التربية والتعليمفكر وثقافة

المكوث مع النفس: بين حرية الانتباه وعبودية الشرود الذهني

محمد السفياني

 

من أمارات الصحة العقلية والسواء النفسي تقبُّل المكوث مع العقل، والإنصات إليه، والاستغراق في اللحظة، ومن أمارات الاضطراب العقلي والاعتلال النفسي أن تتفلت أفكارك وجوارحك إلى الأُلهيات والمشتّتات، لا من أجل الأُلهيات والمشتّتات في حدّ ذاتها، بل من أجل الهروب من تكاليف المكوث مع النفس.

وهذا جليٌّ لا ينازع فيه منازع، ولكن الخفي والمظلم أن للنفس البشرية طرائقَ غاية في الذكاء والمكر والحيلة في تمرير أهوائها ورغائبها علينا وتبريرها بالمستندات العقلانية، مثل إيهامنا أن الإيغالَ في الأُلهيات والمشتّتات ليس انسحابًا من آنيَّة اللحظة، ولا نكوصًا عن متطلباتها، بل هو حُسْن إدارةٍ للوقت، واستغلالٌ مفيد لأوقات الفراغ، وربما احتياجٌ مزاجيٌّ موسيقي إلى كوبليهات الست واصطباحات فيروز، أو ربما كانت -وآه كم ضرّنا هذا الزّعم- ضرورةً معرفيةً تحتّمها مسؤولية المثقّف في مواكبة مستجدات واقعه وتوسيع أفق مسموعاته ومرئياته!

حين كنت أذهب إلى العمل بضجيج داخلي، وأفكار مشحونة، ومشاعر فيّاضة مضطربة، كنت ألاحظ نفسي تميل إلى الانفصال عن المحيط الخارجي، نحو خَلْق عالمي الخاصّ، عالمٍ أصوغه وأشكّله بأدواتي الخاصة، عبر الوسيلة التقنيّة السَّاحرة، التي تفتح لي عوالم الخلوة مع موادي الصوتيّة والمرئية المفضَّلة، سمّاعات الأذن، إن مجرّد ارتدائها كفيل بالصراخ في الآخرين: لا تحدّثوني، وحين يحدِّثني أحدهم أسعى جاهدًا للتخلُّص من محادثته والعودة لما أنا مستغرقٌ فيه، لكن مهلاً، هل كنت حريصًا على فوائد المادّة المسموعة وحريصًا على التحصيل المعرفي؟ أم كنت أخشى التواصل الاجتماعي وأهابه لأني خائر القوى، ومرهق الذِّهن، ومستنزف الشعور، وعاجزٌ عجزًا نفسيًّا عن إتمام محادثة اجتماعية طبيعيَّة؟

للموضوع أبعادٌ غائرة، تضرب بجذورها في الأمزجة الإنسانية، بُعدٌ متعلق بالطباع والأزمات النفسيَّة كالخجل والرّهاب، وبُعدٌ متعلق بالعُقَد الذاتية مثل عُقدة الكمال، وبعدٌ متعلق بظروف العلاقات الاجتماعية في الفضاء العام (العمل، وسائل النقل، أماكن الترفيه) وخصائصها العجولة السريعة التي تطالبك باكتساب مهارات حديث المصعد⁽¹⁾ لأن الكل منشغلون، وبعدٌ متعلق بالريلز والتيك توك ووسائل التواصل، نعم يا صاحبي، للسواء علاقة بالريلز، ولك العجب، “والدّهر قد يأتي بما هو أعجبُ”!

أما الطِّباع النفسية فمنها السلوكيّات القهرية -ونحن كلُّنا ذوات تمارس سلوكيّات قهرية بنسب متفاوتة- كاجترار التفكير في أحداث الماضي، أو العلوق في تخيُّل المستقبل، فالإنسان الذي يعيش في أي منهما دون الحاضر إنسان مقهور، مكبوت، يستجرّ ماضيًا لا يمكنه تغييره، ويَخلق مستقبلاً يعجز عن المكوث فيه، ومن هذا السلوك مثلاً، تنشأ اللَّهفة لشتّى أنواع الموادّ الإدمانية، وأحدها -ما نحن بصدده هنا- أعني إدمان توجيه عملية الوعي نحوَ أي مشتّتاتٍ تفصل المرء عن اللحظة الراهنة والمكان الرَّاهن، تسكينًا للألم، وتخديرًا للوجع، وهربًا من استجرار الأفكار القهرية.

في علم النفس الوظيفي المبني على نظرية التطور (Functionalism)⁽²⁾ يقولون إن وظيفة التفكير في الماضي تهدف إلى الاستفادة من الخبرات السابقة، ووظيفة التفكير في المستقبل تهدف إلى تلافي المشكلات المحتملة، وكلاهما يخدم مهمةً مركزيّة لبقاء النوع الإنساني. ولكن الشطط البشري يكون بالإفراط في أحدهما دون وجاهة منطقية مقنعة، ودون غاية وظيفية مقصودة، وحينئذٍ، فالاستغراق في الأول يعني الاكتئاب، والاستغراق في الثاني يعني القلق المرضي. والقلق المرضي والاكتئاب مؤدّيان إلى السلوكيَّات القهرية غالبًا، كما أن السلوكيَّات القهريَّة تؤدي إلى الاكتئاب والقلق المرضي دائمًا.

حالة الطيّار الآلي (Cognitive Disengagement)

مع تطور علم النفس المعرفي أصدرت عالمة النفس الأمريكية إلين لانقر (Ellen Langer) دراستها الرائدة “اليقظة الذهنية”⁽³⁾ واستعرضت في هذا البحث أضرار تفاقم السلوكيات الإنسانية التي تُمارس دون حضور عمليّة الوعي أو الإدراك أو الانتباه (مثل التنفس وقيادة السيارة وربط الحذاء إلخ) ثم شاع من هنا مفهوم اليقظة الذهنية بكل أبعاده بحيث أصبح يمثّل مدرسة من مدارس العلاج المعرفي، لها مصطلحاتها وأدبيّاتها ومنظّروها، وأحد المصطلحات الشائعة لهذه المدرسة هو مصطلح الطيار الآلي (Autopilot) وأحد منظّريها الذين أشاعوا استعماله هو الفيلسوف الأمريكي جون كابات زين (Jon Kabat-Zinn) حين استخدمَه ضمن مدرسته العلاجية المعروفة بترشيد التوتّر باليقظة الذّهنية (MBSR)⁽⁴⁾. إن وضع الطيار الآلي -وفق الدراسات الوظيفية- يساعدنا على أداء الروتين اليومي، كالاستحمام والقيادة وتجهيز القهوة ونحو ذلك، وبهذا يعمل على توفير الطاقة الذهنية للأمور التي تتطلب تركيزًا وجهدًا موجّهًا، مثل حل المشكلات واتخاذ القرارات.

تنشأ المشكلة حين يتفاقم وضع الطيّار الآلي فيهيمن على لحظات يومنا، ويغرقنا في التفكير في الماضي أو التخطيط للمستقبل، وبهذا يفقدنا تذوّق الحاضر واستشعاره والانهماك فيه، فضلاً عن ملاحظته ورصده بُغية تحسينه. في دراسة رائعة نُشرت في مجلة (Science)⁽⁵⁾ أراد الباحثان (Killingsworth & Gilbert) دراسة علاقة شرود الذهن بالتعاسة أو السعادة، وكانت منهجية الدراسة غاية في الإبداع، إذ أنشأ الباحثان تطبيقًا على آيفون، وجمعا له أكثر من خمسة آلاف مستخدم، من ثلاث وثمانين دولة، تتراوح أعمارهم من الثالثة عشرة حتى الثامنة والثمانين، صُمّمَ التطبيق بحيث يرسل تنبيهات عشوائية في أوقات متفرقة من اليوم، كل تنبيه يسأل ثلاثة أسئلة: ماذا تفعل الآن؟ هل تفكر في غير ما تفعل الآن؟ ما مدى سعادتك الآن؟ وكان مقياس السعادة (من 0 إلى 100) وجمعت الدراسة أكثر من 250,000 نقطة بيانات لحظية، فكانت النتائج صادمة! 

  • 46.9% من حالات المشاركين بيّنت أنهم شاردو الأذهان أي: لا يفكرون فيما يفعلونه في تلك اللحظة.
  • كان المشاركون أقل سعادة حال شرود أذهانهم، بصرف النظر عن طبيعة النشاط الذي يمارسونه.
  • حتى أثناء ممارسة الأنشطة الممتعة أو المحايدة، كان الشرود الذهني مرتبطًا أيضًا بانخفاض مستوى السعادة.
  • محتوى شرود الذهن (سواء كان ممتعًا كتخطيط لرحلة أو محايدًا مثل ترتيب جدول اليوم، أو مزعجًا مثل التفكير في موقف محرج) يكون دائمًا -وهذه جزئية مخيفة- أقل سعادة مقارنة بنسبة السعادة حال البقاء في اللحظة.
  • كانت الأنشطة التي يغلب عليها حضور الذهن (مثل: العلاقة الحميمية، التمرين، التواصل الفعّال) مرتبطة بأعلى مستويات السعادة.

ومن هنا تخلص الدراسة إلى نتائج، منها أن الانتباه للحاضر (اليقظة الذهنية) عامل رئيس في رفع مستويات السعادة، ربما أكثر أهمية من طبيعة النشاط نفسه، وأن شرود الذهن سبب يؤدي للتعاسة، وليس فقط نتيجة للتعاسة. فالشرود لا يأتي فقط لأننا غير سعداء، بل إننا نصبح غير سعداء عندما تعتاد أذهاننا السرحان في ملكوت الأفكار! ومن هنا تدعم الدراسة وتنوّه وتؤكد على ضرورة ممارسات مثل التأمل، وتدريب الانتباه، والعلاجات السلوكية المعرفية التي تعزز تركيز الإنسان وتوجّه عملية الوعي نحو اللحظة، ولا شيء غير اللحظة. 

لكن لماذا نشعر بالتعاسة حين تشرد أذهاننا؟ ما تعليل ذلك الارتباط؟ ثمة تعليلات شتّى، لكن عمدتها في نظري أننا حين نشرد داخليًا ونركز على ماضينا أو مستقبلنا، أو ننشغل ذهنيًا عن اللحظة الراهنة بالحكم والنقد والفحص والمقارنة، نفقد قدرتنا على فضّ بكَارة الأشياء الآنية، نفشل في تذوّق جدّتها على عقولنا ومدركاتنا وحواسّنا، بل نفقد -أعمق من ذلك- مجريات أيامنا وأحداثها ومستجداتها، وحينئذ، نستشعر قبل خلودنا للنوم أنه مجرد يوم مملّ عابر، مضى كسابقاته دون أن يضفي علينا أي معنى، أو يزوّدنا بأي شعور. إن اعتياد ذلك لأمر قاسٍ، يملأ أيامنا بالفراغ والوحدة والخواء، ومن هذه المعاني الثلاثة تطلّ أنياب الاكتئاب.

ثم إن تفعيل وضع الطيّار الآلي يكبّل ذواتنا، ويجعل سلوكياتنا قسريّة، ويحرمها الوعيَ بإرادة الاختيار، وهذه المقاربة -على مستوى المدارس النفسانيّة- تمثّل معارضة جوهرية لأطروحة ألفريد إدلر حول الرغبة في التغيير، وهي الرغبة التي تبنى عليها كافّة مناهج إصلاح الروتين واكتساب العادات وتحسين جودة حياة الفرد، فالإنسان -في مدرسة العلاج النفسي الفردي- عند إدلر لا يكون عاجزًا عن التغيّر إلا حين يقرّر هو ألا يتغيّر، وذلك وفق ما يسمّيه باختيار أسلوب الحياة⁽⁶⁾ فإذا كان إدلر يرى القهر والكبت ناشئَين عن عجز الذوات عن اختيار التغيير من عدم التغيير، فكيف بالفرد السابح في ملكوت الشرود الذهني معظم يومه دون عناية بسؤال التغيير من عدم التغيير! 

ثم على المستوى الفلسفي النفسي نجد شرود الذهن ينسفُ أحد أهم ركائز العلاج النفسي الوجودي، المتمثلة في الحرية وما يتفرّع عنها من أدبيات ذلك المنهج، مثل المسؤولية والإرادة، فالإنسان عند الوجوديين -وعند جلّ الخلق إذا استثنينا طائفة من الشذَّاذ الحتميّين- مسؤول عن اختياراته وأفعاله، محكوم عليه بالحريّة على حدّ تعبير سارتر، وكل تلك الاختيارات والأفعال مسلوبة منه حتمًا حال شرود الذّهن.

يخبر أليكس -أحد المتعافين من الإدمان- أن ابنته عادت إلى المنزل مرةً ملؤها الحماسة، وأخبرته وهي تتشقّق فرحةً عن حصولها على درجة امتياز في العلوم، كان مبتهجًا بهذا الحدث، وبينما هو يستمع إليها شرد عقله في ماضيه، وتذكّر كيف كان جيدًا في العلوم، وكيف نصحه أحد أساتذته حينذاك بدراسة الهندسة، ثم شرد عقله إلى دهاليز مظلمة، كيف فشل في الالتحاق بالكلية، وكيف خسر فرصة تحسين معيشته، ثم أثارت عمليّات التذكّر تلك رغبته في تناول الشراب (تنبّه كيف تنشأ اللهفة للمادّة المُدمنَة كآلية دفاعية للدماغ للتخلُّص من الأفكار القهرية وهذا بابٌ بحثي عميق متعلق بعلم الأعصاب والبيولوجيا والكيمياء الحيوية) فقام وقال بغير شعور: أنا بحاجة لشرب الكحول! ففزعت ابنته وانزعجت وصرخت: أهذا كل ما تقوله لي لتشاركني الفرحة؟ 

أدرك أليكس حينئذ أنه أضاع فرصة تربوية مثاليّة للتعبير عن فخره بابنته، وعوضًا عن ذلك، تحوّل الموقف الإيجابي برمّته لموقف سلبي، أورثه مشاعر الخزي والمهانة، وسبب ذلك طبعًا شرود الذهن الذي أغفله عن متطلّبات اللحظة الآنية، إن هذه الأداة التحليلية لتفسّر لنا كثيرًا من مشاعر الوحدة والقلق والأسى وغيرها كثير، فعلى سبيل المثال، هل نحن وحيدون حقًا؟ أم أننا نتصل مع أصدقائنا جسديًا مع ذهن شارد فنفقد كل بريق للتواصل؟ نعجز عن تحسين تواصلنا، وتهذيبه، وتلافي مشكلاته، وأحيانًا تفوتنا فرصٌ عظيمة نحو الذهاب به لأبعاد إنسانية بعيدة! كأنْ يُفضي إلينا أحد الأصدقاء بأحد أعْلَق أسراره الدفينة، ويمكّننا من نفسه، ويسلّمنا أسطوانة الغَوْص بالعلاقة نحو أغوارٍ إنسانية عميقة، فلا يجد منّا إلا لَوْك الألفاظ المبتذلة عديمة المعنى، لأننا متقوقعون في ملكوتنا، منهمكون في تشييد عوالم عقولنا الأنانية البائسة.

ومن المصائب أيضًا أننا حين نكون في وضع الطيَّار الآلي نفقد استشعار العلامات الأوليَّة للعطَب (التغيرات الفسيولوجية في أجسادنا، التنبّه لمشاعر أصدقائنا العاتبة، ملاحظة المشكلات حال نشوئها) ففي علم الإدمان مثلًا، ثمّة مؤشرات فسيولوجية وشعوريّة لنشوء اللَّهفة الإدمانية، مثل تنمّل الأطراف، أو التوتر والقلق، بل أجسادنا مخلوقة في الأصل بإشعارات عصبيّة ومنبّهات تساعدنا على النجاة، مثل أمارات سوء المزاج على الجوع، والتثاؤب على النوم، وحين نكون في وضع الطيّار الآلي فإننا نفقد كل تلك الإشعارات لتعطّل أجهزة الاستقبال، فسرعان ما ننفجر غضبًا ثم نكتشف أننا كنا جائعين، ودائمًا ما نصرخ على الآخرين ثم نكتشف أننا مرهقون من ضغوط العمل، وهكذا. ومن تجربة ذاتية، أذكر أني كنت حال كتابتي الشعر أمكث أحيانًا خمس إلى ست ساعات في مكان واحد، دون طعام أو شراب، منهمكًا فيما أنا فيه من تدوين، وما إن أُتمّ آخر بيت في القصيدة ثم أقف على قدميّ حتى يدهمني طوفان عنيف من الغثيان والدُّوار، وشعور رهيب بالعطش والجوع، ورغبة عارمة في النوم، وكأنني كنت معطلاً كل حاسّة استقبال، ثم عاد الاتّصال فجأة، ودهمتني كل الإشعارات دفعةً واحدة، وهذا ما يحدث لنا جميعًا في وضع الطيّار الآلي.

الطيار الآلي ليس العزلة، بل نقيض العزلة

إن أحد أهم المضائق التي تعالجها هذه المقالة هو التفريق بين العزلة الإنسانية ذات الألق والبهجة والحُسْن، وبين الشرود الذهني المذموم، وذلك لكثرة ما يختلطان، وما ثَمّ مدخلٌ للتفريق أعمق من مدخل الاختيار والإرادة الحرّة، فالمعتزل مختارٌ لعزلته، واعٍ بها، فلو تخيّلنا مزارعًا قد اعتزل البشرية سنجده في بستانه، يؤدّي مهامّه من الري والسقاية على أتم وجه، يتلمّس أوراق الأشجار، ويُنصت لحفيف الأنهار، مستغرقًا في لحظته الراهنة منذ استيقاظه وحتى منامه، أما إنسان الطيّار الآلي فليس هو بالمضطر، ولا حتى يتراوح حاله بين الاختيار والاضطرار -لأن الحالين يقتضيان وعيًا حاضرًا بالاتجاهات المتاحة- بل هو قابعٌ في مرحلة سابقة على كل ذلك من السباحة اللاشعوريّة في عوالمه الخاصة، هو غير معنيّ بهذه المعادلة البتّة، هو نظام افتراضي يؤدي مهامّه اليوميّة بحالة شبيهة بأداء الآلة. في حين يتمثّل أحد أعمق مراحل العزلة المحمودة التي ينبّه على ضرورتها النسّاك والعارفون والفلاسفة القدماء والمُحدثين في أنها تقود الإنسان لأن يكون مختارًا لأفعاله، وهو ما يسمّونه بأصالة الأفعال، أي: أن تفعل ما تريد فعله حقًا دون ضغوط اجتماعية، وتجعل الإنسان متيقظًا لصيرورة أفكاره ومشاعره، لأنه تخلّى عن كل المؤثرات وبات يصطحب نفسه. فالعزلة دائمًا تستلزم توجيه الوعي، وليس كل توجيه وعي يستلزم العزلة.

وعن نفسي.. ما رأيتني قطّ في حال غبطة وحبُور إلا وأنا مستغرق في لحظتي الآنية، والعكس صحيح، ولقد نشأت فكرة المقالة برمّتها من خمسة أيام انتظَمَت فيها أيامي بجدول معرفي وسلوكي وغذائي صارم، وفي صباح اليوم السادس ذهبت للعمل، وكان بين محطة المترو ومقر عملي وصلةٌ تعرّضني لشمس الرياض في الظهيرة -التي عناها الأول بأنها تذيب دماغ الضّب والضبّ ذاهلٌ- وكنت اعتدت على أن أخصص لهذه الفقرة أهم المغذّيات النفسيّة من المحتويات الصوتية المفضلة، وكنت أرى استحالة قطعها مشيًا دون رافد يسلّيني، غير أني في ذلك اليوم مضيت وأنا أتحسس الشمس على رأسي، وأرسل بصري في حديقة كانت على ميسرتي، وحين قطعت منتصف الطريق انتبهت أني لم أشغل شيئًا، ثم استوعبت أني غير محتاج لتشغيل أي محتوى، ثم اكتشفت أني قادرٌ على حمل حقيبتي والمشي في الشمس وتحمّل حرارتها كبقية البشر، ومن هنا تخمّرت الفكرة في ذهني، علمتُ أنْ ما كان لي أبدًا فعل ذلك الفعل -دون مغذّيات نفسية- لو لم أكن في مزاج حسن، وليس لي بعد اليوم أن أستدلّ على حسن مزاجي من عدمه سوى بقدرتي على تحمّل لَفْحِ مثل هذه اللحظات السيئة دون ترطيب المغذّيات النفسية الصارفة للذهن. 

فِعْل التعقّل باعتباره علاجًا لانصراف الذّهن

يضربون في العلاج بالتقبّل والالتزام⁽⁷⁾ مثالاً لترويض الشرود الذهني يتناظر مع ترويض الخيول البريّة، فربما نستغرب حين نعرف أن قهر الحصان من أجل ترويضه هو أسوأ الحلول، والبديل عن ذلك أن يُطلق الحصان في البرية مربوطًا بحبل طويل، ليجريَ في حقل مفتوح، وعندما يشعر بالحريّة يسحب السائس الحبل ببطء حتى يتكيّف الحصان تدريجيًا ويسكُن ويطمئنّ، فيقترب منه ويطعمه ويسقيه ويرافقه. إن هذا هو النهج اللطيف الذي يتعين علينا تبنّيه مع أذهاننا، وهو الذي يسمّونه بالتعقّل. أي: تدريب النفس على الانتباه عن قصد وبمرونة إلى اللحظة الحالية بلطف ودون أحكام. وتفصيل التعريف:
أن الانتباه يعني توجيه وعينا عن قصد بغاية الخروج من حالة الطيار الآلي، واللحظة الحالية تعني العيش في اللحظة الحاضرة، دون انصراف لما قبل اللحظة من الماضي أو ما بعدها من المستقبل، والجزء الأخير من التعريف أننا نلاحظ بلطف ودون إصدار الأحكام، ذلك أن عقولنا مدرّبة على الحكم والنقد والفحص والتمحيص والمقارنة، وهذه هي ذاتها المنافذ التي تتجه منها عقولنا نحو شرود الذهن. أما المرونة في التعريف فتعني أنه من المفيد أحيانًا دخول حالة الطيار الآلي، وذلك للتفكير في حل مشكلة شخصية أو عملية أو عائلية بقدر ما تستلزم تلك المشكلة من وقت ثم سرعان ما نعود. ومن العلاجات المعرفية السلوكية المفيدة في هذا الباب: تمارين التأمل، والانتباه لعملية التنفس، وتكثيف ملاحظة عمل الحواس الخمس، ومراقبة الأفكار، والانهماك في أنشطة آنية تستدعي حضور الذهن، كما أن الخشوع في الصلاة محك معياري نموذجي لحكم المرء على نفسه في أوقات متفرّقة خلال اليوم، أكان حاضر الذهن أم شارده.

خاتمة

إننا نعرف من الحياة صورًا، ومن صورها أن حلوها مختلطٌ بمرِّها، ومتداخل نافعها بضارِّها، فربما تجرّع المرء العسل المصفَّى فكان فيه داؤه، وربما ارتشفَ المرء مرارة الحنظَلة فكان فيها شفاؤه، إن مبنى النفع والضرر يكون على مقدار الغَرْف بقدر ما يكون على نوع الصنف، ومن هنا نجد أن تقنيات إدارة الوقت، ومهارات التنقُّل بين المهام، والسعي المحموم للإنجازات في ميادينَ متفرِّقة، والرغبة العارمة في تتبع جديد الترندات، والترصّد لأخبار العالم عبر السوشال ميديا، كل ذلك وحده كافٍ ومؤدٍ -إلا من تغمّده الله بلطفه- إلى صرف انتباهنا -تقول الدراسات إن البشر خلال عشرين سنة ماضية فقدوا 50% من قدراتهم على الانتباه⁽⁸⁾- وفقداننا اللحظة الرَّاهنة، وهي اللحظة التي يتمركز حولها سواؤنا النفسي حتى وإن كانت مضجرةً أو مملّة -بل هي حتمًا مملّةٌ ومضجرةٌ لأننا ذوات مدمنَة على خلق عوالمنا الفَرَدانيَّة ومواضيعنا وأجواءنا وفق ما تشتهي أنفسنا كما نفعل مع اختيار أصناف الطعام-.

لا بدّ أن نحتمل الحاضر الذي لا نستطيع تغييره، بل هو الذي يشترط علينا التغيير كي نتقبّله ومن ثَمّ كي نتذوّقه، إن السواء النفسي قابعٌ خارج دائرة فردانيتنا الجبانة الملفّعة بستار القوّة، وخارج دائرة أنانيتنا المحجّبة برداء الاكتفاء عن الخلق، إن السيطرة النفسيّة الحقّة لا تكمن في الانطواء في الداخل، بل تكمن في تقبُّل فقدان السيطرة في الخارج، عبر التماهي مع الموقف الآني، واستشعار ملامسته لجلودنا، وإن كانت وخزاته مؤلمة، فإن ألمه مثل ألم برودة الضمادات على جبين المحموم. إن هذه اللحظة الراهنة هي أصل حياة الإنسان الذي ما كان يملك الأُلهيات، ولا يملك المشتّتات، ولا يملك ألف خيار للانفصال عن الوجود، إنها لحظة تذوّق الوجود، لحظة مركزيّة وضرورية، وحتى في أشد مظاهرها كلوحًا وبشاعةً تكون مُحتملةً عند الأسوياء، وإن لم تكن محتملة فهي أهون ألف مرة من مغبَّة بديلها، إن الأصل في الإنسان أن يعيش في عالمه الذي قُذِف فيه، لا أن يقذف نفسه في عوالم يخلقها. إن حرارة الشمس لا تسبّب كل هذا الجزع إلا عند الإنسان الحديث الذي اعتاد عملية التحكم في درجة البرودة.

يا الله…

‏الأبوابُ المفتوحةُ توصِدُنِي

‏ساعدني كي أوصِدَها.

– محمد عبدالباري

“مرافعة ضد الأمل”⁽⁹⁾

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

المراجع

  1. “An elevator pitch” مهارة اجتماعية في التسويق، تزودك بالآليات اللازمة للتعريف بنفسك أو فكرتك أو علامتك التجارية، لجذب انتباه المستثمر في ثوانٍ معدودة لا تزيد على مدة استخدام المصعد.
  2. للاستزادة في علم النفس الوظيفي اقرأ:

–  Barkow, Jerome H., Leda Cosmides, and John Tooby, editors. The Adapted Mind: Evolutionary Psychology and the Generation of Culture. Oxford UP, 1992.

–  Buss, David M. Evolutionary Psychology: The New Science of the Mind. 6th ed., Routledge, 2019.

وللمصادر العربية اقرأ:

–  الحيوان الأخلاقي، كيف تشكلت الفطرة البشرية، لروبرت رايت، إصدارات نابو للنشر والتوزيع.

–  أساسيات علم النفس التطوري، شفيق حسّان، دار الرائد للنشر والتوزيع.

  1. Langer, Ellen J. Mindfulness. Addison-Wesley, 1989.

وللاستزادة من أطروحات المؤلفة راجع حلقتها هنا في بودكاست د. أندرو هوبرمان ولمحتوى عربي نافع في اليقظة الذهنية راجع هنا بودكاست الأخصائية النفسانية ديما نجار.

  1. Kabat-Zinn, Jon. Mindfulness Meditation for Pain Relief: Guided Practices for Reclaiming Your Body and Your Life. Sounds True, 2009.
  2. Killingsworth, Matthew A., and Daniel T. Gilbert. “A Wandering Mind Is an Unhappy Mind.” Science, vol. 330, no. 6006, 2010, p. 932.
  3. مفهوم أسلوب الحياة عند ألفريد إدلر أعمق من الاختزال الدارج للمصطلح في التعبير عن الروتين اليومي، وإنما يعني به نظرة الإنسان الوجودية إلى العالم وكيف يفسّره، ونظرته إلى نفسه وكيف يفسّرها، وللاستزادة من ذلك اقرأ مؤلفاته أو اقرأ الكتاب الذي هذَّب أفكاره في صيغة حوارات علاجية كتاب: شجاعة أن تكون غير محبوب.
  4. للاستزادة في مدرسة العلاج بالتقبل والالتزاماقرأ:

–  العلاج بالقبول والالتزام 100 نقطة رئيسية وأسلوب، تأليف ريتشارد بينيت وجوزيف أوليفر، وترجمة عمر صلاح سيد، مكتبة الأنجلو المصرية. ولدليل إرشادي في التعافي من السلوكيات الإدمانية عبر التقبل والالتزام اقرأ: اللهفة والإدمان لمجموعة مؤلفين، ترجمة عبدالجواد أبو زيد، مكتبة الأنجلو المصرية.

  1. Mark, Gloria. Attention Span: A Groundbreaking Way to Restore Balance, Happiness and Productivity. Hanover Square Press, 2023.
  2. ديوان لم يعد أزرقًا، دار صوفيا للنشر والتوزيع

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى