محمد بن تاج الدين بن مرعي
مقدِّمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
ثم أما بعد:
فالتماهي مع الخطابات النفسية الشعورية، بلغ في عصرنا مبلغًا عظيمًا، حتى تحدَّث بعض علماء الاجتماع عن شيوع “إنسان الشعور”، والذي من صفاته المغالاة في تعظيم كلِّ راحةٍ أو مكسبٍ نفسي، بل وجعلها الغاية الأولى التي يطلبها بكلِّ ما استطاع من سبلٍ ووسائل. وقد كان الشغف من تلك القيم الشعورية التي تملَّكت الأذهان، وصار أحد موجهي بعض أهم القرارات الحياتية: كاختيار مجال التخصُّص الدراسي، والمهنة إلخ. فجاءت هذه المقالة لتساهم في إعادة هذه القيمة الشعورية إلى موضعها الطبيعي ببيان ثلاثة أمور: أولها: ضعف عامل الشغف بالنسبة لغيره من العوامل الأخرى: كالقدرة والحاجة المجتمعية والفردية، ثانيها: ارتكاز ما قد نعدُّه شغفًا على أرضية هشَّة مضطربة، ثالثها: كون السطوة النفسية التي تتبع الشغف تؤثِّر بالسلب على اختيار القرارات الصحيحة.
ضعف عامل الشغف:
موضع الشغف من حيث الأهمية ضمن الرؤية الشاملة لإدراك الغايات المنضبطة: لا يتعدى كونه عاملا شعوريًا محفِّزا، وفي المقابل فبعض العوامل الأخرى: كاعتبار القدرات الشخصية ومناسبتها للقضية والحاجة المجتمعية والشخصية (بمستوياتهما المختلفة) إلخ، تلعب دورًا أكثر أهمية بكثيرٍ في تشكيل القرارات، إذ بها تستبين قدرة الفرد على العطاء في الميدان المختار، وأهمية هذا القرار بالنسبة للمجتمع، وأكثر الأمور الواقعية أهمية بالنسبة للفرد، وقبل كل ذلك ما يحقِّقُه هذا القرار -حال ارتبط بالإخلاص- بالنسبة للغاية الأولى للإنسان = نيل رضى الله. وفي هذا السياق يلوح قوله صلى الله عليه وسلم: “حُفَّت الجنة بالمكاره وحُفَّت النار بالشهوات”[1]، فقد يكون الميل والشغف (وهو عين ما تهواه النفس وتشتهيه) يتوجَّه نحو أمر يقصر في تحقيق الغايات المنضبطة فيطرح ويعتبرُ ابتلاءً وامتحانًا.
الأرضية الهشَّة:
كثيرًا ما يرتكز الشغف على أرضية هشة غير ثابتةٍ ولا مستقرة مما يؤدي إلى تحولات لما يعتبر الإنسان نفسه شغوفًا به، كأن يقوم الشغف على استسلامٍ وخضوعٍ نفسي لثقافةٍ غالبة قد تتحوَّل في أي لحظةٍ، أو أن يقوم على جهلٍ بالاختيارات المتاحة الأخرى، فلربما يميل قلب قليل الاطلاع إلى أمرٍ يرى أنه شغوفٌ به، وفي الخيارات المتاحة ما لو علمه لأدرك أنه الأكثر مناسبة لشغفه والأكثر ملاءمة لطباع نفسه، ولكن لقلة المعروض على قلبه ولفراغه من المعارف توهَّم حقيقة الشغف في الأمر المختار، فمثله مثل القائل:
أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الهَوَى — فَـصَـادَفَ قَـلْـبًا فَـارِغًـا فَـتَـمَـكَّـنَـا
فلم يكن هذا الميل بعد تحقيق وسبر بل أملته النفس الجاهلة، كما الشاعر ما أحب محبوبته عن تأملٍ بل عن فراغٍ مسبقٍ في القلب، فالاختيار المنضبط يتطلب شيئًا من التأني والاطلاع على الخيارات المتاحة المختلفة، والموازنة بين تلك الخيارات، حتى يلوح أفضلها ويبرز من بينها، وحسب الإنسان أن يتسرع ثم يندم ويتحسر، وقد قيل:
نار الروية نار جد منضجة — وللـبـديـهـة نـار ذات تـلـويـح
وقـد يفضلهـا قـوم لعاجلهـا — لكن عاجلها يمضي مع الريح
فقد يفضل الإنسان عاجل المتعة المتمثل في اختيار ما اعتبر نفسه شغوفًا به ثم يتحسر بأن أضاع وقته واستهلك قدراته فيما لا يتناسب معه ومع واقعه، أو مع ما هو أحقُّ بشغفه!، وقد قيل:
قد يدرك المتأني بعض حاجته — وقد يكون مع المستعجل الزلل
سطوة الشغف:
لما كان الشغف عاملا ضعيفًا كما رأيت، وكانت له سطوة تفوق سطوة غيره على الذهن: دعا بعض العلماء إلى طرحه بل ومخالفته تحوُّطًا عند الحيرة والشك؛ ويرجع ذلك إلى أن رفعه لما يرتبط به من مسائل لتصل إلى مرتبة تجابه فيها غيرها عند الاختيار حتى يحتار الإنسان بينها، ليس راجعا لقوة تلك المسائل التي رفعها في ذاتها بل لسطوة عامل الشغف على الذهن، وفي الحديث: “حبُّك الشيء يعمي ويصم”[2]، وقال الشافعي:
وعين الرضى عن كل عيبٍ كليلة — ولكنَّ عين السخط تبدي المساويا
فالشغف مع كونه عاملًا معتبرا في اتخاذ القرارات -وإن كان ضعيفا كما بيَّنا-، فهو كذلك: عاملٌ نفسي خدَّاع!: يضخم الوقائع والآثار في النفس حتى ترتفع بها إلى مرتبة ليست لها، فالحيرة حينها نتيجة لخداع، وإلا فإذا طُرح أثره المخادع، وبقي أثره كعاملٍ محفِّزٍ لما وصلت المسائل المرتبطة به لمرتبة تجابه فيها غيرها، ومن هؤلاء العلماء الذين دعوا إلى مخالفة الشغف (الهوى): الإمام الشافعي إذ قال -حسب ما نسب إليه-[3]:
إذا حـار أمـرك فـي معنيـن — ولم تدرِ فيما الخطا والصَّواب
فـدع مـا هـويـت فـإن الهـوى — يقودُ الـنـفـوس إلـى مـا يعـاب
فهنا يقرر الإمام الشافعي رحمه الله: أن من احتار في أمرٍ في اتخاذ قرار ما، فعليه بطرح الخيار المرتبط بالشغف (الهوى)، لارتباطه -نتيجة لما شرحناه من قوة سطوته- بالآراء الأضعف والأسخف (ما يعاب)، ويتأكد ما دعا إليه في هذا العصر، ففيه غالى أكثر البشر في القضايا الشعورية والنفسية.
خاتمة:
الخلاصة: لا شك أن من العقل والمنطق اعتبار الشغف عاملًا من عوامل الاختيار، وأن اجتماع ما تهواه النفس وتشغف به مع أنسب مواضع الخير لهو نعمة عظيمة يفتقر إليها كثير من أبناء العصر، ولكن من رام الآخرة وعرف قدرها، تعاظمت في نفسه العوامل الأكثر ارتباطًا بالغاية، وأكثر ارتباطًا بنفع الأمة على حساب منفعته الشخصية الشعورية، فلم يكد ينظر إلى تلك المنفعة -في هذا السياق- إلا كعاملٍ يعين على غايته الأولى، لا أنه الغاية. هذا وأرى أن بشيءٍ من المجاهدة والمكابدة والإخلاص يتحوَّل ما ترك من أجله هوى النفس وشغفها إلى ما يتحقق به الشغف الحقيقي للإنسان وما يستشعر به اللذة والطمأنينة، وقد رُوي عن ثابت البناني رحمه الله أنه قال: “كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة”[4]، فلن تنال الشغف الحقيقي ولا الطمأنينة الحقيقية حتى تصبر على مشقة البعد عن هواك، و“الاعتبار” كما قال ابن تيمية “بكمال النهاية لا بنقص البداية”[5].
هذا والحمد لله، وصلى الله على نبيه محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
[1] مسلم ح (2822)
[2] أبو داود (5130)، وضعفه الشيخ الألباني
[3] ديوان الإمام الشافعي ص31 الأبيات رقم (38) البيتين 22و23
[4] سير أعلام النبلاء(5/ 522) طبعة دار الحديث
[5] مجموع الفتاوى (15/ 151)



