إبراهيم القرعاني
قبل عقود قليلة، كان مقرر القراءة في السنوات الأولى من التعليم يسمى “المطالعة”، يتعرف الطالب فيها على نصوص مختارة تنمي ثقافته.
والمطالعة هنا بمعنى القراءة، ولفظ المطالعة يحكي عن أريحية وسعة وحمولة معرفية أقل من لفظ القراءة، وهذا معنى مناسب للتنشئة الثقافية وفتح الآفاق أمام العقول الفتية.
يولد الطفل ويفد إلى هذه الدنيا، فيستعد للحركة والسير، يحبو ثم يمشي ثم يعدو.
يتهجى الولدُ أحرف الأبجدية، يلفظ الكلمات، يقرأ الجمل، ويصير قارئًا.
القراءة مفهوم واسع بحجم كتاب الكون المنظور، القراءة معنى يمتد من سواحل المحيطات إلى أقصى أعماقها.
والنظر هنا في فعل القراءة من حيثُ تشكيلُه الثقافي للفرد، فالمادة المقروءة تندرج ضمن حقول المعارف والعلوم والآداب والفنون التي يتعلمها الناس، وهذا هو تعريف الثقافة بشكل عام.
يتجاذب النظر في غائية القراءة، الاطلاع والتعرف والتحصيل المعرفي الموجَّه.
وبالانطلاق من المقولة المتداولة عند التراثيين “علم كل شيء أفضل من جهله”، تظهر لنا فضيلة المطالعة كقراءة حرة تؤسس لمهارة معرفية تولج القارئ الشادي إلى بوابات المعرفة حيث يتأطر فيها ويتكون وفقًا لمعمارها.
وهذه العبارة “علم كل شيء أفضل من جهله”، التي تحتاج إلى بيان وتفصيل توقفنا على عتبة ثقافية هي من أشهر التعريفات لمفهوم “المثقف”، وهو “من يعرف شيئًا عن كل شيء، ويعرف كل شيء عن شيء” وفي التعبير مبالغة ظاهرة، والجزء الثاني “يعرف كل شيء عن شيء” يرجعنا إلى الطرف الآخر الذي يتردد إليه النظر “التحصيل المعرفي الموجَّه” أو التخصص الثقافي الدقيق المقابل للثقافة الشمولية العامة.
نعود إلى المطالعة كتحصيل ثقافي، ونافذة معرفية، فنرى من مباهجها الانطلاق والقفز المناسب لحيوية السنوات الأولى من عمر الإنسان.
ونرى فيها التنوع وعدم الإكراه وتأطير النفس على جادة مرهقة، وهو ما يتواءم مع صبوات الشباب الفتيّ.
ذكر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله أن قراءاته المبكرة في صباه كانت القصص والروائع الأدبية المترجمة كقصة “اللص الظريف” لأرسين لوبين.
وكانت مشوقة للاستزادة من القراءة والترقي في مدارج المطالعة المفيدة. حين قرأت هذا الخبر بشبابي أعجبني أنه وقعت بيدي هذه القصة زمن الصبا!
ثم وقف الألباني على جزء من مجلة المنار معروضًا عند أحد الباعة فأخذه وطالعه، فاستوقفه بحث للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله يتحدث فيه عن كتاب الإحياء للغزالي، مشيرًا إلى محاسنه والمآخذ عليه، والتي من أبرزها الأحاديث الضعيفة التي أوردها المؤلف. فأشار الشيخ محمد رشيد رضا في هذا السياق إلى تخريج الحافظ العراقي رحمه الله لأحاديث الإحياء، فأُعجِب الألباني بهذا البحث إعجابًا شديدًا، وغدا باحثًا عن كتاب العراقي، فلما وقف عليه استأجره من صاحب المكتبة إذ لم يكن يملك ثمنه في ذلك الوقت،
وبدأ يقرأ الكتاب، وأغرم بتخريج الأحاديث، فعزم على نسخ التخريج الذي كان مطبوعًا في حاشية على الإحياء، مضيفًا إليه شرحًا للكلمات الغريبة، مستعينًا بكتاب «غريب الحديث» لابن الأثير، والقاموس وغيرهما، وهكذا استمر في عمله حتى خَرَجَ هذا النّسخ في ألفين واثنتي عشرة صفحة، وجعله في ثلاث مجلدات، ولم يكن وقتئذ قد جاوز العشرين من عمره، وبذلك تكون مجلة المنار قد فتحت له الطريق للاشتغال بعلم الحديث.
أما طريف الخالدي فيقول في كتابه “أنا والكتب”: “كانت أولى الكتب التي قرأتها هي قصص الكاتب كامل الكيلاني الذي كان من رواد كتابة قصص الأطفال، رافقتني كتب الكيلاني لسنوات عدة.
وفي العاشرة من عمري، تدهور مستوى ما كنت أقرأ، فانتقلت من جرجي زيدان إلى قصص أرسين لوبين المترجمة إلى العربية، التي كانت رائجة في بيروت في تلك الآونة.
هذا التدهور في مستوى القراءة تجلى كذلك في شغفي المتعاظم بمجلات الكوميكس الأميركية. أزعج الأمر بعض أفراد العائلة الذين رأوا فيها مسخًا للروايات الكلاسيكية، لكن العجيب أن هذه الكوميكس هي التي شجعتني فيما بعد على الرجوع إلى الروايات الأصلية. وسرعان ما تدخل الأهل: ما هذا أرسين لوبين؟ وما هذه الكوميكس؟ وماذا سيحل به إذا استمر على هذا المنوال المتدهور؟
تدخل عندئذ أخي أسامة رحمه الله، الذي قرر أن الدواء الناجع لإنقاذي من الانحطاط يكمن في التحول إلى الشعر العربي القديم، والذي يحفظ منه الآلاف من الأبيات. وشجعني على حفظ الشعر العربي، فكان يدفع لي ربع ليرة عن كل بيت أحفظه، فحفظت قصائد غرزت فيّ حبًا للشعر لم تزده الأيام إلا رسوخًا.
وحين أصبح التاريخ مهنتي ومصدر رزقي اكتشفت في الشعر ليس فقط جماليته بل أهميته الفائقة في استرجاع صور وذهنية الزمن الماضي؛ فالشعر للمؤرخ هو المدخل إلى ذهنيات عصر ما، فإذا ما أردنا استعادة صور ماضٍ ما لا بدّ لنا من دراسة شعره (وفنه كذلك).
ونجحنا قبل بضع سنوات في عقد مؤتمر دولي في الجامعة الأميركية حول الشعر والتاريخ، صدر فيما بعد في كتاب بالإنكليزية تحت عنوان “الشعر والتاريخ: أهمية الشعر في إعادة بناء التاريخ العربي”. غريب حقًا أمر هذه البذور التي تغرس في الطفولة، فنجدها قد أينعت في زمن الكهولة”.
مقال في مجلة قد يكون بوابة إلى موسوعات علمية، وقصاصة سطّر فيها خبر ثقافي قد تكون دليلًا إلى مطبوعات مشتملة على نفائس المعرفة.
المطالعة، هذه المفردة بعفويتها وحيويتها كموج يصافح الرمل، ويأخذ القارب الصغير بمهل، يتهادى بين الجزر والمد، حتى يستوي على ثبج البحر، سائرًا وسط الأمواج العالية.
بوسعنا أن نمعن النظر في المطالعة الحرة، والقراءة الواسعة الشبيهة بالتنزه وسط بساتين المعرفة، وثمة فرق بين التنزه والتسكع. التنزه فعلٌ واعٍ تتحقق فيه القصدية، بخلاف التسكع الذي هو مشيٌ بلا بوصلة مكانية، ولا توقيت زماني.
القراءة الحرة بوصفها اطلاعًا على معارف متنوعة ستأخذ القارئ إلى موضوعات محددة، يتوق إلى معرفة كنهها، ستأخذه كتبٌ إلى كتبٍ مقترنة، إما شارحة أو مختصرة أو مطولة أو مستدركة أو مشابهة.
من المؤلفين من يأخذك لا محالة إلى مؤلفين متقاطعين مع مشروعه الثقافي، ومن الكتاب من يفتح عينيك على عوالم من الكتب في غير مظانها.
القراءة سعيٌ حثيث في سبيل العلم، ومورد عذب للثقافة، وكما أن من يسير في الأرض يطالع آثار السابقين، فكذلك من يسير في درب القراءة سيجد آثارًا تأخذه إلى عوالم فسيحة، تتسع معها حياته، وينمو فيها وعيه.
المطالعة هي عين الإنسان التي يبصر بها الدنيا، حاسة تجعله يبصر، لا أن يرى فحسب.



