د. فهد الحمد الخالدي
أزعم أنني اطلعت على جانب واسع من تراث المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري، وتتبعت قدرًا معتبرًا مما قيل عنه وما كُتب حول مشروعه، بين من بالغ في الاحتفاء به، ومن تحفظ على بعض أطروحاته، ومن وقف في منزلة بين المنزلتين، يأخذ من مشروعه بعضه وينقد بعضه الآخر. وهذا أمر طبيعي؛ فكل جهد فكري جاد تتعدد حوله القراءات، ولا سيما إذا كان صاحبه قد خاض في موضوعات كثيفة تتصل بالحداثة والعلمانية والمادية والإنسان والهوية والمعرفة.
غير أن المشكلة في قراءة المسيري لا تكمن في تعدد المواقف منه بقدر ما تكمن في محاولة اختزاله داخل تصنيف واحد. فاليساري يرى فيه بقايا المفكر الماركسي، والإسلامي يقرأه من خلال عودته إلى المرجعية الإسلامية، وناقد الحداثة قد يضعه قريبًا من تيارات ما بعد الحداثة، بينما يعرفه قطاع واسع من القراء بوصفه صاحب “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”.
وتكشف مذكراته “رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر” التي وصفها بأنها سيرة غير ذاتية وغير موضوعية، عن مفكر يصعب فهمه من خلال مرحلة واحدة من حياته. فقد تناول فيها نشأته في دمنهور، ومراحل تعليمه منذ المدرسة الابتدائية حتى حصوله على الدكتوراه في الولايات المتحدة، وأفرد مساحة واسعة لتحولاته الفكرية وتنقله بين تيارات وتفسيرات متباينة. ولم يكن هدفه سرد حياته وفق تعاقبها الزمني فحسب، بل محاولة تتبع البذور الأولى للأفكار التي استقرت لاحقًا في مشروعه.
ومن هنا يمكن القول إن مذكرات المسيري تقدم تاريخ نموذج تفسيري ظل يتكون ويتسع كلما اصطدم صاحبه بعجز النماذج السابقة عن تفسير الإنسان والعالم. وهذه، في تقديري، هي الزاوية الأهم لفهمه؛ فتحولاته لم تكن مجرد تقلبات أيديولوجية، وإنما كانت عملية مراجعة مستمرة للأدوات التي يستخدمها في الإدراك والتفسير.
ذكر المسيري أنه انتمى في شبابه إلى جماعة الإخوان المسلمين، ثم تركها بعد فترة قصيرة، وانضم إلى التيار الماركسي. كانت الماركسية حينها تقدم له نموذجًا واسعًا يفسر التاريخ والصراع الطبقي والاجتماعي. غير أن انتماءه إليها لم ينه تساؤلاته، إذ أخذ يكتشف تدريجيًا أن التفسير المادي، على ما يملكه من إمكانية على تحليل البنى الاقتصادية والاجتماعية، يعجز عن الإحاطة بأبعاد أخرى من التجربة الإنسانية.
فالإنسان لا يمكن اختزاله في موقعه الاقتصادي أو علاقته بوسائل الإنتاج، كما لا يمكن تفسير الإيمان والحب والفن والتضحية والضمير والخيال تفسيرًا كاملًا باعتبارها انعكاسات لبنية مادية سابقة عليها. وكان المسيري يتندر عند حديثه عن تلك المرحلة فيصف نفسه بأنه كان “ماركسيًا على سنّة الله ورسوله”، وهي عبارة ساخرة تكشف، رغم خفتها، عن تناقض كان يعيشه حينها بين انتمائه الماركسي وبقايا رؤيته الدينية والأخلاقية للإنسان.
لم يكن خروجه من الماركسية، إذن، انتقالًا بسيطًا من أيديولوجيا إلى أخرى، ولا استبدال انتماء سياسي بانتماء ديني، بل كان تحولًا في طبيعة النموذج الذي ينظر من خلاله إلى الإنسان والعالم. لقد انتقل تدريجيًا من التفسير الأحادي إلى النموذج المركب، ومن النظر إلى الإنسان باعتباره كائنًا ماديًا محكومًا بقوانين الضرورة إلى اعتباره كائنًا أخلاقيًا قادرًا على تجاوز شروطه المباشرة.
ولهذا لا يبدو من الدقة وصف المسيري بأنه مفكر يساري بإطلاق. فاليسار كان مرحلة أساسية في تكوينه، وربما بقي أثره ظاهرًا في كثير من أدواته النقدية، لكنه لم يكن الموقع النهائي الذي استقر فيه. كما لا يصح وضعه ضمن مدرسة ما بعد الحداثة لمجرد نقده المكثف للحداثة؛ لأن تيارات واسعة من ما بعد الحداثة تنزع إلى تفكيك المرجعيات الكلية، والتشكيك في إمكان الوصول إلى حقيقة متجاوزة، بينما كان نقد المسيري للحداثة يصدر عن إيمانه بمرجعية قيمية وأخلاقية تتجاوز الواقع المادي.
كان المسيري يرفض الحداثة حين تتحول إلى رؤية مادية شاملة، لكنه لم يرفض العقل أو العلم أو التقدم التقني. كما كان ينتقد المركزية الغربية، لكنه لم يدع إلى الانغلاق عن المعرفة الإنسانية. وكان يستفيد من الفكر الغربي ومدارسه المختلفة، لكنه يرفض التعامل معها باعتبارها المصدر الوحيد للأسئلة والمفاهيم والنماذج.
وفي تقديري، يمكن وضعه، بشيء من التحفظ، ضمن التيار الحضاري الإسلامي، لا بمعنى انتمائه إلى مدرسة مغلقة أو تيار تنظيمي محدد، بل من حيث سعيه إلى تطوير العلوم الإنسانية من داخل مرجعية إسلامية، ورفضه اختزال المعرفة في إطارها الغربي، وإيمانه بإمكان بناء نماذج تفسيرية تنطلق من خبرة المجتمع العربي الإسلامي وتراثه وأسئلته الخاصة. ويعبر المسيري عن هذا التحول في موقفه من المعرفة بقوله:
“تعلمت كيف أستند إلى تجربتي الخاصة ولا أنكرها وإلى تراثي ولا أتنكر له، بل أوظفهما في عملية الإدراك والتفسير، كما ازددت إيمانًا بمقدرة العقل والخيال على التوليد.”
تمثل هذه العبارة مفتاحًا أساسيًا لفهم مشروعه. فالمعرفة عند المسيري ليست مادة جاهزة تنتقل من مجتمع إلى آخر من غير أن تتأثر بالسياق، كما أن الباحث ليس عقلًا محايدًا يقف خارج التاريخ والثقافة. إن تجربته وتراثه ولغته وخياله ليست عوائق ينبغي التخلص منها قبل أن يبدأ التفكير، وإنما هي عناصر تشارك في صياغة أسئلته وبناء مفاهيمه وتفسيره للظواهر.
ولا يعني ذلك رفض المعرفة الإنسانية أو الانغلاق الذاتي وإنما يعني الوعي بأن كل معرفة تنطلق من موقع حضاري معين، وأن الباحث الذي ينكر موقعه لا يصبح أكثر حيادًا بالضرورة، بل قد يتحول إلى مستهلك لمفاهيم الآخرين وأسئلتهم من غير أن ينتبه إلى الافتراضات الكامنة خلفها. ويقول المسيري في نقد هذا الانفصال:
“أن من أكبر آفات البحث العلمي في العالم العربي، انفصاله عن المعجم الحضاري الإسلامي وافتراض أن ثمة معرفة عالمية علينا أن نحصّلها متناسين تراثنا وهويتنا.”
لا يعترض المسيري هنا على عالمية الحقائق العلمية بمعناها الإجرائي، ولا يدعو إلى رفض المناهج الغربية لمجرد أنها غربية، بل ينتقد افتراض أن العلوم الإنسانية محايدة تمامًا ومنفصلة عن تاريخ المجتمعات التي أنتجتها. فاختيار الموضوع، وصياغة السؤال، وبناء المفهوم، وتحديد ما يعد مشكلة جديرة بالدراسة، كلها عمليات لا تخلو من مرجعية أو تحيز حضاري.
ومن هنا نشأت عنايته بمفهوم “النموذج التفسيري”. فالوقائع لا تتحدث من تلقاء نفسها، والباحث لا يجمعها ثم يتركها ترتب ذاتها، بل يختار منها ما يراه دالًا، ويصل بينها، ويضعها داخل نموذج يمنحها المعنى. وقد يكون الخلاف بين الباحثين أحيانًا خلافًا في النماذج التي ينطلقون منها، لا في المعلومات التي يمتلكونها.
وتكمن أهمية انتقال المسيري إلى النموذج المركب في أنه رفض البحث عن مفتاح واحد يفسر الإنسان والتاريخ. فالظاهرة الواحدة قد تتداخل فيها عوامل اقتصادية ودينية ونفسية وسياسية وحضارية، ولا يمكن ردها دائمًا إلى علة واحدة. كما أن الإنسان، في تصوره، لا يخضع خضوعًا كاملًا للشروط المحيطة به، بل يملك قدرًا من الحرية والقدرة على التجاوز.
ومن داخل هذا الإطار اتجه المسيري إلى نقد الحداثة الغربية، باعتبارها رؤية معينة للإنسان والعالم. فمشكلة الحداثة الغربية عنده تكمن تحول بعض مفاهيم الحداثة إلى مرجعية شاملة تعيد تعريف الإنسان وفق معايير الإنتاج والمنفعة والحركة والاستهلاك.
ومن أبرز المفاهيم التي ظل يستخدمها المسيري دائمًا هما المجتمع التراحمي والمجتمع التعاقدي. فالمجتمع التعاقدي ينظم العلاقات وفق الحقوق والواجبات والعقود الواضحة، أما المجتمع التراحمي فيضيف إلى ذلك شبكة من المسؤوليات الأخلاقية التي لا يمكن اختزالها في القانون. ويقول:
“إِن الفرد الأمريكي يعيش ثنائية حادة: تعاقدية في الحياة العامة على مستوى النموذج المهيمن، وتراحمية في الحياة الخاصة على مستوى الممارسة الشخصية.”
لا ينكر وجود الرحمة في المجتمع الغربي، ولا يقدم الغرب كتلة إنسانية واحدة، بل يرى أن الفرد قد يعيش داخل نظام عام يقوم على التعاقد والمنفعة، بينما يحتفظ في حياته الخاصة بممارسات تراحمية مع أسرته وأصدقائه. وفي المقابل، لم يقدم المسيري المجتمعات العربية بوصفها مجتمعات تراحمية مكتملة، ولم يحول المجتمع التقليدي إلى صورة مثالية. فقد أدرك أن الولاءات التقليدية قد تنتج أخلاقًا قوية داخل الأسرة أو الجماعة الصغيرة، لكنها لا تمتد بالضرورة إلى المجال العام. فقد يكون الفرد وفيًا لأسرته، حريصًا على سمعته داخل جماعته، لكنه لا يرى في الجامعة أو الوظيفة أو المال العام مجالًا أخلاقيًا يتمتع بالقداسة نفسها.
ومن هنا ينتقد غياب ما يسميه “الأخلاقيات المدنية”، أي انتقال القيم من دائرة الولاء الخاص إلى المجال العام. وهذا النقد يمنع تصوره من السقوط في ثنائية مبسطة تجعل المجتمع التقليدي خيرًا خالصًا والمجتمع الحديث شرًا خالصًا. فالمجتمع التقليدي يحافظ على قدر من التراحم، لكنه قد يعجز عن بناء أخلاق عامة تتجاوز العائلة والجماعة، بينما يوسع المجتمع الحديث نطاق القانون والحقوق، لكنه قد يحول العلاقات الإنسانية إلى عقود مجردة.
إن النموذج الذي يبحث عنه المسيري نموذج مركب يحافظ على التراحم من غير أن يهدر القانون، ويبني الأخلاق المدنية من غير أن يحول الإنسان إلى فرد معزول. ويكشف حديثه عن المجتمع التراحمي عن جوهر تصوره للإنسان، إذ يقول:
“لقد تعلمت من المجتمع التراحمي أهمية الإِنسان ككائن حر نبيل وأهمية العواطف وأهمية الإِفصاح عنها.”
فالإنسان عند المسيري ليس وحدة إنتاجية أو استهلاكية، بل كائن حر ونبيل، يمتلك عواطف وخيالًا وقدرة على التجاوز. وهذه الرؤية هي التي تفسر نقده للمادية في صورتها الماركسية والرأسمالية معًا؛ فالماركسية قد تختزله في موقعه داخل عملية الإنتاج، والرأسمالية قد تعيد تعريفه من خلال قدرته على الاستهلاك، بينما يصر المسيري على وجود بقية إنسانية لا يمكن تفسيرها تفسيرًا ماديًا كاملًا.
أما بالنسبة لمشروعه الضخم “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”، فقد حلل المسيري الجماعات اليهودية بوصفها جماعات تختلف باختلاف المجتمعات التي عاشت فيها، وميز بين اليهودية باعتبارها تركيبًا دينيًا، والجماعات اليهودية باعتبارها ظواهر تاريخية واجتماعية، والصهيونية باعتبارها حركة سياسية ارتبطت بالبنية الاستعمارية الغربية. وهكذا تحولت الموسوعة إلى تطبيق واسع لفكرته عن النماذج؛ إذ لم يكن هدفه جمع أكبر قدر من المعلومات، بل إعادة ترتيب المعلومات داخل نموذج تفسيري مختلف.
وتظهر في الموسوعة آثار مراحله الفكرية المتعددة. فمن الماركسية بقي اهتمامه بالبنية الاقتصادية والاستعمارية، ومن دراساته الأدبية بقي وعيه بالرمز والمجاز والخيال، ومن مرجعيته الإسلامية استمد تصوره للإنسان المتجاوز للطبيعة والمادة، ومن نقده للحداثة طور تحليله للعلمانية والمادية والاستعمار.
ولذلك فإن وصفه بأنه متخصص في الصهيونية وحدها يظلمه بقدر ما يظلمه وصفه بالمفكر الإسلامي أو اليساري وحده. فالموسوعة نفسها لم تكن مشروعًا منفصلًا عن بقية أفكاره، وإنما كانت الميدان الذي اجتمعت فيه أدواته ومفاهيمه وخبراته السابقة.
وكغيره من المفكرين، فإن المسيري لم يكن بمنأى عن النقد؛ فكل جهد بشري عرضة للنقص والمراجعة. وقد أثيرت ملاحظات حول دقة بعض تعميماته، واتساع نماذجه التفسيرية، وقلة الإحالات والمراجع في بعض مؤلفاته، ولا سيما حين يعرض أفكارًا واسعة تتصل بمدارس فلسفية واجتماعية متعددة. وقد أشار الكاتب والمهتم بالسير الذاتية الأستاذ محمد عبد العزيز الهجين، في كتابه “مودة الغرباء”، إلى أن للمسيري قدرة واضحة على تبسيط الموضوعات الفلسفية المعقدة، ومنح القارئ الشاب الثقة على الاقتراب منها، لكنه تحفظ على ندرة الإحالات إلى بعض المصادر، وعدم وضوح الحدود دائمًا بين أفكار المسيري الخاصة وما أفاده من مدرسة فرانكفورت، أو زيغمونت باومان، أو غيرهما.
وهذه ملاحظة جديرة بالنظر، ولا سيما في قضية الإحالات والمراجع، لكنها تحتاج بدورها إلى التفريق بين نوعين من الكتابة. فالمسيري لم يكن في جميع كتبه يكتب بوصفه باحثًا أكاديميًا يقدم مراجعة أدبية تفصيلية لكل مفهوم، بل كان يكتب أحيانًا بوصفه صاحب مشروع فكري يسعى إلى تركيب أفكار متعددة داخل نموذج جديد. غير أن هذا لا يلغي حق القارئ في معرفة مصادر المفاهيم، ولا يعفي المفكر من بيان مواضع الإفادة والاختلاف والإضافة.
وإن كنتُ من الفريق الذي يأخذ للمسيري العذر في كثير من ذلك؛ لأن مشروعه اتخذ، في جانب واسع منه، طابعًا تركيبيًا موسوعيًا، وكانت غايته الأساسية بناء نماذج تفسيرية قادرة على استيعاب ظواهر متباعدة، وردّها إلى أصول معرفية مشتركة، لا تتبع الجذور الدقيقة لكل فكرة في كل موضع. كما أن كثافة إنتاجه، وتعدد الحقول التي تحرك بينها، وطبيعة عدد من كتبه الموجهة إلى القارئ العام، تجعل مطالبتها جميعًا بالصرامة التوثيقية ذاتها التي تُطلب في الدراسات الأكاديمية المتخصصة أمرًا يحتاج إلى شيء من التحفظ.
ومع ذلك، فالعذر لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء كامل؛ إذ تبقى الإحالة إلى الأصول الفكرية ضرورة، لا لتقليل شأن الإضافة، بل لتمييزها على نحو أدق، ومعرفة الكيفية التي أعاد بها المسيري تركيب الأفكار، والحدود التي افترق عندها عن أصحابها. ولعل الإنصاف يقتضي القول إن المسيري لم يكن ناقلًا خفيًا لأفكار غيره، بقدر ما كان قارئًا واسع الاطلاع، شديد القدرة على صهر ما يقرأه داخل جهازه المفاهيمي؛ غير أن قوة هذا الصهر نفسها جعلت الحدود بين المقتبس والمطوّر والمبتكر أقل وضوحًا مما ينبغي في بعض المواضع.
غير أن الهجين لا يقف عند هذه الملاحظات النقدية، بل يلفت كذلك إلى الأسباب التي أكسبت المسيري قبولًا واسعًا في نفوس الناس، وفي مقدمتها الأثر الذي تركته شخصيته الإنسانية في قرائه وتلاميذه، وما اتصف به من ودّ، ودماثة خلق، واهتمام صادق بمن حوله.
ختامًا، تكشف مذكرات عبد الوهاب المسيري مسار عقل ظل يختبر النماذج التي يتبناها، ثم يراجع حدودها، ويحتفظ بما يراه صالحًا منها، قبل أن يعيد تركيبه داخل رؤية أكثر اتساعًا. لذلك، يصعب في تقديري وضع المسيري في تصنيف واحد. ولعل الوصف الأقرب إليه أنه مفكر حضاري بنى مشروعه حول الإنسان، والنموذج التفسيري، والتحيز المعرفي، وجعل من تجربته الذاتية مادة لاختبار الأفكار، لا غاية مستقلة للسرد.
وتبقى قيمة مذكراته في أنها تتيح للقارئ أن يرى الأفكار وهي تتشكل داخل الحياة، لا بعد أن تستقر في الكتب، وأن يتابع المسافة الطويلة التي قطعها صاحبها من أسر الأيديولوجيا إلى رحابة النموذج المركب.
وانتقل المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى رحمة الله تعالى في الثالث من يوليو عام 2008م، بعد حياة حافلة بالعلم والفكر. وفي اللقاء الذي بثته قناة الجزيرة قبل وفاته بشهر تقريبًا ضمن برنامج “زيارة خاصة”، سأله الإعلامي سامي كليب، وقد قارب المسيري السبعين من عمره، عمّا بقي له من أحلام في الحياة، فأجاب: “أنا حلمي الأساسي الآن هو تحرير فلسطين والانتهاء من أعمالي”. ولعل هذه الإجابة الموجزة تختصر جانبًا عميقًا من شخصيته؛ فقد ظل حتى أيامه الأخيرة وفيًا إلى مشروعه الفكري وإلى قضية آمن بأنها ليست حلمًا بعيد المنال.



