الفلسفةفكر وثقافة

في أساس الميزِ بينَ اللاهوت والفلسفة

جان-لوك ماريون

جامعة باريس – السوربون (باريس الرابعة)، فرنسا؛ جامعة شيكاغو، الولايات المتحدة الأمريكية

ترجمة/محمّد حسن إبراهيم*

 

نزاع الكليات

إنّ السؤال عن الفلسفة وعن تدريسها في الجامعة يفضي، على الدوام، إلى السؤال عن حرية البحث. فالفلسفة، شأنها شأن سائر التخصصات، لا يستطيعُ عملها أن يتفتّح/ينبسط إلا بشرط الحرية؛ بل إنّ حاجتها إلى الحرية أشدّ من حاجة أيّ تخصص آخر، لأنها لا تملك، على نحو ما تملكه التخصصات الأخرى، موضوعًا محددًا بمنهجٍ يُنشئه ويضبطه، وإنما يتعيّن عليها في كل مرة أن تشقّ الطريق الذي تسير فيه. غير أنّ الفلسفة لا تُدرَّس ولا تنمو إلا داخل أطر مؤسسية، وفي مقدمتها الجامعات. فكيف يتسنى لهذه المؤسسة أن تتيح حريةً غير مشروطة، أو تتسامح معها، بل تضمنها، وهي الشرط الذي يتوقف عليه كل شيء؟ وكيف يسع الفلسفة أن تطالب بهذه الحرية من غير أن تضع موضع التساؤل المؤسسة التي تنتمي إليها مع ذلك، ومن غير أن تدخل في نزاع مع التخصصات الأخرى؟

يتجلّى هذا الخطر بوضوح حين تحتكّ الفلسفة ــ كما تحتكّ صفيحتان تكتونيتان ــ باللاهوت؛ فهذا الأخير لا يستطيع إلا أن يُقرّ بسلطة معيارية، هي سلطة المعطى المُوحى به أولًا، ثم سلطة التعليم الكنسي من بعده، كما يصعب عليه أن يتفادى إغراء فرض معاييره ونتائجه على التخصصات الأخرى، وفي مقدمتها الفلسفة، سواء أكان ذلك إغراءً أم واجبًا في نظره. إنّ ما سمّاه كانط «تعارض الكليات» ــ أي التعارض بين اللاهوت والقانون والطب من جهة، والفلسفة من جهة أخرى ــ يعود في الحقيقة إلى نشأة الجامعات ذاتها؛ إذ أفضى منذ البداية إلى نزاع بين كلية اللاهوت وكلية الآداب، وظلّ يشقّ تاريخ الجامعة كله حتى يومنا هذا. ولعلّ أحد أقطع الخطوط الفاصلة بين الأنظمة الجامعية في العالم المعاصر هو الخط الذي يفصل الجامعات التي احتفظت بكلية للاهوت عن الجامعات التي ألغتها. ومن البديهي أنّ النزاع بين الكليات يبدو أشدّ وضوحًا في الجامعات التي أبقت الكليتين جنبًا إلى جنب، أي في المقام الأول في الجامعات الكاثوليكية. وهكذا تبدو الجامعات الكاثوليكية، على نحو مفارق، الميدان الأخصب لاحتمال النزاع الدائم بين الفلسفة واللاهوت.

ويختزل التفسير الشائع لهذا النزاع في مقابلةٍ بين كلية الفلسفة، التي يُفترض أنها تدافع عن حقوق العقل، أو على الأقل عن العقلانية، وكلية اللاهوت، التي يُفترض أنها تدافع عن حقوق الإيمان والوحي. ويُضاف إلى ذلك متغير آخر، إذ قد يمرّ خط المواجهة داخل كلية اللاهوت نفسها، بين التخصصات التي تُسمّى علمية، كالتفسير الكتابي وتاريخ الكنيسة وما إليهما، والتخصصات النظرية التأملية. بل قد يخترق خط المواجهة هذه التخصصات التأملية ذاتها، فيفصل بين المواقف المحافظة والطليعة التقدمية، وهلمّ جرًّا. ويمكن، اتباعًا لسلطة كانط على وجه الخصوص، أن نسلّم ــ على أنه شرّ لا بد منه ــ بأنّ «النزاع بين الكليات العليا [أي اللاهوت هنا] والكلية الدنيا [أي الفلسفة] سيكون أولًا حتميًّا، لكنه سيكون ثانيًا نزاعًا مشروعًا أيضًا»، بل إنه «قد لا ينتهي أبدًا»؛ لأنّ «كلية الفلسفة لا تستطيع أبدًا أن تلقي سلاحها أمام الخطر الذي يتهدد الحقيقة، التي أُنيط بها أمر حمايتها، إذ لن تتنازل الكليات العليا قط عن ادعائها الهيمنة» [1]. فلنعترف بأننا، كلما دار الكلام ــ في أغلب الأحيان، حتى داخل الجامعات الكاثوليكية ــ على «حرية البحث» في مواجهة سلطة التعليم الكنسي، فكّرنا على طريقة الكانطيين الملتزمين بحرفية المذهب.

غير أنّ غرضنا ليس الانحياز إلى أحد طرفي هذا النزاع، ولا حتى السعي، بعد مساعي كثيرين، إلى التوفيق بينهما؛ وإنما غرضنا أن نعيد مساءلة الحدود المفهومية ذاتها التي تُرسم بها العلاقة بين الفلسفة واللاهوت. فقد يكون غموض هذه المفاهيم، بل الالتباس الذي يكتنف تعريفاتها، هو ما يمنع كل جلاءٍ للغموض فحسب، وإنما يشكّل صميم المشكلة نفسها، إذ لا أحد يعرف على وجه الدقة ما الذي يدافع عنه، ولا ما الذي يدافع عنه في مواجهته. ذلك أنّ نزاع الكليات يفترض أن نحدّد، ابتداءً، ما الذي نعارضه، حتى يتسنى لنا بعد ذلك أن نعيّن الفارق بين التخصصات تعيينًا واضحًا. لكن هذا الفارق يُفترض، في معظم الأحيان، أنه معلوم سلفًا ولا لبس فيه. وسنبيّن، على العكس من ذلك، أنّ الأمر لم يعد بدهيًّا اليوم؛ فحال الفلسفة المعاصرة ــ أي حالها في «نهاية الميتافيزيقا» وما تفتحه هذه النهاية للفكر من إمكانات جذرية [2] ــ يجعل المعايير التي اعتُمدت حتى الآن للتمييز الصارم بين الفلسفة واللاهوت، ومن ثم لوصف النزاع المفترض بينهما، معايير إشكالية، بل ربما بالية. ولعلّ ضياع المعايير المألوفة التي كان يُستند إليها في التفريق بينهما يجعل النزاع نفسه متجاوزًا، ويمهّد لعلاقة مغايرة تمامًا بينهما.

ملاحظات تاريخية موجزة

قبل الخوض في أيّ نقاش مفهومي، يحسن بنا أن نستحضر حقيقتين تاريخيتين تقوم عليهما المسألة التي طرحناها آنفًا. أولاهما أنّ الفكر المسيحي، حين اضطلع بمهمة عرض وحي الله في يسوع المسيح، وجعله جديرًا بالتصديق، ومن ثم صوغه في مفاهيم، لم يلجأ إلى مصطلح «اللاهوت». فهذا المصطلح يخصّ أقوال الشعراء وأوائل المفكرين اليونان في الإلهي، وهي أقوال واقعة تحت خطر مزدوج: أولهما اللاتحديد في معنى الآلهة والإلهي، وهو ما يقطع معه الوحي الكتابي قطعًا تامًّا بتسميته الإله الواحد الذي لا يقاس إليه شيء؛ وثانيهما التسليم غير النقدي بإمكان قول أيّ شيء عن الله، لا عن إله الوحي وحده، بل عن إله لا يُعبَّر عنه ومجهول الاسم بما هو كذلك، لكنه يمارس، على نحو مفارق، وظيفة «اللوغوس» (‎λόγος‎) فيتكلم عن نفسه، فيفرض بذلك لاهوتًا (‎theo-logy‎) [3].

ومن هذا المنظور أعاد ديونيسيوس الأريوباغي إدخال المصطلح، حين استخدم «اللاهوتات» الإيجابية والسلبية، مستعيدًا الأسماء التي يطلقها الله على ذاته في الكتب المقدسة ومرددًا إياها، على نحو يختلف بطبيعة الحال عن كل ضرب من ضروب الأفلاطونية المحدثة. ولم يُكتب للمصطلح أن يُعتمد نهائيًّا في الاستعمال المسيحي إلا مع أبيلار، ثم مع تأسيس توما الأكويني اللاهوتَ علمًا. وحقيقٌ بأن يثير دهشتنا، ويحذّرنا من الاطمئنان إلى بداهة مفهوم «اللاهوت»، أنّ الفكر المسيحي قد تجاهل لفظ «اللاهوت» طوال اثني عشر قرنًا، وهي القرون نفسها التي صاغ فيها أهمّ مفاهيمه، تلك التي لا يزال خطابنا قائمًا عليها حتى اليوم؛ أو قل إنه لم يكن في حاجة فعلية إلى هذا اللفظ. فكيف لا يظلّ هذا الغياب الطويل لمصطلح ‎theologia‎ عن تاريخ «اللاهوت» مؤثرًا في منزلته الراهنة؟ إنّ تحفّظ القديس أوغسطينوس، مثلًا، إزاء لفظ ‎theologia‎ يقودنا، حين نفحص أسبابه، إلى مفاجأة أخرى: وهي إمكان التكافؤ بين اللاهوت والفلسفة. فعندما يورد التعريف الأدنى: «اللاهوت، وهو لفظ يوناني، نفهم منه النظر في الألوهية أو الخطاب فيها [4]»، لا يكون المقصود بعدُ ما سيطلق عليه المحدثون اسم اللاهوت بمعنييه المتقابلين، أي معرفة الوحي من جهة، و«اللاهوت العقلي» من جهة أخرى، بوصفه قسمًا من الميتافيزيقا الخاصة، التي يضبطها بدورها علم ما وراء الطبيعة العام، أو الأنطولوجيا [5]. إنّ الأمر هنا أضيق من ذلك بكثير؛ ولا يتجاوز الإشارة إلى الاستعمال الذي اقترحه فارو حين قال إنّ للاهوت ثلاثة أجناس، أي ثلاثة أنحاء من النظر العقلي في الآلهة: جنسًا أسطوريًّا، وجنسًا طبيعيًّا ــ ويُراد به كلام الفلاسفة في الطبيعة وحركات الأفلاك ــ وجنسًا مدنيًّا أو سياسيًّا. [6] وبعبارة أخرى، ثمة لاهوت الشعراء الذين يروون أخبار الآلهة، ولاهوت الفلاسفة الذين يتأملون حركات النجوم، ولاهوت الكهنة الذين يقيمون شعائر المدينة [7].

ولا يقبل القديس أوغسطينوس أن يكون «لاهوتيًّا» بالمعنى الأول أو الثالث: فلا هو لاهوت الشعراء، الذين تنال خرافاتهم السخيفة المنافية للأخلاق من الألوهية وتفترِي عليها، ولا هو لاهوت المدينة، الذي لا يعدو أن يكون أداة سياسية تعكس دعاوى المدينة الأيديولوجية. ولا يبقى، من ثم، إلا «اللاهوت العقلي»، الذي قبله فارو وكثير من الفلاسفة [8]. وتنبع مكانة هذا اللاهوت من أنه يتناول قسمًا من الفلسفة ــ أعني علم الطبيعة، أو علم الكون على وجه أدق ــ ويبحث عمّا في الطبيعة، ولا سيما في انتظام الحركات السماوية، مما يقارب الثبات الإلهي. ولما كان الفلاسفة وحدهم يبلغون هذه العقلانية الضيقة، وإن كانت حقيقية، فإنّ الفكر المسيحي ــ أي ما نسمّيه اليوم لاهوتًا ــ لا يستطيع أن يحاور إلا هؤلاء الفلاسفة، لا «اللاهوتات» الوثنية الأخرى الخالية من كل عقلانية: «ليس الحوار مع أيّ إنسان كان، بل ينبغي أن يكون مع الفلاسفة» [9].

وعلى هذا، وبالمعنى الدقيق الذي فهمه أوغسطينوس نفسه، لم يشتغل هذا القديس، إلا في نطاق هامشي جدًّا، بوصفه لاهوتيًّا؛ بل لعله كان يرضى بأن يُعدّ فيلسوفًا، إذا فُهم الفيلسوف بمعنى محبّ الله. ومن هنا عبارته الحاسمة: «الفيلسوف الحق هو محبّ الله» [10]. ولا ريب في أنّ هذا المعنى للفلسفة لا يكاد يمتّ بصلة إلى الاستعمال المعاصر للمصطلح. ومع ذلك تظلّ هذه حقيقة تاريخية، وقد استمرّت ما دام تعبير «الفلسفة المسيحية» يُطلق على الحياة الرهبانية، وعلى نمط الحياة المسيحية بمعناه الأوسع، إلى عهد إيراسموس على الأقل [11]. فليس لفظ «اللاهوت» هو الذي يحدّد بالضرورة ممارسة التفكير في الوحي؛ إذ قد تقوم «الفلسفة» مقامه، بحكم معناها الواضح، أي محبة الحكمة، ومحبة صاحب الحكمة ومصدرها. وعندئذ لا يعود تعارض الكليات أمرًا بديهيًّا، مثلما لا تعود التعريفات التي تُعطى للكليات المتعارضة أمرًا مسلّمًا به.

وعلى العكس، فإنّ التضاد بين ‎theologia‎ و‎philosophia‎ يفترض تنافسًا يمكن أن يضع إحداهما في مواجهة الأخرى، وهذا التنافس يفترض بدوره أرضية مشتركة للمواجهة. ولم تتوافر هذه الشروط تاريخيًّا إلا حين أفضى المناخ الفكري في عصر توما الأكويني إلى قرارين بارعين، وإن كانا مخصوصين للغاية.

كان القرار الأول أن يجمع توما، تحت اسم الميتافيزيقا، ثلاثة علوم لم يربط أرسطو بينها ربطًا مباشرًا: أولها «الفلسفة الأولى»، التي تبحث في العلل الأولى للأشياء، وتنتهي بذلك إلى الله؛ وثانيها الميتافيزيقا بمعناها الأضيق، التي تبحث في «الموجود بما هو موجود» وما يلحق به؛ وثالثها «العلم الإلهي» أو اللاهوت، الذي يتناول الجواهر المفارقة، وفي مقدمتها الله [12]. وقد اجتمعت هذه العلوم الثلاثة، منذ سواريز حتى كانط وما بعده، في صورة محددة هي التي سادت باسم نسق الميتافيزيقا: فالأنطولوجيا، أو الميتافيزيقا العامة، تبحث في الموجود من حيث هو موجود؛ أما الفلسفة الأولى فتنبسط في ميتافيزيقا خاصة ثلاثية، تضمّ إلى جانب علم الكون العقلي وعلم النفس العقلي ما سيُسمّى لاحقًا «اللاهوت العقلي» [13].

ومهمة هذا اللاهوت أن يتناول الله، أيًّا تكن حقيقته، بواسطة العقل المحض؛ فيبرهن، في نهاية المطاف، على وجوده، ثم يحدّد ماهيته بتعيين صفاته. وفي هذا الإطار وحده تسمح الفلسفة لله بأن يدخل مجالها، أي نسق الميتافيزيقا. ولولا إقامة هذا النسق لظلّ الله، وبخاصة إله الوحي، خارج متناول الفلسفة؛ ولا يعني ذلك أنّ الله في ذاته يصبح متاحًا لها بمجرد إقامة النسق. ولم يفهم أحدٌ هذا الأمر ويؤكده مثلما فعل توما الأكويني، إذ ميّز أوضح تمييز بين معنيين للاهوت: «فاللاهوت، أو العلم الإلهي، نوعان». فمن جهة، يبحث اللاهوت الذي أقامه الفلاسفة، وهو ما يُسمّى أيضًا الميتافيزيقا، في الأمور الإلهية بوصفها مبادئ لمعرفتهم، لا موضوعات لهذه المعرفة. ويظلّ الوحي مبدأً لبحثهم، من غير أن يكون في وسع العقل المحض أن يتخذه موضوعًا مباشرًا للدراسة. ومن جهة أخرى، لا تغدو الأمور الإلهية في ذاتها موضوعًا مباشرًا للبحث إلا للعقل المؤمن، الذي يبلغها بالإيمان بالكتب المقدسة، بوصفها موضوعًا مباشرًا للفهم. وهذا هو اللاهوت الذي يُسمّى الكتاب المقدس [14].

ينبغي، إذن، أن نميّز، بل أن نقابل، بين لاهوتين: لاهوت فلسفي يتصل بإله الوحي اتصالًا غير مباشر، من حيث إنّ هذا الإله مبدأ موضوعه، وقد صار مآله أن يندمج في نسق الميتافيزيقا بصفته لاهوتًا عقليًّا؛ ولاهوت الكتاب المقدس الحق، الذي يتصل مباشرة بإله الوحي بوصفه موضوعه، ويظلّ لذلك على مسافة من نسق الميتافيزيقا برمّته. وفي هذا السياق وحده يمكن تمييز النمطين ومقابلة أحدهما بالآخر، ثم دخولهما في مواجهة متبادلة. وقد ظهر ذلك سريعًا مع الإصلاح البروتستانتي؛ أما قبل التدشين الوسيطي، والتوماوي في المقام الأول، للفكر المسيحي، فلم يكن الأمر كذلك، لأنّ الفكر المسيحي في القرون الأولى والعصر الآبائي ــ وهو فكر لم يكن «لاهوتًا» بالمعنى الاصطلاحي ــ لم يكن يقرّ بالانقسام المزدوج بين اللاهوتين اللذين يُفترض أنهما يتنازعان على موضوع واحد. إنّ التمييز بين هذين النمطين من معرفة الله ذو تاريخ؛ فهو ليس أزليًّا، ولا يصحّ التعامل معه باعتباره أمرًا بديهيًّا.

معايير التمييز من وجهة النظر الفلسفية

نصل الآن إلى السؤال المفهومي: ما المعايير المتاحة لنا للتمييز ــ ومن ثم، ربما، للمقابلة ــ بين ما يُسمّى اليوم «الفلسفة» و«اللاهوت»؟ سنحاول فحصها انطلاقًا، أولًا، من وجهة النظر الفلسفية، إذ إنّ ذلك هو الأنسب في ندوة تنظمها كليات الفلسفة. ينبثق المعيار الأول مباشرة من إنشاء نسق الميتافيزيقا. فكل علم يتوقف على الميتافيزيقا العامة، أي الأنطولوجيا تحديدًا، من حيث إنه يتناول موضوعًا لا بدّ له، بطبيعة الحال، من أن يكون موجودًا؛ أي إنّه يتناول موجودًا من الموجودات. وينطبق هذا على كل ضرب من ضروب الميتافيزيقا الخاصة، وفي مقدمتها الله الذي يتناوله «اللاهوت العقلي». لذلك تبحث الميتافيزيقا في الله من جهة وجوده، أي من جهة البراهين على وجوده، ثم من جهة ماهيته. غير أنّ هذا ينطبق أيضًا على ما يحقّ للاهوت الكتاب المقدس أن يقوله عن الله بطريقته الخاصة. فلا بدّ لأحداث السرد الكتابي من أن تكون قابلة للإثبات: إذ ينبغي التحقق منها وفق مقتضيات علم التاريخ، والاستشهاد لها في النصوص وفق قواعد فقه اللغة، مع إعطاء المعنى الحرفي الأولوية دائمًا، وما إلى ذلك. وهكذا يخضع اللاهوتان للأنطولوجيا، ولا يكون الفرق بينهما إلا في مقدار «إيجابية» الموجودات التي يتناولانها، أي في درجة ما تتيحه تلك الموجودات من تحقق تجريبي كياني.

وفي الحقيقة، فإنّ هذا التمييز القائم على التبعية للأنطولوجيا، وإن نشأ مباشرة من نسق الميتافيزيقا، قد ظلّ قائمًا بعد أفول ذلك النسق، وواصل إنتاج آثاره بطرائق شتى. فمن دون أن نستحضر مفهوم «إيجابية» الوحي عند شيلنغ، نجد أمرًا شبيهًا به لدى هايدغر، الذي ظلّ يرى، سنة 1928، أنّ اللاهوت ــ سواء أكان فلسفيًّا أم غير فلسفي ــ «علم مستقلّ كيانيًّا على نحو تام»، بحكم «إيجابيته»، ولذلك فهو تابع لتحليل الدازاين، الذي يفترض، بوصفه أنطولوجيا تأسيسية، أولوية الأنطولوجيا بدرجة أشد [15]. ويمكن كذلك القول إنّ مشروع نزع الأسطرة الذي اضطلع به بولتمان يقوم على إخضاع اللاهوت، حتى اللاهوت المُوحى به، بل ولا سيما هذا الأخير، لتحديد ضيق للعقلانية الحديثة، هي في حقيقتها عقلانية تقنية، اتُّخذت بديلًا غير ممحّص للأنطولوجيا. ولا يختلف هذا في جوهره كثيرًا عن افتراضات كارناب المعاصرة، الذي اتخذ النقد المنطقي للغة شبهَ أنطولوجيا، على نحو غريب، ليهدم ما تصوّره تحت اسم الميتافيزيقا. أما المساعي التي ترمي إلى تصحيح اللاهوت باسم ما يُفترض أنه سلطة كل علم من «العلوم الإنسانية» البائدة ــ كعلم اللغة والتحليل النفسي وعلم الاجتماع والنظرية الأدبية ودراسات النوع الاجتماعي وغيرها ــ فلا تعدو، في جوهرها، أن تعيد إنتاج التكتيك نفسه، مستعينة ببدائل للأنطولوجيا أضعف فأضعف وأقلّ نقدًا فأقلّ.

لقد شاع هذا المعيار القائم على التبعية واستُعمل إلى حدّ يجعل من العسير الطعن في سلطانه. غير أنّ هذا السلطان يقوم على افتراض أساسي خطير، ومن ثم هشّ: فالتمييز بين العلوم الأنطولوجية والعلوم الكيانية يفترض، بطبيعة الحال، وجود أنطولوجيا لا تقبل المنازعة، أو على الأقل صورة مقنعة من مفهوم «الموجود بما هو موجود». ومن هنا يحقّ لنا أن نتساءل بجدّية عمّا إذا كان يمكن العثور اليوم على فلسفة تستطيع أن تدّعي لنفسها منزلة الأنطولوجيا، أي العلم الكلي بالموجود. ولا شكّ في أننا لا نفتقر إلى محاولات تزعم السيطرة على الأنطولوجيا أو استعادتها، ولا سيما في التقليدين التحليلي والتوماوي الجديد؛ لكنها لا تستطيع إعادة تعريف الموجود، حتى لو افترضنا إمكان تجاوز تعذّر تعريفه الذي ظلّ عصيًّا على الميتافيزيقا من دونس سكوتس إلى هيغل، كما أنها لا تستطيع كسر التناقض الكامن في ردّ الموجود إلى ما يمكن التفكير فيه (‎cogitabile‎)، ولا السيطرة على أولوية المفهوم في «مفهوم الموجود» (‎conceptus entis‎).

وإذا كان هايدغر نفسه قد اضطر إلى التخلي عن مشروع الإبقاء على الأنطولوجيا، حتى في صورة «الأنطولوجيا التأسيسية»، بل انتهى إلى هجر مصطلح الميتافيزيقا نفسه كي «يفكّر في الوجود من دون الموجود»، أي يفكر في الوجود من غير اعتبار للميتافيزيقا [16]؛ وإذا كان قد أدار ظهره، بمعنى ما، للموجود لصالح «الحدث-الاستملاك» (‎Ereignis‎) الذي «يتوارى فيه الوجود» [17]، فأيّ فيلسوف يستطيع اليوم أن يدّعي الأنطولوجيا، وهو يأخذ كلام هايدغر مأخذ الجد، ليخضع لها لاهوت الوحي أو حتى اللاهوت الفلسفي، إن ظلّ لهذا الأخير وجود؟ وبعبارة أخرى، لا تكون للأنطولوجيا ــ ومن ثم لأسبقيتها على كل علم كياني ــ دلالة إلا في ظل نظام ميتافيزيقي. فما مصيرها في نظام يتسم بـ«نهاية الميتافيزيقا»؟ وإذا كان الفكر قد وجد نفسه في وضع لا ميتافيزيقي، فهل يستطيع، بل هل ينبغي له، أن يتمسك بمعيار أنطولوجي لتمييز الفلسفة من لاهوت الوحي؟ وثمة حجة أخرى يمكن أن تُوجَّه إلى هذا التمييز القائم على التقابل بين الأنطولوجي والكياني: فليس من الواضح أنّ لاهوت الكتاب المقدس يظلّ علمًا كيانيًّا محضًا، لمجرد أنه يعنى بأحداث ذات تحقق تاريخي. ذلك أنّ فينومينولوجيا الحدث، التي لم يبدأ الفكر المعاصر إلا حديثًا في أخذها مأخذ الجد، في حين حجبتها الميتافيزيقا تحت ستار أنطولوجيا الموضوع، تتجاوز ــ أو تتجه، على الأقل، إلى غير الجهة التي يتجه إليها ــ الموجودَ حين يُتناول من خلال مفهومه. فقد لا يقتصر الحدث على إنفاذ ماهية جرى تصورها أولًا ثم تحققت في الوجود؛ بل يأتي بالفعل إلى ما لم تسمح أيّ ماهية باستشرافه. ومن ثم يفرض الحدث، في مواجهة الإمكان الميتافيزيقي القابل للتصور، استحالةً لا تقبل التصور، وذلك على الأقل قبل مجيء الآتي. وهو يفتح بذلك موضعًا لإمكانات جديدة، بقدر ما يظلّ غير قابل للتصور، بل مستحيلًا بحسب المعايير الميتافيزيقية.

إنّ كل حدث يعيد تعريف ما يمكن للموجود أن يكونه في وجوده، ولذلك يؤدي وظيفة تدشينية أكثر منها كيانية، بل هي وظيفة أنطولوجية على نحو مماسّ. وكلما تحقق الظاهرة على هيئة حدث، ازداد ما تفعله من تصحيح للنمط الميتافيزيقي للوجود في ذاته وللموجودات التي يتيحها؛ وذلك بفضل استحالتها الفعلية نفسها. والوحي الكتابي يتناول، على وجه التحديد، مثل هذه الأحداث المستحيلة التي تشهد، بفضل تحققها الفعلي، بأنّ «ليس شيء غير ممكن لدى الله» (التكوين 18:14؛ لوقا 1:37). فحدثا خلق العالم وقيامة الجسد، على وجه الخصوص، يناقضان في آنٍ واحد مفهوم الإمكان بوصفه قابليةً للتصور من دون تناقض لدى عقل محدود، ويناقضان تطابق الموجود مع ذاته وفق مبدأ عدم التناقض؛ أي إنهما يعارضان الأنطولوجيا وتعريفها للموجود بما هو موجود.

بل إنّ الخلق والقيامة لا يتقيدان، على وجه الدقة، بقوانين الأنطولوجيا؛ فهما يتيحان لما ليس موجودًا أن يكون، ومن ثم لما لا يطابق ذاته ويناقض وجودُه ماهيتَه، أو لماهية تناقض ذاتها؛ لأنّ الله، في واقع الأمر وفي الحدث عينه، «يدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة [18]» (رومية 4:17). وعلى هذا، تكتسب الأحداث النموذجية، أي الخلق والقيامة، منزلة أنطولوجية، أو بالأحرى منزلة ما بعد أنطولوجية، لأنها تنقض قوانين الأنطولوجيا في حق نفسها وفي حق سائر الموجودات، إذ يتعلّق الخلق والقيامة، بحكم تعريفهما، بالموجود في كليته. وحين يشهد الحدث بأنّ الله لا يخضع للتحديد الإنساني ــ ومن ثم الميتافيزيقي ــ للفارق بين الممكن والمستحيل، فإنه يشهد أيضًا بأنّ الله لا يتقيد بقواعد الأنطولوجيا. وعندئذ يُعاد تأويل كل ما هو موجود، أي العالم، انطلاقًا مما يمنحه الوجود أو يتيح له أن يكون، حتى حين يتعارض ذلك مع التحديدات الدنيوية لوجود الموجودات؛ إذ إنّ الموجود يتلقى وجوده من جهة تتجاوز جميع التحديدات الأنطولوجية المحضة. فالموجود، سواء خُلق ابتداءً أم أُعيد خلقه، إنما يصدر، قبل كل شيء، عن هبة الله، لا عن القوانين التي يسندها الفكر الأنطولوجي إلى الوجود. ومع هذا الانقلاب في العلاقة بين الأنطولوجيا والممكن، تنقلب العلاقة بين لاهوت الوحي وفلسفة الميتافيزيقا، فيغدو الأول هو الذي يحدّد الثانية.

وحين نبطل المعايير الأنطولوجية التي يُميَّز بها اليوم بين ما نسمّيه الفلسفة واللاهوت، نكون قد وضعنا موضع السؤال أيضًا معيارًا آخر، هو التمييز بين الممكن والمستحيل، ومن ثم بين ما يمكن اختباره وما لا يمكن اختباره. وسواء أتعلق الأمر بالتمييز بين قدرة الله المنظَّمة وقدرته الخارقة للنظام، أم بين «قوانين النظام» و«المعجزات»، أم بين الحدس الحسي والحدس العقلي، فإنّ هذا التقسيم يفترض دائمًا إمكان تحديد حدود العقلانية سلفًا. وهذا بدوره يفترض أنّ تناهي العقلانية هو شرط إمكانها، وأنه يحدّد ما يمكن وما لا يمكن. وبقلبة كوبرنيكية بالتحديد، ينتهي التناهي، بوصفه واقعة عقلية، إلى تحديد اللامتناهي عند كانط، بدل أن يحدث العكس كما هو الحال عند ديكارت؛ فيصبح اللامتناهي مستحيلًا علينا، بل مستحيلًا من حيث المبدأ وعلى نحو مطلق.

إنّ القول بأنّ التناهي يرسم حدود الممكن والمستحيل يفترض أنه مخوّلٌ أن يقرّر، سلفًا، شروط إمكان الموجودات، أي الموجودات المفكّر فيها بوصفها موضوعاته؛ وهذا يعني أنّ التناهي يؤدي وظيفة قبلية ترنسندنتالية. فإذا لم يكن للتناهي وضع ترنسندنتالي، لم يعد له حقّ تعيين الحدود ــ سلفًا بطبيعة الحال ــ بين الممكن والمستحيل. لذلك لا يستطيع هذا الحدّ أن يميّز بين الفلسفة واللاهوت إلا إذا أبقينا الفلسفة نفسها في وضع ترنسندنتالي، أي إذا افترضنا ذاتًا ترنسندنتالية ومثالية ترنسندنتالية مقابلة لها. ويمكن الدفاع عن هذا الموقف؛ فقد تمسّك به هوسرل، ومضى هايدغر نفسه في اتجاهه، على نحو ما، في «الوجود والزمان». لكن أيّ فلسفة أخرى، بما في ذلك الفلسفات التي ترفض اليوم بأعلى الأصوات المشروعية النظرية للاهوت، لا تزال قادرة أو راغبة في دفع ثمن هذا التمييز القائم على الوظيفة الترنسندنتالية للذاتية المتناهية؟ ليس التمييز بين الممكن والمستحيل مرفوضًا من حيث الحقّ لدى لاهوت الوحي وحده، استنادًا إلى المبدأ القائل إنّ «ليس شيء غير ممكن لدى الله [19]»؛ بل لعلّ الفلسفة نفسها لم تعد قادرة على ضمان استعمال هذا التمييز، ما دامت لا توجد ذاتية تستطيع أن تنهض بوظيفته الترنسندنتالية. إنّ «نهاية الميتافيزيقا» ليست شعارًا ولا فرضية اختيارية؛ فهي تمنعنا بالفعل من التمسك بأطروحات لم تكن مبررة إلا بحجج الميتافيزيقا. فمن دون الأنطولوجيا، ومن دون الوضع الترنسندنتالي للأنا، لم يعد ممكنًا التمييز مفهوميًّا بين ما نسمّيه اليوم فلسفة وما تسميه الفلسفة لاهوتًا، لا استنادًا إلى الفرق بين الأنطولوجي والكياني، ولا استنادًا إلى الفرق بين الممكن والمستحيل.

معايير التمييز من وجهة النظر اللاهوتية

إذا كانت الفلسفة لم تعد قادرة اليوم على أن تصوغ، من وجهة نظرها الخاصة، الفرق بينها وبين ما تسميه لاهوتًا، فلا يبقى لنا إلا أن نسأل اللاهوت نفسه عمّا إذا كان يستطيع أن يصوغ هذا الفرق من وجهة نظره. ولعلّنا نميل هنا إلى تفضيل المقابلة التي صاغها دونس سكوتس صياغة تامة، نيابةً عن كثير من اللاهوتيين، في القرون الوسطى والعصر الحديث: «نحن إزاء خلاف بين الفلاسفة واللاهوتيين. فالفلاسفة يؤكدون كمال الطبيعة وينكرون الكمال الفائق للطبيعة؛ أما اللاهوتيون فيقرّون قصور الطبيعة والحاجة إلى النعمة وإلى الكمال الفائق للطبيعة» [20].

وهكذا تبدو الفلسفة، بمقتضى مفهومها، وإن خالفت الدلالة الحرفية لكلمة «ما وراء الطبيعة»، علمًا يتناول كل موجود من حيث له طبيعة، تاركةً للاهوت النظر ــ إن وُجد ما لا طبيعة له ــ فيما لا طبيعة له أو فيما يتجاوز الطبيعة. وقد يبدو هذا التمييز واضحًا نسبيًّا إذا حصرنا النظر في المشكلة التي نشأ عنها في المقام الأول، وهي المقابلة بين السعادة الإنسانية الطبيعية، المتمثلة في سعادة الحكيم بالتأمل كما تُعرض في الكتاب العاشر من «الأخلاق النيقوماخية»، وبين السعادة الناشئة عن التألّه أو عن رؤية الله، وهي سعادة تتجاوز، بطبيعة الحال، القدرات الطبيعية للإنسان.

لكن هذا التمييز سرعان ما يغدو إشكاليًّا متى صرّحنا بالمبدأ الذي يقوم عليه: وهو أنّ الطبيعة لا تفعل شيئًا عبثًا، وأنّ المرء لا يمكن أن يرغب في شيء يعجز عن بلوغه بقوته الخاصة. وقد يكون هذا المبدأ، ذو الأصل الأرسطي، صالحًا للأشياء الموجودة في العالم، على الأقل للأشياء التي يظلّ تصور تعريف ماهويّ لها ممكنًا، وفق «بذاته» (‎kath’ hauto‎) بالمعنى الصارم؛ لكنه يصبح إشكاليًّا حين يتعلق الأمر بأشياء ــ أو موجودات، أو بالأحرى مخلوقات ــ يستعصي تعريفها الماهوي على التصور، لأنها لا تقوم قيامًا جذريًّا بذاتها ولا في ذاتها. وهذا ينطبق، قبل غيره، على الإنسان؛ إذ خُلق على صورة الله، ويحمل صورته ومثاله حتى في عدم قابليته للإحاطة، وهي صفة تخصّ الله نفسه. ولكي يظلّ الإنسان هو نفسه، ينبغي أن يظلّ غير قابل للتعريف، لأنه يحمل في صميم ماهيته صورة الله الذي لا يمكن تعريفه [21]. ومن هنا، فإنّ استحالة تعريف الطبيعة الإنسانية وعدم مشروعية ذلك يتيحان، في حالة توق الإنسان إلى السعادة أو إلى رؤية الله، وجود رغبة طبيعية في خير يفوق الطبيعة؛ بل إنّ هذا يستلزمهما، نتيجةً للمفارقة القائلة إنّ طبيعة الإنسان تتمثل في تجاوز طبيعته، وذلك لأنّ صورة الله تحلّ فيه محلّ ماهية دنيا، فتجعل تلك الماهية عديمة الجدوى وتقوم مقامها.

وقد صاغ توما الأكويني هذه المفارقة صياغة محكمة: «الطبيعة التي تستطيع بلوغ الخير الكامل، وإن احتاجت إلى عون من خارجها لبلوغه، أرفع منزلةً من الطبيعة التي لا تستطيع بلوغ الخير الكامل، وإنما تنال خيرًا ناقصًا من غير أن تحتاج إلى عون خارجي» [22]. ولعلّ التمييز بين الطبيعي والفائق للطبيعة يستثني، على الأقل، حالة واحدة: طبيعة الإنسان نفسه، التي هي فائقة للطبيعة منذ الأصل. أما قرار كاجيتان الذي جعل الرغبة في الله رغبةً فائقة للطبيعة، لا طبيعية، واختزلها تبعًا لذلك في ما يسمّى «القدرة الطاعية» أو «القدرة الانقيادية» (‎potentia obedientialis‎)، فقد حدّد لاحقًا مصطلحات الجدل حول «المعونات الإلهية» (‎de auxiliis‎)، وهو جدل لا مخرج له ولا مسوّغ، لأنه يبقي، من غير أن يمتحنها، على قسمة قد تصحّ في حق كل شيء، لكنها لا تصحّ بالذات في حق أهمّ شيء ينبغي للاهوت ــ الذي يحمل اسمه بحق في هذه اللحظة ــ أن يتناوله.

وفضلًا عن ذلك، حتى إذا حكم هذا التمييز اللاهوت زمنًا طويلًا، فإنّ المدرسية أو علم العقائد لم يعودا، منذ الإصلاح البروتستانتي والقرن السابع عشر، إلا واحدًا من ثلاثة أنماط لاهوتية تتقابل مع اللاهوت الإيجابي واللاهوت الصوفي، أو الروحي [23]. ويبدو واضحًا اليوم أنّ تجديد اللاهوت المسيحي، ولا سيما الكاثوليكي، مدين في نتائجه الجوهرية لهذين النمطين الأخيرين؛ أما اللاهوت الإيجابي فلا يظلّ مبدعًا إلا بفضل التهديد الدائم بعودة التوماويات الجديدة إلى توما الأكويني، الذي يبدو في ضوء الاسترجاع التاريخي واقعًا على خطّ الآباء المباشر، وخصوصًا القديس أوغسطينوس.

ولا يستطيع اللاهوت أن يظلّ ما ينبغي له أن يكونه، أي فهمًا للعالم بوصفه خلقًا، وللإنسان بوصفه صورةً لله، انطلاقًا من وحي الله في يسوع المسيح، إلا إذا طوّر خطابًا لا تنفصل فيه الطبيعة عن الفائق للطبيعة أبدًا؛ ذلك لأنّ هبة النعمة تسبق كل شيء: الوجود، والماهيات، والطبيعة، والحرية، وما إلى ذلك. وهذه جميعًا هبات النعمة ابتداءً، قبل أن تُعرّف كلٌّ منها بوصفها طبيعة مستقلة قائمة في حالة «الطبيعة المحضة» (‎in puris naturalibus‎). ففي لاهوت الوحي تظهر الطبيعة بوصفها متطبّعةً سلفًا على الدوام، ولا تكون قط «خالصة»، بل تتطبّع بفعل طبيعة مُطبِّعة (‎natura naturans‎) هي نفسها فائقة للطبيعة من أصلها [24].

ومن ثم لا يصحّ أن يقابل اللاهوتُ الفلسفةَ بوصفه معرفةً بالفائق للطبيعة في مواجهة معرفة الطبيعة وما هو طبيعي؛ إذ إنّ ما نسميه اليوم فلسفةً ولاهوتًا لم يعد أيّ منهما قادرًا على تعريف مفهوم دقيق للطبيعة، ومن ثم لم يعد قادرًا على تعريف نقيضها، أي الفائق للطبيعة. بل إنّ هذه الثنائية من شأنها أن تسلب اللاهوت نفسه جديته وخصوصيته.

ويجب أن نلاحظ هنا أنّ الفلسفة المعاصرة لا تتميز بنقدها للمعاني المختلفة للفائق للطبيعة، الذي ترفضه منذ نيتشه باسم «العالم الخلفي» (‎Hinterwelt‎) فحسب؛ بل تتميز، على نحو متسق مع ذلك، بتخلّيها عن مفهوم الطبيعة، أو بالأحرى بعجزها عن تعريفه. فقد انهار الأساس الأنطولوجي-الكَياني للميتافيزيقا العامة، وحلّت محله أحادية ملتبسة لا تتميّز فيها الموضوعية بتحديد واضح. ومن الغريب أنّ عددًا قليلًا من اللاهوتيين وحدهم لا يزالون يتمسكون بمفهوم الطبيعة من دون تقديم حجج إضافية، وأحيانًا لا يفعلون ذلك إلا لصون مفهوم الفائق للطبيعة. وليس هذا العجز في ذاته ضررًا جسيمًا، لأنّ اللاهوت ليس معنيًّا بتعريف مفهوم فلسفي في جوهره أو إعادة تعريفه. لكن هذا العجز الذي يمكن التغاضي عنه يحجب المهام الخاصة بلاهوت الوحي، وهي مهام لا تستطيع الفلسفة، من حيث هي فلسفة، إنجازها الآن ولا في المستقبل.

اللاتعيّن المشترك

لنلخّص النتيجة السلبية المؤقتة التي انتهت إليها تحليلاتنا. أولًا، إنّ التمييز بين اللاهوت والفلسفة ليس تمييزًا أصيلًا أو بدئيًّا، وإنما نشأ في ظرف تاريخي متأخر؛ ويؤكد ذلك، من جهة، الدور الهامشي الذي أدّاه هذان المصطلحان ــ بل غيابهما أحيانًا ــ في القرون الاثني عشر الأولى من الفكر المسيحي، ومن جهة أخرى التعقيد الشديد الذي رافق إقامة التمييز بينهما منذ القرن الثالث عشر. ثانيًا، لا يمكن تمييز الفلسفة مفهوميًّا مما كان يسمّى حينئذٍ لاهوتًا إلا بافتراض القرارات الأساسية التي يقوم عليها نسق الميتافيزيقا: الأنطولوجيا بوصفها ميتافيزيقا عامة، واللاهوت بوصفه واحدًا من أقسام الميتافيزيقا الخاصة، وتحديد الممكن والمستحيل انطلاقًا من تناهي الأنا، الذي صار يُفهم بوصفه ترنسندنتاليًّا. ثالثًا، إنّ أوضح محاولة في اللاهوت الحديث لتعيين مجاله الخاص، مع التسليم بالانعطاف الميتافيزيقي للفلسفة، أي التمييز بين الطبيعة والفائق للطبيعة، من كاجيتان إلى التوماوية الترنسندنتالية، تعرض للخطر الطابع الفائق للطبيعة، بطبيعته، في الإنسان؛ وذلك مثلما تجاهلت الميتافيزيقا، من حيث المبدأ، الطابع المخلوق ابتداءً، أي المعطى ابتداءً، لما حصرته تقييديًّا تحت اسم الأنطولوجيا. رابعًا، لم تعد الفلسفة المعاصرة قادرة ــ وهي، في الواقع، لم تعد تدّعي لنفسها القدرة ــ على تبنّي قرارات الميتافيزيقا، ولذلك لم تعد تستطيع أن تبرّر مفهوميًّا حقّها في إخراج ما تسمّيه لاهوتًا من مجال العقلانية.

وفي المقابل، لم يعد ما يسمّى اليوم لاهوتًا يستند في الواقع إلى التمييز بين الطبيعة والفائق للطبيعة لتعريف خصوصيته في علاقته بالفلسفة؛ بل صار يتبع معايير أخرى، تجريبية وتاريخية في حقيقتها، لا تكاد تتصل ــ إن اتصلت أصلًا ــ بحال الفلسفة المعاصرة. وينتج من هذا، على نحو مؤقت، أنّ المناقشات الدائرة حول علاقة اللاهوت بالفلسفة، وما يترتب عليها من نزاع بين كليتيهما، ثم حول التوازن أو التناقض بين ما يسمّى عادةً حرية البحث وما يسمّى أمانةً لوديعة الإيمان ولسُلطة التعليم الكنسي، أعني جميع هذه التوترات الصامتة التي لم تكفّ، منذ أكثر من قرنين، عن الإضرار بوحدة العمل الفكري المسيحي في مختلف فروعه، لم تعد لها مسوّغات مفهومية. لا تزال هذه المناقشات تُقلق البحث المعاصر بلا ريب، لكنها تقوم على تعارض اختفى، لأنّ طرفيه لم يعودا يملكان الأسلحة النظرية اللازمة للمواجهة، منذ بدء مرحلة «نهاية الميتافيزيقا». وما بقي من هذا التعارض ليس إلا ضوءًا معتمًا تصدره نجوم انطفأت منذ زمن.

وثمة علامة دالة على هذا اللاتعيّن المشترك المتردد، هي تخلي الفلسفة واللاهوت، كما نسمّيهما اليوم، عن ادعاء منزلة العلم. فمنذ أن واجهت الفلسفة النموذجيةَ العلمية للرياضيات عند أفلاطون، لم تكفّ ــ رغم تحفظات قوية عند أرسطو والأكاديمية الجديدة وتوما الأكويني وغيرهم ــ عن تشييد نسق للعلوم داخل الميتافيزيقا، ثم عن بلوغ اليقين وتجاوزه، كما لدى ديكارت، بل وعن تعريف نفسها صراحةً بأنها ‎Wissenschaft‎، أي علم، لدى هيغل، أو ‎Wissenschaftslehre‎، أي نظرية العلم، لدى فيشته وبولتسانو، وصولًا إلى نظرية معرفة عادية لدى تيارات الفلسفة الكانطية الجديدة، ثم إلى «علم صارم» عند هوسرل. وقد بلغ الافتتان القهري بنموذج العلم حدًّا جعل كارناب وحلقة فيينا لا يتصوران تجاوز الميتافيزيقا إلا بالاستعانة بـ«علم»، ولو لم يكن سوى تحليل تقريبي للغة. غير أنّ الشروط اللازمة لتبرير هذه العلمية تنتهي، صراحةً أو ضمنًا، إلى المطالبة باتخاذ موقف ترنسندنتالي، أي الإقرار بوجود قبليّ هو في جوهره متناهٍ. وليس في الفلسفة المعاصرة اليوم اتجاه يستطيع أن يتبنى هذا الموقف الترنسندنتالي على النحو الذي لم تتردد الميتافيزيقا قط في المطالبة به.

أما اللاهوت، بالمعنى الذي نطلقه عليه اليوم، فلم يثبت نفسه بوصفه لاهوت الوحي إلا من خلال شيء من المقاومة والمحاكاة، تجاه الفلسفة من ناحية وتجاه اللاهوت العقلي الذي كان يتشكل داخلها من ناحية أخرى؛ إذ طالب لنفسه هو أيضًا بلقب «العلم»، وبأن يكون علمًا صارمًا بطبيعة الحال. وقد تمّ بذلك ما وصفه مؤرخ كبير بأنه «أكثر الحوادث إثارةً في دخول أرسطو إلى العالم المسيحي» [25]. غير أنّ اللاهوت لم يتخذ اليقين الرياضي وبداهته نموذجًا له؛ بل اتخذ، تحت تأثير اختيارات أرسطو، صورة الصورية المنطقية وتراتب العلوم. وحين تكرر السؤال: «كيف يمكن إثبات الطابع العلمي للإيمان المسيحي، مع أنّ مواده ــ الوحي والكتب المقدسة في التقليد، وما إلى ذلك ــ لا تُعطى مباشرةً في خبرة العالم، بل تُنال على نحو غير مباشر بواسطة الإيمان؟»، أجاب توما الأكويني بالتراتب بين العلوم، أو بالأحرى بما سمّاه «شبه التراتب» (‎quasi-subalternation‎) [26]. فكما تقيم الرياضيات مبادئ يستند إليها علم الطبيعة ــ كالهندسة في المنظور أو الفلك، والحساب في الموسيقى ــ كذلك يستمدّ اللاهوت مبادئه من الإيمان، لأنّ استعداد الإيمان أو ملكته (‎habitus fidei‎) يشبه، على نحو شبهيّ، ملكة المبادئ؛ ومن ثم يحقق اللاهوت، بواسطة هذا شبه التراتب، شروط العلمية من الناحية الصورية [27].

إنّ تطور اللاهوت المعاصر، سواء في تجديد الدراسات التوماوية وإعادة تملّك تراث الآباء، أم في أنماطه الجدلية والكيريغماتية والجمالية والدرامية، بل وفي «اللاهوت اللاهوتي» بالمعنى الذي يرد في القسم الأخير من ثلاثية هانس أورس فون بالتازار، يقوم ــ على الأقل، كما يسوغ لنا أن نجادل ــ على تجاوز الطموح إلى إخضاع الفكر المسيحي المنطلق من الوحي لنموذج العلم، أيًّا يكن ذلك النموذج أو العلم المقصود. والسبب جوهري: إنّ العقلانية المعاصرة، التي تهيمن عليها «نهاية الميتافيزيقا»، لم يعد لديها مفهوم كلّي للعلم، حتى في أكثر التخصصات العلمية تأسيسًا، بل وخصوصًا فيها. وقد أتاح التخلي عن توحيد المعرفة على أساس مبادئ أحادية متوافقة بعضها مع بعض نشوء أزمة التأسيس التي تميّز تطور الفيزياء في صورتها الكمّية. ومن المسلَّم به على نطاق واسع أنّ ما نسمّيه اليوم لاهوتًا يؤكد هذه الحال، ومن ثم يكفّ نهائيًّا عن البحث، في أحدث صيحات الفلسفة أو «العلوم الإنسانية»، عن نموذج أخير موهوم، يُفترض أنه علمي، ينبغي له أن يتشكل وفقه بأي ثمن، ولو كان الثمن فقدان أدنى سبيل إلى الوحي.

ومع ذلك، فإنّ محاولة توما الأكويني إضفاء منزلة علمية على اللاهوت تمنح القارئ المتأني إشارةً ربما تتيح تجاوز هذا المأزق. فالمبادئ التي تستطيع ملكة الإيمان أن تمنحها للتعليم المقدس، بوصفه لاهوتًا علميًّا، تأتيه من «العلم الأعلى» شبهيًّا، وهو علم يصدر عن الله والقديسين ويُمنح منهما [28]. فالأمر إذن أمر مبادئ، إن شئت، لكنها مبادئ تُعطى في معرفة خبرية؛ إنها معطاة على نحو تجريبي غير مباشر، فلا تتاح للجميع، وليست قبليّة، بل بعديّة ملتبسة، ومع ذلك فهي معطاة بالفعل. إنّ حدث الوحي ــ وهو حدث حقًّا ــ يمنح هذه الخبرة التي لا يمكن استشرافها على الإطلاق؛ وهي، من وجهٍ ما، مستحيلة استحالة تامة وفق معايير العلمية الميتافيزيقية، لأنها بلا أفق، ولا ذات ترنسندنتالية، ولا قابلية للتكرار، ولا إمكان للتنبؤ، ولا تعريف ماهوي، ومن ثم لا موضوع لها. ومع ذلك، يفتح هذا الحدث، على نحو مفارق، فسحةً لمعرفة جديدة، ومجالًا للظواهر التي كانت ستظلّ خفيّة لولاه. وهو بذلك يتيح إمكان الفهم، وهو إمكان مستحيل ميتافيزيقيًّا، أي إنه يوسّع مجال العقلانية.

وكما هي الحال دائمًا، فإنّ توسيع مجال الصراع يحرّر النظرية، حتى النظرية اللاهوتية. ولا يبقى للاهوت الواعي بأصله، ومن ثم بأصالته، إلا أن يفهم كيف يمكن للمعطى الجديد الذي يقدّمه الوحي أن ينبسط داخل عقلانية تلائمه. وهذا التوسيع لمجال المعطى يشكل أيضًا، بالنسبة إلى كل فلسفة تطمح إلى تجاوز «نهاية الميتافيزيقا» يومًا ما، إن أمكنها ذلك أصلًا، أخطر التحديات التي تواجهها، لكنه في الوقت عينه التحدي الوحيد الذي قد ينقذها. وهكذا يمكننا أن نلمح معنى القول: «لا يستطيع إنقاذنا الآن إلا إله».

أن نعرف لكي نحب، وأن نحب لنعرف

إنّ المعيار الذي يظلّ قائمًا للتمييز بين ما نسمّيه اليوم فلسفةً ولاهوتًا لا يتوقف ــ أو بالأحرى، لم يعد يتوقف ــ على الحدود التي فرضتها الميتافيزيقا على مجال ما يمكن تصوّره، وبالتالي ما يمكن اختباره؛ بل يتوقف على فصلٍ يُدخله الوحي في هذا المجال بمبادرة من الله. فالتمييز هنا هو بين ما كُشف وما لم يُكشف، وبين الكِرازة المتلقّاة والحكمة أو المعرفة التي يُنشئها الفكر. يقول النص: «إنّ كلمة الله حيّة وفعّالة، وأمضى من كل سيف ذي حدّين؛ تخترق إلى مفرق النفس والروح، والمفاصل والمخاخ، وتميّز أفكار القلب ونيّاته» (عبرانيين 4:12). فاللوغوس، أي الكلمة والعقل معًا، يُحدث حرفيًّا قسمة، ويقيم معيارًا نقديًّا يتيح أن نميّز، من بين أفكار البشر وتصوراتهم، ما كان منها صادرًا عن الله.

ولا مفرّ من الاعتراض على هذا المعيار الذي يبدو كأنه هبط من السماء: فهو يفترض سلفًا وقوع الوحي، أو يفترض، بعبارة أخرى، موثوقية التقليد الذي تنقله النصوص الكتابية. ولذلك لا تكون له دلالة إلا عند المؤمنين، إذ يُفترض أنّ المسألة قد حُسمت قبل فحصها: فاللاهوت يتميز من الفلسفة إذا سلّمنا منذ البداية بوجود معطى خاص بلاهوت الوحي. لكن المسألة تتعلق تحديدًا بما يستلزمه هذا المعيار؛ إذ يتوقف الأمر على كل مفكر، وعلى ما يقرّر هو نفسه أنه معطى له. فعليه أن يتخذ موقفًا بإزاء الكلمة النقدية (‎logos kritikos‎)، وأن يقرّر هل يضيف معطًى إلى مجال ما يمكن تصوّره واختباره أم لا. ويبدأ اللاهوت حين يعامل الفكرُ المعطى المُوحى به بوصفه معطًى ظاهراتيًّا، مساويًا من حيث المبدأ لسائر المعطيات، ويقرّر في الوقت نفسه الالتزام بالإجراءات المعرفية الخاصة التي يقتضيها تلقي هذا المعطى.

يمكن صياغة هذه الشروط على أنحاء شتى، لكنها تعود جميعًا إلى الانقلاب نفسه، القائم على تأويل القديس أوغسطينوس المتكرر للآية التاسعة من الإصحاح السابع في سفر إشعياء، وفق الترجمة اللاتينية القديمة: «إن لم تؤمنوا فلن تفهموا». ولكي نفهم المعطى المُوحى به بوصفه معطًى قابلًا للتعقّل، شأنه شأن غيره من المعطيات، ومن ثم لكي ندمجه في عقلانية كونية أحادية الدلالة، يجب ــ خلافًا للإجراءات المألوفة في سائر ميادين المعرفة ــ أن نبدأ بالإيمان به: أي قبوله والتسليم به والإقرار بصحته بوصفه معطًى. ويمكن القول إنّ «شبه تراتب» اللاهوت مع «علم المباركين» عند توما الأكويني يدخل في هذا المسار الفكري.

وقد اتخذ بعض من سبقوا توما مسلكًا مماثلًا، فقلبوا العلاقة المألوفة بين العقل والإيمان: «في مذهب أرسطو، تكون الحجةُ عقلًا يبعث على التصديق بأمر مشكوك فيه؛ أما في مذهب المسيح، فالحجة هي الإيمان الذي يولّد العقل» [29]. وكان باسكال هو الذي أوضح الجذرية الأصيلة لهذا الانقلاب أوضح بيان، حين استعاد قولًا للقديس أوغسطينوس: «لا يُدخَل إلى الحقيقة إلا بالمحبة» [30]، ثم شرحه شرحًا دقيقًا: «حين نتكلم عن الأمور الإنسانية نقول إن علينا أن نعرفها قبل أن نحبها؛ وقد صار هذا القول مثلًا شائعًا. أما القديسون، فعلى العكس، يقولون، حين يتحدثون عن الأمور الإلهية، إن علينا أن نحبها لكي نعرفها، وإننا لا ندخل الحقيقة إلا بالمحبة. وقد جعلوا من ذلك إحدى أنفع قواعدهم» [31].

بل إنّ باسكال يجعل من هذا قاعدةً معرفية عامة: «لقد احتجبت الحقيقة في أيامنا هذه، وترسخت الأكاذيب على نحوٍ محكم، حتى إننا لن نتعرف إلى الحقيقة ما لم نحبها» [32]. ومن ثم فإنّ ادعاء معرفة الله كما يكشف عن ذاته من غير محبته، لا يعني سوى الجهل بحقيقته والعجز حتى عن رؤيتها: «ما أبعد المسافة بين معرفة الله ومحبته!» [33]. وإذا كانت المحبة تتصدر الفضائل اللاهوتية الثلاث (كورنثوس الأولى 13:13)، وكانت الحقيقة لا تُكتشف، في نهاية المطاف، إلا بالمحبة، أمكننا أن نؤكد المفارقة القائلة إنّ «أعظم الفضائل المسيحية… هي محبة الحقيقة» [34].

إنّ هذه الصيغ، التي تنتظم في علاقة منهجية بعضها ببعض، تتفق اتفاقًا مباشرًا مع قول القديس أوغسطينوس: «أريد أن أصنع الحقيقة في قلبي أمام وجهك، في الاعتراف» [34 مكرر] (الاعترافات، الكتاب العاشر، 1:1). ويمكن وصف الدور المعرفي الذي تؤديه المحبة للحقيقة وصفًا سلبيًّا أيضًا، بالنظر إلى جهة الكراهية الذي يقاوم أثر الحقيقة، ولا سيما حين يشتدّ اتهامها: «فحب الذات يُضمر كراهية قاتلة للحقيقة التي توبخه وتُقنعه بعيوبه. إنه يرغب في التخلص من هذه الحقيقة، ولما كان عاجزًا عن تدميرها في ذاتها، فإنه يحاول تدميرها، قدر استطاعته، في وعيه ووعي الآخرين؛ أي إنه يحرص على إخفاء عيوبه عن نفسه وعن سواه، ولا يطيق أن يُشار إليها أو تُكشف… أليس صحيحًا أننا نكره الحقيقة ومن يقولها لنا، ونحبّ أن يُخدع الناس لمصلحتنا؟… إنّ قول الحقيقة نافع لمن يسمعها، لكنه ضار بمن يقولها، لأنه يعرّضه للكراهية» [35].

وهذا، من الواضح، شرح حرفي لما يرد في «الاعترافات» لأوغسطينوس (العاشر، 23:34) [35 مكرر]، حيث تتتابع عبارات: «الحقيقة التي توبّخ»، و«لا يريدون أن يُقنعوا بأنهم مخطئون»، و«يكرهونها»، ثم القول الأول: «الحقيقة تلد الكراهية». وبعبارة أخرى، فإنّ الحقيقة، عند باسكال كما عند أوغسطينوس، «إذا انفصلت عن المحبة لم تكن الله، بل صورته وصنمًا لا ينبغي لنا أن نحبه أو نعبده؛ والأولى من ذلك ألا نعبد نقيضها، أي الباطل» [36].

ومن ثم يمكن تعريف المجال الذي يصحّ أن نطلق عليه، من الآن فصاعدًا، اسم «اللاهوت» على النحو الآتي: يقدّم الوحي معطًى يمكن مقارنته بكل معطًى في أي علم آخر. لكن طرائق الوصول إلى هذا المعطى تقتضي نظرية معرفية مغايرة؛ فالمعطى هنا ليس مباشرًا، إذ ينبغي الإيمان به لتلقيه، ومن ثم لبلوغ فهم جزئي له يظلّ مؤقتًا دائمًا. والإيمان في هذا المقام أكثر بكثير من مجرد اعتقاد بأنّ قضية ما صحيحة، أو مجرد تبنّي افتراض أو رأي أو قناعة أو «دوكسا»، أي نمط أولي من المعرفة. فالإيمان يقتضي المحبة؛ لأنّ المعطى المُوحى به جدير بالمحبة، لا لأنه ثمرة هبة مجانية، أي نعمة فحسب، بل، على نحو أعمق، لأنه يتعلق منذ البدء، وفي نهاية المطاف، بإعلان المحبة ذاتها.

تؤدي المحبة هنا وظيفة الوساطة المعرفية؛ فهي شرط لازم للوصول إلى المعطى المُوحى به. وتؤدي هذه الوظيفة لأنها، على نحو أكثر جذرية، تستنفد ما يمنحه الوحي وتطابقه: المحبة وهي في فعلها، أي المحبة المتحققة بالفعل (‎en acte, in actu‎). وهذا اللاهوت، بالمعنى الدقيق، يناقض مباشرةً أطروحة فيشته، مثلًا، القائلة: «إنّ ما يُعطى لي مباشرةً هو علاقة الألوهية بنا من حيث نحن ذوات أخلاقية» [37]. فقد ضمن فيشته، باتساق تام، مباشرة هذا المعطى بافتراضه موقفًا ترنسندنتاليًّا صارمًا: «وخلاصة القول إنّ فلسفتي في الدين لا يمكن الحكم عليها أو مناقشتها أو تدعيمها إلا من وجهة نظر ترنسندنتالية» [38]. وينتهي، تبعًا لذلك، إلى أنّ اللاهوت، ما دام لا يُختزل في «مذهب الدين»، أي مذهب العلاقة بين الله والموجودات المتناهية، بل يصرّ ــ كما ينبغي له ــ على أن يظل مذهبًا في ماهية الله في ذاته ولذاته، «فلا بدّ من إبطاله بوضوح وصراحة، لأنه ليس إلا وهمًا يتجاوز كل قدرة متناهية على الفهم» [39].

أما اللاهوت بالمعنى الذي سعينا إلى تدقيقه، فينبثق من معطًى، لكنّه معطًى تناقض خبرته نسق الميتافيزيقا؛ لأنها تتجاوز الحدود بين الممكن والمستحيل، وبين الأنطولوجي والكياني، وبين الطبيعي والفائق للطبيعة، وهي الحدود التي يُنتجها الموقف الترنسندنتالي ويحقّقها. ويغدو هذا التناقض شرطًا أساسيًّا لكل تفكير جاد في الوحي وفي شروط الوصول غير المباشر إلى معطاه. ومواجهة هذا التناقض هي واجب اللاهوت، بل هي هويته نفسها، بوصفه معرفة بالله بالمعنيين معًا: معرفةً تتناول الله موضوعًا، ومعرفةً تنطلق من الله.

خلاصة واقتراحات

تتيح لنا هذه الملاحظات الموجزة أن نرسم بعض النتائج التي تصلح أيضًا وصفًا استباقيًّا لعلاقة جديدة آتية بين لاهوت ينطلق من الوحي وفلسفة تقف عند «نهاية الميتافيزيقا».

 أولًا، إنّ الفجوة التي لا تُردم بين نمطي إعطاء المعطى في هاتين المعرفتين ــ فالمعطى في إحداهما موحى به من جهة أخرى، وفي الثانية يختبره المرء بنفسه ــ وكذلك الفجوة بين نمطي الخبرة، المباشرة في إحداهما أو المتوسّطة بالإيمان ومحبة الحقيقة في الأخرى، لا تنقضان الهوية الصورية لعلاقة كلتيهما بالمعطى. فكلتاهما، شأنهما شأن سائر المعارف، معنيّة بفهم معطًى. كما أنّ الفارق بين مسالك الوصول إلى معطياتهما، وبين طرائق اختبارها المتناظرة، لا يمكن قياسه إلا على خلفية أحادية الدلالة الصورية المشتركة بين تلك المعطيات. وإذا كان لا بدّ من إثبات فارق بينهما، أمكننا القول إنّ اللاهوت يقبل معطًى أوسع من معطى الفلسفة، تحديدًا لأنه معطى موحى به ومتوسّط ومنبثق من جهة مغايرة جذريًّا؛ وهو أوسع، بطبيعة الحال، من معطيات العلوم الوضعية الجزئية أيضًا. غير أنّ هذه الفجوة تؤكد، على نحو أوضح، أنّ العقلانية التي يمارسها الطرفان واحدة من حيث صورتها العامة: إنها فهم المعطى. ويكفي أن نعترف بأنّ لاهوت الوحي، إذا نظرنا إليه من وجهة فلسفية محضة، من دون استيفاء مقتضاه المعرفي ــ أي الإيمان لكي نفهم، والمحبة لكي نعرف ــ ومن دون الوساطة التي تفتح معطاه، يظلّ خطابًا قائمًا على «كما لو»، وينبغي له أن يظل كذلك. ففي أفضل الأحوال، يمكن للفيلسوف أن يقرّ بأنّ الأمور تجري كما لو كان الخطاب اللاهوتي يفهم معطًى فهمًا عقلانيًّا؛ لكنه معطًى متوسّط، ومن ثم هو، بلا ريب، متعذّر الوصول إليه من جهة الفورية المفترضة للمعطى عمومًا. فعدم توافر المعطى المُوحى به، وهو معطى متوسّط، لا يمنع الاعتراف بعقلانية فهمه. ولا يستطيع اللاهوتي أن يطلب أكثر من ذلك، لكن الفيلسوف سيكون عليه دائمًا أن يمنح أقل منه. وبهذا الشرط، لا تقوم منافسة بين هاتين المعرفتين، لأنّ معطياتهما تختلف اختلافًا جذريًّا، مثلما تختلف طرائق الوصول إليها؛ ولا ينشأ بينهما تناقض معرفي، لأنّ عقلانية إجراءاتهما تظلّ واحدة من حيث صورتها [40]. وفي هذا السياق يصبح من العبث حصر التعارض بين الفلسفة في «نهاية الميتافيزيقا» ولاهوت الوحي في تفاوت مقدار حرية البحث أو حرية الفكر.

ثانيًا، إنّ هذه الفجوة والوساطة الإضافية تضعان اللاهوت، مع ذلك، في موقع متقدم بالنسبة إلى سائر المعارف، ولا سيما الفلسفة. فقد اضطرّ اللاهوت، بوصفه لاهوت الوحي، إلى مقاومة التكوين الميتافيزيقي للفلسفة على الدوام؛ وأنه لم ينجح في ذلك بيسر ولا كثيرًا في مجرى التاريخ لا يؤكد إلا أنه كان عليه أن يحاول ذلك دائمًا ليبقى وفيًّا لذاته، من غير أن ينتقص من قيمته بأن يتحول إلى فلسفة مساومة أو زائفة. فمن مقتضى دعوته أن يستقر لاهوت الوحي خارج الميتافيزيقا. ولذلك فهو يسبق الفلسفة، التي لا تزال تكافح اليوم للاعتراف بـ«نهاية الميتافيزيقا»، بل قد تعجز أحيانًا عن إدراك المسألة أصلًا. غير أنّ اللاهوت لا يسبق الفلسفة إلا على دربها الخاص، أي على درب توسعها هي نفسها لتغدو فلسفة لا ميتافيزيقية. فهو لا يفرض على الفلسفة قيدًا، بل يتيح لها إمكان التحرر من الرهن الذي لا يزال يثقلها بسبب التكوين الأنطو-لاهوتي للميتافيزيقا. وبهذا المعنى يصبح اللاهوت «الضمير العقلاني السيئ» للفلسفة؛ لأنه يستطيع ــ بل يجب عليه ــ أن يتناول مباشرةً معطًى، وإن كان هذا المعطى متوسّطًا، معطًى استثنائيًّا بلا ريب، من بين جميع المعطيات الجديدة الأخرى التي يتعين على الفلسفة، عند «نهاية الميتافيزيقا»، أن تنظر فيها، مع أنها تجد صعوبة كبيرة في استيعابها. فالسؤال عن مدى الاعتراف بالمعطى، أو عن توسيع مجالات الإعطاء وأنماطه، مطروح على الفلسفة هي الأخرى. وهي ليست بعدُ معفاة من النظر في المعطى المتوسّط للوحي، الذي يتجاوز الحدود التي رسمها نسق الميتافيزيقا والموقف الترنسندنتالي الذي ينجزها.

ولذلك يتعين على الفلسفة أن تدمج ظواهر لا تقبل التحويل إلى موضوعات، و«لا-موجودات» (‎non-étants‎)؛ أي ظواهر الجسد الحيّ، والآخر الإنساني، والصنم، والحدث، وكذلك النداء والملل والعاشق واللغة السالبة أو العصيّة على التصريح [41]، وما إلى ذلك؛ وبالجملة، جميع ما سمّيناه «الظواهر المشبعة». إلى أيّ مدى يمكن لهذا التوسيع أن يمتد، وإلى أيّ مدى ينبغي له أن يمتد؟ إنّ لاهوت الوحي، من حيث أصله وتعريفه، قادر سلفًا على الإجابة عن هذا السؤال، بل لا بدّ أن يجيب عنه: إذ يتعين عليه أن يوسّع مجال المعطى حتى يبلغ معطى الوحي المتوسّط بالإيمان. أما الفلسفة، وقد وجدت نفسها عند «نهاية الميتافيزيقا»، فلم تبدأ اليوم إلا بالكاد في الإصغاء إلى هذا المطلب. وينبغي لها أن تعترف ــ وهو ما تمارسه بالفعل، وإن لم تكن دائمًا قادرة على الإقرار به بوضوح ــ بأنّ تخلّيها الفعلي عن الموقف الترنسندنتالي يفتح أمامها مجالًا قبليًّا غير محدود للتجريبية الجذرية؛ تجريبية تتحرر من السؤال الإلزامي عمّا يجوز اختباره وما لا يحقّ لنا اختباره. وبما أنّ اللاهوت يتبنى تجريبية جذرية، لأنها متعالية، فإنه يؤدي أيضًا دور «الضمير التجريبي السيئ» للفلسفة. ومن هذا الوجه، قد يسبقها، بفعل فائضه ومن غير قصد، في انفتاحه على الأسئلة الفلسفية وفي بنائها.

إذن، للاهوت عقلانيته، وهي عين عقلانية الفلسفة، وإن كانت أعقد منها وأشدّ قوة؛ وهي، بدرجة أبعد، عقلانية العلوم الوضعية أيضًا. وهذه العقلانية هي فهم المعطى [42]. وإنّ تجاهل هذا التوسيع لمجال المعطى، وما يتيحه من توسيع للعقلانية، لا يمنح من يتجاهله أيّ صرامة إضافية، ولا يقدح في من يسعى إلى ممارسته [43]. وقد نتساءل عما إذا كانت الفلسفة قد أدّت يومًا دور خادمة اللاهوت (‎ancilla theologiae‎)؛ لكن لا يبدو عبثًا أن نقول إنّ اللاهوت يؤدي دور حارس الفلسفة، لكي تظلّ الفلسفة في مستوى مصيرها. 

لتحميل المقال هنـا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باحث في اللاهوت والفلسفة ومترجم، بكالوريوس الفلسفة، جامعة النيلين.

المصدر:

https://www.academia.edu/6135939/Jean_Luc_Marion_On_the_Foundation_of_the_Distinction_Between_Theology_and_Philosophy_

ملحوظة المترجم:

المقال في أصله الإنجليزي مترجَم عن الفرنسية بقلم ‎Patrick Craig‎ و‎Tom Sparrow‎. وقد أُبقيت عناوين المؤلفات والدوريات وبيانات النشر بلغاتها الأصلية، وأُثبتت الهوامش الثلاثة والأربعون بحسب ترتيبها في الأصل، وما ورد بين معقوفتين من إحالات إلى طبعات إنجليزية فهو من الأصل أو من إضافات المترجم. أما الهامشان «34 مكرر» و«35 مكرر» فمن إضافة المترجم.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

الهوامش:

 

  1. ‎Le conflit des facultés, I, 1, 4, Ak. A. VII‎، على التوالي ص 32 و34 ثم 35. ‎[Immanuel Kant, The Conflict of the Faculties, trans. Mary J. Gregor (Lincoln: University of Nebraska Press, 1992), pp. 53 and 55.]‎
  2. انظر في هذه المسألة دراستنا ‎«La ‘fin de la métaphysique’ comme possibilité», in Y-a-t-il une histoire de la métaphysique?, éds. Yves-Charles Zarka et Bruno Pinchard (Paris: P.U.F., 2005). [“The ‘End of Metaphysics’ as a Possibility,” trans. Daryl Lee, in Mark A. Wrathall, Religion after Metaphysics (Cambridge: Cambridge University Press, 2003).]‎
  3. يمكن أن نقابل «…‎theologia quatenus sermo de Deo est» (Saint Thomas Aquinas, Summa theologiae Ia, q.1, a.7, sed contra)‎ بـ‎sermo ab Deo‎ الأكثر أصالةً، الذي فيه «…‎ad nos revelatio processit‎» (المرجع نفسه، ‎q.1, a.2, ad 2‎).
  4. ‎De Civitate Dei, VIII, 1, 34, 230.‎ وهو يردّد تعريفًا للحكمة ‎(sapientia)‎ عند شيشرون: ‎«Sapientia esse rerum divinarum et humanarum scientiam cognitionemque» (Tusculanae Disputationes IV, 26, 57, ed. J. E. King [Cambridge: Harvard University Press, 1996], p. 39)‎، و‎«Illa autem sapientia, quae principem dixi, rerum est divinarum et humanarum scientia, in qua continetur deorum et hominum communitas et societas inter ipsos» (De Officiis I, 43, 153, ed. Walter Miller [Cambridge: Harvard University Press, 1975], p. 156‎؛ أو ‎II, 2, 5,‎ المرجع نفسه، ‎p. 172).‎ وقد جمع هذه الإحالات ‎Goulven Madec, Saint Augustin et la philosophie (Paris, 1996)‎، ولا سيما الفصل الثاني الذي نتبعه فيه في الأساسي.
  5. انظر أدناه، الهامش 13.
  6. ‎De Civitate Dei VI, 5, 1, B.A., t. 34, p. 36.‎
  7. ‎Varron, Antiquitatum rerum humanarum et divinarum libri I–II, I, frag. 10, 14, 23, 28 et 29, ed. Augusta Germana Condemi (Bologne, 1965)‎، على التوالي ص 9 و10 و14 و16 و17، وهي تعيد إنتاج ‎De Civitate Dei VIII, 1‎؛ ‎VII, 6‎؛ ‎VI, 5‎؛ ‎VI, 6.‎ وحتى العبارة ‎«…[theologia] naturali, quae philosophorum est…» (De Civitate Dei VI, 8, 2,‎ المرجع نفسه، ‎p. 86)‎ تحيل إلى الخطاب في الإلهي القائم على الطبيعة، أي علم الكون، كما يفهمه فارو، ولا تستبق بداهةً الميتافيزيقا الخاصة ‎(metaphysica specialis)‎ في شيء.
  8. ‎De Civitate Dei VII, 6,‎ المرجع نفسه، ‎p. 140.‎
  9. ‎De Civitate Dei VIII, 1‎, المرجع نفسه، ‎pp. 228–230‎. وقد شدّد على هذه النقطة بقوة ‎Joseph Ratzinger, «Vérité du christianisme?», in Christianisme. Héritages et destins, ed. Cyrille Michon (Paris: Livre de Poche, Biblio-Essais, 2002), p. 306‎ وما يليها.
  10. ‎De Civitate Dei VIII, 1,‎ المرجع نفسه، ‎p. 230.‎ ويظلّ هذا الموقف على انسجام عميق مع موقف القديس يوستينوس الأقدم منه بكثير: «كما أنّ الذين نصروا بين اليونان العقائد الملائمة لهم كانوا متناقضين فيما بينهم، فكذلك الذين يُعبَّر عنهم بين البرابرة، وقد اكتسبوا بذلك صيتًا عند الحكماء، ويُسمَّون باسم مشترك: يُدعَون مسيحيين» ‎(Apologie I, 7, 1, éd. Charles Munier, «Sources chrétiennes», no. 507 [Paris, 2006], p. 142‎، بترجمة فرنسية مصحَّحة؛ وكذلك 26, 6, المرجع نفسه، ‎p. 200).‎ انظر ‎Daniel Bourgeois, La Sagesse des anciens dans le mystère du Verbe. Évangile et philosophie chez saint Justin, philosophe et martyr (Paris: Téqui, 1981).‎
  11. يذهب ‎Étienne Gilson‎ حتى إلى كالفن: «…إنّ «الفلسفة المسيحية» عند كالفن حكمة فائقة للطبيعة محضة؛ وبكلمة واحدة، هي لاهوت» ‎(Christianisme et Philosophie [Paris, 1981], p. 32).‎ وبشأن هذا التركيب انظر ‎Gustave Bardy, «‘Philosophie’ et ‘philosophe’ dans le vocabulaire chrétien des premiers siècles», Revue d’ascétique et de mystique 25 (1949), pp. 97–108.‎
  12. ‎In duodecim libros Metaphysicorum Aristotelis Expositio, Prooemium, ed. M. R. Cathala (Rome, 1964), pp. 1–2.‎
  13. في دلالات اللاهوت المتقابلة، بوصفه ميتافيزيقا خاصة (‎metaphysica specialis‎) في مقابل ‎theologia‎ الوحي، انظر توضيحاتنا الموجزة في «‎Théo-logique», in Encyclopédie philosophique, t. 1, «L’univers philosophique» (Paris: P.U.F., 1989)‎، وفي ‎Jean-Luc Marion, Étant‎ ‎donné. Essai d’une phénoménologie de la donation (Paris: P.U.F., 1996, 2005), p. 104‎ وما يليها [‎Being Given: Toward a Phenomenology of Givenness, trans. Jeffrey L. Kosky (Stanford: Stanford University Press, 2002)‎]، وكذلك ‎Olivier Boulnois, Duns Scot. La‎ ‎rigueur de la charité (Paris: Le Cerf, 1998), c. 3‎. وللتاريخ العام لتشكّل الميتافيزيقا بوصفها ‎metaphysica generalis‎ و‎metaphysica specialis‎ (بما فيها ‎theologia rationalis‎)، انظر ‎Jean-Luc Marion, Sur le prisme métaphysique de Descartes (Paris: P.U.F., 2004)‎, ‎c. 1 [On Descartes’ Metaphysical Prism, trans. Jeffrey L. Kosky (Chicago: University of Chicago Press, 1999), chapter 1]‎، و«‎La science toujours recherchée et toujours manquante» (in La métaphysique. Son histoire, sa critique, ses enjeux, eds. Jean-Marc‎ ‎Narbonne and Luc Langlois [Paris/Québec, 1999]‎)، وملفّ ‎Jean-François Courtine, Suarez et le système de la métaphysique (Paris: P.U.F., 1990‎)، القائم على عمل ‎Hans Reiner, «Die Entstehung und ursprüngliche Bedeutung des Namens Metaphysik», Zeitschrift für philosophische Forschung‎ (1954)، و‎Ernst Vollrath, «Die Gliederung der Metaphysik in eine Metaphysica generalis und eine Metaphysica specialis», Zeitschrift für philosophische Forschung‎ (1962)، ثم ‎Die These der Metaphysik. Zur Gestalt der Metaphysik bei Aristoteles, Kant und Hegel (Wuppertal, 1969)‎. أما الخلفية الهايدغرية لهذه المسألة فقد تناولناها في ‎Jean-Luc Marion, Dieu sans l’être (Paris: P.U.F., 1981, 2002), c. 2 et 3 [God without Being, trans. Thomas A. Carlson (Chicago: University of Chicago Press, 1‎991), ‎chapters 2 and 3‎].
  14. ‎In librum Boethii De Trinitate, q.5, a.4, Opuscula omnia, ed. Pierre Mandonnet (Paris, 1927), vol. III, p. 119‎ وما يليها. انظر: ‎«…Theologia, quae ad sacram doctrinam pertinet, differt secundum genus ab illa theologia, quae pars philosophiae ponitur» (Summa theologiae Ia, q.1, a.2, ad 2).‎
  15. ‎Phänomenologie und Theologie, in Wegmarken, G.A. 9, p. 61 (Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann, 1976), p. 68. [“Phenomenology and Theology,” in Pathmarks, ed. William McNeill (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p. 50.]‎ وهو نص يحيل إليه هايدغر، باتساق تام (المرجع نفسه، ‎p. 45)‎، في ‎Sein und Zeit §7‎، الذي يعدّ اللاهوت، مع علم الأحياء وعلم الاجتماع وغيرهما، من علوم الظواهر التي تهيمن عليها الفينومينولوجيا وتجعلها هي نفسها ممكنة. ‎[Being and Time, trans. John Macquarrie and Edward Robinson (New York: Harper and Row, 1962).]‎
  16. ‎«Sein ohne das Seiende denken, heißt: Sein ohne Rücksicht auf die Metaphysik zu denken» (Zeit und Sein, in Zur Sache des Denkens, G.A. 14 [Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann, 2007], p. 29). [“To think Being without beings means: to think Being without regard to metaphysics.” On Time and Being, trans. Joan Stambaugh (Chicago: University of Chicago Press, 1972), p. 24.]‎
  17. «‎Sein verschwindet im Ereignis» (Zeit und Sein, p. 27). [“Being vanishes in Appropriation.” On Time and Being, p. 22.]‎
  18. يمكن حتى أن تُترجم العبارة: «…يدعو الأشياء التي لا وجود لها بقدر ما يدعو الموجودات»، ترديدًا لـ ‎l’étant‎ (الموجود) بقدر ما هو ‎étant‎ (موجود). وبشأن الاستتباعات النظرية لهذا النص، انظر قراءتنا في ‎Dieu sans l’être, III, 4, p. 128‎ وما يليها (و182). [‎God without Being, p. 83‎ وما يليها.]
  19. انظر عرضًا أكثر تفصيلًا للحجة في ‎«L’impossible pour l’homme—Dieu», Conférence, no. 18 (Spring 2004). [“The Impossible for Man—God,” in Transcendence and Beyond: A Postmodern Inquiry, eds. John D. Caputo and Michael J. Scanlon (Bloomington: Indiana University Press, 2007).]‎
  20. ‎Ordinatio, Prologue, n. 5, in Opera omnia, vol. 1, ed. Carl Balic (Rome: Vatican Polyglot Press, 1950), p. 4.‎
  21. في عدم قابلية الإنسان للإحاطة به، وهو ما يُعرَّف بغياب التعريف عنه أصلًا، انظر دراستنا ‎«Mihi magna quaestio factus sum. The Privilege of Unknowing», The Journal of Religion 85, no. 1 (January 2005). [‎الأصل الفرنسي: ‎«‘Mihi magna quaestio factus sum’, le privilège d’inconnaissance», Conférence, no. 20 (Spring 2005).]‎
  22. ‎Summa theologiae IaIIae, q.5, a.5, ad 2: «Nobilioris conditionis est natura, quae potest consequi perfectum bonum, licet indigeat exteriori auxilio ad hoc consequendum, quam natura, quae non potest consequi perfectum bonum, sed consequitur quoddam bonum imperfectum, licet ad consecutionem ejus non indigeat exteriori auxilio.»‎ وبشأن هذه العقيدة انظر أعمال ‎Henri de Lubac, Le Mystère du Surnaturel (Paris: Aubier, 1965) [The Mystery of the Supernatural, trans. Rosemary Sheed (New York: Crossroad, 1998)]‎، و‎Augustinisme et théologie moderne (Paris: Cerf, 2009) [Augustinianism and Modern Theology, trans. Lancelot Sheppard (New York: Crossroad, 2000)].‎ وبشأن الصلة الجوهرية بين هذه العقيدة والميتافيزيقا منذ سواريز وديكارت، انظر دراستنا ‎«De quoi l’ego est-il capable? Divinisation et domination», in Questions cartésiennes. Méthode et métaphysique (Paris: P.U.F., 1991), c. 4. [Cartesian Questions (Chicago: University of Chicago Press, 1999), chapter 4.]‎
  23. ‎François Bourgoing‎: «…هناك ثلاثة أنواع من اللاهوت: الإيجابي، والمدرسي، والصوفي […] والصوفي يطبّق حقائقه ويخدم في رفع النفس إلى الله» (‎Preface to the Œuvres complètes of Pierre de Bérulle, ed. Jacques-Paul Migne [Paris: Cerf, 1998], p. 83‎).
  24. ينبغي ألا ننسى أنّ سبينوزا يأخذ صيغتي ‎natura naturans / natura naturata‎ (‎Ethica I, I, §29‎ وما يليها) من القديس توما الأكويني (ومن غيره، منهم ‎Summa theologiae IaIIae, q.85, a.6, resp‎.)، وقد تبع توما نفسه يوحنا سكوت إريوجينا.
  25. نتبع في هذه المسألة البالغة الأهمية ‎Marie-Dominique Chenu, La théologie comme science au XIIIe siècle (Paris: Vrin, 1942).‎ وترد هذه الصيغة في ص 13 من طبعة 1969. ويمكن بداهةً أن تُؤخذ في اتجاهين متعارضين.
  26. ‎Marie-Dominique Chenu‎, المرجع نفسه، ص 82 و83.
  27. «…‎habitus fidei, qui est quasi habitus principiorum» (In Sententiarum, q.1, Prologus, a.3, sol. 2)‎؛ أو «…‎ipsa quae fide tenemus sunt quasi prima principia in hac scientia» (Summa theologiae Ia, q.2, a.2, resp.)‎. انظر «‎Et hoc modo sacra doctrina est scientia, quia procedit ex principiis notis lumine superioris scientiae, quae scilicet est scientia Dei et beatorum» (Summa theologiae Ia, q.1, a.2)‎. ونشدّد على أنه، من حيث الحق [‎en droit‎]، لا يتعلق الأمر بتراتب صارم بين علمين، لأنّ علم الله والقديسين لا يشكّل بدوره علمًا بالمعنى الأرسطي؛ وإنما يتعلق الأمر بهبة المبادئ (أو بإتاحتها ‎[la mise à disposition]‎) وهي مبادئ غير علمية في ذاتها؛ فالأمر إذن، على الأقل، أمر شبه تراتب (‎quasi-subalternation‎). وقد شدّد ‎Marie-Dominique Chenu‎ على ذلك بإنصاف كبير، على الرغم من حماسته المشوبة بقليل من النقد.
  28. ‎Summa theologiae Ia, q.1, a.2, resp.‎
  29. «‎Propter hoc dictum est a quodam, quoniam apud Aristotelem argumentum est ratio rei dubiae faciens fidem, apud Christum autem argumentum est fides faciens rationem» (Guillaume d’Auxerre, Summa aurea, Prologus, ed. Philippe Pigouchet, f. 2ra)‎، وقد أوردها ‎Marie-Dominique Chenu‎ (المرجع نفسه، ‎p. 35‎)، الذي يعيّن ‎Simon de Tournai‎ مبتكرًا لهذه الصيغة: «‎Doctrina Aristotelis est de his de quibus ratio fecit fidem, sed Christi doctrina de his quorum fides facit rationem» (Expositio in symbolum Quicumque, ms. Paris‎ ‎lat. 14886, f. 73a‎). وانظر أيضًا ‎Gilbert de la Porrée: «In caeteris facultatibus […] non ratio fidem, sed fides praevenit rationem. In his enim non cognoscentes credimus, sed credentes cognoscimus» (In Boethii de praedicatione trium personarum, P.L. 64, 1‎303 وما يليها).
  30. ‎Contra Faustum, 32, 18, PL 42, 507.‎ ولا ينبغي أن نغفل (مثل ‎Heidegger, Sein und Zeit, §29)‎ قراءة الخاتمة: ‎«Probamus etiam ipsum [viz., Spiritum Sanctum] inducere in omnem veritatem, quia non intratur in veritatem, nisi per charitatem: ‘Charitas autem Dei diffusa est, ait Apostolus, in cordibus nostris per Spiritum Sanctum qui datus est nobis’»‎ (رومية 5:5). ويتمثل هذا الانقلاب المعرفي بلا شك في معرفة المعطى المُوحى به بوصفه معطًى انطلاقًا مما يمنحه الروح القدس بالمحبة؛ ولذلك لا يمكن إدراجه في حساب تحليلية للدازاين يُفترض أنها «ملحدة منهجيًّا» — وإلا لوجب الاعتراف بأنّ هذه التحليلية لا تهدم الأنطولوجيا إلا بأدوات الوحي نفسه، وهو بلا ريب أقوى تفكيك يمكن تصوّره للنسق الميتافيزيقي (كما تثبت ذلك سلبًا المحاولات الحديثة لـ ‎Jean-Luc Nancy‎، وبتحفظ أقل لـ ‎Jacques Derrida). [Answer to Faustus, a Manichean, trans. Roland Teske (New York: New City Press, 2007), p. 420.]‎
  31. انظر ‎De l’art de persuader, in Œuvres complètes, ed. Louis Lafuma (Paris: Aux Éditions du Seuil, 1963), p. 355 (‎وقد علّقنا على هذه الأطروحة في ‎Sur le prisme métaphysique de Descartes, §25, p. 360‎ وما يليها) ‎[On Descartes’ Metaphysical Prism, p. 333‎ وما يليها]. وهايدغر، الذي يستشهد به في الموضع نفسه، يحيل خطأً إلى ‎«Vgl. Pensées, a.a.»‎، وهو التباس ناتج من الاستعمال غير الدقيق لطبعة ‎Léon Brunschvicg, Pensées et Opuscules (Paris: Hachette, 1912), p. 169 (‎انظر الحاشية على §1، ‎op. cit., p. 4). [Blaise Pascal, “The Art of Persuasion,” in Great Shorter Works of Pascal, trans. Emile Cailliet and John C. Blankenagel (Westport: Greenwood Press, 1974), p. 203.]‎
  32. ‎Pensées, §739, Œuvres complètes, op. cit., p. 596. [Pensées, trans. Alban J. Krailsheimer, rev. ed. (London: Penguin, 1995), §739, p. 229.]‎
  33. ‎Pensées, §377‎, المرجع نفسه، ‎p. 546‎. [طبعة ‎Penguin: §377‎، ص 110.]
  34. ‎Fragment d’une XIXe Provinciale,‎ المرجع نفسه، ‎p. 469.‎

34 مكرر. [إضافة المترجم] ‎Augustine, Confessions X, 1, 1‎، في: ‎Confessions, trans. Henry Chadwick (Oxford: Oxford University Press, 1991), p. 179‎.

  1. ‎Pensées, §978,‎ المرجع نفسه، ‎p. 636‎ وما يليها. وللمقارنة بقوله: «هناك فرق عظيم بين ألا يكون المرء مع يسوع المسيح ويصرّح بذلك، وألا يكون معه ويتظاهر بأنه معه. فأحد الفريقين يستطيع أن يصنع المعجزات، لا الآخرون. لأنّ الواضح، في شأن الفريق الأول، أنهم ضد الحقيقة، لا الآخرين؛ وبذلك تكون المعجزات أوضح» (§843, المرجع نفسه، ‎p. 610). [Pensées, trans. Krailsheimer: §978, pp. 324–326‎؛ §843, ‎p. 265.]‎

35 مكرر. [إضافة المترجم] ‎Augustine, Confessions X, 23, 34‎، المرجع نفسه، ‎pp. 199–200‎.

  1. ‎Pensées, §926,‎ المرجع نفسه، ‎p. 622.‎ وكذلك يرد فيه أنّ «التناقض كان دائمًا مباحًا لإعماء الأشرار، لأنّ كل ما يسيء إلى الحقيقة أو المحبة شرّ. وهذا هو المبدأ الحق» ‎(Pensées, §962,‎ المرجع نفسه، ‎p. 632)‎، وهو يكاد يكون بقيمة شرح حرفي لسلسلة أوغسطينية: ‎«Initium operorum bonorum, confessio est operum malorum. Facis veritatem et venis ad lucem. Quid est ‘facis veritatem’? […] Venis ad lucem ut manifestentur opera tua, quia in Deo sunt facta; quia et hoc ipsum quod tibi displicuit peccatum tuum, non tibi displiceret, nisi Deus tibi luceret et ejus veritatem ostenderet.» (Commentaire de l’évangile de Jean, XII, 13, PL 35, 1491). [Pensées, trans. Krailsheimer: §926, p. 295‎؛ §962, ‎p. 316. Augustine, Tractates on the Gospel of John 11–27, trans. John W. Rettig (Washington, DC: Catholic University of America Press, 1988), pp. 41–42.]‎
  2. ‎Johann Gottlieb Fichte, Appel au public contre l’accusation d’athéisme, II, in Querelle de l’athéisme suivie de divers textes sur la religion, trans. Jean-Christophe Goddard (Paris: Vrin, 1993), p. 55. [Fichtes Werke, Band V (Berlin: Walter de Gruyter, 1971), p. 214.]‎ وذلك مثلًا لأنّ التعارضات نفسها يمكن العثور عليها بسهولة عند كانط وهيغل، فضلًا عن خلفائهما.
  3. ‎Johann Gottlieb Fichte, Rappels, Réponses, Questions, §19 (‎الترجمة الفرنسية، ‎op. cit., p. 149‎؛ ‎Werke, op. cit., p. 351).‎
  4. ‎Johann Gottlieb Fichte, Lettre privée (‎الترجمة الفرنسية، ‎op. cit., p. 181‎؛ ‎Werke, op. cit., p. 386‎ وما يليها).
  5. ينبغي التشديد على أنّ الفلسفة لا تمارس اللاهوت ولا تستطيع ذلك (ولا سيما حين تمارس فلسفة الدين): فما يندّد به الفلاسفة بوصفه «انعطافًا لاهوتيًّا» يظلّ رعبًا زائفًا، لأنّ الأمر يتعلق بنذرٍ ورعٍ وبادعاءٍ وهمي؛ فالفلسفة لا تملك وسائل مثل هذا الانعطاف، وهي بعيدة عن ذلك، لأنها لا سبيل لها إلى المعطى (المتوسّط بالإيمان) للوحي.
  6. نتأمل هنا في استعادة الفلسفة المعاصرة لما يُسمّى خطأً «اللاهوت السلبي»، سواء في الحركة الظاهراتية (‎Derrida‎ ومناقشته لاستعادتنا للعقيدة الديونيسية بغرض تفكيك التفكيك)، انظر «‎Au nom ou comment le taire», in De surcroît. Études sur les phénomènes saturés (Paris: P.U.F., 2003), c. VI [“In the Name: How to Avoid Speaking of ‘Negative Theology’,” in In Excess: Studies of Saturated Phenomena, trans. Robyn Horner and Vincent Berraud (New York: Fordham University Press, 2002), chapter 6, pp. 128–162‎]، و«‎On the Gift: A Discussion between Jacques Derrida and Jean-Luc Marion, moderated by Richard Kearney», in God, the Gift, and Postmodernism, eds. John D. Caputo and Michael J. Scanlon (Bloomington: Indiana University Press, 1999), pp. 54–78‎؛ أم في الحركة التحليلية، حيث يبدو فتغنشتاين المتأخر تجاوزًا صبورًا وحاسمًا للتحريم، وهو الذي يختم ‎Tractatus logico-philosophicus‎ بعبارة: ما لا يمكن الكلام عنه ينبغي السكوت عنه؛ لأنّ الصمت يتضمن أصلًا كلام صوتٍ أو صوتٍ آخر، بل صوتٍ ثالث.
  7. يُعرف التعريف الشهير الذي صاغه ‎Étienne Gilson‎ : «الفيلسوف المسيحي فيلسوف يميّز رسميًّا بين نظامين، لكنه يعدّ الوحي المسيحي معينًا لا غنى عنه للعقل» (‎op. cit., p. 138‎؛ انظر ‎L’Esprit de la philosophie médiévale [Paris: Vrin, 1932], p. 33 [The Spirit of Medieval Philosophy, trans. A. H. C. Downes (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1991)‎]، ومناقشتنا في «‎La ‘philosophie chrétienne’—herméneutique ou heuristique?», in Le Visible et le Révélé [Paris: Cerf, 2005], c. IV, p. 99‎ وما يليها [“‎Christian Philosophy: Hermeneutic or Heuristic?,” in The Visible and the Revealed, trans. Christina M. Gschwandtner (New York: Fordham University Press, 2008), p. 66 ff‎.]، وهي التي نحتفظ بخلاصاتها في الأساس هنا). ونصحّحه على النحو الآتي: اللاهوت المسيحي لا يميّز عقلانيته تمييزًا دقيقًا عن عقلانية الفلسفة (لأنّ العقل واحد وكلّي)، لكنه يبلغ، بوساطة (الإيمان)، معطًى أوسع مما تفرضه الفلسفة، وذلك بأدائه دوره الخاص إزاءها، إذ يحرّر نفسه من الحدود الترنسندنتالية لنسق الميتافيزيقا.
  8. يستحق هذا ملاحظةً من ‎Étienne Gilson‎: «لا ريب في أنّ هناك، وربما سيظلّ هناك دائمًا، فلاسفة بلا إيمان ولا قانون، لكنّ ما ينقصهم لا يمكن أن يمنح ما بقي لهم أيّ دقة صورية. فالفلسفة ليست أكثر فلسفةً حين تكون وثنية منها حين تكون مسيحية؛ وهي حينئذٍ ليست إلا فلسفةً محجوبة. والفلسفة ليست أقلّ فلسفةً حين تكون مسيحية منها حين تكون وثنية، ولا هي أكثر فلسفةً، لكنها أفضل» (‎Christianity and Philosophy, trans. R. MacDonald [New York: Sheed and Ward, 1939], p. 87‎).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى