عبد الرحمن بن فهد الموسى
“استووا، استقيموا، اعتدلوا وتراصوا”
لطالما استوقفني هذ المشهد كثيراً، أن يقف الغني والفقير، الأبيض والأسود، القوي والضعيف خمس مرات يومياً يقوّم كل منهم الآخر -أياً يكن هذا الآخر!- كبيراً أم صغيراً شريفاً أم وضيعاً حتى يصطفوا على هيئة صفوف متتالية مستقيمة قد تباينت ألوانهم وأشكالهم ولغاتهم رافعين أيديهم بصوت واحد “الله أكبر”، بالله عليك؛ أترى معي الجمال الذي يحيط بهذا المشهد؟ إن فكرة المسجد برمّتها فكرة بديعة حقاً، ففي الإسلام ليس المهم كيف يكون شكل المسجد معمارياً، المهم أن يكون مكاناً طاهراً يُعبد الله فيه، لذا ففي الجملة كل مكان طاهر يمكن أن يكون مسجداً، وفي المسجد لا يؤمّ الناس الأغنى ولا ذو الحسب ولا العابد الزاهد ولا الشريف فيهم، إنما يؤمهم الأقرأ لكتاب الله ولو كان أصغرهم وأقلّهم حسباً ونسباً وشرفاً، وهذا الأقرأ ليس إماماً منزهاً معصوماً، فكل من يصلي خلفه يصوّبه إذا أخطأ وينبهه إذا نسي، والمسجد في الإسلام يمكن أن يكون مكاناً للعلم وتعليمه، كما يمكن أن يكون مكاناً للمشورة والرأي، وهو بيت الله، وكل المسلمين مسؤولون عنه لا يختص ذلك بكاهن أو قسيس كما في بعض الديانات، وتحتف بالمسجد -عادة- بيوتات كثيرة، وقد نظم الإسلام علاقة هذي البيوت ببعضها ضمن مفهوم “الجيرة” وأحكامه، وهؤلاء الجيران -في العادة- لا يربطك بهم نسب ولا حسب، لكنك تعاقب إن أسأت إليهم، وتثاب إن أحسنت إليهم، تخيل أن شخصاً لا تعرفه له حقوق عليك لمجرد أنه يسكن قريباً منك! وهذه الحقوق والمسؤوليات الأخلاقية والاجتماعية لا تقتصر على الجار فحسب، بل هي علاقة ممتدة متشابكة مع كافة العلاقات الإنسانية في الإسلام، نعم كاافة العلاقة الإنسانية -هكذا أقولها بصوت عال!- بل أكثر من هذا؛ فحتى الحيوانات التي تملكها قد نظّم الإسلام حقوقها عليك في مأكلها ومشربها وما تحمله عليها، وهذه المنظومة الأخلاقية كلها تضم في نفس الوقت تفاصيل صغيرة وكثيرة من الآداب والسلوكيات الملفتة حقاً، كآداب تناول الطعام وقضاء الحاجة والسلام ونحو ذلك، فبالأمس وبينما كنت أسير مع صديق لي في بلد ناء وبعيد جداً عن بلاد المسلمين؛ إذا بأحدهم يسلم علينا بلطف وهو يتجاوزنا على عجلة من أمره، أطربني ذلك كثيراً فقلت لصديقي حينها: تأمل معي كيف خلق “أدب السلام” حالة شعورية مباشرة من الألفة والروابط الانتمائية في بلد بعيد مع شخص غريب لم نره من قبل وربما لا نراه فيما بعد أيضاً، إنها {صبغة الله ومن أحسن الله من صبغة ونحن له عابدون}.
إن جمالاً من جماليات الإسلام الفريدة يتجلى في كونه منظومة فكرية وقيمية شاملة تتناول جميع الكليات ولا تهمل أدق الجزئيات، فتؤمن بأن الله واحد لا يجوز صرف العبادة لغيره ولا يطاع إلا بما أخبر عن نفسه وبما أخبر عنه رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وتؤمن بأن الدنيا دار بلاء وامتحان لا دار جزاء ولا ثواب، وأن كل مصاب أو شر فيها أو خير أو ثواب بها إنما هو في أصله ابتلاء يبلوك الله به لتشكر أم تكفر؟ وأن الإنسان خلق وفيه من الخير والشر، وواجبه أن يطهر نفسه دوماً من الشر ويستعين بالخير فيها على الخير، وأن الجزاء والثواب إنما يكون بعد الموت من حيث الأصل، وأن المؤمن عبد لله، ومقتضى العبودية هو الطاعة، فعليه أن يلتزم شعائر الله وأوامره ونواهيه بالطريقة التي أمره الله بها فقط، ولا يلتفت إلى ما تدعوه نفسه أحياناً من اعتزال ورهبانية ومبالغة في التزهد، ولا ينعتق أيضاً من عبودية الله ويكتفي بمعرفته فقط لينغمس في الشهوات والملذات، فالله -جل وعلا- خلق الإنسان وفيه ميل شهواني طبعي كشهوة الأكل والجماع وجمع المال وغيره، فأباح له جزءاً من هذه الشهوة المركبة فيه، فلا يجوز له أن يحرّم ما أباحه الله له، وحرم عليه جزءاً من هذه الشهوة المركبة فيه أيضاً فلا يجوز له أن يحلل ما حرم الله له، وهذه العبودية المطلقة لله هي عبودية شُرعت على مستويين: مستوى الفرد كما سبق، ومستوى الجماعة أيضاً، فالجماعة عليها واجبات كإقامة شعائر الإسلام وإظهارها كالأعياد والصلوات ونحوها، إضافة إلى الواجبات التي تقوم بها الشؤون المعيشية المتعلقة بمصالح العباد من دفع المفاسد وجلب المنافع، وبعض هذه الواجبات تسقط عن البقية إذا قام بها من يكفي منهم، وبعضها يجب على الجميع، فتصور الجماعة هو تصور أصلي في الإسلام، والجماعة تتعاون فيما بينها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالتناصح بمثابة النقد الذاتي المستمر والذي يُسبغ حماية ذاتية على قيم الجماعة وأفكارها، لذا يحرم عليها ترك ذلك بالكلية، كما نظم الإسلام علاقة الجماعة بالجماعات الأخرى سواء أكانوا أعداء أم مسالمين، وهذه الأحكام المنظمة هي بمثابة الحماية الخارجية للجماعة والحفاظ على بقائها وقوة شوكتها، وكل هذه الواجبات والنواهي والشرائع الجماعية والفردية لها أحكامها بحسب الزمان والمكان، فبعضها يجب في وقت دون وقت، وبعضها يجب بحسب القدرة، وبعضها لا يسقط البتة، أرأيت هذا النظام المتكامل الذي يشمل كافة تفاصيل الحياة الدقيقة انطلاقاً من الأكل والشرب وقضاء الحاجة مروراً بالتعاملات المالية والزواج وبناء الأسرة والعلاقات الاجتماعية وانتهاء بالواجبات المخصوصة من الشرائع والأركان وغيرها، تخيل معي أنه نظام امتد لما يزيد عن أربعة عشر قرناً لم يتغير ولم يذبل في أي زمان وأي مكان، إنه نظام ينقل الفرد من رؤية أحادية إلى رؤية شاملة، ومن تصور ذاتي إلى تصور كوني، ومن انغماس في الحاضر إلى امتداد تاريخي في الماضي مذ كان أبونا آدم في الجنة وحتى عودتنا إليها في المستقبل، وهو مع كل هذه التفاصيل الكثيفة والدقيقة إلا أنه تصور محكم تماماً، فالمرء مهما أخطأ أو حاد عن الطريق فيمكنه العودة متى شاء إذا صدق في ذلك مالم يدركه الموت، فإن عاد غفر الله له ما كان من خطئه، وأبدلت سيئاته حسنات له، ولو قتل مئة نفس! وعليه أن يحاسب نفسه دوماً ويوقفها بين رجاء رحمة الله وخوفه من عقابه، فلا يميل لجانب دون آخر، ومهما غرق قلب المؤمن في أودية كثيرة من الهموم فإن بين يديه خمس صلوات في اليوم والليلة ينقذ فيها قلبه وجوباً ويغسله من الدّرَن الذي علق به، بالله عليك؛ هل علمت الآن لم ذكر بعض أهل العلم أن من أوجه الإعجاز في الإسلام: الإسلام نفسه؟!
في رمضان الفائت قلت لصديق لي أثناء دراسةٍ مقارنةٍ للأديان الشرقية والسماوية: إن الإسلام لم يدع شيئاً في الوجود إلا وقد نظم علاقتنا به فأسبغ عليه أوصافاً أو ألحق به أحكاماً، فالسماء وما تحويه من كواكب نبصرها هي من آيات الله الكونية المذهلة بإحكامها وإتقانها: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}!، ولنا فيها منافع ومصالح عديدة: فقد جعل الله {النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر}، وفي الوقت نفسه رتب بعض الأحكام الشرعية المتعلقة ببعض هذه الكواكب كمواقيت الصلاة والصيام وغير ذلك، وكذلك الأرض وما تحويه من آيات مدهشة: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إنه على كل شيء قدير}، ولنا أن فيها منافع ومصالح أيضاً: فالله {سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها}، وفي الوقت نفسه رتب بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه الأرض، كأحكام الحرمين والفضائل المتعلقة بها، وزكاة الزروع والثمار الخارجة منها، وغير ذلك، وليس هذا فحسب، بل حتى الأزمنة تناولها الإسلام وأسبغ عليها أوصافاً أو علّق بها أحكاماً: فليست ليلة القدر كغيرها من الليالي، وليست الأشهر الحرم كغيرها من الأشهر، وحيثما التفتّ ووقعت عيناك فستجد أن الإسلام قد نظم علاقتك بكل ما تبصره فبين لك منافعه أو علّق به أحكاماً تخصه، إنه تصور شامل محكم يتناول الوجود بكلياته وجزئياته وعلاقته بهذا الإنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه.
عندما انتهيت من كتابة الأسطر أعلاه كنت قد تنبهت لغروب الشمس فتلوت أذكار المساء التي عودتني أمي على ذكرها عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعلى أنني تعلمت من والدتي منذ صغري أن الدنيا امتحان قصير يُبتلى المرء فيه بالضر والنفع وكل ذلك مكتوب عليه وخير له، إلا أنني تعلمت من والدتي -أيضاً- أنه يجب علي تلاوة هذه الأذكار حتى يحفظ الله علي ديني وبدني ومالي، هل انتبهت إلى شيء هنا؟ إنها وسطية الإسلام وواقعيته المدهشة! فعلى أن الدنيا ليست دار خلود، إلا أن المرء مأمور بالحفاظ على نفسه وبدنه وماله أيضاً، وعلى أن الدنيا زائلة، إلا أن الإنسان مأمور بأخذ نصيبه منها باقتناء أجمل ما يلبسه وركوب أحسن ما يركبه وإظهار نعمة الله عليه، وعلى أن الله قدر المقادير قبل أن يخلق الخلق، إلا أن المسلم مأمور بفعل الأسباب التي تعين على مراده، إنه الإسلام يا سادة! الإسلام الذي لطالما تمنيت أن أباهي جميع البشر به.



