فكر وثقافةالفلسفة

جان بول سارتر والإنسان في عصر الخوارزميات: هل ما زلنا أحرارًا؟

خالد الغيلاني

 

الحرية كلمة فاتنة تسللت إلى وجدان الشعوب، واستحوذت على شعورها، وأغرت أممًا كثيرة بالانقلاب على أوضاعها السائدة. وإذا تأملنا كلمتَي «الحَرُّ» و«الحُرُّ» وجدناهما على هيئة واحدة مع اختلاف الحركة؛ وكأن في كل حرّ حرارةً كامنة وعنفوانًا يدفعه إلى تجاوز ما يقيده. غير أن الحرية من أكثر المفاهيم تعرضًا لسوء الفهم؛ فهي ليست مجرد غياب للقيود، وليست انفتاحًا بلا حدود. فقد رأى هيجل أن الحرية متحققة في الدولة، حيث يبلغ الوعي الذاتي صورة أرفع حين يدرك الفرد نفسه عضوًا في الكل الأخلاقي. لكن سؤال الحرية اليوم لم يعد محصورًا في علاقة الفرد بالدولة أو المجتمع، بل أصبح أكثر خفاءً وتعقيدًا: هل ما زلنا أحرارًا في عصر الخوارزميات؟ وهل نختار ما نريد حقًا، أم أن هناك من يختار لنا ما سنراه ونرغب فيه قبل أن نشعر بأننا اخترناه؟

هنا يستعيد سارتر راهنيته بقوة. فالإنسان عنده «محكوم عليه بأن يكون حرًّا»؛ لأن وجوده يسبق ماهيته؛ فلا يولد حاملًا هوية نهائية تحدد ما سيكونه، وإنما يصنع ذاته بأفعاله واختياراته. وهذه إحدى أجمل أفكار الوجودية: الإنسان ليس شيئًا مكتملًا، وإنما مشروع يتشكل باستمرار. غير أن سارتر يحذر في الوقت نفسه من «سوء النية»، أي محاولة الإنسان الهرب من مسؤوليته عن اختياراته بأن يتعامل مع نفسه كأنه شيء تحدده الظروف بصورة نهائية؛ فيقول: «أنا هكذا لأن الماضي صنعني، أو لأن المجتمع أجبرني على أن أكون هذه الصورة، أو لأنني فرد لا وزن له بين ملايين البشر». وهنا تحديدًا يلتقي سارتر بعصر الخوارزميات؛ لأن السؤال الحقيقي: هل أنا حرٌّ فعلًا؟ هل أمارس حريتي، أم أن هناك من يختار عني؟

كانت صناعة القيم والمعرفة في الأزمنة السابقة أكثر تمركزًا؛ فالفلاسفة والأدباء والحكماء والمؤسسات الثقافية كانوا يحتلون موقعًا مرتفعًا في إنتاج الأفكار والمعايير. أما المنصات الرقمية اليوم فقد قلبت الهرم؛ فظهر «المؤثر»، وأصبح الانتشار نفسه قيمة، وتحولت أعداد المشاهدات والإعجابات والمتابعين إلى معيار غير معلن للقيمة. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «القاع الهرمي»: لم يعد الأعلى هو الذي ينحدر إلى الجمهور ويحدد له المقبول من المرفوض، بل أصبح القاع قادرًا على الصعود إلى الأعلى وفرض معاييره عليه. والخطر ليس في أن يمتلك الناس حق الاختيار والتعبير، فهذا من مقتضيات الحرية، وإنما في تحول الكثرة من حقيقة إحصائية إلى معيار للحقيقة والقيمة؛ فكثرة القراء لا تجعل الرواية عظيمة بالضرورة، كما أن قلة القراء لا تجعلها رديئة. وهذا يقودنا إلى استحضار موقف الناقد الغذامي من بعض الروايات التي أثارت جدلًا واسعًا قبل مدة. إن الخوارزميات تمنح الإنسان مجالًا هائلًا، وهنا تكمن المفارقة الفلسفية: قد تتسع خياراتنا بينما تضيق حريتنا. فالإنسان يظن أنه يتجول بحرية بين آلاف المقاطع والأخبار والصور، لكنه لا يسأل دائمًا: لماذا ظهر هذا أمامي؟ ولماذا تكرر؟ ولماذا أصبحت أرغب في شيء لم أكن أفكر فيه من قبل؟ وهنا يكمن السؤال: من الذي يريد، أنا أم النظام الذي تعلّم كيف يستبق رغباتي، ويقتنص مواطن الضعف التي تمر بي، ويعيد تشكيلي من خلالها؟

وهذا يقودنا إلى بيونغ تشول هان، الذي يرى أن السلطة المعاصرة لم تعد في صورتها التقليدية قائمة دائمًا على الأوامر والمنع والقسر. لقد انتقلنا من مجتمع يقول للإنسان: «يجب، ممنوع، لا تفعل»، إلى مجتمع يردد له: «بإمكانك، تستطيع، حقق ذاتك، كن ناجحًا». ويبدو هذا تحررًا، لكنه قد يخفي نمطًا أشد دهاءً من السيطرة؛ فالإنسان الذي كان يستغله سيد خارجي أصبح قادرًا على استغلال نفسه بنفسه عندما يضع لنفسه أهدافًا لا تنتهي، ويقيس قيمته بالإنجاز والحضور والتفاعل، فيصبح سيد نفسه وعبدها في الوقت ذاته؛ فبعد أن كان صاحب رأس المال يمتص دماء عماله لتنمية ثروته، أصبح هو من يمتص دماء نفسه حينما توجد مفاهيم مثل «اللاراحة» و«اللارضى» بوصفها معاييرَ أصلية في تحديد ماهيته. ومع المنصات الرقمية تبلغ هذه السلطة مستوى أكثر ذكاءً؛ لأنها لا تحتاج دائمًا إلى انتزاع المعلومات منا؛ فنحن نقدمها طوعًا بالإعجاب والتعليق والبحث والمشاركة، ثم تتحول بعد ذلك إلى بيانات تُستخدَم لفهمنا والتنبؤ بسلوكنا والتأثير في اختياراتنا.

وهنا يعود فوكو بصورة جديدة. لقد درس السجن والمصحات النفسية والمؤسسات الحديثة بوصفها فضاءات للمراقبة والانضباط، واستعاد نموذج «البانوبتيكون» لفهم سلطة تجعل الفرد يضبط نفسه لأنه يُحتمَل أن يكون مراقَبًا. أما اليوم فقد انتقلت المراقبة من الجدران إلى الشاشات، وأصبح البانوبتيكون رقميًا؛ بل إن المفارقة أننا نحمله معنا ونعود إليه بإرادتنا. نحن لا نُراقَب فحسب، بل نشارك في إنتاج شروط مراقبتنا: نكشف اهتماماتنا، ونعلن مواقع رغباتنا، ونمنح النظام باستمرار مادةً جديدة لفهمنا. ومن ثم لا تحتاج السلطة الرقمية دائمًا إلى أن تقول لنا ماذا نفعل؛ يكفي أن ترتب أمامنا عالمًا يجعل بعض الاختيارات أكثر حضورًا وإغراءً من غيرها.

وهنا يظهر الخطر الحقيقي للانفتاح غير المحدود. فليست كل زيادة في الممكنات زيادةً مماثلة في الحرية؛ لأن الحرية التي تنفصل عن الوعي والمسؤولية والمعيار قد تنقلب إلى تيه جارف. ويمكن أن نستحضر نيتشه هنا من جهة أزمة القيم وانهيار المراكز القديمة: عندما تسقط المرجعيات ولا يستطيع الإنسان أن يخلق قيمة يتحمل مسؤوليتها، ينفتح أمامه فراغ هائل يحصل فيه التطاحن الذي يقود إلى العدمية. ومما يجب أن يُعلَم أنه لا توجد قيمة مطلقة؛ فليس هناك حرية مطلقة، ولا مغفرة مطلقة بأن تغفر ما لا يُغتفَر، كما يرى دريدا.

لذلك فإن السؤال: «هل ما زلنا أحرارًا؟» لا ينبغي أن تكون إجابته أن الخوارزميات ألغت الحرية؛ لأن هذا الجواب نفسه سيكون نوعًا جديدًا من «سوء النية» السارتري: سنلقي مسؤولية ما أصبحنا عليه على الآلة ونبرئ أنفسنا. كما لا يكفي أن نقول إننا أحرار لمجرد أننا نستطيع النقر والاختيار والمتابعة والحذف. الحرية أعمق من ذلك؛ إنها أن أعي القوى التي تحاول تشكيل اختياري، ثم أتحمل مسؤولية موقفي منها. وهنا تصبح الوجودية أكثر راهنية من أي وقت مضى: ليست المشكلة أن الخوارزمية تعرفنا، وإنما المشكلة تكمن عندما نكف نحن عن معرفة أنفسنا؛ وليست الكارثة أن تقترح علينا ما نريد، وإنما أن نفقد القدرة على السؤال عما إذا كان ما نريده يستحق أن نريده أصلًا.

إن المسألة برمتها تعني أن نكون ذواتًا وجودية فاعلة: تختار، ولكن عليها أن تعرف أنها تختار، وتسأل عن القوى التي تشكل رغباتها، وتتحمل مسؤوليتها الوجودية. فالخوارزمية تستطيع أن تقترح، وأن تتنبأ، وأن ترتب عالمنا الرقمي، لكنها لا ينبغي أن تُعفينا من مسؤولية أن نكون مشاريع حرية، لا مشروع خوارزمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى