د. عبدالله الشهري
بالنظر إلى المجال الواسع للتعاريف والتصورات حيال المقصود بالبحوث النوعية والطرق الوضعية، نجد أنّ القول بأن هناك نقاطًا في هذا المجال توضح إمكانية اختلاف النماذج النوعية والوضعية أكثر من تلاقيها هو قول صائب جدًا. ومن الواضح أن ذلك يعني أن نقاط الالتقاء موجودة أيضًا ويمكن تصورها. والقول بأن “البحث النوعي حتمًا يتعارض مع مبادئ المنهج الوضعي” يحتمل الصواب أو الخطأ، أو ربما احتملهما معًا بحسب الموضع أو المواضع المعرفية والوجودية التي يقف فيها الباحثون على طول المجال المذكور. وتأييدًا لما قاله (Abbot Andrew: 1990، ص. 454)، أرى أن هناك العديد من الطرق التي ربما أظهرت المبادئ الوضعية “في وضع حرج بسبب خياراتها الخاصة والقيود الثقافية”. لهذا الغرض، قد يكون من الجيد البدء من الأسس الفلسفية للعلوم، وبيان كيف أن بعض الاتجاهات الوضعية غير قادرة من الناحية العملية على تخليص نفسها من قدر من البحث النوعي غير القابل للاختزال، أو بصورة أعمّ، من قدر من “المنطق والتفكير النوعيين”.
سيتضح تمامًا أن كثيرًا من جوانب الحقيقة في القول المذكور أعلاه يستند إلى الفرضية غير المبررة بأن المبادئ الوضعية، ناهيك عن العقليات الوضعية، معصومة من الخطأ، وراسخة وثابتة، ومبنية على عدم التحيز، ومن ثم يمكن دون عناء تمييزها ووضعها في مكانة فريدة متميزة على منصة المعرفة الإنسانية. اسمحوا لي هنا بطرح نظرية التطور مثالاً على ذلك، وأزعم هنا أن التطور الذي يقع في قلب العلوم الطبيعية يشمل “الظنّ النوعي” (qualitative surmising)، والتفكّر، والاستقراء أكثر من المنطق الكمي النزيه الصارم. ولا أعني بهذا أنه ليس هناك بُعدٌ إحصائي وعددي مفيد في بحوث التطور، كما لا أعني أنها فشلت في توظيف درجة معقولة من الأساليب الوضعية. وإنما أعني أن هناك معان لبيانات التطور الموثوقة لا تتكشف إلا من خلال ضرب من التفكير النوعي. وبعض المفاهيم، مثل «الانتقاء الطبيعي»، و«البقاء للأصلح» استفادت من بعض الصفات (أي: الطبيعية) والسمات الغائية (أي: الأصلح) التي لا يتم انتقالها عن طريق الملاحظة المباشرة، كما لا يمكن إثباتها عن طريق الحقائق الصماء في المختبر.
في الواقع لا يستطيع أي إنسان الانسلاخ تمامًا مما تُمليه عليه التجربة الشخصية. حتى «داروين»، الذي يُعتبر واضع نظرية النشوء والارتقاء، لم يتمكن من الاستغناء عن صبغ جزء من طرحه بالأحكام «النوعية» التي يمقتها غالبية أنصار المنهج الوضعي في الأزمنة الأخيرة.
والافتراض المنطقي هنا هو أن المقادير، والأرقام، وبيانات الملاحظة أو الاستدلال في حد ذاتها لا تُنتج الصفات. فالصفات مثل «جيد»، و«سيئ»، و«طبيعي»، و«غير طبيعي»، و«مفيد»، و«أصلح»، على سبيل المثال لا الحصر، هي مجموعة من «المعاني» التي يتم إنتاجها داخل العقل. وهناك مثال آخر أكثر وضوحًا وهو قضية الأسماء، فكلمة «جون» تُعدّ اسمًا وحقيقة عمياء مجردة. ولكن عندما نقوم بالتمييز بين أبٍ يُدعى «جون» في مقابل شاب صغير يُسمى أيضًا «جون» فنحن لا ننظر إلى الاسم بوصفه حقيقة عمياء مجردة من المعنى، وتصبح الحقيقة المجردة حقيقة مؤسَّسة بحكم المنطق والتفكير النوعيين، وهذا هو نوع التفكير الذي نحن بحاجة إليه لفهم أنفسنا والناس والعالم الذي نحن فيه.
بالإضافة إلى ذلك، هناك مشكلة أخرى لها صلة بهذا الأمر، وهي استحالة الإثبات أو التفنيد «الكمي» المستديم. سيكون من غير المعقول الإصرار على إخضاع النتائج المستخلصة من البيانات الكمية إلى سلسلة ثابتة من طرق الإثبات الكمي الأبعد عما يُسمى المزالق المنسوبة إلى التفكير النوعي. وهنا يبرز سببان؛ أولًا، هذا من شأنه أن يؤدي إلى الاستدلال الدَّوري (cyclical reasoning) لأن كل استنتاج يُتوصَّل إليه عن طريق البحث الكمي من شأنه أيضًا أن يتطلب إعادة إجراء البحوث الكمية للتوصل إلى فهمه، وهكذا إلى ما لا نهاية. ثانيًا، على الرغم من أن البعض قد يسعى نظريًا للتأكيد على خلاف ذلك، في الواقع لا يستطيع أي إنسان الانسلاخ تمامًا مما تُمليه عليه التجربة الشخصية. حتى «داروين»، الذي يُعتبر واضع نظرية النشوء والارتقاء، لم يتمكن من الاستغناء عن صبغ جزء من طرحه بالأحكام «النوعية» التي يمقتها غالبية أنصار المنهج الوضعي في الأزمنة الأخيرة.. وكما لاحظ (Bateson Gregory: 2000، ص. 472)، عالم الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية الشهير: “…حتى داروين كتب من وقت لآخر حول الانتقاء الطبيعي ببعض العبارات التي نسبت تقريبًا لهذه العملية خصائص التعالي والغرض”.
هذا الارتداد الجبري نحو التجربة من وقت لآخر، والتحيزات الناتجة عن ذلك، تكفي لإظهار أن الطرائق النوعية و(الكمية) الوضعية لا يمكن تمييزها تمامًا في جذور المعرفة البشرية. وأنا أشارك هذه القناعة مع (Abott: 1990، ص. 454) الذي لاحظ أيضًا أن التأويلية والوضعية يمكن أن تكون بينهما علاقة نمطية. وهذه العلاقة الأخيرة تكشف بشكل رئيسي عن نفسها على المستوى المعرفي للتجربة الإنسانية. ومع ذلك، فإن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام من القصة هو أن ذلك يبدو جزءًا لا يتجزأ من النسيج الأنطولوجي للواقع. ويقول محمد أنيس العالم في كتابه «نقد الوضعية في العلوم الطبيعية» (critique of positivism in the natural sciences) (1978، ص. 76) إن بعض علماء الفيزياء قد وجدوا أنه حتى “في الطبيعة توجد مستويات نوعية مختلفة”، وأن هذه “المستويات تؤلف أشكالًا نوعية مختلفة لوجود المادة بشكل عام”.
نظرًا للاعتبارات السابقة، يمكن ببعض اليقين القول بأن المبادئ الوضعية والاستدلال النوعي لا يستبعد كل منهما الآخر بشكل جوهري، فهناك بعض العُقَد الموجودة على شبكة التجربة الإنسانية تتلاقى عندها وتتباعد. ويتبع هذا الاستنتاج انعكاسات عديدة، منها أن طرق الفكر الوضعية والنوعية على السواء معرَّضة لمخاطر التحيزات المتخفية والأفكار المسبقة. ولا توجد أي مصداقية أبدية مُمنوحة للتفكير الوضعي. في هذا الصدد، يقول ستيفن غولد (Gould)، عالم الأحياء التطوري الأمريكي ومؤرخ العلوم، بصراحة:
“معظمنا ليسوا من السذاجة بحيث نعتقد الأسطورة القديمة القائلة إن العلماء يُعتبرون نموذجًا للموضوعية غير المتحيزة، وأنهم منفتحون بالتساوي لقبول كل الاحتمالات، ويتوصلون إلى استنتاجاتهم فقط من خلال قوة الأدلة ومنطق الحجة. ونحن نفهم أن التحيزات، والاختيارات المختلفة، والقيم الاجتماعية، والمواقف النفسية تلعب كلها دورًا قويًا في عملية الاكتشاف”.
فوق ذلك، هناك حقيقة لا يمكن إنكارها حول الأنشطة العلمية، وهي أنها، في أكثر الأحيان، مجموعة من التجارب والخبرات المحمَّلة بالعواطف، والمدفوعة بالتوجهات الشخصية، وأحيانًا، الروحية. وبهذا المعنى، فإن الدافع العلمي، في أصله، لا يكاد يختلف عن الدافع الموجود لدى المزارع لحرث الأرض أو عن رغبة الطفل في خوض مغامرة في الملاهي (الشهري، 2010، ص. 115). وكما لاحظ عالم الاجتماع الألماني نوربرت إلياس (Elias) على نحو صحيح، في فقرة طويلة تستحق الذكر هنا:
“إن العلماء، مثل غيرهم من الناس، ينخرطون في دراسة الطبيعة وهم إلى حد ما مدفوعون لتحقيق مهمتهم برغبات واحتياجات شخصية. فهم غالبًا ما يكونون متأثرين بشكل كبير بالاحتياجات الخاصة بالمجتمع الذي ينتمون إليه. وقد يرغبون في تعزيز وظائفهم الخاصة، وقد يأملون أن تتوافق نتائج تحقيقاتهم مع النظريات التي أعلنوها مسبقًا أو مع المتطلبات والمُثُل العليا للجماعات التي ينسبون أنفسهم إليها”.
في الواقع، إن ابتعاد العلماء عن العلم الوضعي وتنازعهم مع بعض الصفات مثل «التعالي» (transcendence) و«الغرض» (purpose) لَهُوَ علامة على الحاجة الضمنية (وربما الماسّة) للمعنى. والمعنى، بدوره، يمثل جوهر التفكير النوعي، لأنه وفقًا لما قاله (Denzin and Lincoln: 2008، ص. 14) يُعدّ الجزء الذي لا يمكن “فحصه أو قياسه تجريبيًا… من حيث الكمية، أو القدر، أو الكثافة، أو التردد”. ومع ذلك، أسعى للقول إن عدم تناسب المعنى مع الشكل الكمي أو التجريب الرصدي لا يعني أن كل أنواع الاستدلال النوعي تتناقض تمامًا مع مبادئ الوضعية. وفكرة «المسافة» قد تُسهم في توضيح هذه النقطة.
وقد أدى سوء الفهم هذا إلى تحفيز الكثير من العلماء وفلاسفة العلم على افتراض وجود انقسام تام يؤدي إلى تنافر حتمي بين الأبحاث النوعية والمبادئ الوضعية. في الواقع، كان سوء الفهم هذا سببًا في الإصرار على القول بتفوق وسيادة الوضعية، وهذا يعني ضمنًا دونية طرق البحث والتحقيق النوعية.
أعتقد أن «المسافة» ليست، ولا ينبغي بعد الآن اعتبارها، امتيازًا قاصرًا على البحث الكمي. فالمسافة موجودة دائمًا في البحوث الكمية وكذلك النوعية، ولكن في الحالة الأخيرة (أي البحوث النوعية) تكون المسافة مقلوبة وانعكاسية (reflexive) وليست عاكسة (reflective). وهناك طريقة مفيدة لتصور دور المسافة بكلا المعنيين (المسافة النوعية والكمية)، وهي تشبيهها بثنائية «المسافة/مقلوب المسافة» (distance-inverted binary)، بسلسلة متصلة من القيم على خط الأعداد، حيث يُعدّ وجود الأرقام السالبة والموجبة، من الناحية الرياضية، صحيحًا ومبررًا على المستوى الوجودي. وبعبارة أخرى، كون الرقم سالبًا لا يعني ألا قيمة له من الناحية الوجودية بأي معنى (بل، في الواقع، بدون الأرقام السالبة تكون العمليات الرياضية عديمة الفائدة). وبالمثل، لمجرد أننا نستكشف المبحوث من الداخل (في البحوث النوعية، وبالتالي تكون المسافة مقلوبة) فهذا لا يعني أن المسافة غائبة، كما لا يعني أن المعرفة المكتسبة بذلك غير واقعية من الناحية الوجودية أو أنها أقل أهمية. ولذا، ينبغي النظر إلى المسافة باعتبارها ثنائية الاتجاه وليست أحادية الاتجاه. لذا، فإن الادعاء بأن البحث الكمي يتميز باحتكار مفهوم المسافة هو ادعاء واهٍ ومضلِّل. والحقيقة أن هذا الافتراض ذاته (أي أن البحث الكمي يتميز بالتوفر على مسافة أكثر) غير موضوعي إلى حد كبير، والأدهى من ذلك أنه يفتقر إلى التحقق والإثبات «الوضعي». فعلى أي أساس من «الوضعية» توجد مبررات تؤكد أن الباحثين الكميين يتمتعون بمسافة أكثر من التي للباحثين النوعيين؟
ويمكن القول في هذه المرحلة إن كثيرًا من التناقض الذي يتصوره البعض بين طرق البحث النوعي والمبادئ الوضعية يرجع إلى الافتراض غير المبرر بأن أسس العلوم الاجتماعية والطبيعية مخالفة لبعضها مخالفة جذرية، من جميع النواحي وعلى جميع المستويات. وكما قال ألفريد شوتز (Schutz: 1954، ص. 257):
“إن المدرسة الفكرية الأخرى تشعر أن هناك فرقًا أساسيًا في بنية العالَم الاجتماعي وعالَم الطبيعة، وقد أدى هذا الشعور إلى الاتجاه نحو الحد المتطرف الآخر، ألا وهو الوصول إلى استنتاج مفاده أن طرق البحث في العلوم الاجتماعية مختلفة بالكلية عن تلك التي في العلوم الطبيعية”.
أحد الحلول التي يمكن اقتراحها لحل هذه المعضلة هو طرح وعي جديد بشأن طبيعة العلوم والتفكير العلمي، وهناك شرط هام لبناء هذا الوعي، ألا وهو الاعتراف بصحة الجدل حول ماهية العلم. في مقالته «زوال مشكلة ترسيم الحدود»، يقول الفيلسوف لاري لودان (Laudan) إنه لا توجد طريقة يُعتمد عليها نستطيع من خلالها أن نميّز «بدقة» بين ما يُطلق عليه «علمي» وبين يُسمى زورًا باسم «علمي زائف». هناك مبرر كاف للتشكيك في الفرضية الكلاسيكية القائلة بأن العلم، وخصوصًا في شكله الوضعي الضيق، يشغل منطقة محددة خاصة به، ولذا يقول لودان منبِّهًا:
“إذا كان لنا أن نقف ونحسب أنفسنا في جانب العقل، يتعين علينا إسقاط بعض المصطلحات من قاموسنا، مثل “العلوم الزائفة” و”غير العلمية”. فهي مجرد عبارات جوفاء لا تعمل أكثر من إشعال الانفعال داخلنا”.
في كتابه «علم الثقافة» (science of culture) (1949)، يبدو أن ليزلي وايت (White) قد تكوَّن لديه وعي مماثل، وعي «واقعي نقدي» (critical realist awareness) بأن الواقع، في أبعاده الاجتماعية والطبيعية، متشابك بشكل معقد، ولذا لا ينبغي التعامل معه على أنه فسيفساء يسهل تصنيفها، تتمثل في مجموعة من الأشخاص والأحداث. وقد أدى سوء الفهم هذا إلى تحفيز الكثير من العلماء وفلاسفة العلم على افتراض وجود انقسام تام يؤدي إلى تنافر حتمي بين الأبحاث النوعية والمبادئ الوضعية. في الواقع، كان سوء الفهم هذا سببًا في الإصرار على القول بتفوق وسيادة الوضعية، وهذا يعني ضمنًا دونية طرق البحث والتحقيق النوعية. وعليه، من أجل تفسير الواقع الجديد، يتعين علينا أيضًا وضع تصور مطابق للعلم في الموازاة. وكما ذكرنا آنفًا، هناك طريقة لتفسير هذا، وهي تبنّي وجهة النظر القائلة بأن العلم، في جميع أشكاله ومظاهره، يندرج تحت مجالين واسعين: العلوم الكمية والعلوم النوعية. وتماشيًا مع هذه الطريقة المقترحة، طرح وايت نقطة قال فيها إن “علم الثقافة، أو علم النفس، ليسا ناضجين بالشكل الذي يوازي علم الفلك أو الفيزياء”، لكنه يؤكد بقوة أنه:
“من المغالطة أو التعصب القول بأن الفيزياء من العلوم، بينما علم النفس أو علم الثقافة ليسا كذلك. فالباحث يستطيع البحث والدراسة في أي ميدان من ميادين التجربة”.
ومن المتوقع ظهور تداعيات جديدة على تصميم البحوث تنشأ من الافتراض الوجودي القائل بأن التعقيد والثراء اللذين يتصف بهما الواقع الجديد – الاجتماعي والطبيعي – لن يتكشَّف معناهما دائمًا من خلال العمليات الكمية الصعبة المتعنِّتة أو من المهام النوعية المتوسطة. من الناحية الفنية، ينبغي أن تعمل طرق البحث والتحقيق الكمية والنوعية معًا، وربما مع مزيد من التركيز على الطرق النوعية (Lee: 1991، ص. 363). وحتى يتحقق ذلك، يوجد لدينا العديد من التقنيات، وأكثرها اتصالًا وعلاقة بالمناقشة الحالية هي: «المنهج المركَّب» (Triangulation)، و«المقابلة والتعويض» (Offset)، و«الاكتمال» (completeness)، و«الشرح والتفسير» (explanation)، و«تقنيات العملية» (process techniques)، وفقًا لما سرده بريمان (Bryman: 2008، ص. 608-609). هذه الطرق، رغم أن هذه المجموعة ليست شاملة وحصرية، تُعرف باسم «الطرق المختلطة» (mixed methods) لأنها تجمع بين البحوث النوعية والبحوث الكمية. وقد نشأ الأساس المنطقي لهذا الاختيار من الإدراك بأن العالم الاجتماعي، كما أوضحنا سابقًا، الذي نقوم بالبحث فيه يتكون أيضًا من وقائع وحقائق «مختلطة»؛ فهي مزيج من الحقائق، والباحث الذي يريد دراسة العالم الاجتماعي بوصفه وحدة كلية فاعلة ينبغي عليه التأكد من أن الأساليب الكمية والنوعية تعمل جنبًا إلى جنب. ولذا، يصبح من الواضح أن مواقفنا وأحكامنا المرتبطة بالعلاقة بين مبادئ البحوث النوعية والكمية تتشكَّل حسب المواقف الوجودية والمعرفية التي نختارها.
بعد أن عالجنا بعض القضايا الفلسفية الكامنة وراء الاقتراح المذكور، قد يكون من المفيد دراسة بعض الأمثلة العملية المتعلقة بكيفية إمكانية تصور وجود علاقة تكافلية بين مبادئ البحوث النوعية والوضعية. فلو تصورنا وجود سلسلة متصلة من تقنيات البحث النوعي، يمكن إلى حد ما اعتبار أسلوب «المقابلة المنظَّمة» (structured interview)، على سبيل المثال، جامعًا في وقت واحد بين تفعيل المبادئ النوعية والوضعية، حيث يتعلق الجانب «المنظَّم» بشكل أكبر بمبادئ الأخير (المبادئ الوضعية)، بينما يتعلق الجانب غير المنظَّم نسبيًا، رغم كونه مقصودًا، بشكل أكبر بمبادئ الأول (المبادئ النوعية). هذه إحدى الطرق للنظر إلى مبادئ البحث النوعية والوضعية باعتبارها مفيدة بشكل متبادل بدلًا من اعتبارها متناقضة. والجانب «المنظَّم» يتعلق بالمبادئ والأهداف والتوجيهات المحددة والمتعمدة التي تحكم المقابلة كبادرة تمهيدية، في حين يقوم الجانب «غير المنظَّم نسبيًا» بتفسير المقابلة باعتبارها حدثًا زمانيًا حقيقيًا، في الوقت الذي يكون فيه المعنى محور التركيز الرئيسي للباحث. ويمكن أيضًا النظر إلى تقنية «النظرية التجذيرية» (Grounded Theory) بوصفها تجسيدًا تعاونيًا بين المبادئ النوعية والوضعية. وفي هذا المثال، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر ببعض الإجراءات الصارمة، فإنه ليس من قبيل المبالغة أن يُقال إن الباحث الاجتماعي يتبع طرق التفكير الوضعية أكثر من العالِم الطبيعي، وذلك لأن الكثير من الفرضيات التي يقدمها هذا الأخير (عالِم الطبيعة) يتم وضعها عبر «طريقة الفرضية الاستنتاجية» (hypothetico-deductive method)، في حين يتوصَّل الباحث الاجتماعي في التنظير التجذيري إلى بعض الفرضيات عن طريق «الاستدلال الاستقرائي» (inductive reasoning) (Mason: 2009، ص. 180). ويمكن القول إن ميزة «الاستدلال الاستقرائي» هي أن كثيرًا من المقترحات يُتوصَّل إليها بعد البحث الاستقرائي والاستدلال من المعلول إلى العلة (a posteriori) وليس من المسلَّمات المقررة مسبقًا (a priori). وهذا الجانب يظهر في عبارة مختلفة أوردها (Glaser & Barney: 2002، ص. 4)، الذي، في تقديره لمركزية وأهمية التصوُّر في النظرية المتجذرة، يبيّن أنه “بالنسبة للنظرية المتجذرة، يُعدّ المفهوم تسمية لأحد الأنماط الاجتماعية الناشئة المتجذرة في البحوث الاجتماعية”. وعلى النقيض من الاتجاه الوضعي العام في الافتراض من خلال «الحدس» و«التخمينات»، اللذين يُعدّان من الأحوال الخاصة بالبحوث النوعية (النفسية) بامتياز، فإن الباحثين النوعيين الذين يستخدمون النظرية التجذيرية (GT) يقومون بصياغة فرضيتهم على خلفية الظواهر الاجتماعية القائمة.
يمكن القول إن ما يُستنكَر عادة تحت مسمى «التحيز وعدم الموضوعية» في البحث النوعي هو حالة أو صفة لا يمكننا نحن البشر التخلص منها، فهو، من وجهة نظري، سِمة تُعدّ جزءًا من البنية البيولوجية والنفسية داخلنا، وهو خصلة تمكِّننا من مراقبة وتفسير الواقع بطريقة إنسانية. وأعني بذلك أنه لا توجد طريقة أخرى لفهم الواقع إلا مع وجود بعض التحيز، وهذا التحيز الخاص بالطبيعة البشرية يمكِّننا من صياغة التجارب الشخصية التي تمنح بدورها كل فرد طابعه الشخصي الفريد. وكما قالت جودي مارشال (Marshall: 1981) ذات مرة، إن شعور الباحثين بالصواب لا يقل أهمية عن شعورهم بالخطأ، والتحيز هو الأمر الذي ينبغي عليهم إدراكه لأنه جزء من ذواتهم.
حتى الآن، أوردتُ أمثلة من المقابلات المنظَّمة والنظرية التجذيرية لإثبات كيف يمكن النظر إلى هذه التقنيات باعتبارها تضم مواضع من الأنشطة البحثية النوعية والكمية. ومع ذلك، على الرغم من أن «النشاط الكمي» هنا، على المستوى الظاهري، قد لا يكون معبِّرًا تمامًا عن الفهم الوضعي السائد للبحث الكمي، فإنه لا يزال يحمل جوهر المعنى التقليدي عند النظر إليه من المنظور النفسي وليس المنهجي. وفي موضع سابق من المقالة الحالية، اقترحتُ أنه عند فحص مجموعة من التصورات الخاصة بمبادئ البحوث النوعية والوضعية، نجد نقاط التقاء واختلاف على طول هذا المجال الواسع من التصورات. وقد عنيتُ شخصيًا منذ البداية وحتى الآن بالنظر في الجانب الأول (أي جدوى التقارب)، وسوف أنتقل الآن إلى الجانب الأخير، وهو إظهار أين أو متى يمكن النظر إلى مبادئ البحوث النوعية والوضعية كما لو كانا يعملان في إطارين مرجعيين متعارضين. وهذا، على ما أعتقد، ستكون له انعكاسات عميقة على تصوير البشر بأقل مما تقتضيه ظواهر الحقيقة، وعلى طبيعة النشاط العلمي بشكل عام.
أولًا، يمكن القول إن ما يُستنكَر عادة تحت مسمى «التحيز وعدم الموضوعية» في البحث النوعي هو حالة أو صفة لا يمكننا نحن البشر التخلص منها، فهو، من وجهة نظري، سِمة تُعدّ جزءًا من البنية البيولوجية والنفسية داخلنا، وهو خصلة تمكِّننا من مراقبة وتفسير الواقع بطريقة إنسانية. وأعني بذلك أنه لا توجد طريقة أخرى لفهم الواقع إلا مع وجود بعض التحيز، وهذا التحيز الخاص بالطبيعة البشرية يمكِّننا من صياغة التجارب الشخصية التي تمنح بدورها كل فرد طابعه الشخصي الفريد. وكما قالت جودي مارشال (Marshall: 1981) ذات مرة، إن شعور الباحثين بالصواب لا يقل أهمية عن شعورهم بالخطأ، والتحيز هو الأمر الذي ينبغي عليهم إدراكه لأنه جزء من ذواتهم. والحكم الوضعي القائل بأن على البشر أن يفعلوا كل ما بوسعهم لتقليل التحيز أو التخلص منه تمامًا من حياتهم هو حكم غير واقعي ومستحيل. والسبب في كونه غير واقعي أن البشر سيتوقفون عن فهم الأمور «بطريقة إنسانية»، أما كونه مستحيلًا فلأنه لا يمكن لأحد أن يتخلى تمامًا عن الجزء الإنساني المتأصل في طبيعته. والقول بخلاف ذلك يعني ضمنًا أن أجهزة الحاسوب وآلات الذكاء الاصطناعي، وهي خالية تمامًا من التحيز البشري، تتميز في فهم الواقع أكثر من البشر، هذا إن كانت تفهم على الإطلاق. خلاصة القول إن الوضعية، بكل مساعيها الصعبة للوصول إلى التحيز وتحجيم آثاره وعزلها، تُعدّ معادية تمامًا لروح مبادئ البحث النوعي. وتتضح هذه النتيجة أكثر عند الحديث عن شكل من أشكال الوضعية يسعى إلى تقسيم العقل البشري من خلال ربط الاستدلال النوعي بالعواطف والمعالجة العقلانية غير الناضجة، في حين يربط الاستدلال الكمي بالمنطق، والحكمة، والعقلانية السليمة. ومثل هذا التصور، الذي لا توجد عليه أي أدلة صحيحة، ناهيك عن انعدام الخلاف بشأنه، يعمل على تحريف طريقة عمل العقل بحق، وفي الوقت نفسه يقوّض حالة الاستدلال النوعي استنادًا إلى مقدمات خاطئة. وحقيقة أن مبادئ البحث النوعي لا يمكن أن تتوافق مع الوضعية من هذا النوع لا ينبغي أن تُتخذ دليلًا على تفوق وسيادة الوضعية أو دونية الاستدلال النوعي. وكما لاحظ بليز باسكال (Pascal)، فإن للقلب أسبابه الخاصة، ومنطقه الخاص، وسلطته الخاصة. لذلك، فإن عزو السلطة المطلقة لـ «الاستدلال الخالي من المشاعر» – إن كان الباحث ينوي معالجته من منظور إنساني – أمر لا يمكن إقامة الدليل عليه بداهةً.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه يمكن إدراك نوعين من التحيز، ومن المهم أن نعرف أيًّا منهما هو موضوع النقاش حتى الآن. فالنوع الأول يمكن أن يُطلق عليه «التحيز الطبيعي» (Natural Bias)، في حين يُطلق على الآخر «التحيز المكتسب» (Acquired Bias). ونوع التحيز الذي لا يستطيع الإنسان الحدّ منه، ناهيك عن التخلص منه، هو «التحيز الطبيعي»، لأنه مغروس ومتغلغل داخل بنيتنا البيولوجية، ومستمد من وجودنا بوصفنا بشرًا محدودين في الزمان والمكان، والجسد، والوعي، وهو أقرب إلى ما يُعرف لدى المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات باسم «تحيز أنظمة الكمبيوتر»، وهو تحيز تقني يستمد طبيعته من القيود الحسابية التي تحكم عملياته (Friedman & Nissenbaum، 1996، ص. 331). وبسبب هذا التحيز الذي لا يُمحى (أي التحيز الطبيعي)، يوجد لدينا منفذ إدراكي محدود للظواهر المحيطة بنا، مثل الوصول إلى بعض أطوال موجات الضوء/الصوت أو إدراك مستويات أحجام معينة لبعض الموجودات المادية (أي ما بين المجرات، والمجرات، وما بين الكواكب، والكواكب، والجزيئات، والذرات، وما دون الذرات…إلخ). وهذا هو السبب في أننا نستخدم ونطوّر التكنولوجيا للمساعدة في تعويض أوجه القصور الحسّية الناجمة عن التحيز الطبيعي، وإن كان ذلك بشكل ضعيف. أما التحيز المكتسب (AB)، من ناحية أخرى، فهو شيء مكتسب وليس فطريًا، ويُعدّ في الأصل من السمات النفسية الاجتماعية المكتسبة والمدعومة من خلال التفاعل الثقافي. وقد يمكن أحيانًا، على الرغم من صعوبة ذلك، نبذ هذا النوع من التحيز أو الحدّ منه. وقد أدرج علماء النفس وعلماء الاجتماع عدة أنواع تحت هذا الصنف من التحيز، منها على سبيل المثال «التحيز لخدمة المصالح الذاتية» (self-service bias): وهو “الميل إلى ادعاء المسؤولية عن مواقف النجاح أكثر من مواقف الفشل”، و«تحيز التأطير» (framing bias): “وذلك باستخدام نهج أو وصف ضيق جدًا للحالة أو القضية” (ويكيبيديا، 2011). وليس من المستحيل دراسة هذه الأنواع من التحيز والحدّ من عواقبها.
والدرس الذي يمكن تعلّمه من هذه المناقشة هو أنها تُظهر النقاط التي يُحتمل فيها بشكل أكبر احتدام الصدام بين المبادئ البحثية الوضعية والنوعية. ولمزيد من التوضيح، هناك اتجاه في تيار الوضعية العام للتعتيم على هذا الاختلاف الجوهري بين «التحيز الطبيعي» (NB) و«التحيز المكتسب» (AB)، أو – سواء عن قصد أو عن غير قصد – دمجهما معًا، وهذا العمل المشوِّش لا يترك مجالًا كبيرًا أمام نشاط البحث النوعي – الذي يُعدّ فيه المعنى والرؤية موضع بصيرة المتكلم (Coghlan، 2008) – وعندما يذهب هذا التيار إلى حدّه المتطرف، لا يترك أي مجال على الإطلاق. ولنعرض هنا فكرة «التشبع النظري» (theoretical saturation) كمثال ملموس؛ فمن المستحيل، من الناحية العملية، وفيما يتعلق بالمبادئ الوضعية الجامدة، الكشفُ الكمي أو تعيين الحدود الدنيا الحقيقية للتشبع في البحوث النوعية. لا يزال بعض الباحثين الوضعيين يقولون بخلاف ذلك؛ ليس بالضرورة عن إصرار – إحسانًا للظن بهم – بل بسبب خلطهم بين التحيز المكتسب والتحيز الطبيعي. فعندما يُنظر إلى التحيز المكتسب على أنه التحيز الطبيعي، يتصرف الباحث كما لو كان هناك شيء يمكن تداركه، لأن التحيز الطبيعي، في حقيقته، جزء منا بطبيعة الحال، ولذا يجب ألا نحاول تجنبه أو تغيير أمر مفروغ منه.
ختامًا لهذا المقال، وكما يظهر من النقاش السابق حتى الآن، وما تُمليه التجربة الإنسانية بشكل عام، لا يسعنا إلا تأييد القول المأثور الذي أورده باسكال، نقلًا عن (Bateson: 2000، ص. 138): “إن للقلب أسبابه التي لا يعيها العقل على الإطلاق”. وأسباب القلب في أيام باسكال يمكن بكل ثقة تعريفها بأنها ما أصبح يُعرف في المصطلحات الاجتماعية المعاصرة باسم «الاستدلال النوعي»، أو «البحوث النوعية»، أو «طرق التفكير النوعية». وعند دراستها في ضوء مفهومي «الاتساع» و«العمق»، حيث يمكن تصوّر «العمق» على أنه يمثل محورًا رأسيًا يتقاطع مع مستوى «الاتساع» الأفقي، عندئذ يظهر بوضوح استنتاج أساسي واحد: أن مبادئ البحث النوعي والوضعي دائمًا – كما كانت دومًا – تلتقي في نقطة واحدة، وهي النقطة التي أصبحنا ندرك عندها بكل وعي شيئًا وجوديًا معينًا، وهذا الشيء موجود ويحتاج إلى دراسة. وبمجرد افتراق كلا المحورين عن نقطة الالتقاء تلك، ينطلق كل واحد منهما في رحلة خاصة فريدة، ولكنها ذات معنى ومغزى تامّين على نحو متساوٍ.*
– – – – – – – – – – – – – – – – – –
* أصل المقال منشور ضمن كتاب للمؤلف بعنوان: ’آفاق علمية ورؤى نقدية: في الثقافة والاجتماع والإدارة واللسانيات وفلسفة المنهج‘، دار ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية، 2017م. وقد أعيد نشره هنا بعد الحصول على إذن الدار مشكورة، مع تصرف يسير بالتحرير والتنقيح.
المراجع
- Abbott, A.; 1990. Positivism and Interpretation in Sociology: Lessons for Sociologists from the History of Stress Research. Sociological Forum, Vol. 5, No. 3, p. 435-458.
- Alam, M. A.; 1978. Critique of Positivism in the Natural Sciences. Social Scientist, Vol. 6, No. 9, p. 67-78.
- Al-Shehri, A.; 2010. The Only Way Out: A Guide for Truth Seekers, Cooperative Office, Saudi Arabia, p. 115.
- Bateson, G.; 2000. Steps to an Ecology of Mind, University of Chicago Press, p. 472.
- Bryman, A., 2008. Social Research Methods. Oxford University Press.
- Coghlan, D.; 2008. Authenticity as First Person Practice: An exploration based on Bernard Lonergan, Action Research, 6, p.351.
- Denzin, N. & Lincoln, Y.; 2008. Collecting and Interpreting Qualitative Materials, Sage, p. 14.
- De Martino, B. et al. Frames, Biases, and Rational Decision-Making in the Human Brain. Science 313 (5787): 684–687.
- Elias, N.; 1956. Problems of Involvement and Detachment. British Journal of Sociology, 7:3, p. 228.
- Friedman, B. & Nissenbaum, H.; 1996. Bias in Computer Systems. ACM Transactions on Information Systems, Vol. 14, No. 3, p. 331.
- Glaser, B G.; 2002. Conceptualization: On Theory and Theorizing Using Grounded Theory, International Journal of Qualitative Methods, Vol.1, No. 2, p. 1-13.
- Gould, S. J.; 2000. Wonderful Life: The Burgess Shale and the Nature of History, Vintage Books, p. 244
- Hume, D.; 1912. An Enquiry Concerning Human Understanding. Chicago, p. 26.
- Laudan, L. 1983. The Demise of the Demarcation Problem. In Physics, Philosophy, and Psychoanalysis; edited by R. S. Cohen & L. Laudan. p. 125.
- Lee, A. S., 1991. Integrating Positivist and Interpretive Approaches to Organizational Research. Organization Science, 2 (4), p. 342-365.
- Marshall, J.; 1981. Making Sense as a Personal Process. In Reason, P. & Rowan, J. (eds) Human Inquiry: A Sourcebook of a New Paradigm Research, Chichester: John Wiley. P. 398-399.
- Mason, J.; 2009. Qualitative Researching. Sage, London, p.
- Schutz, A.; (1954) Concept and Theory Formation in the Social Sciences. The Journal of Philosophy, Vol. 51, No. 9, p. 257-273.
- White, L. A.; 1949. The Science of Culture: A Study of Man and Civilization. Grove Press, New York, P. 78.



