التربية والتعليمالعلوم الاجتماعية والطبيعيةفكر وثقافة

الموضوعية الموهومة: كيف تصنع الانحيازات اختياراتنا المعرفية

عبدالرحمن الهلالي

 

 

مقدمة

في زحمة المشتِّتات، ساقني تليجرام -صديقُ السوء أحيانًا- إلى نتاج أحد الدكاترة المبرّزين في أحد الاتجاهات الشرعية والفكرية، كان الصدق سيماه، والكتابة العذبة سجيّته، وله إسهامٌ غزير في الدراسات الشرعية والفكرية المقارنة. بدأت أقلّب في تلك الصفحات، وجذبتني تلك المقدمات المصدّرة أول البحوث في «التجرّد للحقيقة»، و«تخلية القلب من علائق الهوى والعصبية»، فعكفتُ على الدراسات واحدة تلو الأخرى، وتعظُم في نفسي تلك المقدمات كل مرة.

غير أني بدأتُ ألحظ أمرًا ما في نتائج تلك الأبحاث الرصينة مبنًى، ثم كبرت تلك الملحوظة الصغيرة حتى صارت نتيجةً مطّردة في كل تلك الأبحاث والدراسات: جلّ النتائج كانت تنتهي إلى ترجيح الاتجاه الذي نشأ فيه الباحث واختاره منهجًا. عجبي! ما احتمالُ أن يوافق المرءُ اختيارَ قومه في ثلاثين مسألةً اجتهادية -فشا فيها الخلاف بين المناهج الشرعية- من أصل ثلاثين تقريبًا؟

نعم، الفروع الجزئية تنبثق من أصولٍ كلية حاكمة عليها، وعليه فليست المسائلُ الثلاثون كرمياتٍ مستقلة لعملةٍ معدنية، لكن البحث المقارن المتجرد يقتضي مقارنة الأصول نفسِها لا الاكتفاء بتنزيلها، فكيف توافق أصولُه أصولَ مدرسته دائمًا؟ وما الدوافع التي تجعل العقل البشري ينحاز إلى تلك الاختيارات، بعد تلك المقدمات التي نحسبها صادقةً إن شاء الله؟

وعلى الضفة الأخرى، باحثٌ آخرُ يصدّر بحوثه بالمقدمات ذاتها، ثم ينتهي إلى الأقوال المقابلة تمامًا! وهذا يشير إلى أن التجرد المعرفي ليس بالسهولة التي نتصوّرها.

وقد يزول عجبك -أو لعله يشتد- حين تعلم أن هذا الباحث لم يقصد تدليسًا ولا نفاقًا حين دبّج مقدمته وانتهى إلى نتائجه، بل انزلق -كما ينزلق كثيرٌ منا، وكاتب هذه السطور أولهم- في فخ «الموضوعية الموهومة»؛ إذ يتوهم الباحث أن سعيه نحو الحقيقة مسارٌ واعٍ متجرد من الميول الخفية، غافلًا عن أن ما استقر في نفسه من إرث الانتماء والانحيازات قد يُحكم قبضته ويوجّه دفة النتائج من حيث لا يشعر.

ولتفكيك هذه الظاهرة، نعرّف بالانحياز التوكيدي، ونتتبّع مراحل تشكّله من الميل الأول إلى التعصب، ثم نقترح مسارات نرجو أن تكون علاجًا له.

أولًا: الانحياز التوكيديّ

وفقًا للتعريف المعتمد في قاموس جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، يُعرّف الانحياز التوكيديّ للعقل البشريّ بأنه: «الميل التلقائي لدى الإنسان إلى جمع الأدلة التي تؤكد توقعاته ومعتقداته المسبقة، ويحدث ذلك عادةً عبر السعي الحثيث وراء الشواهد الداعمة وتضخيمها، وفي المقابل؛ تجاهل الأدلة المتناقضة معها أو التقاعس عن البحث عنها من الأساس»‏(‏[1]‏)‏.

Picture1

شكل (⁠1⁠): القراءة المتجرّدة كما نتوقّعها، والقراءة المنحازة كما تقع

وبناءً على ذلك، قد تصبح عملية القراءة والبحث مجرد «انتقاء منهجي» للحقائق من بطون الكتب بما يدعم الفكرة المتجذّرة، حتى لو عارضتها جبالٌ من الأدلة التي تستحق -على أقل تقدير- التوقف والنظر. وليس ذلك عن سوء طويّة أو تدليس، وإنما استجابة لذلك النداء المتجذّر في النفس البشرية الساعي نحو الراحة المعرفية، وحمايةً للذات من ألم المناقضة.

ويعضد هذا الانحيازَ فخٌّ إدراكي آخر سمّاه عالم النفس دانيال كانيمان «العمى الناتج عن النظرية» (Theory-induced Blindness)، فقال: «متى قبلتَ نظريةً واستعملتها أداةً في تفكيرك، صار من العسير جدًّا أن تلحظ عيوبها»‏(‏[2]‏)‏. ويصدق هذا على المذهب والمنهج كما يصدق على النظرية؛ فيعمى صاحبه عن الأمثلة المضادة والأدلة المناقضة مهما كانت واضحة.

Picture2

شكل (⁠2⁠): العمى الناتج عن النظرية

ولأن منشأ هذا العمى انحيازاتٌ خفية، فإنه يتوارى عن وعي الباحث نفسه، ليقع فيما وصفه كانيمان بقوله: «قد نعمى عن الواضح، ونحن كذلك عُميٌ عن عمانا».

وأُولى صور هذا العمى ما يسمّيه علماء النفس «النقطة العمياء للتحيز» (Bias Blind Spot)‏(‏[3]‏)‏: أن يعتقد المرء جازمًا أنه متجرد خالٍ من الانحياز، ويرى في المقابل تعصّبات غيره ظاهرةً له، بل يظن أنه يرى دوافعهم! فيقول: فلان متشدد، وذاك متهوِّر، والآخر قليل الوعي بالواقع… وهذه الازدواجية في النظر تقوده إلى محاكمة نفسه بنواياه الحسنة، ومحاكمة غيره بأفعالهم، أو بما يتوهّمه من دوافعهم.

وهنا يتجلى كمال التصور الإسلاميّ في التعامل مع النفس بجعلها أول ميادين المساءلة، كما قال النبي ﷺ: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ»‏(‏[4]‏)‏، وقوله ﷺ: «يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَى فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَيَنْسَى الْجِذْعَ -أَوْ قَالَ-: الْجِذْلَ فِي عَيْنَيْهِ»‏(‏[5]‏)‏، وفيه التوجيه بالانشغال بتبصّر عيوب النفس الخفية، وقد أنشدوا:

وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره … عظيمًا وفي عينيه عن عيبه عمى

وقولهم:

قبيحٌ من الإنسان أن ينسى عيوبه … ويذكرَ عيبًا في أخيه قد اختفى

ولو كان ذا عقل لما عاب غيره … وفيه عيوبٌ لو رآها قد اكتفى

وعن عون بن عبد الله قال: «لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة، قد غَفَلها عن نفسه». وعن محمد بن سيرين رحمه الله قال: «كنّا نُحَدَّثُ أنّ أكثر الناس خطايا أفرغُهم لذِكر خطايا الناس»‏(‏[6]‏)‏. وإنما سقتُ هذه الشواهد -وغيرها كثير- لبيان فهم أئمتنا لخفاء عيوب النفس، مما يحتاج إلى جمعٍ للقلب والحواسّ لإدراكها؛ فهي عملية مُتكلَّفة تُساق لها النفوس سوقًا، وليست استجابة تلقائية.

ثانيًا: رحلة الأفكار

وأفضل ما يستعان به على معرفة المسبِّبات والنتائج والعلاجات لهذه الاختلالات الإدراكية؛ هو معرفة مراحل الانحيازات في العقل البشريّ، وهي مراحل نتصوّرها انحدارًا في هرم: من قمته حيث الفكرة مرنة قابلة للمراجعة، إلى قاعه حيث التعصب.

 

Picture3شكل (⁠3⁠): مراحل الانحياز في هرم الأفكار

المرحلة الأولى: أعلى الهرم – الفكرة المجردة وما قبلها

يقف العقل موقفًا أقرب إلى التساوي من مختلف الأفكار قبل إرساء المعلومة الأولى للتوجه المعرفيّ، ولكن بمجرد وضع أدنى فاصل يميّز الفكرة عمّا سواها -حتى لو كان فاصلًا شكليًّا مجردًا- تُستنفر آليات الانحياز اللاواعية لينقسم عالم الأفكار والآراء بمختلف أنواعها تلقائيًّا إلى فسطاطين: (نحن) و(هم)، وتصبح الغاية الكامنة في اللاوعي هي تعظيم الفارق وإثبات التفوق لفكرته، لا البحث عن الحقيقة المجردة، إلا أن يتنبه له العقل الواعي، ويقطع استرسال هذه الحالة من الاستقطاب.

وهذا السلوك ليس افتراضًا نظريًّا، بل ظاهرة مخبرية أظهرها عالم النفس هنري تاجفيل عام 1970م؛ عبر تجاربه التأسيسية التي عُرفت بـ«نموذج المجموعة الدنيا» (Minimal Group Paradigm)‏(‏[7]‏)‏؛ إذ أظهرت نتائجه أنّ الإنسان لا يحتاج إلى عداوة تاريخية أو صراع حقيقيّ لينحاز أو يتعصب، بل إنّ مجرد التصنيف لمجموعتين -وإن كان عشوائيًّا- كافٍ لإنتاج انحياز فوري لثنائية «نحن» و«هم».

Picture4

شكل (⁠4⁠): نموذج الجماعة الدنيا عند تاجفيل

وتتنوع أسباب تشكّل هذا الاتجاه الأوليّ الذي يمثّل شرارة الطريق الأولى، ويصعب حصرها، ومن أبرزها:

  • موافقة الطبع أو منافرته: فالغليظ قد يستروح إلى ما غَلُظ وحَدَّ من الآراء أكثر من غيره، والعكس صحيح.
  • الانتماءات: سواء كان انتماءً لفضاء فكريّ، أو شرعيّ، أو قُطْريّ، أو غير ذلك.
  • ردود الأفعال: إيجابًا أو سلبًا، وهو باب واسع؛ كمن نفّرته جفوةُ قومٍ عن قولهم، أو جذبه لينُ آخرين إليه.
  • المصالح: كمصلحة حفظ مال وأملاك والخوف عليها، فينحاز العقل ضدّ ما يهدد مصالحه العليا.
  • أو مجرد كونها أول معلومة ظفر بها العقل من كتاب أو شيخ، واستقلّت به قبل غيرها، كما قال الشاعر:

أَتاني هَواها قَبلَ أَن أَعرِفَ الهَوى … فَصادَفَ قَلبًا خالِيًا فَتَمَكَّنا

فكل ذلك -وغيره كثير- مما قد يتسبب في إرساء الفكرة الأولى، ولا يستدعي هذا التبنّي للأفكار منقصة بذاته؛ لأنّ التصديق بالأحكام والنِّسَب من وظائف العقل البشريّ، ولكن الآفة تبدأ حين يتحول هذا التبنّي الفطريّ الأوليّ إلى «هُوِيّة صلبة»، وسجن إدراكيّ يُنسي العقلَ وظيفتَه الفاحصة والناقدة، ليتحول بعدها في المرحلة الثانية من مربّع «الباحث» و«المفكّر» الذي يختبر صحة الأفكار، ويعرضها على موازين علوم الآلات والغايات؛ ليخرج منها عسلًا مصفّى، إلى خندق «المحامي» الذي يريد تبريرها بقوة ذات الآلات والعلوم.

وتتّسم هذه المرحلة -أعلى الهرم- بسِمات:

١-    الوعي وغياب «حرس الحدود»: هنا تَفِد المعلومة والفكرة إلى العقل؛ ليعالجها بوعي وتحليل متّزن دون المرور بنقاط تفتيش مسبقة؛ للتأكد من تصنيفها: أهي «لهم» أم «لنا».

٢-    فضول المعرفة: فهنا وإن كانت قد أُرسيت المعلومة الأولية، إلا أنّ زجاجية الجدران ما زالت تسمح لنور أدلة الآخر بالنفاذ، وجذور المواقف لم تترسخ بما يعيق مرونة المراجعات للرأي والفكرة حالًا، أو المنهج والانتماء مآلًا.

المرحلة الثانية: الانتساب والولاء

يكمن المنعطف الخطِر حين تتشابك الأنا بالفكرة -خطأً كانت أم صوابًا-، وبه يفقد الباحث تلك «المسافة النقدية الآمنة» التي ينبغي أن تفصل دائمًا بين ذات المفكّر والفكرة التي يدرسها.

وأقصر طرق هذا التشابك: الانتساب العاطفي السريع -الواعي أو غير الواعي-؛ لأنه يفرض ما يمكن تسميته «القبول الحُزمي للمعلومات»، أي أن العقل يقبل المعتقدات حزمةً واحدةً منسوبةً إلى التيار، فيضعف تدقيقه في المدخلات، بدل محاكمتها واحدةً تلو الأخرى. وقد وصف ابن خلدون ذلك بدقة فقال: «فإنّ النّفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقّه من التّمحيص والنّظر حتّى تتبيّن صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيّع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأوّل وهلة، وكان ذلك الميل والتّشيّع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتّمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله»‏(‏[8]‏)‏.

وعلى ضوء هذه «الحزم الجاهزة» تنشأ أحكام قاطعة سريعة في أفكار كانت تستحق وقتًا طويلًا للقراءة والتحليل، حتى لَيُسأل أحدهم عن فكرة أو مسألة أو شخص فيجيب بحدّة ودون تردد! فإذا سُئل: ما حجم بحثك وما المصادر التي استندت إليها؟ جاء ردّه باهتًا لا يتناسب البتة مع حدّة إجابته الأولى وسرعتها؛ لأنه لم يبحث باستقلال، بل استدعى حكم «المجموعة» أو «المتبوع».

فإن قرأ بعد ذلك لم تكن القراءة مصدرًا لتنقيح النتائج، بل يقرأ بمدلولات مسبقة، باحثًا عن أدلة تعضدها؛ حمايةً لهذا الولاء الجديد. فإن وجد ما يناقضها نشأ عنده ما يسمّى «التنافر المعرفي»، وهو بحسب عالم النفس ليون فستنجر (⁠1957⁠م⁠) حالةٌ من التوتر وعدم الارتياح تنشأ حين يحمل الإنسان معرفتين متعارضتين في وقت واحد، ويقول في بيان أثرها: «يمكن النظر إلى التنافر المعرفي باعتباره حالة محفّزة تدفع الإنسان إلى نشاط يهدف إلى تقليل هذا التنافر، تمامًا كما يؤدي الجوع إلى نشاط يهدف إلى تقليل الجوع»‏(‏[9]‏)‏.

فالتنافر هو ألمُ النفس الناتج عن الاصطدام بالأدلة المخالفة، والانحياز التوكيدي هو المسكّن؛ يُخفي الألم ولا يعالج سببه، إذ يحجب العقل ما يخالفه ولا يرى إلا ما يوافقه.

وحين يعجز القارئ عن مواجهة هذا الألم تنطلق انحيازاته في مسارين: إما بصرف القول عن مراد قائله إلى معنى أكثر ملاءمةً له، وهو ما يسمّى «التأويل المنحاز»، وإما بالبحث عن الكتب والمصادر التي تريحه ولا تعيد إليه ذلك التنافر، وهو ما يسمّى «التعرّض الانتقائي».

وفي هذا السياق تبرز دراسة تابير ولودج (Taber & Lodge, 2006) «الشك المدفوع في تقييم المعتقدات السياسية»، ومن أبرز ما انتهت إليه ما سمّياه «أثر الدراية» (Sophistication Effect): أن الأكثر اطلاعًا كانوا أشدّ انحيازًا في تقييم الحجج؛ لأن سعة معرفتهم أمدّتهم بعُدّةٍ أوفر لنقض ما يخالفهم، فلم يستعملوها إلا للدفاع عن مواقفهم المسبقة‏(‏[10]‏)‏. ومنه تدرك أن الباحث المتخصص قد يكون أبعد عن الصواب من غيره، إلا إذا قرن علمه بأدوات منهجية تضبط العقل، وأخرى قلبية تُلجم أزمّة الهوى.

ومن المفارقات العجيبة أن ترى الرجل يحمل رأيًا منذ صباه، ثم تمرّ عليه السنون بكل ما فيها من قراءات وعلوم، فلا يزداد برأيه إلا تمسكًا! فإذا روجع فيه قال: قد بحثتُ هذه المسألة خمس سنين! وهذا عين الإشكال؛ فليست القراءةُ هي القراءة، ولا البحثُ هو البحث: أكان يقرأ ليختبر رأيه، أم ليجمع له الحجج؟ وهذا ما يسمّيه الباحثون «الاستدلال المدفوع» (Motivated Reasoning)‏(‏[11]‏)‏، وفيه دلالة على أن كثرة العلوم بذاتها لا تعصم من الانحياز، وعلى أثر البيئة والمنشأ في تشكيل الرأي. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [⁠آل عمران⁠: 19⁠]. وليس كل ثباتٍ على الرأي انحيازًا؛ فقد يثبت المرء عليه لأنه الصواب، ولكن العجب أن تمرّ به تلك السنونُ كلها فلا يراجع فيه تفصيلًا واحدًا يسلّم به لمخالفه!

وبهذا يغلق الباحث منافذ الإدراك، ليدخل طواعيةً إلى «غرف الصدى» (Echo Chambers)، وهو وصف مستعار من غرف الصدى في استوديوهات التسجيل التي تُردّد الصوت على صاحبه. وقد كان للمفكر القانوني كاس سنستين (Cass Sunstein) أثر في إشاعته وتحليله في كتابه Republic.com (⁠2001⁠م⁠)، إذ حذّر من أن يعزل الأفراد أنفسهم داخل مجتمعات متجانسة لا يسمعون فيها إلا ما يعزز آراءهم‏(‏[12]‏)‏. فهي تحمي العقل من ألم التنافر، لكنها -من وجه آخر- تسرّع انحداره نحو قاع الهرم.

Picture5

شكل (⁠5⁠): من الدليل المخالف إلى غرف الصدى

ولم تعد غرف الصدى اختيارًا طوعيًّا فحسب، بل صارت خوارزميات وسائل التواصل تسارع في هوى المستهلك، وتحبسه فيما يحب أن يسمع ويرى، وهو ما يسمّى «فقاعة التصفية» (Filter Bubble)؛ فلا عبرة فيها بصواب الفكرة من خطئها، ولا بحجمها الموضوعي إن كانت صوابًا، فالغاية تجارية: بقاء المستهلك راضيًا أطول مدة ممكنة. وبهذا انتقل الانحياز التوكيدي من ضعفٍ بشري فردي إلى أزمة معرفية مركّبة.

المرحلة الثالثة: قاع الهرم

والآن لم تعد المسألة الاجتهادية عنده محتمِلة، بل اسمًا يُعرف به ورايةً يذود عنها، وحبل العودة هنا أضعف من أن ينتشله، ولم يعد الدافع ميلًا داخليًّا فحسب، بل ضغطًا خارجيًّا أشد وطأة، فحتى لو تسلَّل بصيص من نور الحقيقة إلى جدران عقل الباحث المُصمَتة؛ سيبدأ في تعداد تلك الخسائر التي تخلفها تلك الهجرة الصهيبية إلى النور: ماذا عن الأتباع والمنصب والكرسي في تلك المنظومة المعرفية؟ وماذا عن تلك النسبة التي ختم بها اسمه وفضّلها على جدوده ونسبه؟!

وأشدّ إيلامًا: ما مصير أولئك الصحب والرفاق الذين يشبهونه ويشبههم؟ أولئك الذين تقاسم معهم دفء اليقين المشترك لسنوات داخل غُرف الصدى، إنّ الخروج من هذا السجن الفكريّ يعني الانسلاخ من هذا النسيج الاجتماعيّ المتجذر بكليّته، بل هو انسلاخ من الأنا المشتبكة بتلك الفكرة!

وأمام جحيم هذه العزلة: نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، ليطمس سراعًا ذلك البصيص الأخير؛ تحت ركام التبريرات العقلية الواهية.

وفي هذا القاع يتلبّس رفض الآخر بما يسمّى في علم النفس «الواقعية الساذجة» (Naïve Realism)‏(‏[13]‏)‏: قناعة المرء العميقة بأنه يرى العالم بموضوعية تامة؛ لأنه من أهل الوعي أو الحق، وأن مخالفه إما جاهل، أو قليل وعي، أو صاحب هوى. وعليه يُفسَّر الموقف الواحد تفسيرين متناقضين بحسب فاعله: فالشدة إن كانت من (نحن) فهي «غيرة محمودة وصدعٌ بالحق»، وإن كانت من (هم) فهي «إقصاء وتعصب أعمى»، وهكذا دواليك في كل قضية.

ثالثًا: طوق النجاة

لخّص د. عبد الوهاب المسيري في تنظيره لما أسماه (فقه التحيز) منطلق الخروج من هذه الفخاخ العقلية في قاعدتين إدراكيتين:

القاعدة الأولى: أنّ «التحيز حتمي»؛ فهو -كما يعبر المسيري- «مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها، الذي لا يسجل تفاصيل الواقع كالآلة الصماء … بل يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل … ويضخم بعض ما يتبقى». فالتحيز إذن ليس شذوذًا، بل هو «من صميم المعطى الإنسانيّ»‏(‏[14]‏)‏.

القاعدة الثانية: أنّ «التحيز قد يكون حتميًّا ولكنه ليس نهائيًّا». فليست المشكلة إذًا وجود الانحيازات، ولكن الاستسلام لها، والاسترسال معها، واعتبارها -مبكّرًا- سقفًا للحقيقة الموضوعية.

هذا، ولعدم الاستسلام لنهائيةِ التحيز، نضع الوصفة العلاجية باختصار في سبعة مسارات:

١- افتقار العقل إلى الهداية والوحي

بتأملنا في الخطاب القرآنيّ، نجد أنّ الله تعالى يشير كثيرًا إلى تفرده وحده بمقاليد الهداية، تأمّل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [⁠الليل⁠: 12⁠]، وقوله سبحانه: ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [⁠الشورى⁠: 52⁠]، وقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [⁠الرعد⁠: 33⁠]، وتعجب أيضًا من أنه سبحانه في سورة يونس حين أقام الحجة على المشركين؛ قرّرهم أولًا ببدهيات الربوبية التي يقرّون بها وتذعن لها العقول اضطرارًا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [⁠يونس⁠: 31⁠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [⁠يونس⁠: 34⁠]. ولكن العجيب أنه سبحانه أردف هذه المسلّمات بتقرير غيبيّ آخر؛ لينزله منزلتها، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [⁠يونس⁠: 35⁠]، فأثبت أنها هي أيضًا حقٌّ له خالص، وكل ما لا يُستقى من نور هذه الهداية الإلهية في أصول الهدى ظنٌّ لا يقين، و﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [⁠يونس⁠: 36⁠].

وكان رسول الله ﷺ -وهو الذي غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر- يسارع في استمطار تلك الهداية العلوية بقوله: «اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»‏(‏[15]‏)‏. ودوام هذا الاستمطار هو أعظم مصفاة للعقول من شوائبها الفطرية؛ فليس بين أحد والهداية نسب، ولا تُنال بذكاء ولا اطلاع ما لم يتهيأ صاحبها بأسباب الهداية، ويتجرد عن موانعها.

وأسباب الهدى كثيرة، منها:

  • التقوى والإيمان والإحسان: قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [⁠البقرة⁠: 2⁠]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [⁠الحديد⁠: 28⁠]، وقال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [⁠لقمان⁠: 3⁠]، وغيرها من الآيات كثير.
  • قصد الهداية وإرادتها: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [⁠محمد⁠: 17⁠]، ويُفهم منه أنهم قصدوا الهداية وسلكوا طريقها فزادهم هدًى، وكثير من الناس يغيب عنهم تقصّد الهداية المعرفية خلافًا للإيمانية.
  • الإخبات: قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [⁠الحج⁠: 54⁠]، قال السعدي رحمه الله: «أي: تخشع وتخضع، وتسلم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم»‏(‏[16]‏)‏.

ومن موانعها:

  • الكبر: ويظهر كثيرًا في قصص الأنبياء، كما حكى الله من قول فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [⁠الزخرف⁠: 52⁠]، ومن قول قوم صالح: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا﴾ [⁠القمر⁠: 25⁠]، وقوله تعالى عنهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ [⁠الأعراف⁠: 76⁠]، فلم ينقادوا كبرًا للحق الذي آمن به الضعفاء.
  • التقليد الأعمى: كما جاء على لسان المشركين: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [⁠الزخرف⁠: 22⁠].
  • الكفر والكذب والإضلال: قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [⁠النحل⁠: 107⁠]، وقال سبحانه: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [⁠النحل⁠: 37⁠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [⁠الزمر⁠: 3⁠].
  • محبة الجدل والإكثار منه: قال رسول الله ﷺ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجَدَلَ»، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [⁠الزخرف⁠: 58⁠]‏(‏[17]‏)‏.

٢- التوقف والتفكر

مع زحمة المدخلات اليومية الناتجة عن الاحتكاكات الاجتماعية ومواقع التواصل، يغلب على العقل البشري العمل وفق نظام آلي سريع (النظام الأول System 1، كما يسميه عالم النفس دانيال كانيمان)، وهو نظام تندفع من خلاله الأحكام والمبرّرات الدفاعية اندفاعًا؛ اقتصادًا في الجهد أمام كثرة المدخلات، وحمايةً للعقل من الفكرة الجديدة المخالفة وآلام التنافر. فالرد أو الانطباع الأول على الفكرة الجديدة غالبًا ما يحمل مثل هذا الطابع العَجِل الذي سيتطور لاحقًا؛ ليكون أكثر تجذّرًا في النفس البشرية.

وهنا تبرز أهمية التوقف والتفكر، أو تفعيل النظام العقلانيّ البطيء (النظام الثاني System 2) كما سمّاه. هذه الفجوة الزمنية الأولى بين المُدخل والحكم هي اللحظة الفارقة بين القبول والرد، وخصوصًا في القضايا والأفكار المفصلية التي تحدد مسارات الوعي بالذات وعدسات الواقع.

إنّ التوقف وإطالة زمن هذه الفجوة يعطي العقل الوقت الكافي للنظر والتأمل، فلا يسارع إلى الاصطفاف قبولًا أو رفضًا كما هو الحال في المدخلات العشوائية، بل يتوقف، ويأخذ خطوة إلى الوراء لتحييد حرارة الموقف والرأي الجديد المخالف، واستبعاد الرد التلقائي الجاهز.

وفي كتاب الله أبلغ شاهد على هذا المنهج؛ فلما بدأ المشركون برمي النبي ﷺ بالجنون، أمرهم الله بهذا التوقف المنهجيّ لكسر سلسلة الدعاوى الهزيلة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [⁠سبأ⁠: 46⁠]، قال ابن كثير في تفسيرها: «أي تقوموا قيامًا خالصًا لله عز وجل من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضًا: هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم بعضًا، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي: ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد ﷺ، ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه، ويتفكر في ذلك»‏(‏[18]‏)‏. فهذا التفكر الفردي الهادئ والمستقل كان دواءً إلهيًّا لتلك الحجج الجمعية المعلّبة؛ التي حجبت عنهم نور الآيات الباهرات التي جاء بها عليه الصلاة والسلام.

٣- السماع من المصادر الأصيلة

من أكبر الأخطاء المنهجية أن يبتدئ الناقد بتكوين تصوراته الأولية -عن طرفٍ ما- بعد «الإرساء الفكريّ الأوليّ» من الطرف المضاد له، أو من داخل غرف الصدى المغلقة. وهذه الوساطة المتحيزة غالبًا ما تطمس بهاء الفكرة وتُلبسها ثوب السذاجة والتشويه، وهو مسارٌ -بلا شك- أكثر أمانًا وراحةً للعقل من مواجهة ألم «التنافر المعرفيّ» الناشئ عن قوة الفكرة المقابلة.

إنّ وظيفة المفكر الناقد الذي يتلمس الحقيقة بكسر دوامة الانحيازات التوكيدية، هي الاستقاء من صاحب الفكرة نفسه، بل من أفضل من نظّر لها وحاجج عنها أولًا، وأن تكون قراءته بنظارة المستفيد لا المتعقّب للزلّات ثانيًا. وإن ظن بطلانها ابتداءً؛ فالفكرة المخالفة المتبوعة -وإن كانت نتيجتها الكلية خاطئة- قد تحمل في زواياها خبايا من حق، أو إضاءة على قيود أهملها، أو ثغرة استدلالية خفيت عنه تفيده في نظره. وهنا تتجلى مرحلة أعلى من هذه، وهي «الاحتفاء بالمخالفة». إن الباني على أساس معرفيّ رصين لا يهرب من المخالفة ولا يخشاها، بل يراها محكًّا تُصقل به الأفكار وتُختبر به القناعات؛ وأعجبني في هذا قول شيخ البلاغيين محمد أبو موسى -وقد قارب التسعين من عمره- في لقاء مصوّر له: «اهتمامي بالذي أخالفه أكثر من اهتمامي بالذي أوافقه»‏(‏[19]‏)‏. فالمخالف إمّا أن يُقوّم اعوجاج الباحث، ويُهدي إليه عيوبه ونقاطه العمياء التي غابت عنه، وإمّا أن يُرسّخ موقفه أكثر ويزيده يقينًا بعد التمحيص، وقد استفاد في الحالتين.

٤- تحويل أصابع الاتهام

هو منهج قرآنيّ فريد لاختبار الأفكار، يستبدل توجيه إصبع التخطئة التلقائيّ للمقابل؛ ليعيد توجيهه بجرأة وتجرد نحو الذات، بسؤال القرآن: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ [⁠العلق⁠: 11⁠].

في قاع الهرم، يعتاد العقل أن يوجّه أسهم النقد دائمًا إلى الخارج، لكن التحرر الإدراكيّ يبدأ بهذه الانعطافة القرآنية؛ لإدخال الذات -أيضًا- في المحاكمة طرفًا مع الآخر على قدم المساواة، ولا يكون ذلك إلا بالإقرار بمقدمة حُكيت عن الإمام الشافعيّ، يجب أن تُغرس في عقل الناقد: «قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب». فإن سلّم الباحث بهذه القاعدة في قرارة نفسه حقيقةً سهلت تلك المحاكمة العادلة.

فبدلًا من التترُّس الفوريّ خلف سؤال الدفاع الآليّ: «كيف أنقض فكرته؟»، يجب أن يُدرّب الباحث نفسه على طرح السؤال الشاق: «ماذا لو كان المخالف على حق؟ وهل أتحرك بناءً على انحيازات مسبقة (وطنية/ فكرية/ انتسابية/ مذهبية)؛ بحيث لو نشأتُ في ظروف مختلفة، أو بيئة مغايرة، لاختلفت وجهة نظري تمامًا؟». وهذه المحاكمة للذات تندرج ضمن وسائل التوقف والتفكر السابقِ ذكرُها، وإنما أفردتها لأهميتها في علاج النقاط العمياء، وتفكيك جذور التعصب.

٥- التحكم بالآراء العابرة

كثيرًا ما يجد المرء نفسه عند المناقشة يميل إلى أحد الآراء المطروحة «بادي الرأي». وهذا الميل الفطريّ العابر ليس مشكلًا، والتعبير عنه حالًا ليس كذلك أيضًا، ولكن الإشكال يكمن في الاسترسال معه في اللاوعي؛ بدلًا من إعطائه قيمته الحقيقية كمجرد رأي عابر.

وقد لا تفرّق العقول في سكرة المناقشة بين «الرأي العابر» و«الرأي المستقر»، وخصوصًا عند النقد، فتُلحقهما بذات الحكم المتطلب للذّوْد والمنافحة، فيجد المرء نفسه بعدها منساقًا للبحث عمّا يؤيده من أدلة ومقاطع؛ ليستدل بها بأثر رجعيّ على رأيٍ تعجّلَ في تبنِّيه.

ومن أهم وسائل قطع سلسلة الانحياز مع الرأي العابر بعد تبنِّيه: امتحانُ السلوك البحثيّ ومراقبتُه، وسؤالُ النفس: هل هنالك نتيجة أحاول إيجادها؟ وهل سأشعر بالفرح لو عثرتُ عليها؟ فإذا وجد من نفسه هذا الشعور، فليعلم أنّ بوصلته قد انتكست بسبق المدلولِ الاستدلالَ، وغدا الاطلاع عنده مجرد عملية انتقاء؛ لترقيع موقف انطباعيّ وُلد في لحظة عارضة.

لذا؛ كان من أوجب سبل التعافي المنهجيّ: أن ينأى العاقل بنفسه عن المناضلة بشوارد الأفكار، وأن يتسلّح بفضيلة الأناة حتى يستوفي المسألة نظرًا وتأمّلًا، ليكون الدليل هو الحادي والمرشد، لا شاهدًا لقناعة مسبقة، وأمّا من وجد من نفسه وعيًا إدراكيًّا عاليًا -وقليلٌ ما هم، فإن أكثر الناس يظنون ذلك بأنفسهم- فلا مانع من مشاركته الفعالة إن عَلِم من نفسه القدرة على وضع هذه الآراء العابرة في خانتها الصحيحة كـ«آراء قابلة للاختبار».

٦- ترشيد الانتماءات

الانتماء مكوّن فطريّ يحثّ الأفراد على الاجتماع على أمر أو هدف مشترك؛ والانحياز للانتساب والانتماء مُعطىً فطريّ أيضًا كما سبق، سواء كان ذلك عرقًا، أو منهجًا، أو حزبًا … إلى غير ذلك.

وقد تتعدد هذه الانتماءات في المرء من جهات منفكة عن بعضها؛ فهو مسلم من وجه، وعربيّ من وجه، وسنيٌّ من وجه أخص مثلًا، لكن المشكلة تكمن أحيانًا عند تعارض قيم ومبادئ هذه الانتماءات مع بعضها، مع الاختلال في ترتيبها الصحيح، بأن يفرض كلُّ انتماء مُعيَّن مجموعةً من المبادئ والقيم المختلفة؛ التي يُرى من خلالها الآخر ويُتفاعل معه. فلزم من ذلك التَّراتُبيّة في الانتماءات؛ للفصل عند تعارض القيم وتزاحمها، واستيعاب القيم والمبادئ في الانتماءات الفرعية عند عدم التعارض.

فعلى سبيل المثال: الانتساب إلى الإسلام يُفترض أن يكون هو الانتساب العُلويّ المهيمن على كل انتماءات المسلم السويّ الأخرى، وخصوصًا عند التعارض مع انتماءات الفرد الأخرى، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [⁠التوبة⁠: 24⁠].

وعليه، إن كانت ثمّةَ قيمة في انتماءٍ فرعيّ ناقضة لقيمة في الانتماء الإسلاميّ المهيمن؛ كقيمة «الأخوة الإسلامية» ولوازمها وواجباتها، أو «الاعتصام بالوحي»، فتُهمل قيمة الانتماء الفرعيّ أو تُقيّد بأُطُر حالية ومكانية؛ لكي تعبر منخل قيم الانتماء المهيمن. وفي المقابل، مَن جعل الانتماء الوطنيّ، أو القبليّ، أو المذهبيّ هو المهيمن، تجده عند الاختلاف يُسارع إلى طعن خاصرة قيم الانتماء الإسلامي، كالألفة والأخوة في الأزمنة المُلحّة؛ لأن هذه القيم -ببساطة- باتت تعود لانتماءٍ يقبع في رتبةٍ دون الأول في قلبه لا في لسانه!

لذا؛ فالتصحيح لضبط الانحيازات يكون في محاولة ضبط صحة الانتماء أولًا؛ عن طريق النقاط السابقة والاجتهاد في استخراج قيمها المركزية ووضعها في مواضعها، وهذا يتطلب فهمًا وعلمًا، ثم ترتيب الانتماءات الصحيحة بالترتيب اللائق ثانيًا؛ لكي يكون الانحياز الفطريّ دافعًا للخيارات الأقرب للصواب، وللرجوع إلى المظلة العليا عند التعارض في القيم والمبادئ.

وهذا الرجوع إلى «المظلة العليا» ضرورة تطبيقية يؤكدها علم النفس الاجتماعي؛ لكسر انحياز (نحن وهم). حيث تُعرف هذه الآلية بـ«الأهداف العليا المشتركة» (Superordinate Goals) وتتمحور حول تغيير طبيعة العلاقة بين المجموعات المتعارضة -وهي عندنا الانتماءات الفرعية- من التنافس إلى التعاون، فقد وجد الباحثون أنّ التنافس هو المحرك الأساسيّ لتطور الانحياز والعداء للمجموعات الأخرى، كما تجلّى ذلك في دراسة أجراها الباحث مظفر شريف عام 1954م على مجموعتين من الصبية في مخيم صيفي‏(‏[20]‏)‏؛ حيث لم يتراجع الانحياز والعداء بينهم بمجرد التواصل المعتاد، بل حين فُرضت عليهم أهدافٌ عليا مشتركة أجبرت المجموعتين المتنافستين على التعاون لإنجازها، والملاحَظ أنه لم يُفرض على أيٍّ منهم التخلي عن أيٍّ من قيمهم المركزية والذوبان في الآخر، بل جمعهم هدفٌ أعلى مشترك، كان أشبه بانتماءٍ مهيمن جديد حرّك المجموعتين للهدف المشترك.

ومن ترشيد الانتماء ألا يُستعجل به؛ فإن المسارعة إلى الانتساب ووصف النفس بأنها من «أهل الوعي» أو «أهل السنة» ترسم حول صاحبها سورًا، وتحمل بمفهوم المخالفة حكمًا على من وراء السور، فيصعب على عقله اللاواعي بعدها أن يستفيد منهم أو يسمع لهم بجدّية. والأصل في هذه الانتسابات أن يُنتهى إليها لا أن يُبدأ بها، وإنما تَعْلَقُ بالناقد بعد نضجٍ وعمرٍ من النظر المتنوع المتجرد، ويكون استعماله لها أكثر رشدًا، لا كما يتراشق بها الصغار من وراء الأسوار. وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [⁠النجم⁠: 32⁠].

٧- الاختلاط والاتصال

في النصف الثاني من القرن الماضي، ومع بزوغ نجم الصحوة الإسلامية، وفدت رواحل المفكرين والدعاة إلى شبه الجزيرة العربية جراء هجرات قسرية، فوُجِد على هامش بعض الصدامات الفكرية والمنهجية بعضُ التقاربات التي خفّفت وطأة بعض التراشقات التي شاعت بين المناهج الإسلامية منذ عقود خلت.

نعم، كان نشاط أدبيات الحركات الإسلامية الناشئة رافدًا في هذه التقاربات، لكنّ الاختلاط المباشر وكسر عزلة غُرف الصدى المغلقة كان له اليد الطولى في تغيير بعض مواقف الباحثين.

ففي حقبة العزلة الفكرية، كان من السهل على العقل احتكار الصواب المطلق في القضايا «الاجتهادية»، بنسبة مئة بالمئة أو ما يقاربها. لكن الاحتكاك المباشر أذاب جبالًا من هذه الثقة المتصلّبة؛ فتراجعت حدّة الإقصاء، وارتفعت نِسَب مُساغِ الخلاف -قليلًا- عن صفر الأمس، فكان هذا الاتصال خطوةً في طريق التعافي من هذا الانحياز.

وقد درس أثرَ هذا الاتصال والخلطة في علم النفس الاجتماعيّ العالمُ جوردون ألبورت عام 1954م، في كتابه «طبيعة التحيز» (The Nature of Prejudice)، في فصلٍ خَصَّه لدراسة «تأثير الاتصال»، ونَصَّ في مُلخَّصِه على النتائج بقوله: «إذن، يبدو من الإنصاف أن نَخْلُص إلى أنّ الاتصال، بوصفه متغيرًا ظرفيًّا، لا يمكنه دائمًا التغلب على المتغير الشخصيّ الكامن في التحيز. ويصدق هذا متى ما كان الاحتقان الداخليّ لدى الفرد شديدًا ومتصلّبًا لدرجة تمنعه من الاستفادة من بنية الموقف الخارجي. وفي الوقت ذاته، وبالنظر إلى شريحة من الأشخاص العاديّين الذين يحملون درجة اعتيادية من التحيز، فإننا نكون في مأمن حين نصوغ التنبُّؤ العامّ الآتي، والذي يُلخص النتائج الرئيسية لهذا الفصل: يُمكن الحدّ من التحيز -ما لم يكن متجذرًا بعمق في البنية الشخصية للفرد- من خلال:

١-  الاتصال المتكافئ المكانة بين مجموعات الأغلبية والأقلية؛ في سبيل السعي لتحقيق أهداف مشتركة.

٢- ويتعزز هذا الأثر بشكل كبير إذا كان هذا الاتصال مُجازًا أو مَدعومًا بغطاء مؤسسي (أي: من خلال القانون، أو العُرف، أو المناخ العام المحلي)،

٣- وبشرط أن يكون من نوعٍ يفضي إلى إدراك المصالح المشتركة والإنسانية المشتركة بين أفراد الجماعتين»‏(‏[21]‏)‏.

وإن كان سياق ألبورت هو التحيز بين الأعراق والجماعات، فإن آلية الانحياز واحدة، وقد قرّرت الدراسات اللاحقة أثر الاتصال في تخفيف التحيز بين جماعات شتى‏(‏[22]‏)‏.

لقد فرض ذلك الواقع الصحويّ الجديد على بعض العقول أن تقف مع نفسها وقفة مُساءَلة: ما الذي منحني هذا «الحق الحصريّ» لأن أكون محتكرًا للحق المطلق، وغيري محتكرًا للباطل المحض؛ لمجرد ولادته في قُطر مختلف، أو نشأته في بيئة مغايرة؟

وليس المقصد هنا الإشارة إلى «هلامية الحق» أو القول بنسبيّته؛ فالحق في كثير من المسائل الاجتهادية قد يكون واحدًا متمحّضًا لا يتعدد. ولكن الإشكال المعرفيّ يكمن في الجزم بأنّ هذا الحق المتمحّض قد حالفك بالذات -دون غيرك- مرةً، وثلاثًا، وعشرًا! كما حصل لباحثنا الأول.

وهذا يشير إلى أنّ التباعد الماديّ والاجتماعيّ من أقوى حلفاء الانحياز ثم التعصب؛ إذ يمارس العقل المنحاز في عزلته كل ما سبق: السماعَ عن المخالف لا منه، وقبولَ حُزَمِه المعرفية بلا تمحيص فرديّ دقيق.

ولكن لم يمكث ذلك طويلًا حتى خفت نور تلك التقاربات، وبزغ نجم أصوات أخرى تُغذّي ذلك الاستقطاب المتشنّج، وتنفخ في رماد العصبيات من جديد. ولنا أن نتساءل بفضول: كم من التحولات المنهجية كانت لتحدث في مواضع التماس، وكم من الخطوط الحمراء كانت لتُدفع أو تُمحى، لو استمرت تلك الخلطة في ذلك الفضاء؟

إيراد

فإن قيل: ألا يفضي ما سلف ذكره إلى التعقيد، وزيادة ثقافة التشكيك في كل الأفكار، وفتح باب النقد لغير أهله؟

فأقول: إنّ ما تقرر من أدوات النظر (كنظرية الاتصال وترشيد الانتماءات والاستقاء من المصادر الأصيلة وغيرها) نوعان: أما تهذيب النفس بها -كالتوقف ومحاسبة الذات، والكفّ عن الحكم على المخالف بما يرويه عنه خصومه- فمطلوب من كل أحد، وأما توظيفها في البحث والترجيح والنقد فهو للباحث والناقد والمجتهد -كلٌّ في مجال فنّه واختصاصه- لتخفيف وطأة الانحياز عنه، وليس حقًّا مشاعًا لكل أحد في كل تخصص؛ فهي للباحث السياسيّ في مضماره، وليست له في الجانب الشرعيّ، وهي للمتخصص الشرعيّ في مجاله، ولا تخوّله المبالغة في النقد السياسيّ، وأمّا إن تعددت التخصصات فكلٌّ بحسبه.

وأمّا في المجالات التي يكون فيها المرء «مقلِّدًا» -أي: غير متخصص- فله أن يستروح إلى ما تطمئنّ إليه نفسه من آراء المعتبرين، شريطة ألا ينحدر أسفل الهرم بالإيغال في المشاقّة، ومن حقه أن يؤمن بأنّ ما اختاره وقلّد فيه غيره هو (الحق)، ولكن بـ«تخفيف القاف لا تشديدها»؛ أي: حقٌّ في ظنه، لا حقٌّ مقطوعٌ به يُخطَّأ مخالفه.

وقد تواردت نصوص العلماء على تقرير هذا المبدأ عملًا بقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [⁠الأنبياء⁠: 7⁠] سدًّا لذريعة الخوض بلا أهلية، وصيانةً للتخصصات من المتطاولين، يقول ابن تيمية مبيّنًا حدود غير المتخصص: «بَلْ مَنْ كَانَ مُقَلِّدًا لَزِمَ حُكْمَ التَّقْلِيدِ؛ فَلَمْ يُرَجِّحْ؛ وَلَمْ يُزَيِّفْ؛ وَلَمْ يُصَوِّبْ؛ وَلَمْ يُخَطِّئْ»‏(‏[23]‏)‏.

وقرّر الغزاليّ أيضًا هذا المعنى في شأن العاميّ -وهو وصف ينسحب على كل أجنبيّ عن أيّ فنّ- فقال: «وشرطُ المقلد أن يَسكُت ويُسكَتَ عنه، لأنه قاصر عن سلوك طريق الحِجَاج، ولو كان أهلًا له كان مستتبَعًا لا تابعًا، وإمامًا لا مأمومًا، فإن خاض المقلد في المَحاجَّة فذلك منه فضولٌ»‏(‏[24]‏)‏. وذلك لأنها ليست من وظائفه؛ لعدم استيفائه أهلية النظر والإحاطة بما يجزم بالحكم فيه، وهذا أصل متفق عليه بين العقلاء.

ختام

إنّ العلم بتأثير الانحيازات التوكيدية بمختلف مسبّباتها من نشأة، أو خوف، أو مواقف، هو أول الدواء منها؛ إذ يدعو كل متجرد للحقيقة إلى التوقف والتأمل؛ ليعيد طرح الأسئلة، ويفحص أصيل المسلّمات ويتحرر من دخيلها. هذا، وإنّ التحرر لا يعني الانزلاق في مستنقعات الشك أو تمييع الثوابت، بل هو للارتقاء بالعقل؛ ليكون طائعًا للدليل لا مطوِّعًا له لغايات سبق تبنِّيها.

وما أُبرِّئ نفسي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وصَلِّ اللهم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

([1]) American Psychological Association. (2015). APA Dictionary of Psychology (2nd ed.). s.v. “Confirmation bias”, p. 232.

‏(‏[2]‏)‏   دانيال كانيمان، التفكير السريع والبطيء (Thinking, Fast and Slow)، ص277. والعبارة الآتية بعدها في الفصل الأول من الكتاب.

‏(‏[3]‏)‏   دراسة برونين ولين وروس (Pronin, Lin & Ross, 2002)، «النقطة العمياء للتحيز»، المنشورة في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، المجلد 28، العدد 3.

‏(‏[4]‏)‏   رواه الترمذيّ (⁠2459⁠) وابن ماجه (⁠4260⁠) وغيرهما.

‏(‏[5]‏)‏   رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق (⁠212⁠) والقضاعيّ في مسند الشهاب (⁠610⁠) وغيرهما.

‏(‏[6]‏)‏   الأثران في: الصمت وآداب اللسان، لابن أبي الدنيا (⁠رقم 746⁠، وص⁠104⁠).

([7]) Tajfel, H. (1970). Experiments in intergroup discrimination. Scientific American, 223(5), 96–102.

‏(‏[8]‏)‏   تاريخ ابن خلدون (⁠1⁠/⁠46⁠).

([9]) Festinger, L. (1957). A Theory of Cognitive Dissonance. Stanford University Press, p. 3.

([10])       Taber, C. S., & Lodge, M. (2006). Motivated skepticism in the evaluation of political beliefs. American Journal of Political Science, 50(3), 755–769.

‏(‏[11]‏)‏ الاستدلال المدفوع: أن يطلب العقل الأدلة ويقيّمها بما يخدم نتيجةً يرغب فيها مسبقًا، لا بما يوصله إلى الصواب. يُنظر: Kunda (1990), Psychological Bulletin, 108(3)؛ ومن أظهر آثاره «استقطاب المواقف»: أن يخرج المرء من قراءة حجج الطرفين أشدّ تمسكًا بموقفه الأول، كما في: Lord, Ross & Lepper (1979).

([12])       Sunstein, C. (2001). Republic.com. Princeton University Press.

([13])       Ross, L., & Ward, A. (1996). Naive realism in everyday life. In Values and Knowledge (pp. 103–135). Erlbaum.

‏(‏[14]‏)‏ فقه التحيز، للمسيري (⁠ص⁠19⁠).

‏(‏[15]‏)‏ رواه مسلم (⁠770⁠) وغيره.

‏(‏[16]‏)‏ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مؤسسة الرسالة (⁠ص⁠542⁠).

‏(‏[17]‏)‏ رواه الترمذي (⁠3253⁠) وقال: حسن صحيح.

‏(‏[18]‏)‏ تفسير القرآن العظيم، دار الكتب العلمية (⁠6⁠/⁠464⁠).

‏(‏[19]‏)‏ في بودكاست مصور اسمه حيرة.

([20])       Sherif, M., et al. (1961). Intergroup Conflict and Cooperation: The Robbers Cave Experiment. University of Oklahoma Book Exchange.

([21])       Allport, G. W. (1954). The Nature of Prejudice. Addison-Wesley, p. 281.

([22])       Pettigrew, T. F., & Tropp, L. R. (2006). A meta-analytic test of intergroup contact theory. Journal of Personality and Social Psychology, 90(5), 751–783.

‏(‏[23]‏)‏ مجموع الفتاوى (⁠35⁠/⁠233⁠).

‏(‏[24]‏)‏ فيصل التفرقة، دار البيروتي (⁠ص⁠22⁠).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى