الأدب والفنفكر وثقافة

اللغة اليومية والهوية الوطنية في نماذج من الشعر الكويتي

أنوار علي الفرس*

 

 

يتناول هذا المقال دور اللغة اليومية في الحفاظ على الهوية الوطنية في الشعر الكويتي عبر نماذج مختارة؛ إذ استخدم عدد من الشعراء الكويتيين اللغة اليومية سواء أكانت اللهجة العامية أم اللغة الأجنبية في شعرهم؛ للكشف عن مواقفهم تجاه مختلف القضايا الوطنية والقومية والإنسانية والاجتماعية؛ مما يدل على وعيهم بكيفية الاستفادة من اللغة المعاصرة في التعبير عن حوادث المرحلة، وعلى التطور الذي طرأ على الشعر في الكويت بتنوع أشكاله، وبنائه الفني، فقد انفتح الشعراء الكويتيون على لغة الحياة اليومية بوصفها أحد أبعاد تشكيل الهوية في الشعر، ليكون الشاعر أكثر قربًا من التجارب الواقعية، ذلك أن “تجارب الإنسان تختلف من عصر إلى عصر، فلابد أن تتغير اللغة تبعًا لها”[1].

ومن نماذج الشعر الكويتي نجد نورة المليفي في قصيدة (نحن الكويتيون) تستعين باللغة اليومية لتأكيد بطولة الشعب الكويتي، ودوره في استقلالية الكويت منذ القدم عبر مفردات (السنبوك – البتيل – الهولو – اليامال)، فتقول مخاطبةً صدام:

“اسأل الموج عنا

والسنبوك والبتيل

والشراع والجيب

والهولو واليامال”[2]

وتستحضر غنيمة زيد الحرب في قصيدة (لهجة الغربة) كلمة (الدوّة)، وكأنها تحمل معها الوطن في غربتها:

“حملت معي الحناء

والصحراء

(والدوة)

وطرت على متن السحاب الأزرق المجنون

وفي أعماق أعماقي

حملت الله

والقرآن

والأرض التي ربت

نباتات الرسالات

وطرت إلى المخبوء في جيب الدجى

أدرب لهجة الغربة”[3]

ويظهر من السطر الأخير الذي جعلته عنوانًا للنص (لهجة الغربة) أنّ الشاعرة حملت معها كل ما يُشعرها بالانتماء لأرضها وهويتها (القرآن – الأرض والصحراء – الدوة التي تعادل لهجة الوطن)، وهي تراوح ما بين فعلين (حملت)، و(طرت).

ويتخذ هاشم السبتي من اللهجة الكويتية سلاحًا يواجه به العدو في قصيدة (يا أم مناف)، من خلال كلمتي (يامال) و(هولو)، فيقول مخاطبًا زوجته أم مناف، مستحضرًا مشهد دخول الغزاة:

“بـ (يامال) صوتي و(هولو) الشراع

أواجه صدام، إن اللصوص

يجيئون كي يسرقوا من عيون الصغار

ضياء النهار

ولكن صوتي وصوت الصغار وصوت الحبيبه

صرخنا جميعًا سنفني حشود التتار”[4]

وتظهر المفردتان (التنك) و(القدو) عند خليفة الوقيان في قصيدة (مذبحة الفواكه):

“إليّ بشاي بلا سكر

وشربة ماء

لقد هدني الضغط و(التنك)”[5]

“وفي لحظة،

توقف في ظلها كل شيء

نداء المؤذن

هدهدة الأم لطفلها

عزف لآنية الشاي

قرقرة القدو”[6]

وتتضح مشروعية هذا الاستخدام من ناحيتين: الأولى تتعلق بطبيعة الحدث المؤلم الذي مسّ الشعب الكويتي، فكان استخدام اللهجة الكويتية مشعرًا بالتمسك بالهوية الوطنية التي حاول المجرم طمسها، والثانية تتعلق بمكان الحدث، وهو المقهى الشعبي، ويتناسب معه استعمال اللهجة العامية البسيطة المتداولة.

كذلك يستخدم علي السبتي في قصيدة (فترة استراحة) اللهجة العامية في سياق مقارنته بين جيلين:

“أحمل في رأسي هموم جيلين:

جيل يكاد يخطر العذاب

وآخر (تو ابتدا) في سلّم العذاب

فهو يعيش بين نارين

نار انتظاره، ونار أن تموت النار في التراب”[7]

وكأنّ السبتي باستخدامه للهجة العامية في عبارة (تو ابتدا) يريد أن يُعرّف المتلقي بأنه من الجيل القديم، أو أنه لجأ إليها للإيحاء بالانتماء.

ثم ينقل مشهد سؤال أخيه الصغير عن الهوية، وأرى في ذلك تبريرًا لاستخدامه اللهجة العامية التي تُشعر المتلقي بالانتماء إلى هذه الأرض:

“أخي الصغير قال لي:

حتى متى نظل في مكاننا، نجهل أرضنا

ومن تكون أنت.. من أنا؟”[8]

ويعبّر عبد الله العتيبي عن الفترة الزمنية التي كانت تُثمّن فيها البيوت بما يُعرف بـ(التثمين) فيستخدم لفظة (الفرجان):

“ودوّى على الفرجان صوت مجلجل

معاول هدم غطيت بغبار

سألنا فقالوا: ذي بيوت تثمنت

بحكم قرار في المدينة سار“[9]

لقد أفاد استخدام اللهجة المحلية في توثيق مرحلة تاريخية مرت بها البلاد، حين كانت البيوت تُثمّن من الحكومة، فكان أهل (الفرجان) يتداولون أخبار التثمين فيما بينهم.

ومن النماذج كذلك نجد سعاد الصباح في قصيدة (إن جسمي نخلة تشرب من بحر العرب) تستخدم مفردة (بوليس)؛ إذ تضع الشاعرة يدها على الواقع العربي المفكك عبر مشاهد حوارية متكررة تتعرض لها مع الحكام وشرطة المطار، وعبر الأفعال الكلامية الدالة على الاستنكار (حدثني – استجوبني):

“كلما حدثني الحاكم عن عشق الجماهير له

وعن الشورى.. وعن حرية الرأي.. بكيت

كلما استجوبني (بوليس) قطر عربي

عن تفاصيل جوازي…

عدت من حيث أتيت”[10]

وقد دل هذا الاستخدام على انصهار العرب في الغرب، وهيمنة التقاليد الغربية عليهم، حتى بات العرب أنفسهم مفككين، يصطنعون الحرية الغربية والشورى، وهم بعيدون عنها.

وهكذا يتبين أن الشعراء الكويتيين استعانوا باللغة اليومية في شعرهم من أجل تأكيد الهوية الوطنية، وتوثيق الأحداث البارزة، وقد عمدوا من خلالها “إلى التخفيف من وطأة القوالب الكلاسيكية إلى الاقتراب من الواقع اليومي”[11].

* دكتوراه لغة عربية من جامعة الكويت.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – 

[1] الزبيدي، علي قاسم. (٢٠٠٩). درامية النص الشعري الحديث: دراسة في شعر صلاح عبد الصبور وعبد العزيز المقالح، دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع: دمشق، ط١، ص٣١

[2] المليفي، نورة. (١٩٩١). العزف على أوتار الجرح، ط١، ص٤٠

[3] الحرب، غنيمة زيد. (د.ت). قصائد في قفص الاحتلال، مطابع الخط، ص١٧٥

[4] السبتي، هاشم. (١٩٩٢). ليالي الألم، دار سعاد الصباح، ط١، ص٤٧ – ص٤٨

[5] الوقيان، خليفة. (١٩٨٨). الخروج من الدائرة، شركة الربيعان للنشر والتوزيع، ط١، ص٣٤

[6] الوقيان، خليفة. (١٩٨٨). الخروج من الدائرة، شركة الربيعان للنشر والتوزيع، ط١، ص٣٦

[7] الحداد، عباس يوسف. (٢٠٢٤). علي السبتي الأعمال الشعرية الكاملة، شركة الربيعان للنشر والتوزيع، ط١، ص١٧٥

[8] الحداد، عباس يوسف. (٢٠٢٤). علي السبتي الأعمال الشعرية الكاملة، شركة الربيعان للنشر والتوزيع، ط١، ص١٧٥

[9] الفيل، توفيق. (٢٠٠٩). شعر عبد الله العتيبي: دراسة موضوعية وفنية، مركز البحوث والدراسات الكويتية، ص٣٢٢

[10] الصباح، سعاد محمد. (٢٠١٩). فتافيت امرأة، دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع، ط١٢، ص١٢٩

[11] الزبيدي، علي قاسم. (٢٠٠٩). درامية النص الشعري الحديث: دراسة في شعر صلاح عبد الصبور وعبد العزيز المقالح، دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع: دمشق، ط١، ص٤١

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى