جيسون ن. ليندر
ترجمة: نوال السليمان
كثيرًا ما نَقْضي حياتَنا ونحن نَتَصَوَّرُ أنَّ السَّعادَةَ والسَّكينَةَ والسَّلامَ والرِّضا بانتظارِنا بعد اجْتِيازِ المحطَّةِ التالية. لقدْ انْطَلَتْ عليَّ هذه الحيلةُ مِرارًا خلال دِراسَتي الجَامِعيَّةِ والدراسات العُليا؛ إذ لَطالما ظننتُ حين أُكمل مقررًا دراسيًا، أو أنشر مقالًا، أو أحرزُ شهادةً مهنية، أنَّني سأنْعَمُ بالرِّضا.
أمّا عِندَ الآخرين، فَقَدْ يَتَجَلَّى الأمرُ على هذا النَّحْوِ:
«بِمُجرَّدِ أن أظفَرَ بتلْكَ المِهنة، أو أعثُرَ على الزوجِ المنشودِ، أو أبلُغَ الملاءَةَ الماليّة، سأنْعَمُ بالسَّعادَةِ الأبَديّةِ».
تنبع هذه العقليّة من مفهوم يسمّيه علماء النفس «مُغالَطة الوصول» (Arrival Fallacy)، أي الاعتقادَ الخاطئَ بأنَّ بُلوغَ هدفٍ معيَّن سيَهَبُنا الرِّضا الأبَديَّ.
وصحيحٌ أنَّ رسمَ الأهدافِ وبُلوغَها قد يبعث فينا نشوةَ إنجازٍ عابرة، غير أنَّ السعادةَ المرجوّة سرعانَ ما تَخْبو؛ ولعلَّ في هذه الحقيقة ما يخيّبُ آمالَنا. فما إن تَهْدَأَ نشوةُ الإنجازِ حتى نعودَ إلى حالِنا المعتادِ، فنشرئبُّ من جديدٍ إلى غايةٍ أخرى، ونظنُّ أنَّ سعادَتَنا الحقيقية تكمُن فيها. لهذا فإنَّ فهمَ مُغالَطةِ الوصولِ ومعالجتَها كفيلٌ بأنْ يقودَنا إلى حياةٍ مُرْضِيَةٍ، ويجنِّبَنا معاناةً عبثيّةً.
صاغَ البروفيسور تال بن شاحر (Tal Ben-Shahar)، المتخصِّصُ في علم النفس الإيجابيِّ، مصطلحَ «مُغالَطةِ الوصولِ» (Arrival Fallacy)، ويُقصَدُ به ذلك الظنُّ الذي يخالجُ المرءَ حين يبلُغُ غايةً نصَبَ عينيْهِ، فيحسَبُ أنَّ الإشباعَ سيلازمُهُ من بعدِها أبدًا؛ غير أنَّ الذي يحدُثُ هو النقيضُ: فالسعادةُ، أو الرِّضا عن الإنجازِ، سرعانَ ما تنفلتُ من بينِ يديهِ، على نحوٍ يخيّبُ ظنَّه ويبدِّدُ آمالَهُ.
والسببُ في ذلك أنَّ أدمغتَنا مجبولةٌ على التأقلُمِ السَّريعِ مع كلِّ جديدٍ يطرأُ عليها، وهي ظاهرةٌ تُعرَفُ في علم النفس بـ«التكيّف الهيدونيّ». فما كان يبدو إنجازًا باهرًا، ما يلبث أن يغدو أمرًا مألوفًا ومعتادًا، فنتطلّع على الفور إلى المحطّة التالية، من غير أن نعي أنّنا بذلك أسرى دورةٍ من النَّهَمِ لا فكاكَ منها. وإليك مثالًا على ذلك: رائدةُ أعمالٍ طموحةٌ أفنت سنواتٍ من عمرها في سبيلِ الثراء، وهي توقنُ أنَّها متى بلَغ دخلُها ستّةَ أرقامٍ، ذاقت طعمَ الأمان والسعادة أخيرًا.
وحين تُحقِّق هذا الهدف، لا يلبَثُ حماسُها أن يخبوَ بعد أشهرٍ قلائل، بل ربّما بعد أسابيعَ معدودة، لتطلَّ عليها عندئذٍ ضغوطٌ جديدة: أعباءُ الضرائبِ، ووطأةُ المنافسة، وثقلُ الحفاظ على نجاحها أو تجاوزه. أمّا السعادة التي كانت توقن أنّها ستنعم بها على الدوام، فتظلّ سرابًا بعيدًا.
ويتكرّر النمط ذاته في العلاقات الشخصيّة، وأهداف اللياقة البدنيّة، والمسار المهني؛ فبهجةُ الوصول التي طالما توقّعناها لا تتحقّق قطّ على النحو الذي تصوّرناه.
كيف تُفْضِي مُغالَطَةُ الوُصُولِ إلَى مُعانَاةٍ عَبَثِيَّةٍ؟
لا تقتصر مُغالَطةُ الوصول على حدِّ تخييب آمالنا، بل قد تكون سببًا مباشرًا لمعاناتنا من وجوهٍ شتَّى:
- انعِدامُ الرِّضا المُزمن: حين نعتقد أنَّ السعادةَ لا تزالُ مؤجّلةً إلى المُستقبل، نحرِمُ أنفُسَنا من متعةِ عيْشِ اللحظة الحاضرة وتقديرِها. ومع استمرارِ هذا الشعورِ بعدَمِ الرِّضا، قد نقعُ في براثنِ التوتّرِ المُزْمِن والاحْتِراقِ النَّفسي.
- فُتُورُ العَزِيمَةِ: إذا لم يكن إدراكُ المُبتغَى كفيلًا بإسْعادِنا، تساءَلْنا: ما جَدوى هذا كلّه؟ وقد يُفْضِي بنا هذا التساؤلُ إلى العُزوفِ، أو التسويفِ، أو الشعورِ بأنَّ سَعْيَنا بِرُمَّته ضربٌ من العبثِ الذي لا طائلَ منه.
- الاستياءُ من الذَّاتِ: حين نبلُغُ غايةً طالما سعيْنا إليها، ثم لا نُلْفي في أنفُسِنا ذلك الرِّضا الذي نتوقّعه، أسَأْنا الظنَّ بأنفُسنا وحسِبْنا العيبَ فينا، عوضًا عن أن نُدرِك أنَّ الخلل كامنٌ في التوقّع ذاته.
- تكدُّرُ العلاقات: فحين نظلّ نلهَثُ وراءَ المحطّة التالية في حياتنا، قد نغفُلُ عمّن حولنا، ونتوهّم أنّنا سنصِلهم فيما بعد، فإذا بنا نستفيق لاحقًا على العُزلَةِ والنَّدم.
كيف نَتَحَرَّرُ من مُغالَطَةِ الوُصُولِ؟
بما أنَّ مُغالَطة الوصول ضاربةٌ بجذورها في تفكيرنا، فإليك طائفةً من الوسائل التي يمكن أن تعيننا على مجابهتها والتحرّر من أسرها:
- استِشْعارُ اللَّحظةِ الحاضِرَةِ: تُعين اليقظةُ الذّهنيّة على صرْفِ انتباهَنا عن النّتائجِ المُستقبليّة إلى ما نَخوضُه من تجارِبَ في الحاضِرِ. وحسْبُكَ ممارساتٌ يسيرةٌ، كالتنفّس العميق، أو تَدْوينِ لحظاتِ الامتِنانِ، أو المشي بذهنٍ حاضرٍ، لتُعزِّز فينا تقديرَ ما نَحياهُ الآن وهُنا.
- إعادةُ تعريفِ النَّجاح: بدلًا من أن نعلِّقَ سعادَتَنا ببُلوغِ غايةٍ خارجيّة، فلنُعرِّف النَّجاحَ بمقياس النموّ الشخصي، والعلاقاتِ ذاتِ المغزى، والبهجةِ الكامنَةِ في تفاصيل حيَاتِنا اليوميّة؛ فمعاييرُ الإشْباعِ الدّاخلي أرْسخُ وأدْوَمُ من نظيرَتِها الخارجيّة.
- التماسُ البَهْجَةِ في الطَّريقِ: فما قيمةُ الْغايةِ في ذاتِها إنْ لَمْ تَكُنْ الرحلةُ إليها حافلةً بالمَعنى؟ إذ لا تكمُن قيمة الهدف في بلوغِهِ وحسب، بل في دُروبِ السعي إليه؛ فالتعلّم والنموّ والتطوّر على امتِدادِ الطريق إنجازاتٌ قائمةٌ بذاتِها، لا تقلّ شأنًا عَنِ الغايةِ المنشودةِ.
- تقبّلُ الفُتورِ: اعلم أنَّ نشوةَ بلوغِ محطّةٍ جديدةٍ آفلةٌ ولا بدّ؛ ينطفئُ وهجُها بطبيعة الحال مع تعاقُبِ الأيام. فإذا أقرَرْتَ بهذه الحقيقة، هان عليكَ أن تضعَ لنفسِكَ توقّعاتٍ واقعيّةً، وأن تقيَ نفسَكَ خيبةَ أملٍ لا داعيَ لها.
- موازنةُ الطُّموح بالامتِنانِ: للطموح قيمتُه التي لا تُنكر، لكنّه لن يستقيم إلّا مقترنًا بتقدير ما نحن فيه بالفعلِ من نعمة. فخصِّص وقتًا تتأمل فيه ما يسير على ما يُرام في حياتِك، عوضًا عن أن يظلّ بصرُك معلّقًا أبدًا بما ينتظرُك عند المحطّةِ التالية.
أفكارٌ خِتاميَّةٌ
مُغالَطة الوصول اعتقادٌ راسخٌ في أعماقِنا، لكنّه مُضَلِّلٌ، مفادُه أنَّ تحقيقَ الأهداف الخارجيّة يهبُنا سعادةً باقيةً. فإذا نحن أدركْنا هذه العقليّة وأعدنا صياغَتها، تحرّرنا من دوائِر خيبةِ الأمَلِ، وأحْسَنّا الاستِمْتاعَ بالحياة التي نَحياها فِعلًا.
وبدلًا مِنْ أن نظلّ نطارِدُ السّعادَةَ في غدٍ لم يأتِ بعد، يُمكِنُنا أنْ نَجِدَها في اللّحظَةِ الحاضِرة، حيثُ كانتْ تَنْتَظِرُنا مُنذُ الأزَلِ
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –



