إيفالد إليينكوف
ترجمة: محمد حسن إبراهيم
مراجعة: شهد الضويحي
تعريف بالمؤلِّف:
إيفالد فاسيلِيفيتش إيليينكوف (1924–1979) فيلسوف سوفييتي بارز من مواليد 18 شباط/فبراير 1924 في سمولينسك وتوفي في 21 آذار/مارس 1979 في موسكو. اعتُبر أحد أهم الأصوات الفلسفية في الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية، وعُرف بعمله المكثّف داخل مؤسسات البحث الفلسفي الرسمية.
مهنياً، أمضى إيليينكوف جزءاً كبيراً من مسيرته في معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم، حيث طوّر قراءات نقدية وتجديدية للماركسية الرسمية. درس المنهج الديالكتيكي لدى ماركس وهِيغل، وسعى إلى إعادة صياغة «المنهج الديالكتيكي» بوصفه أداة موضوعية لفهم النظم المعرفية والعمليات العلمية بدلاً من اقتصاره على شعارات أيديولوجية جامدة.
مضمونياً، ركّز إيليينكوف على مشكلة «المثالي/التمثل» (the ideal) وعلاقتها بالنشاط الاجتماعي والرموز والعمليات النفسية: أي أن «المثالي» عنده ليس حالة نفسية فردية منفصلة عن العالم، بل هو شكل من أشكال التمثيلات الاجتماعية المتجسّدة في ممارسات الإنسان ونتاج نشاطه التاريخي. كتب مقالات مهمة مثل “The Concept (or Problem) of the Ideal / The Ideal in Human Activity”، كما طُرحت لديه مسألة تحويل التحليل الهيغلي والسبينوزاوي إلى إطار ماركسي عملي. هذه الأفكار جعلت منه مرجعاً لإحياء نقاشات المنطق الجدلي وفلسفة المعرفة في السياق السوفييتي.
امتد ارثه ونفوذه بعد وفاته؛ وطُلِبَت دراساته ونقاشاته من قبل تلاميذه وزملائه داخل روسيا وخارجها، وظهرت دراسات وتأويلات غربية تُعيد قراءة عمله في ضوء التفاعلات بين ماركسية الغرب وتقاليد الفلسفة القارية. تُعدّ أعماله اليوم مادة أساسية لدارسي الديالكتيك الماركسي، وفلسفة العقل، وفلسفة التربية والإبداع.
حول عنوان النّص المترجم:
النّص متاح على الشبكة[1]، وهو من تحرير آندي بلاندن (Andy Blunden) وبإمكان القارئ أن يتعرّف عليه عبر النّقر على اسمه في صفحة الرابط الموضوع في الهامش أدناه، وسيجد القارئ أننا ترجمنا عنوان المبحث هذا ب”رسالة في مفهوم المثالي” تأسيا بما فعله الفكر العربي-الإسلامي حين يعتزم الواحد منهم مُباشرة قضيّة وبسطها كمفتتح يُنطَلقُ مِن عنده أو ليقضي أمرا في مسألة مفصلية وحاسمة كما لو أنّه يجري إستفصالات وتمفصلات وفروقات وتمايزات بين مكونات تكتّلت فاستعصى فرزها، وهذه هي حالة مبحث إليينكوف هذا تجاه مفهوم المِثال والمِثالي.
– النّص:
لا بد قبل الخوض في جوهر المفهوم من تحرير القول في لفظتي “المثال” (Ideal) و”المثالي” (Ideality)، لتحديد نطاق الظواهر التي يصدق عليها هذا الإطلاق. وليس هذا بالمرتقى السهل؛ إذ إن الاستعمال اللغوي، والعرف العلمي خاصة، فرعٌ عن “إدراك جوهر المسألة” الذي نسعى لبيانه. وهذه المشقة ليست بدعاً في هذا المقام، بل هي تعرض كلما خاض المرء في مسائل عويصة لم يستقر فيها رأي جامع، فينقلب البحث جدلاً حول “معنى اللفظ” وحدود الاصطلاح.
وإذا رجعنا إلى “المثالي”، وجدنا القوم اليوم يستعملونه مرادفاً لما هو “قابل للتصور” (Conceivable)، واسماً للظواهر “الكامنة في الوعي” (Immanent in the consciousness) من تخيل وتفكّر. فلو سلمنا بهذا الحد، لزم نفي “المثالية” عن أي ظاهرة خارج الوعي البشري، وحُكم على كل ما هو “خارج الوعي” بأنه مادة (Material object) فحسب.
قد يلوح هذا في بادئ الرأي مسلكاً قويماً، ولكن الأمر بخلاف ذلك. صحيح أنه يمتنع في مذهب المادية الحديث عن “مثالي” بلا كائن مفكر، فالمثالية قرينة الثقافة البشرية والنشاط الهادف (Purposeful) المتضمن لعمل العقل والإرادة. وهذا بديهي، وقد نص ماركس في “رأس المال” -مفارقاً هيجل- على أن المثالي ما هو إلا “العالم المادي” (Material world) وقد انعكس في الذهن البشري وتُرجم إلى “صور فكرية” (Forms of thought).
بيد أنه لا يلزم من هذا حصر “المثالي” فيما هو “موجود في الوعي” أو في أنسجة الدماغ. فماركس يصف شكل القيمة (Value-form) بأنه “مثالي محض” (Purely ideal)، لا لأنه في وعي المالك فقط، بل لعلة نقيضة. وهي أن شكل القيمة مباين تماماً للجسد المادي المحسوس (Palpable, corporeal form) للسلعة التي يظهر فيها. فصورة القيمة “مثالية” وإن وجدت خارج الوعي البشري ومستقلة عنه.قد يورث هذا الاستعمال حيرة لدى من ألف الشروح المبسطة للمادية، فيظن أن “المثالي” الموجود خارج الرؤوس كواقع موضوعي (Objective reality) مستقل، ليس إلا ضرباً من “الخيال” أو الأمور “ما فوق الحسية” (Suprasensuous). وقد يرمي القارئُ الحذقُ ماركسَ بمغازلة مصطلحات هيجل وأفلاطون القائلين بـ”المثالية الموضوعية” (Objective idealism)؛ أي وجود عالم من الكيانات غير الجسدية المستقلة عن الإنسان. ولكن المسألة ليست مجرد اصطلاح، بل لأن ماركس وجد في المصطلح الهيجلي معنى أعمق مما في الفهم المادي العامي (Vulgar materialism) الذي حصر المثالي في الظواهر النفسية. والحق أن “المثالية الجدلية” (Dialectical idealism) عند هيجل وأفلاطون أقرب للصواب من المادية الساذجة؛ فقد أدرك هيجل -ولو بصورة مقلوبة- حقيقة التحول الجدلي للمثالي إلى مادي وبالعكس، وهو ما غفلت عنه المادية الساذجة العالقة في التعارض الفج بين “ما في الوعي” و”ما خارج الوعي”.
لقد فطن ماركس، تلميذ المدرسة الهيجليّة، لهذا المأزق. فلم يرَ في تصور هيجل للبنية المثالية للكون “هراءً مثالياً” فحسب، بل رأى فيه وصفاً مقلوباً للعلاقة الحقيقية بين “العقل والطبيعة” (Mind to Nature).
ولننظر في تاريخ المصطلح بدءاً من إيمانويل كانط، الذي انطلق من الفهم “العامي” للمثالي والواقعي (Real) فوقع في المحظور. ففي “نقد العقل المحض”، استعمل كانط “المثالية” (Ideality) دون حد دقيق، واصفاً الزمان والمكان بـ”المثالية المتعالية” (Transcendental ideality)؛ أي أن الأشياء لا تملك تعيناً زمانياً ومكانياً إلا في الوعي وبفضله. فالمثالية عنده مرادفة لطبيعة الوعي القبلية (A priori). وأما العنصر “المادي” في المعرفة فيتحقق بالإحساس الذي يثبت وجود الشيء في الخارج فقط. فالمثالي هو ما يوجد حصراً في الوعي، وما يوجد في الوعي فهو مثالي. وهذا تمييز عامي، مؤداه أن صفات الشيء (كلونه وشكله) لا تعود للشيء نفسه بل لتكويننا نحن. فالمثالي هو كل ما نعرفه عن العالم عدا حقيقة “وجوده” العاري. وقد ضرب كانط مثاله الشهير بـ”التالرات” (Talers)؛ فقال: شتان بين مائة تالر في جيبك، ومائة تالر في وعيك أو خيالك. واحتج بهذا لنقض “الدليل الأنطولوجي” (Ontological proof) على وجود الله، قائلاً: لا يلزم من وجود الشيء في الوعي وجوده في الخارج. ولكن كانط وقع ههنا في ورطة؛ فلو انتقل إلى بلد عملته مختلفة لقيل له: ما في جيبك ليس “تالرات حقيقية” بل أوراق لا قيمة لها إلا بأمر الملك البروسي. فلو وسعنا مفهوم “الواقعي” و”المثالي”، لصار مثاله حجة عليه لا له، مثبتاً الدليل الأنطولوجي الذي أراد نقضه. وههنا قال ماركس: “بل العكس هو الصحيح. مثال كانط قد يقوي الدليل الأنطولوجي”. وعقب قائلاً: “التالرات الحقيقية لها نفس وجود الآلهة المتخيلة… أدخل العملة الورقية بلداً يجهل استخدامها، وسيضحك الجميع من خيالك الذاتي”.
ليس غرض ماركس تغيير المصطلحات، بل بيان أن المذهب الذي يعد كل ما يدرك حسياً “واقعياً”، وكل ما لا يدرك كذلك “مثالياً”، يعجز عن تمييز أوهام البشرية الكبرى. فالتالرات الحقيقية لا تختلف عن “آلهة” الديانات البدائية؛ حيث يعبد الوثني الحجر أو الصنم البرونزي (الشيء المادي) بوصفه إلهاً، لا رمزاً للإله. وجوهر “الفيتشية” (Fetishism – صنمية السلعة) يكمن في إسباق صفات على الشيء لا تنتمي لجسده المحسوس. وحين يرتقي الوعي ليعتبر الصنم مجرد “رمز” (Symbol)، يكون قد خطا خطوة نحو الفهم. ولهذا عد كانط وهيجل البروتستانتية أرقى من الكاثوليكية؛ لأن الكاثوليكي يأخذ الصور الدينية مأخذاً حرفياً كوقائع خارجية، بينما يراها البروتستانتي “مجازات” (Allegories) ذات معنى مثالي أخلاقي.
وقد عاب الهيجليون على كانط مثاله، لأن “التالرات الخارجية” (التي في جيبه) ليست سوى رموز في “المخيلة العامة للبشر”، فهي تمثيلات للروح، شأنها شأن الصور الدينية؛ جوهرها مثالي وإن كان وجودها مادياً (Substantial) يقع خارج الرأس البشري. لقد قرر هيجل وأتباعه أن “الآلهة” و”التالرات” ظواهر من جنس واحد، وطرحوا مسألة علاقة المثالي بالواقعي طرحاً مغايراً لكانط، مرتبطاً بمسألة “الاغتراب” (Alienation) و”التشيؤ” (Reification). وعليه، فُسّر نقد كانط كالتالي: إذا كان تصورك لمائة تالر ليس وهماً ذاتياً، بل حقيقة تؤمن بها وتستدين بناءً عليها، فإن هذه التالرات المتخيلة لها “واقعية” الآلهة التي استدانت البشرية بضمانها. وبهذا اكتسبت مقولة “المثالي” عند هيجل معنى يعبر عن حقيقة أن “الوعي الاجتماعي” (Social consciousness) ليس تكراراً للوعي الفردي، بل هو نظام متطور تاريخياً من “التصورات الموضوعية” (Objective notions) وأشكال “الروح الموضوعي” (Objective spirit) المستقلة عن أهواء الأفراد. ويشمل هذا النظام القواعد الأخلاقية، والقانونية، ونظم الدولة، وقواعد اللغة والمنطق. وهذه الأشكال تواجه الوعي الفردي كـ”واقع” (Reality) منظم خارجياً يحدد هذا الوعي. فالطفل يجد نفسه مضطراً لمراعاة هذه القيود أكثر من مراعاته للمحسوسات الخارجية أو رغبات جسده. ومن البين أن هذه الأنماط المفروضة من الخارج ليست فطرية في الوعي الفردي، بل تُكتسب بالتربية واستيعاب الثقافة القائمة قبله وبمعزل عنه. فهي ليست صوراً كامنة (Immanent) في النفس، بل صور “الآخر” (Other) التي يستدمجها الفرد. ولذا رأى هيجل فضل أفلاطون في طرحه لعلاقة “الروح” بـ”الطبيعة” على أساس عالم الأفكار الكلي (الاجتماعي) لا النفس الفردية. فعند أفلاطون، تتجلى حقيقة الروح في “تنظيم الدولة” (Organisation of a state). ومقصوده بالدولة هنا مجموع القواعد الاجتماعية أو ما نسميه اليوم “الثقافة”.
فمن أفلاطون نشأ تقليد النظر إلى “عالم الأفكار” كعالم منظم من القوانين والقواعد التي تحكم النشاط العقلي للفرد، كواقع موضوعي خارق يملي على الفرد أفعاله. والقوة الخارجية المباشرة هنا هي “الدولة” التي تحمي نظام الثقافة. هنا تأسست حقيقة تبعية النشاط العقلي للفرد لنظام الثقافة القائم قبله. ومسألة علاقة “المثالي” بـ”المادي” طُرحت هنا كعلاقة بين صور الثقافة الثابتة وعالم “الأشياء الفردية”. وهنا فقط نشأت الحاجة لتعريف “المثالية” (Ideality) تمييزاً لها عن “النفس” (Psyche) التي قد تفسر مادياً كوظيفة جسدية. وإلا صارت “المثالية” مجرد لفظ زائد. وفي علم النفس المادي الحديث، تحدد “المثالية” ظواهر متصلة بالنشاط العقلي ولكن لا تتماهى معه. وكما يقول السوفييتي روبنشتاين: “المثالية تسم الفكرة أو الصورة حين تتوضّع في كلمات (Objectivised in words)… وتكتسب استقلالاً نسبياً عن النشاط العقلي للفرد”. بهذا الفهم فقط تغدو “المثالية” تعريفاً ذا معنى لظواهر تعكس الواقع الموضوعي في النشاط العقلي ذي الأصل الاجتماعي. ولا يقتصر هذا “التوضّع” (Objectification) على الكلمات، بل يشمل التماثيل والرسوم والطقوس والنقود والشعارات.
فـ”المثالية” عموماً هي سمة لصور الثقافة الاجتماعية البشرية المتجسدة مادياً (Materialised / Reified)، والتي تواجه الفرد كواقع موضوعي خاص “خارق للطبيعة”. ولهذا، لا يصح إطلاق هذا الوصف على الحالات النفسية الفردية اللحظية المحكومة بعوامل بيولوجية عابرة (كعمى الألوان). ولذا تحدث كانط عن “مثالية الزمان والمكان” لا عن مثالية الإحساس بثقل الحجر في العضلات. فالمثالية عند كانط مرادفة للطابع “المتعالي” (Transcendental) للصور الكلية للمعرفة التي تفرض نفسها على كل “أنا” (Self). ومع اضطراب مصطلحات كانط (كما في مثال التالرات)، إلا أن المحتوى الجدلي الموضوعي بدأ يظهر، وهو ما صاغته المدرسة الهيجليّة بشكل أدق.
لم يستطع كانط تجاوز فهم “الوعي الاجتماعي” كتكرار للوعي الفردي. أما هيجل، فطرح المسألة بشكل مغاير: الكائن الاجتماعي (الثقافة) ليس تجريداً للسمات المشتركة بين الأفراد، بل هو نظام من أشكال “الروح الكلية” (Universal spirit) المتطورة تاريخياً. هيجل (متبعاً روسو في تمييزه بين “الإرادة العامة” و”إرادة الجميع”) أدرك أن تصادم الإرادات الفردية يولد نتائج تتبلور في وعي اجتماعي ككيان (Entity) لا يُبنى كلبنات من وعي الأفراد. وهنا يظهر الطريق لفهم أن ما سماه كانط صوراً فطرية قبلية، هي في الحقيقة صور للوعي الذاتي للإنسان الاجتماعي (Social man) استوعبها الفرد من الخارج. هذه الصور لتنظيم النشاط الحياتي الاجتماعي (الموجودة في اللغة والعرف والدولة) تواجه الفرد كشيء “مثالي” (Ideal)، يكتسب داخله كل شيء فردي معنىً ودوراً مغايراً لما كان له “في ذاته”.
لذا، فإن التعريف “المثالي” للشيء عند هيجل يتطابق مع دور هذا الشيء في الثقافة البشرية الاجتماعية، لا في الوعي الفردي. وهذا الطرح أعمق وأشمل من المفهوم الذي يحصر “المثالي” فيما هو “في وعي الفرد” و”المادي” فيما هو خارجه. فعلى هذا التقسيم الميتافيزيقي، لا يمكن اعتبار المثالي والمادي نقيضين بل “عالمين مختلفين”.
ينطلق هيجل من حقيقة أن ما يواجهه الفرد كواقع هو الثقافة الروحية المتجسدة مادياً، والتي يستيقظ وعيه الذاتي عبر استيعابها. هذه الأشياء (كتب، تماثيل، آلات) هي في وجودها مادية، لكنها في جوهرها وأصلها “مثالية”؛ لأنها “تجسد” (Embody) التفكير الجماعي. وهنا يلتقي هيجل مع “أ. أ. بوجدانوف” (الذي سمى ذلك “الخبرة المنظمة اجتماعياً”). والقاسم المشترك بينهما كـ”مثاليين” هو تصور أن هذا العالم من الخبرة المنظمة هو “الموضوع” الوحيد الذي يعرفه الفرد. أما العالم الموجود قبل الوعي ومستقلاً عنه (الطبيعة كما هي)، فلا يُعتد به في هذا التصور إلا بقدر ما دخل في “الخبرة” وصار “مثالياً”. وهذه حيلة المثالية عموماً: استبدال العالم الواقعي بالعالم “الممَثْلَن” (Idealised world) أو بعالم الثقافة واللغة. ويتجلى سر المثالية هذا في حديث هيجل عن “مثالية” الظواهر الطبيعية؛ حيث يصف الطبيعة لا كما هي، بل كما تصفها نظريات الفيزياء في زمانه. وهذا يفسر بقاء هذه “الاستبدالات الدلالية”؛ إذ نحن مضطرون لاستخدام لغة العلم للحديث عن الطبيعة. وهذا أساس “الوضعية المنطقية” (Logical positivism) التي توحد بين “الطبيعة” و”لغة العلم”.
إن المعضلة الكبرى للفلسفة ليست في تمييز ما في وعي الفرد عما هو خارجه، بل في ترسيم الحد بين عالم الثقافة الفكرية المنظمة اجتماعياً (بكل أنماطها الثابتة المتجسدة مادياً) وبين العالم الواقعي كما هو خارج تعبيراته في صور “الخبرة”. هنا فقط يكتسب التمييز بين “المثالي” و”الواقعي” (المادي) معنى علمياً. فمجرد كون الشيء موجوداً خارج وعي الفرد لا يحسم ماديته؛ فـ”الشخص العاقل” الذي احتكم إليه كانط في مثال التالرات، كثيراً ما يقع في وهم اعتبار التصورات الجماعية واقعاً موضوعياً (كما يرى المال شيئاً مادياً بحتاً، ويرى القيمة تجريداً في الرؤوس). والحال أن المادية المتسقة لا يمكنها تعريف “المثالي” بما في الوعي الفردي، و”المادي” بما هو خارجه؛ لأنها ستعجز حينئذ أمام جدلية هيجل وظواهر “الفيتشية”. فكما أن الأيقونة أو العملة الذهبية شيء مادي محسوس، كذلك “الكلمة” هي شيء مادي (صوت أو حبر) يوجد خارج الوعي. فهل نعد “المثالي” هو الصورة الذاتية لهذه الأشياء في رأس الفرد؟
هنا نواجه مكر هذا التمييز الذي كشفته المدرسة الهيجليّة بمفهوم “تشيؤ” (Reification) التصورات الكلية. فنتيجة لعملية تجري “خلف ظهر الوعي الفردي”، يواجه الفردُ التمثلَ العامَ (الجماعي) في صورة “شيء خارجي” لا يشبه في جسده المحسوس ما يمثله. فاسم “بطرس” لا يشبه بطرس الحقيقي، والعملة الذهبية لا تشبه السلع التي تشتريها. العملة تمثل “آخر” (Another) كما يمثل الدبلوماسي بلده. وهذه علاقة “تمثيل” (Representation) يقوم فيها شيء محسوس بدور ممثل لطبيعة كلية لشيء آخر مباين له جسدياً. وهذا ما سمته التقاليد الهيجليّة “مثالية”.
لقد استخدم ماركس في “رأس المال” مصطلح “المثالي” بهذا المعنى الهيجلي (لا بمعناه عند كانط)، وإن كان تفسيره النظري للظاهرة مناقضاً لهيجل. فالمعنى واحد، والمفهوم مختلف. وماركس لم يشأ تغيير المصطلح التاريخي، لأن تغيير المصطلح قد يوهم بأن “رأس المال” -وهو شكل قيمي لتنظيم قوى الإنتاج- موجود فقط في الوعي والخيال، لا في الواقع، وهذا فهم لبيركلي (Berkeley) لا لماركس. عند ماركس، مثالية شكل القيمة لا تعني أنها ظاهرة عقلية في دماغ المالك، بل تعني أن الشكل الجسدي للشيء (المعطف) هو مجرد شكل تعبير عن “شيء” آخر مختلف تماماً (الكتان كقيمة). قيمة الكتان “تتجسد” في المعطف. يقول ماركس: “إن الكتان يكتسب شكلاً قيمياً مختلفاً عن شكله الطبيعي… وحقيقة كونه قيمة تظهر في مساواته بالمعطف”. هذه علاقة موضوعية تماماً، يصبح فيها جسد السلعة (ب) مرآة لقيمة السلعة (أ). ولهذا فشكل القيمة “مثالي”؛ لأنه مباين للشكل المحسوس للشيء الذي يتمثله. فما هو هذا “الآخر” المتمثل هنا؟ ليس وعي الناس ولا إرادتهم، بل هو “شكل النشاط البشري” (Form of people’s activity) الذي اتخذ هيئة علاقة بين أشياء. وهذا، وهذا فقط، ما يخلق “مثالية” هذا الشيء وطابعه الحسي-فوق الحسي (Sensuous-supersensuous).
وههنا جواب لغز “المثالية”: إنها عند ماركس ليست سوى “شكل النشاط البشري الاجتماعي ممثلاً في الشيء”. أو العكس: “شكل النشاط البشري ممثلاً كشيء”. المثالية هي ختم يطبعه النشاط الحياتي الاجتماعي على مادة الطبيعة. فكل الأشياء المنخرطة في العملية الاجتماعية تكتسب “شكل وجود” جديداً (شكلها المثالي) المغاير لطبيعتها الفيزيائية.إذن، لا حديث عن “مثالية” بلا بشر ينتجون حياتهم اجتماعياً. ولكن هذا لا يعني أن “مثالية الأشياء” نتاج وعيهم وإرادتهم، بل العكس: وعي الفرد وإرادته هما وظيفتان لمثالية الأشياء. المثالية إذن ذات طبيعة وأصل اجتماعيين. هي شكل الشيء لكنها خارجه (في النشاط)، أو هي شكل النشاط لكنها خارجه (في الشيء). هذا هو مفتاح اللغز الذي بنى عليه المثاليون صروحهم من أفلاطون إلى بوبر. فالمثالية تتفلت من التثبيت الميتافيزيقي؛ إن ثبتّها كـ”شكل للشيء” ظهرت كأنها “لا مادية” ونشاط محض، وإن ثبتّها كـ”نشاط محض” منزه عن المادة، صارت فراغاً ووهماً.
أدرك هيجل عبث الحديث عن “نشاط” لا يتحقق في مادة (ولو في كلمات). فمثل هذا النشاط ممكن بالقوة لا بالفعل. فالروح (المثالي) لا يمكنه أن “يعقل” ذاته إلا إذا واجه نفسه كـ”موضوع” يغاير ذاته. أدرك هيجل -أعمق من فيشته- أن الروح لكي تفحص ذاتها، يجب أن تخلع نقاءها الشبحي وتتحول إلى موضوع. أولاً في “الكلمة”، ثم في أدوات العمل، والتماثيل، والدولة، فيما يسمى “جسد الإنسان غير العضوي”. هذه الأجسام المحسوسة هي “مرآة” يرى فيها الإنسان روحه ويدرك أنه “نشاط محض”. يعلم هيجل أن المثالية كـ”نشاط محض” لا تُدرك مباشرة، بل عبر تحليل “تجسداتها” (Embodiments) في عالم الأشياء. “من ثمارهم تعرفونهم”. فالصور المثالية هي صور نشاط تحققت في مادة. وبدون هذا التحقق تظل غير مرئية للروح نفسها. لكي تُفحص، يجب أن “تتشيأ” (Reified). هنا فقط توجد المثالية كوجود حاضر؛ كشكل نشاط أصبح شكل موضوع محسوس خارج الوعي. هذا التفسير أرجح وأكثر واقعية من تفسير كانط وفيشته. لذا تبع ماركس هيجل في المصطلح؛ لأن تعريف هيجل للمثالية استوعب نطاق الظواهر التي تدين بوجودها الجسدي للروح… فخارج الروح لا وجود حتى للكلمات (بل اهتزازات هواء).
لقد كشف ماركس سر “مثالية” هذه الأشياء وطابعها “الحسي-فوق الحسي” في تحليله لشكل السلعة. فشكل السلعة “مثالي” لأنه لا يشترك في ذرة واحدة مع الجسد الحقيقي للشيء الذي يمثله. العملة الذهبية لا تحوي جزيئاً من “طلاء الأحذية”، ومع ذلك تمثل قيمته. وهذا التمثيل يقع خارج وعي بائع الطلاء، في فضاء السوق. فالناس ينفقون المال دون معرفة كنهه. وكذلك من يستخدم اللغة بطلاقة قد يعجز عن فهم علاقة “الرمز” بـ”المعنى”. والصعوبة تكمن في أن “الصور المثالية” (كشكل القيمة أو صور التفكير) تتشكل وتكتسب موضوعيتها في عمليات تجري “خارج الرأس” قطعاً (وإن بمشاركته). ولو كان الأمر غير ذلك، لكانت “مثالية” أفلاطون وهيجل شذوذاً غريباً. إن موضوعية “الشكل المثالي” حقيقة عنيدة؛ فهي شكل لحركة أجسام محسوسة، لكنه موضوعي رغم لا-جسديته (Incorporeality). شكل غير جسدي يتحكم في مصير الأشكال الجسدية، كـ”روح” للأشياء، يحفظ نفسه في تجسيدات شتى. لقد صاغ ماركس فهماً عقلانياً غير صوفي لـ”المثالي” (كشكل مثالي للعالم المادي) عبر نقده للاقتصاد السياسي ونظرية القيمة في العمل. فـ”شكل القيمة” هو النموذج والمثال للمثالية عموماً. فُهم شكل القيمة في “رأس المال” كشكل “متشيئ” للنشاط الحياتي الاجتماعي. هو يظهر كتجسد محسوس لشيء “آخر”. وهذا “الآخر” ليس مادة محسوسة، فافترضت الفلسفة الكلاسيكية أنه “نشاط محض”. فُكّت شفرة هذا الجوهر في مجال الاقتصاد بأنه “العمل” (Labour)؛ أي العمل الفيزيائي البشري، وخطا الاقتصاد السياسي -ممثلًا بسميث وريكاردو – الخطوة الأولى نحو كشف جوهر المثالية بربط القيمة بالعمل. وعلى الرغم من كشف جوهر القيمة إلا أنها ظلت لغزاً من حيث “شكلها”؛ لمَ اتخذت هذا الشكل؟ عجز الاقتصاد البرجوازي عن اشتقاق الشكل من الجوهر، فظلت مثالية الشكل لغزاً، ولجأ المنظرون للتفسيرات المعهودة للمثالية.
لم يحل ماركس لغز مثالية شكل القيمة إلا حين فحص “شكل النشاط” نفسه؛ أي عمل الإنسان الاجتماعي. فقيمة الشيء هي عمل بشري متشيئ، وشكل القيمة هو شكل هذا العمل المتشيئ. وكون هذا الشكل ليس شكل الشيء “في ذاته” بل شكل العمل البشري المتجسد فيه، هو حل لغز المثالية. “الشكل المثالي للشيء هو شكل النشاط الحياتي الاجتماعي البشري معتبراً كشكل للشيء”. وبما أن النشاط البشري هادف وواعي، تظهر المثالية كشكل للوعي والإرادة، وكقانون يوجههما. ومن هنا يسهل الانزلاق لتصوير المثالي كظاهرة وعي فقط (أنماط سيكولوجية متعالية)، واتهام هيجل بـ”أقنمة” (Hypostatisation) صور الوعي.
أما ماركس، فعنده أن المقولات المنطقية جميعها هي صور مثالية (أي محولة إلى أشكال نشاط بشري) للواقع الموضوعي، وليست إسقاطاً للذهن على العالم. هذا التفسير يستند إلى الفهم المادي للفرق بين علاقة الإنسان وعلاقة الحيوان بالعالم: “الحيوان متحد بنشاطه الحيوي، لا يميز نفسه عنه. أما الإنسان فيجعل نشاطه الحيوي موضوعاً له”. لا يرجع هذا الفرق لامتلاك الإنسان وعياً، بل العكس: الوعي والإرادة ظهرا لأن الإنسان يملك نمطاً من النشاط لا يملكه الحيوان؛ نشاطاً موجهاً لإتقان أشكال حياة “اجتماعية” بحتة غير مشفرة بيولوجياً. الحيوان يولد ومعه أشكال سلوكه في مورثاته، فلا يحتاج إلا لتمرينها. أما وليد الإنسان فيواجه نظاماً معقداً من “الثقافة” يطالبه بأنماط سلوك لا عهد لجسده بها. حتى الحاجة للأكل (البيولوجية) يجب أداؤها بأدوات وطقوس (كالجلوس والشوكة) هي بالنسبة لجسده اتفاقات خارجية كقواعد الشطرنج.
هذه هي “صور العالم الخارجي” وتنظيمه التي يجب عليه تحويلها إلى صور لنشاطه الفردي. هذا العالم من صور النشاط الاجتماعي (الأشياء المخلوقة بشرياً) يواجه الطفل كموضوعية يضطر لتكييف جسده معها. وجود هذا الموضوع البشري الخاص -عالم الأشياء التي صورها هي صور نشاط بشري متشيئ لا صور طبيعية- هو الشرط: لإلزام الفرد بتمييز نفسه عن جسده العضوي، وباتباع “قواعد” تمليها الثقافة لا الطبيعة. هنا فقط تظهر العلاقة مع الذات كـ”ممثل لآخر”. يضطر الفرد لإخضاع أفعاله لقواعد يستوعبها كموضوع خاص. في البدء تواجهه هذه القواعد كأشياء خارجية (صنعتها يد العمل). وعبر إتقان الأشياء في صورها البشرية، يصبح الفرد “إنساناً” وممثلاً للجنس البشري، لا مجرد كائن بيولوجي. وجود هذا الإرث الاجتماعي من صور النشاط (التي لا تنتقل بالجينات بل بالتربية) هو ما يولد الوعي والإرادة. فالوعي ينشأ حين يضطر الفرد للنظر لنفسه “من الخارج” (بعيون الآخرين) ضمن نشاط جماعي. والإرادة تنشأ كقدرة على إخضاع رغبات الجسد لقانون “الجسم الجماعي” (Collective body).
هنا فقط ينشأ المستوى “المثالي” للحياة المجهول عند الحيوان. الوعي والإرادة ليسا “السبب” في هذا المستوى، بل هما “تعبير عقلي” عنه ونتاج له، وشرط ضروري لتحققه.تظهر الثقافة للفرد فوراً كـ”نظام معاني” متشيئ، كواقع خارج-نفسي. لذا، فإن تفسير المثالية نفسياً لا يقربنا من الحق؛ إذ يُبحث عن سرها في الرأس لا في فضاء العلاقات الاجتماعية، وهو عبث كتحليل العملة كيميائياً. لغز المثالية وحله يكمن في خصائص النشاط العقلي للذات التي تعجز عن التمييز بين فئتين من الظواهر المحسوسة خارج الدماغ: الخصائص الطبيعية للأشياء، والخصائص التي تدين بها للعمل البشري (المثالية). هنا تلتقي المادية الساذجة بالمثالية الساذجة؛ حيث يُطابق بين المادي والمثالي، ويُعد كل ما هو خارج الرأس “مادياً” وكل ما في الرأس “مثالياً”. أما المادية العلمية (Scientific materialism) فلا تكتفي بوصف ما خارج الدماغ بالمادي، بل تميز الحد الفاصل داخل الأشياء المحسوسة ذاتها: بين “المادي” و”المثالي”.المستوى “المثالي” للواقع يشمل فقط ما خلقه العمل في الإنسان وفي الطبيعة؛ ما يُنتج ويُعاد إنتاجه بالنشاط البشري الهادف. لذا لا يصح الحديث عن مستوى مثالي لدى الحيوان. الإنسان يكتسب المثالية فقط باستيعاب الثقافة. فـ”المثالية” ليست إلا جانباً من جوانب الثقافة. وهذا الفهم ينقض “المادية الزائفة” (Pseudo-materialism) التي تعترف بالعالم الخارجي من جهة، وبالدماغ الواعي من جهة، فتقع في “فيتشية” الأنسجة العصبية، ظانة أن المثالي يكمن في النيورونات، والحال أن النيورونات مادة لا تقل “مادية” عن الحجر.
المثالية مرتبطة بالوعي والإرادة، ولكن ليس كما وصفت المادية القديمة؛ ليس الوعي هو الأصل والمثالية مظهر له، بل العكس: الطابع الواعي الإرادي للنفس هو مظهر وتجلٍ للمستوى المثالي (الاجتماعي التاريخي) للعلاقة بين الإنسان والطبيعة. المثالية هي سمة للأشياء محددة بالعمل (النشاط المغير الخالق للصور)، لا بالطبيعة. “الشكل المثالي هو شكل الشيء الذي خلقه العمل البشري الاجتماعي”. في عملية العمل، يحول الإنسان الأشياء وجسده الطبيعي (بما فيه دماغه) إلى “وسيلة” لنشاطه الهادف. لذا ينظر للطبيعة كمادة تتجسد فيها غاياته. يرى في النجوم ساعة وبوصلة (أدوات). يلاحظ خصائصها الطبيعية فقط بقدر ما تخدم نشاطه. وهكذا، فحتى “الطبيعة” التي يعرفها الإنسان قد انكسرت عبر موشور “الصور المثالية” (صور النشاط البشري) وتشكلت بها. لذا، فالمثالي يوجد في الإنسان فقط. ولكن الإنسان هنا هو “مجموع العلاقات الاجتماعية”. و”داخل” هذا الإنسان توجد الأشياء التي تتوسط حياة الأفراد (كلمات، أدوات، مصانع). في هذه الأشياء يوجد المثالي كنشاط ذاتي هادف متجسد.
المثالية هي شكل الشيء لكنها خارجه (في النشاط)، وهي شكل النشاط لكنها خارجه (في الشيء). ولا توجد المثالية “في ذاتها” إلا في التبادل المستمر بين هذين الشكلين: تحول النشاط إلى شيء، والشيء إلى نشاط. حاول أن تطابق المثالي مع أحدهما منفرداً، يتلاشى الوجود المثالي. يبقى لديك جسد مادي (الشيء الميت) أو وظيفة عصبية (الجسد الفردي). الكلمة خارج التواصل مجرد صوت. ولا تظهر المثالية إلا في الحركة المتبادلة لهذه الاستحالات.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – –



