الأدب والفن

الحياة بين لذّة الأثر ومتعة التأثير

  • د. جمعان بن محمد الشهري

حاولتُ في هذا المقال استكشافَ طبيعة الإنسان ومنظومته الشاعرية، وكيف يتفاعل مع محيطه من خلال عمليتي التأثّر والتأثير. وناقشتُ دور الشاعر في إدراك الحياة، وأهليته في تناولها بصورة أدقّ من الرؤية العادية، مستشهداً بآراء الرافعي والمتنبي حول طبيعة الأدب والشعر. كما تطرّقتُ إلى مفهوم اللذّة وصعوبة وصفها بالكلمات، مؤكداً أنّ البيان، وإن بلغ أقصى درجات البلاغة، يبقى قاصراً عن تصوير حقيقة اللذّة في النفس الإنسانية.

ولأنّ الإنسان منظومة متكاملة من المشاعر والأحاسيس، يدرك المثيرات الواردة إليه من العالم الخارجي من جهة، ويستشعر نشوة اللذّة من أعماق كيانه الداخلي من جهة أخرى، فإنّه لا مناص له من أن يعيش في هذه الحياة متأرجحاً بين الأثر والتأثير؛ فإمّا أن يكون مؤثّراً في محيطه بقوة شخصيته وطول تجربته، وإمّا أن يكون متأثّراً بما يحيط به من ظروف وأحداث. وهذه حقيقة راسخة ما دامت له نفس إنسانية تترجم له تعقيدات الحياة ومباهجها، وتنقل إليه صورها في أجلى معانيها وأوضح دلالاتها.

وإنّي على يقين راسخ بأنّ النفس الإنسانية، بما تحمله من فضائل سامية وخصائص نبيلة وتراث عريق، أقرب إلى التأثير منها إلى التأثّر، أي إنّها في مراتبها العليا تميل إلى الفعل لا الانفعال، ما دامت تتمتع بتلك المنزلة الرفيعة. فإذا اتفقنا على أنّ الحياة مدرسة عظيمة للنفس الإنسانية، فإنّ عليها أن تتخذ من قوانينها الطبيعية منهجاً محكماً، يصل بها إلى ما وراء الغاية التي تنشدها وتتطلع إليها.

ومن هنا، فإنّ أولى المسالك وأجداها لاتخاذ هذا المنهج الحياتي هو مسلك الشاعر في رؤية الحياة والتعامل مع مفرداتها؛ ذلك أنّ الشاعر يرى ببصيرة نافذة وحسّ مرهف ما لا يراه غيره من المبصرين العاديين. فالمبصر العادي يرى الوجود كما هو ظاهر أمامه، بينما الشاعر يرى فوق هذا الوجود المحسوس وجوداً آخر أسمى وأجمل؛ إذ يصوغ بقريحته صورةً مشحونةً بجمال الرؤية ولبّ المعنى، على مقاس عينه الفنيّة ونفسه الحساسة ولفظه المنتقى.

وإنّك لتقف مدهوشاً أمام قول المتنبي: «لكِ يا منازلُ في القلوبِ منازلُ / أقفرتِ أنتِ وهنّ منكِ أواهلُ»، إلى قوله: «وأنا الذي اجتلبَ المنيّةَ طرفُهُ / فمن المطالبُ والقتيلُ القاتلُ؟!». فقد خفيت هذه الصورة الشعرية البديعة على كثير من الناس، ولم تخفَ على المتنبي، إذ وجد في قرارة نفسه ما بعثه على صوغها بتلك الصبغة الجمالية الرفيعة. وما كانت لتبلغ هذا الأفق من الروعة لولا ما في نفسه من فخامة الشاعرية ورهافة الحس.

وفي هذا المعنى يقول الرافعي رحمه الله: «فالغرض الأول للأدب المبين أن يخلق للنفس دنيا من المعاني الثرية، وأن يلقي الأسرار الخفية في الأمور المكشوفة الظاهرة، ويردّ من القليل من الحياة كثيراً وافياً بما يضاعف من معانيه ودلالاته، ويجعل المؤلم منها لذيذاً، والملول ممتعاً حلواً بما يكشف فيه من الجمال الكامن والحكمة البالغة، ومدار ذلك كله على إثبات النفس لذّة المجهول الغامض». (وحي القلم، الرافعي، دار الكتب العلمية، 2000م، 3/191).

ولك، بعد ذلك، أن تفتّش في أدب الأدباء وشعر الشعراء وفلسفة الحكماء، فستجد أنّ أذهان هؤلاء تقف على ما لا يقف عليه غيرهم من المعاني الخفية والدلالات الثاقبة. وستدرك أنّ نفس الشاعر المرهفة تُضفي على الصور مسحةً من السحر، حتى يصبح البيان كأنّه يأخذ بالألباب. غير أنّ الناس في هذه المواهب درجات، وإن اشتركوا في أصل الشاعرية الفطرية.

غير أنّ السؤال الجوهري يظل قائماً: كيف نصنع من مادة الحياة الخام حلاوة الذوق الشاعري، لنبلغ لذّة الأثر ومتعة التأثير؟

ولعلّ من أدقّ ما قيل في هذا الباب قول الرافعي: «كلّ لذّة لا يفسّرها للنفس إلا تكرارها». (وحي القلم، 1/21). وهنا يتجلّى قصور البيان؛ إذ يعجز، مهما بلغ، عن نقل حقيقة اللذّة كما هي، فيبقى الوصف دون التجربة. ومع ذلك، فقد بلغ الرافعي غاية البيان في الكشف عن هذه الحقيقة، فأثبت أنّ اللذّة شيء، ووصفها شيء آخر، وأنّ بينهما مسافة لا يجسرها إلا الذوق.

وهكذا يبدو الإنسان كائناً مركّباً: شاعرًا يُبدع، ومفكّرًا يُمعن، مغتبطًا بجمال الوجود، ومتألّماً لجراح الزمن؛ يغلب حيناً ويُغلب حيناً، ويظلّ متأرجحاً بين التأثّر والتأثير.

وهو، بطبعه، كائن مدنيّ، له مكانه في نسيج الجماعة، يؤثّر فيها ويتأثّر بها بحسب قوة العوامل المحيطة وقيمتها في تشكيل وعيه. وليس المقصود هنا استقصاء الاجتماع الإنساني، بل إضاءة البعد الشاعري في صيرورة الحياة، حيث تتشكّل التجربة الإنسانية في مزيجٍ متناقض:

صخب وهدوء، صعود وهبوط، سكينة واضطراب، ضمن سنن كونية لا تحيد.

وقد أدرك الرافعي أنّ النفس لا تبلغ تمام حريتها إلا في لحظات نادرة تتحرر فيها من قيود الزمان والمكان، فتحلّق في أفقٍ يتجاوز المادة، وتكاد تلامس معنى الخلود.

 ولعلّ التجربة الوجدانية الخاصة تكشف هذا المعنى بأجلى صورة؛ فالحبّ – في لحظاته الصافية – يعيد تشكيل النفس، ويوقظ فيها طاقاتٍ كامنة لا تبرز في حالٍ أخرى. وهو، بهذا الاعتبار، ليس مجرّد عاطفة، بل تجربة كاشفة تعيد صياغة الوجود في عين صاحبها.

ومن هنا نفهم قول المتنبي:

أحُلماً نرى أم زماناً جديداً … أم الخلقُ في شخص حيٍّ أُعِيدا

إنّه تفاوت البشر في إدراك الجمال، وفي قدرتهم على بناء انسجامهم الداخلي؛ فكلٌّ يرى من الوجود بقدر ما يحمل في نفسه من حسّ ووعي.

وهكذا تظلّ الحياة متأرجحة بين قطبين: لذّة الأثر الذي نتركه، ومتعة التأثير الذي نصنعه؛ وبينهما تتشكّل التجربة الإنسانية، ويبرز دور الشاعر في كشف المعنى الكامن وراء ظاهر الوجود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى