد نسبة وإضافة لا تجدّد فيها، ومنهم من يناقش قدمه، وهو ما يفسّر اعتراض السَّفَّارِينِيّ على هذه التفريعات الاصطلاحية.

فالحاصل عنده أنّه لا حاجة إلى القول بأن للقدرة تعلّقين، أحدهما حادث، ما دامت القدرة نفسها قديمة، وما دام تعيين وقت الإيجاد راجعًا إلى الإرادة الأزلية، لا إلى تجدّد تعلّق جديد للقدرة.

وهذا هو النص الأول.

أمّا النص الثاني فهو في تعلّق الإرادة الأزليّة، وفي ذلك يقول السَّفَّارِينِيّ:

“… والأولى التعويل في إثبات عموم تعلّق الإرادة على الأدلة السمعية، مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. فإن قيل: يلزم من عموم تعلّق الإرادة نفيها؛ للزوم المحال، وهو أن نسبة الإرادة إلى الفعل والترك، وإلى جميع الأوقات، على السواء؛ إذ لو لم يجز تعلّقها بالطرف الآخر وفي الوقت الآخر، للزم نفي القدرة والاختيار. وإذا كانت على السواء، فتعلّقها بالفعل مثلًا دون الترك، وفي هذا الوقت دون غيره، مفتقر إلى مرجّح ومخصّص؛ لامتناع وقوع الممكن بلا مرجّح على رأي المتكلمين.

فالجواب: أن الإرادة تتعلّق بالمراد لذاتها، من غير افتقار إلى مرجّح آخر؛ لأنها صفة شأنها التخصيص والترجيح للمساوي والمرجوح. فإن قيل: فمع تعلّق الإرادة لا يبقى التمكّن من الترك، وينتفي الاختيار، فالجواب: أنه قد تقرر أن الوجوب بالاختيار محقّق للاختيار، ثم إنا نقول: قد تقدم ما يردّ مثل هذه الشبهة في كلام شيخ الإسلام”([3]).

ومحصل هذا النص أن السَّفَّارِينِيّ يقرر عموم تعلّق الإرادة بالممكنات، لكنّه لا يجعل إثبات هذا العموم مبنيًّا ابتداءً على مجرد التقرير الكلامي، بل يصرّح بأن الأولى في هذا الباب هو التعويل على الأدلة السمعية، مستدلًّا لذلك بالنص القرآني. ومن ثمّ، فهو يقدّم النص الشرعي بوصفه الأصل في تقرير عموم الإرادة، ثم يناقش الاعتراض الوارد على هذا الأصل؛ وهو اعتراض من استدلّ بقاعدة المتكلمين في أنّ الممكن لا يتحول إلى وجود في وقتٍ بعينه إلا بمرجّح، وإلا لزم أن يتحقق أمر جائز بلا سبب، وهو ما يرونه مستحيلًا.

فالمتكلمون يرون أن القدرة متساوية النسبة إلى الفعل والترك، فلا بد من مخصّص يرجّح أحدهما، وهو الإرادة. والسَّفَّارِينِيّ يقرّ بهذا الأصل، ويجيب على الاعتراض بأن الإرادة تتعلق بالمراد لذاتها من غير افتقار إلى مرجّحٍ آخر؛ لأن شأنها التخصيص والترجيح. فالإرادة عنده مرجّحة بذاتها، لا تحتاج إلى مرجّحٍ يخصّص تعلّقها بالفعل، كما لا تحتاج القدرة إلى قدرةٍ أخرى لتكون قدرة.

فالخلاف إذن ليس بين السَّفَّارِينِيّ والمتكلمين في كون الإرادة مرجّحة، بل بين السَّفَّارِينِيّ والمعترض في هل تحتاج الإرادة نفسها إلى مرجّح؛ إذ يركن المعترض إلى قاعدة: امتناع الترجيح بلا مرجّح، بينما يرى السَّفَّارِينِيّ أن التخصيص من شأن الإرادة ذاتها.

ثم إنّه يرفض أن يُجعل هذا العموم موقوفًا على مرجّحٍ زائد على الإرادة نفسها؛ لأن الإرادة عنده صفة تخصيصٍ وترجيحٍ بذاتها، فلا تحتاج إلى مخصّصٍ آخر وراءها. ثم يوجّه نقده إلى بعض متأخري الأشعرية الذين سوّوا بين الإرادة والقدرة، فأثبتوا لها تعلّقين: صلوحيًّا أزليًّا، وتنجيزيًّا حادثًا عند وقوع المراد، ثم قالوا بزوال التعلّق الحادث بعد الوقوع مع بقاء الصلوحي. وهنا يشير السَّفَّارِينِيّ بقوله: “وتقدّم ما فيه”، أي إنّ ما سبق من اعتراضه في باب القدرة جارٍ هنا أيضًا؛ فلا حاجة إلى هذا التفريع الاصطلاحي في الإرادة، كما لا حاجة إليه في القدرة.

وعليه، فإن نقد السَّفَّارِينِيّ لهؤلاء يتجه من جهتين:

الأولى: خطؤهم في تفسير التخصيص؛ إذ صاغوا الإشكال على نحو يوهم أن الإرادة، إذا كانت عامة التعلّق، لزم أن تكون نسبتها إلى جميع الأطراف على السواء، فلا بد حينئذ من مرجّحٍ آخر؛ غير أن السَّفَّارِينِيّ يجعل المرجّح هو الإرادة نفسها، لكونها المبدأ الكافي للتخصيص.
والثانية: خطؤهم في تفريع التعلّقات؛ إذ أثبتوا للإرادة تعلّقًا صلوحيًّا أزليًّا وتعلّقًا تنجيزيًّا حادثًا، وهو تعقيدٌ لا يلزم في نظره؛ إذ يكفي في الإرادة تعلّقها بالمراد على وجه التخصيص والترجيح، دون حاجة إلى تعلّقٍ ثانٍ يسبقه أو يلحقه.

ولما أُوردت شبهة أن تعلّق الإرادة بالفعل يرفع التمكّن من الترك وينافي الاختيار، لم يكتفِ السَّفَّارِينِيّ بالجواب المختصر القائل بأن الوجوب بالاختيار محقّق للاختيار، بل أحال أيضًا إلى ما سبق تقريره في كلام شيخ الإسلام، مما يدل على أنه يعتمد هذا المسلك في استكمال الرد، ويراه كافيًا في نقض الشبهة.

ويلاحظ أن السَّفَّارِينِيّ يقرّ بأن الإرادة إذا تعلّقت بالفعل استلزمت وقوعه، وأن إمكان الترك ينتفي بعد وقوع الفعل لأنه قد حصل؛ لكنه يخالف المعترض في النتيجة، إذ يرى أن هذا لا ينفي الاختيار؛ لأن الوجوب نفسه حصل بواسطة اختيار الفاعل، فالاختيار باقٍ ومحقّق، والوجوب تابعٌ له لا مناقض له.

غير أن هذا التحقيق – وهو تحقيق السَّفَّارِينِيّ والمتكلمين – قد خالفه ابن تيمية؛ إذ لا يرضى بأن تكون الإرادة وحدها مرجّحًا للمتماثلين، بل يوجب أن يكون للترجيح مرجّحٌ هو الحكمة. فيقول في الرد على من جعل المرجّح القدرة والمشيئة: إن نسبة القدرة والمشيئة إلى جميع المتماثلات سواء، فلا يترتب على مجرد تعلّقهما ترجيح أحد الطرفين؛ بل لا بد من الحكمة التي تستلزم علم الحكيم بأن أحد الأمرين أولى من الآخر، وأن يكون الراجح أحبّ إليه من الآخر. وعندئذ لا يبقى الأمران متماثلين عند الله؛ لأن علمه وحكمته تفاضل بينهما، وإن عجزنا نحن عن إدراك هذا التفاضل.

وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية: “…وإذا قيل: المرجّح هو القدرة والمشيئة، قيل: نسبة القدرة والمشيئة إلى جميع المتماثلات سواء، فيمتنع الترجيح بمجرّد ذلك، فلا بد أن يكون المرجّح ما لله تعالى في ذلك من الحكمة، والحكمة تستلزم علم الحكيم بأنّ أحد الأمرين أولى من الآخر، وأن يكون ذلك الراجح أحبّ إليه من الآخر، وحينئذٍ فذلك يستلزم تفاصيل المعلومات المرادات، وذلك يمنع تساويها، وهو المطلوب”([4]).

فالمرجّح عند ابن تيمية ليس الإرادة وحدها، بل الإرادة الحكيمة العالمة؛ فلا يقع الترجيح بمجرد القدرة والمشيئة، بل بمقتضى الحكمة والعلم. وهذا خلافٌ حقيقي بينه وبين السَّفَّارِينِيّ: فالسَّفَّارِينِيّ يجعل الإرادة مرجّحةً بذاتها، وابن تيمية يشترط مرجّحًا للحكمة يقتضي الترجيح.

(2)

تقويم نقد السَّفَّارِينِيّ:

لكنّ الذي يؤخذ على السَّفَّارِينِيّ في نقده أنّه لم يُوفَّق إلى النقد الصحيح الذي يقرّره ابن تيمية؛ إذ يؤول نقد السَّفَّارِينِيّ إلى نفي أفعال الله الاختيارية، وإن كان يثبت الصفات عمومًا، وأفعال الله الاختيارية خصوصًا، على طريقة أهل السنة. غير أنّ مسلكه في هذا الموضع لا يطابق مسلك ابن تيمية في نقد تعلّقات الصفات الإلهية لدى الأشاعرة؛ فالسَّفَّارِينِيّ يقابل تعدّد تعلّق القدرة بوحدته، أمّا ابن تيمية فمحور اعتراضه حقيقة التعلّق المتجدّد، وما يفسّر حدوثه، وألّا يُجعل بديلًا اعتباريًّا عن إثبات الفعل الاختياري القائم بالله تعالى.

فالسَّفَّارِينِيّ في نصّه السابق يقرّر أمرين:

يحكي تقسيم بعض متأخري الأشاعرة تعلّق القدرة إلى صلوحي أزلي وتنجيزي حادث، ويستظهر في مقابل ذلك أنّ تعلّق القدرة بالممكن تعلّق واحد، مع وجود الممكن في الوقت المخصّص بالإرادة القديمة الأزلية.

فالمقابلة الظاهرة في عبارته بين تعلّقين وتعلّق واحد، وليس فيها تصريح بأنّ حدوث المقدور يقتضي فعلًا اختياريًّا متجدّدًا قائمًا بالله تعالى، متميّزًا عن المقدور المخلوق.
في حين يقول ابن تيمية في معنى الأمر الوجودي وتجدّده:

” فحدوث تعلّق هو نسبة وإضافة، من غير حدوث ما يوجب ذلك، ممتنع. فلا يحدث نسبة وإضافة إلا بحدوث أمر وجودي يقتضي ذلك”([5]).

ثم يقول:

“والطوائف متفقون على حدوث نسب وإضافات وتعلّقات، لكن حدوث النسب بدون حدوث ما يوجبها ممتنع”([6]).

فابن تيمية يسأل عن الأمر الوجودي الذي يفسّر حدوث هذا التعلّق، ويكون الجواب عنده بإثبات الأفعال الاختيارية، والتفريق بين فعل الخالق ومفعوله؛ وفي ذلك يقول:
“فالخلق فعل الخالق، والمخلوق مفعوله“([7]).

ثم يقرّر أنّ أفعاله تعالى:

“قائمة بذاته، مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته“([8]).

كما أنّه لا يكتفي، في تفسير وقوع الحادث في وقته، بالإحالة إلى قدرة وإرادة قديمتين، دون سبب يقتضي حدوثه حينئذٍ؛ وفي ذلك يقول:

“ولابد عند وجود المراد من سبب يقتضي حدوثه، وإلا فلو كان مجرد ما تقدم من الإرادة والقدرة كافيًا، للزم وجوده قبل ذلك“([9]).

وهذا التحرير والتفصيل لا نجده في كلام السَّفَّارِينِيّ هنا؛ فقد انشغل بمناقشة عدد التعلّقات وتكثّرها، في حين يناقش ابن تيمية الأساس الوجودي لتجدّد التعلقات، ويرفض الاكتفاء بالنسبة والإضافة دون ما يوجبهما.

ويُفهم من نقد السَّفَّارِينِيّ للتعلّقات الأشعرية أنّ القدرة والإرادة الأزليتين تكفيان تفسيرًا لحدوث المقدور؛ فيلزم من موقفه هذا= نفي الفعل الاختياري المتجدّد القائم بالله تعالى، وهو مخالف لموقف ابن تيمية من هذه المسألة.

بل إنّ قول السَّفَّارِينِيّ هو أحد أقوال الأشاعرة؛ فقد نقل المحقّق نزار حمّادي في حاشيته على رسالة السَّجَلْمَاسِيّ عن يحيى الشاوي (1096 ه) قوله:

“…فقد عيّن الله في أزله ما يوجده على حسب ما يوجده عليه، فيكون على هذا لها تعلّق واحد تنجيزي قديم، وهو تعيينها في الأزل كل ما يقع على نحو ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وعليه فليس لها تعلّق آخر تنجيزي حادث؛ إذ حيث عُيّن الشيء بوصفه ووقته التعيين التام بالإرادة التي هي القصد، فلا مزيد عليه”([10]).

وهذا شاهد واضح على وجود قول داخل المدرسة الأشعرية يفيد أنّ استظهار السَّفَّارِينِيّ أقوال أصحابه= لا يكفي لإخراجه عن الإطار الأشعري في تفسير التعلّقات؛ فقد ظهر من النص السابق القول بوحدة التعلّق، وذلك فيما نُقل عن الشاوي من إثبات تعلّق تنجيزي قديم للإرادة، يتناول المقدور بوصفه ووقته، دون تعلّق تنجيزي حادث زائد.

هذا في النص الثاني.

أما النص الثالث؛ نص التكوين، وموقف السَّفَّارِينِيّ من التفتازاني (792 ه) = فيقول السَّفَّارِينِيّ في ذلك:

“… ثم قال السعد التفتازاني: وهذا – يعني إبطال القول بأن الفعل هو المفعول – لا يتم إلا بإثبات أن تكوّن الأشياء وصدورها عن الباري تعالى يتوقف على صفة حقيقية قائمة بالذات، مغايرة للقدرة والإرادة.

قال: والتحقيق أن تعلق القدرة على وفق الإرادة بوجود المقدور لوقت وجوده، إذا نُسب إلى القدرة يُسمّى إيجابها له، وإذا نُسب إلى القادر يُسمّى الخلق والتكوين ونحو ذلك؛ فحقيقته كون الذات بحيث تعلقت قدرته بوجود المقدور لوقته، ثم تتحقق بحسب خصوصيات المقدورات خصوصيات الأفعال كالترزيق والتصوير والإحياء والإماتة، وغير ذلك إلى ما لا يكاد يتناهى.

قال: وأما كون كلٍّ من ذلك صفةً حقيقية أزلية، فمما تفرّد به بعض علماء ما وراء النهر، وفيه تكثيرٌ للقدماء جدًا وإن لم تكن متغايرة. قال: والأقرب ما ذهب إليه المحققون منهم، وهو أن مرجع الكل إلى التكوين؛ فإنّه إن تعلق بالحياة سُمّي إحياءً، وبالموت إماتةً، وبالصورة تصويرًا، وبالرزق ترزيقًا، إلى غير ذلك، فالكل تكوين، وإنّما الخصوص بخصوصية التعلقات. انتهى. ومراده بقوله([11]): مما تفرّد به بعض علماء ما وراء النهر، يعني علماء الكلام؛ وإلا فهو مذهب السلف الذي لا يُعدَل عنه إلا إلى آراء متهافتة، وتخيّلات متفاوتة، ونُحاتة أذهانٍ قد انحرفت عن جادة المأثور، وزبالات أنظارٍ قد انفلتت عن المنهج المشهور إلى التهافات الفلسفية والتخيّلات الكلامية.

ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية – قدّس الله روحه – في شرح العقائد الأصفهانية: الصواب أن الخلق غير المخلوق. قال: والذين يقولون الخلق هو المخلوق، قولهم فاسد، وبيّن وجه فساده، وذكر من الآيات القرآنية والأخبار النبوية الدالة على هذا الأصل شيئًا كثيرًا”([12]).

ففي هذا النص ينقل السَّفَّارِينِيّ عن التفتازاني أنّه أثبت التكوين صفةً حقيقيةً أزليةً قائمةً بالذات، مغايرةً للقدرة والإرادة، وأنّ هذه الصفة الواحدة تتعلّق بالمقدورات المختلفة فتتنوع بها الأفعال: فتعلّقها بالحياة إحياءً، وبالموت إماتةً، وبالصورة تصويرًا، وبالرزق ترزيقًا. ثم ينتقد التفتازاني من جعل كل فعل من تلك الأفعال صفةً حقيقيةً أزليةً مستقلةً قائمةً بالذات، ويصفهم بأنّهم مما تفرّد به بعض علماء ما وراء النهر.

فالسَّفَّارِينِيّ يعترض على التفتازاني من جهتين:

الأولى أن التفسير العلائقي – أي جعل التكوين تعلّق القدرة بالإرادة لا صفة قائمة بالذات – ليس بدعة كلامية، بل هو عند السَّفَّارِينِيّ مذهب السلف بمعنى الإسناد التأويلي: إذ يرى أنّه يوافق إثبات السلف للقدرة والإرادة القديمتين مع حدوث الفعل؛ والثانية أن حصر أصحاب هذا التوجه في علماء ما وراء النهر غير دقيق، إذ فسّرهم السَّفَّارِينِيّ بأنهم علماء الكلام عمومًا.

فمحلّ نقد السَّفَّارِينِيّ لا يتجه إلى التفسير العلائقي ذاته – فهو الذي يدافع عنه – وإنّما يتجه إلى نفي وصف التفتازاني إياه بالبدعة الكلامية، وإلى الدفاع عن أنه مذهب السلف.

وأما ابن تيمية فلا يكتفي بجعل التكوين مجرد تعلّق القدرة بالإرادة، بل يثبت أن الخلق فعلٌ حقيقيٌّ لله غير المخلوق، واقعٌ بقدرته وإرادته؛ فلا يُختصر في مجرد التعلّق، ولا يُعدّ عين المفعول. ولهذا كان استشهاد السَّفَّارِينِيّ بابن تيمية في قوله: “الخلق غير المخلوق”= صحيحًا في نفيه أن الخلق هو المخلوق، لكنّه لا يعني أن ابن تيمية يوافق التفتازاني أو السَّفَّارِينِيّ في حصر التكوين في التعلّق.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – 

([1]) نُشر أصل هذه المادة في كتاب: المنظور الأشعري للسببية الخاصة: قراءة نقدية، د. جمعان الشهري، دار مقاربة، ط1، 2026م، وقد جاء هذا التحرير ليُبرز تقويماً لنقد السَّفَّارِينِيّ لم يكن ظاهراً بنفس الجلاء في الكتاب المذكور.

([2]) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السَّفَّارِينِيّ الحنبلي، مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق، ط2، 1982 م، 1/153 – 154.

([3]) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السَّفَّارِينِيّ الحنبلي، مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق، ط2، 1982 م، 1/155.

([4]) درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، السعودية، ط2، 1991 م، 4/203.

([5]) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 6/229.

([6]) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 6/229.

([7]) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 6/229.

([8]) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 6/230.

([9]) جامع الرسائل، لابن تيمية، 2/21.

([10]) يحيى الشاوي، نقلًا عن: السَّجَلْمَاسِيّ، رسالة في تعلّقات صفات الله عز وجل، ت: نزار حمادي، صـ43، حاشية رقم:(1).

([11]) تعقيب السَّفَّارِينِيّ.

([12]) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السَّفَّارِينِيّ الحنبلي، مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق، ط2، 1982 م، 1/255 -256.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى