عامالدين

السكوت يُحيل معنى النطق

خطّاب مخافة

 

 

لا يُنسب إلى ساكتٍ قول، لكنّ السكوت في معرض الحاجة بيان، فإذا التفّت القرائن الكثيرة يصبح السكوت قولًا، بل قولًا بليغًا أحيانًا، وعلى هذه القاعدة تُبنى أبواب كاملة في أصول الفقه كدلالة المفهوم والإجماع والإقرار وغير ذلك

ومن هنا يساهم كثير من الشرعيين الذين هم مظنة تبين مقاصد الكتاب والسنة وأحكامهما في تضليل الناس وإفساد عقائدهم ودياناتهم وتصوراتهم عن الدين والواقع، إذ إن السكوت عن حادثة والانتفاضة عند مثيلتها يوصل رسالة أن فيما زمجرنا من أجله خصيصة إضافية، وعندما يتكرر نفس السلوك بشكل مطّرد ومن جمع غفير تصبح الدلالة أوضح وأبين وأجلى، يقول القرافي عن احتمالات السكوت التي تفسد دلالته: «والأصل عدم هذه الاحتمالات، وندرة بعضها يُسقطه عن الاعتبار». هذا في المسألة المعينة، فكيف إذا تكرر الأمر واطرد من جمع غفير مقدّم معتبر؟ مع جهل كثير من الناس وحاجتهم للبيان؟ مع كون ما يُسكت عنه يروّج لخلافه؟ مع كون هذا الساكت لا يسكت عن النظير والمثيل؟

ومن السخف وقلة العقل تصور واقعة أو قول متعال عن سياق، والظن أن واجب البيان هو فقط في عدم الخطأ، وإذا كان السكوت مع إنكار القلب ليس بخطأ، فلك أن تنكر المنكر إذن وتأمر بالمعروف وتشجب وتغضب بانتقائية، حتى لو أدت تلك الانتقائية إلى اختلال نفسي أو تصوري عضال في أذهان المتلقين… والحقيقة أن لا كلمة في الوجود يمكن أن تفهم بشكل صحيح دونما سياق، فـ«السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوّع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته» وأننا لا نستطيع أن نفهم قولك إلا بمجموع أقوالك، ولا موقفك إلا بمجموع مواقفك، فبحسب ذلك المجموع نفهم هذا القول المعين، ثم أي اختلال فيما يضمه المجموع لا يؤثر فيما يُفهم مما تسكت عنه من باطل أو حق فحسب، بل يؤثر فيما يفهم مما تقوله من تبيين حق أو إنكار باطل أيضًا، يقول مسلم بن يسار: «إذا حدّثتَ عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده»… فخلو المجموع من أمور تؤثر بالضرورة في فهم ما تقوله بالشكل الصحيح = إضلال بريء… أو خبيث، المهم أنه إضلال… ولئن قال ابن عباس: «ويلٌ للأتباع من عثرات العالم: يقول شيئًا برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله ﷺ منه فيترك قوله، ثم يمضي الأتباع» فاليوم نقول: ويلٌ للأتباع من عثرات العالم: يقول قولًا على الملأ، ثم يقول لخاصّته ما يتممه ويكمله، دون أن يستطيع قول ذلك التتميم للملأ، فيفسد تصوراتهم…

والبعض يظن أن فهم النص -أي نص- هو في فك عباراته فقط والبحث عن معاني ألفاظه في المعجم، وأن ما يصل إلى القارئ منه هو ذلك المعنى المجرد المحض، ولكن الذي يفهم بهذه الطريقة هو الذكاء الاصطناعي، بل حتى الذكاء الاصطناعي لا يفهم بهذه الطريقة بل يؤثر في فهمه لما تقوله محادثاتك الأخرى معه، وجودة لغتك ونوع مصطلحاتك ومرجعيتك وموقعك وسياقك العام، واستخدام الناس للكلمات التي تستخدمها… وعليه فللنص “روح” كما أن له معنى، ألا ترى المعنى المجرد الذي يصل من بيت شعري جزل يصل من عبارة سخيفة؟ ولكن حدته ودرجته وتأثيره وما يُبنى على ذلك من اقتناع أو انفعال أو موقف مختلف، هذا هو الذي أسميته روحًا… وهذا الروح يتراكم، فعندما لا تقول إلا “الحق” ولكن في سياق معين يركز على ذلك الحق دون غيره ويتغافل عن كثير من الباطل فلن يقتصر فهم ذلك “الحق” على معانيه “الحقة”، بل تصبح له بالضرورة معانٍ أخر، متعلقة بالرتبة فـ«مدار الفقه على معرفة رتب المصالح والمفاسد وتقديم أعلاها» ومتعلقة بالحدة والتأثير وفهم المتشاكلات والمتباينات فـ«الناس يقرؤون سكوت غيرهم مؤشرًا على رأي الجماعة، فيزداد الصامتون صمتًا ويتضخّم الرأي المجهور به» ويصبح العالم أو الداعية صحفيًّا لا عالمًا «قد لا تنجح الصحافة في أن تقول للناس بماذا يفكّرون، لكنها تنجح نجاحًا لافتًا في أن تقول لهم فيمَ يفكّرون»

وتأثير المنافقين والمرجفين والجهلة والتافهين معلوم، فإن لم يكن معلومًا فهو سطحي، أما تأثير تدليس المصلحين بممارسة ما سبق جهلًا أو عن وعي فهو تأثير عميق جدًّا في قبحه وإضلاله وإفساده لتصورات الناس، والتدليس بالمناسبة في عرف المحدثين قريب في جوهره من هذا المعنى، فهو ليس الكذب الصراح ولكنه السكوت الموهم، يقول عبدالعزيز البخاري عنه: «كتمان انقطاعٍ أو خلل في إسناد الحديث بإيراد لفظٍ يوهم الاتصال والصحة» وابن الصلاح: «أن يروي عمّن لقيه ما لم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه منه» والقدر المشترك المراد هنا أنه سكوت موهم، و«التدليس أخو الكذب» و«لأن أزني أحبّ إليّ من أن أدلّس» كما روي عن شعبة بن الحجاج، فكيف يكون إذا تراكم هذا التدليس سنينًا وهو يمارس آلية الشجب والسكوت هذه؟ يقدّس في أذهان الناس المدنس ويدنّس المقدس ويجمّل القبيح ويقبّح الجميل، يُعلي رتبة الفرعي ويُدني رتبة المركزي ويضخّم الصغير ويصغّر الكبير، يكشف المكشوف الجلي الواضح، فإذا قال الناس هو إذن للمحجوب المتشابه أكشف = سكت، ويسكت عن الشنيع الفظيع، فإذا قال الناس سيسكت الآن أيضًا إذ الشناعة هنا أخف = نطق، فقلّب الموازين وأفسد التصورات، وكذب “بالصدق” على الله، وأعلى “بالحق” من الباطل، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور…

ثم إذا تحدثت معه بات “يلف ويدور” ويتعاقل ويتحاكم ويتفاصح، ويقيس مع الفارق، وما اجتمعت فئتان من الناس على أمر كما اجتمع الأغبياء ومرضى القلوب على القياس مع الفارق… صدق الصادق «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ» وسيهلكنا أننا إذا فَجَر البعيد نطقنا وإذا فَجَر المخوف سكتنا حتى نزيّف المفاهيم بالنطق قبل السكوت

ثم هذا العلم إمامة، والعالم بالضرورة إمام بقدر علمه، ومن ازداد من العلم حرفًا ازدادت حاجة الناس له حرفًا، وبات يؤمّهم وإن لم يشعروا ولم يشعر، ولا يضر الناس قلة الأئمة قدر ما يضرهم ضلالهم ولو كان يسيرًا، حسبك في الفلاة إمام واحد يعرف الطريق، ولا ينفعك مئة إمام ينحرفون عنه شبرًا، فإنه يكون بعد مسافةٍ يسيرةٍ باعا، ثم يكون أميالًا وأميالًا تزيغ به أمم من خلفهم أمم… والأمة هي الجماعة التي تأتم بنفس الإمام أو بنفس مصدر الإمامة، وهما الكتاب والسنة، فويل ثم ويل لمن تصدّر ثم حرّف ودلّس وأضل، شعر أم لم يشعر، خشي أم طمع، وليعلموا أنهم مفسدون لا مصلحون وأن اعتزالهم بالكلية خير من تدليسهم الخفي هذا وإن اعتذروا وتعذروا ﴿أَلَم يُؤخَذ عَلَيهِم ميثاقُ الكِتابِ أَن لا يَقولوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحَقَّ وَدَرَسوا ما فيهِ؟ وَالدّارُ الآخِرَةُ خَيرٌ لِلَّذينَ يَتَّقونَ أَفَلا تَعقِلونَ﴾ كيف وهم يعلمون أن ما يسكتون عنه من تبيين الحق وإنكار الباطل لا يكاد يذكر، وأن ما ينطقون به من إنكار الباطل وتبيين الحق لا يكاد يجهل، والله أعلم بما يصفون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى