الفلسفة

مفهوم الدولة عند كانط (1/2)

ولد إيمانويل كانط في مدينة كونيغسبرغ في بروسيا الشرقية، في أسرة شديدة التدين، ولم يتزوج البتة مع أنه كان يفكر فيه مرارًا، وابتعد عن أشقائه فلم يرهم لخمس وعشرين سنة، وتأثر بهيوم وتخلص بسببه من دوغمائيته التي أرهقته لفترة من الزمن، وانبهر بأسلوب روسو وإن خالفه في آرائه، وعدَّ في عداد اللبراليين دينًا وسياسةً، وفي عام 2004م، احتفل المفكرون والساسة والعلماء في جميع أنحاء العالم بالذكرى المئوية الثانية لوفاته، بصفته رمزًا للتنوير الأوروبي، حتى إنَّ إيران ولاية الفقيه كان لها نصيب في طهران من هذه الاحتفالات، وحتى الآن ما زالت الفلسفة السياسية تشغل حيزًا كبيرًا في التفكير الفلسفي؛ لأنّ الإنسان لا يفتر من البحث الدائب في هذه الحياة عَن صور وجودية قريبة تعبر عنه وتمثل سلوكه الحياتي، وهو في كل ذلك يطمح للأفضل وينشد الأجمل، وربما كانت فلسفة كانط السياسية تمتزج مع القيم والأخلاق، نقيضة الفلسفة النفعية التي تجدها بصورة أكبر في وليم جيمس أمريكا، وكانط كغيره من الفلاسفة الذين خاضوا تجربةً فلسفيةً عميقة مرة وحلوة في آن معًا، ليست وليدة اللحظةِ إنها تراكم معرفي عبر الزمن، وهي محنة الإنسان الذي يتقلب في الحياة وتقلبه الحياة، وبعبارة أخرى إنها الوجه الآخر لعملية الإدراك الذي هو بتعبير أدق عمل زمني للظاهرة لا يتحدد حول الأنا القابعة في الزمكان الآني، إنها رحلة شاقة للذات، وولادات متعسرة للشخصية الاجتماعية، مرورًا بالإنسان فالدولة فالأمة الواحدة فالعالم الأكبر، إنها كتلة من التناقضات والتشابهات والاتفاق والاختلاف لا تنتهي، والمتحجرون وحدهم هم الذين يبقون حبيسي الفِكَر الجامدة والقضايا السلبية التي تنحاز بصاحبها عن نهر الحياة المتدفق بالبشر في أودية الحضارة الإنسانية.

ربما كانت الدولة الكانطية تبدو في أول وهلة كصورة محدَّثة من ميتافيزيقيا الدولة عند أفلاطون أولًا، وأرسطو ثانيًا، تجدها جليةً بصورة أكبر في الديالكتيكية التاريخية عند هيغل، وبصورة أقل عند كانط في شكل “الحتمية والتقدم”، مع لمسة قانونية عند الأخير عندما أكد على وجود ضرورة تاريخية تحكمها الطبيعة، أو القدر أو العناية وعلى الإنسان أن يتلاءم معها ]انظر الدكتور علي المحمودي، فلسفة كانط السياسية[، وعند كلامنا عن الجذور العميقة لفلسفة كانط فإن رايت يقول: “من الخطأ افتراض أن هناك أي تاريخ دقيق لنهاية فلسفة العصور الوسطى، وبداية الفلسفة الحديثة فهي ما زالت تعيش حتى يومنا هذا”، وبالمثل يقال من الخطأ أن نعتقد أن الفلسفة الإغريقية انمحت تمامًا من قاموسنا الفلسفي حتى مع محاولات فلاسفة القرن التاسع عشر، وعلى رأسهم نيتشه تهديم المعبد الأفلاطوني على رؤوس أصحابه؛ إننا مع كوننا قساة جدًا مع تراثنا لدرجة التخريب أو التهميش، فإنك تجد آثاره باقية فينا وصوره حية في ذواتنا نمارسه على غفلة من إلحادنا أو نحياه في لحظة خالية من عنادنا عندما نعانق انسجامنا البريء مع أنفسنا، قد تجد هذا في العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، أو عند هوبز عظيم الفلسفة السياسية، أو حتى ميكافيلي متى فتشت بعناية وتتبعت أصول المذاهب والأقوال، وكانط لمن لا يعرف كان يدين لأب الفيزياء إسحاق نيوتن بكثير من آرائه في وقت كان التجريب العلمي يتصدر المشهد المعاين، ففكر كانط كان في الجمع بين المذهب الحسي والعقلي، حتى أنه لما فرغ من نقده للرياضة وعلم الطبيعة أراد أن يشيد بناء الميتافيزيقا على غرارهما، ولكنه لم يفِ بوعده واكتفى بالقول إن تحليل القضايا العلمية هو كل ما يرجوه الفيلسوف، ولعله يقر بصعوبة تطبيق نفس القياسات العلمية العقلية على القضايا الميتافيزيقية؛ لأنها خارج حدود العقل النظري، ونحن إن حاولناها ندخل في متناقضات لا تجد أصلًا عقلًا واضح المعالم يحكمه المنطق الاستنتاجي، أو البرهان التجريبي، وهو في ذلك كله أعني كانط يخالف الوضعية المنطقية التي تجرد الميتافيزيقيا من المفهوم، أما كانط فيقرّ بها وأن لها معنى ولكنه غائر، والبحث في ذوات الأشياء لا ظواهرها يوقع في المتناقضات، وهذا له أصل في الشريعة فكثير من القضايا غيبية وفي القرآن “يؤمنون بالغيب”، حتى القدر كان من المسائل التي التبست فيها المذاهب الإسلامية بين قدرية وجبرية؛ لأنهم أعملوا العقل المجرد من الإيمان الغيبي لذلك تجد أيضًا في القرآن “فطرة الله التي فطر الناس عليها” وحديث “كل مولود يولد على الفطرة”، وهذه الفطرة ليست عقلية طبعًا، وأنا لا أعني بهذا نفي المقتضى العقلي ولا نفي وجوده في الشرع، ولكن بحثه بشكل أكبر بعد الإقرار بالرسالة كمحل للبحث والاستدلال والاستنباط الفقهي، لذلك جاء الأنبياء بالمعجزات، ولم يأتوا بأدلة عقلية حاسمة لا تحتاج إلى غيرها في الإيمان، بل كان الإيمان بالأنبياء يحتاج إلى كونهم صادقين بررة أمناء من أوسط قومهم حسبًا، وإلى الدعوة والجدال بالتي هي أحسن.

وأنا كما قلت لا أقصد تجريد الإيمان من دور العقل في تحصيله؛ إنما الذي أقصده أنه ليس هو كالقضايا العلمية والرياضية الحسابية التي يتحصل عليها ضمن المنطق الرياضي، بل الأمر فيها أنها قضايا غيبية تحتاج العقل الفطري لا العقل التجريبي، لذلك كان كانط صريحًا جدًا عندما قال إن العقل وحده ليس أساس المعرفة، والحس وحده ليس أساس المعرفة، ونحن نأخذ الشق الأول فقط ونقرر أن العقل وحده ليس أساسًا للمعرفة، ونضيف له الفطرة العرفانية كما هي عند ديكارت فهناك مفطورات سابقة تساعدنا عليها المشاهدات الحسية والمعقولات البرهانية.

الدولة عند كانط

ربما تكون الدولة مدخلًا إلى السياسة أو تكون السياسة مدخلًا إلى الدولة، ولا بد لهذا من ذاك وقد توسعت آراء كانط لتشمل حقوق الإنسان، والحقوق الدولية، وعلاقة السياسة بالأخلاق، وهو صاحب المصطلح الألماني ذائع الذكر “Volkerbund”، الذي أطلق بعد وفاته على عصبة الأمم. وأما المحرك الأول في فلسفة كانط فهو البناء على القانون الأخلاقي كركيزة في الفكر الكانطي، ومحدد لعلاقة الإنسان بذاته والآخرين. فيقول في ذلك: “شيئان يملآن الوجدان بإعجاب وإجلال يتجددان ويزددان على الدوام كلما أمعن الفكر التأمل فيهما: السماء ذات النجوم من فوقي، والقانون الأخلاقي في داخلي”، ويفترض كانط بصراحة واضحة أن الكل في حالة حرب ضد الكل، وأن هناك معادة متبادلة وعامة لمبادئ الفضيلة، وأن القانون الأخلاقي يتطلب العدالة التي يعرفها بأنها السعادة المتناسبة مع الفضيلة، وقد نخالف كانط في هذا فالعدالة لا تعني السعادة، وإنما السعادة تتولد من العدالة، مع أن هذا التولد لا يكون دائمًا أبدًا، فالعدالة قد تكون مؤلمة لمن تطبق عليه، ولكن إذا نظرنا إلى المجموع الكلي فنعم هناك سعادة. وقد قال الله: “ولكم في القصاص حياة”، وقد وردت حياة نكرة لتصفها بما شئت من الصفات الحسنة، كحياة طيبة أو خالية من الشر، فالسعادة إذا ناتج عن العدالة وليست قسيم لها، وهو في ذلك يجعل العناية الإلهية الضمانة لهذا الأمر.

تصور كانط للدولة المدنية أنها دولة اجتماعية تعبر عن المجتمع الواحد، وهذا ما يعني أنها حرة لا تفرض من الخارج بالقوة، تتشكل وفق طبيعتها، وتحكم بواسطة قوانين الحق، مع أن هذا الحق هو وليد المجتمع المتفق على قضايا تشكلت وتركبت من طبيعته، وتاريخه، وثقافته، ومعتقداته، فرجل الإسكيمو يكون أقصى بره بأبيه بأن يغرَّقه في الثلج، وفي الهند تكون النار هي حظ المتوفين الأجمل عند طائفة من الديانات الهندية، ولكن لو فعلت هذا في جزيرة العرب لكنت خارجًا عن العقل والشرع، وهناك بالطبع قضايا عالمية متفق عليها بين المجتمعات قد تكون قوانين للحق كحرمة الاعتداء على الأشخاص والدول بدون مبرر، مع أن هذا المبرر قد ينشأ حوله الخلاف، لذلك كانت طاولات الحوار الدولية والاجتماعات الدبلوماسية وسيلة في تقريب وجهات النظر والإصلاح بين أطراف النزاع عندما يعرض كل طرف وجهة نظره، إلا أن الدولة عند كانط توجد وفقًا للمبادئ العقلانية التالية:

  • مبدأ الحرية، الذي يعتمد على أن كل فرد من أفراد المجتمع إنسانٌ قبل كل شيء، وكأن كانط يعني أن من لوازم الإنسانية الحرية فمن ليس حرًا ليس إنسانًا.
  • مبدأ المساواة، ويشير إلى أن كل فرد هو ند للآخر ومساوٍ له، وكلهم محل وموضوع للقانون بدون تفرقة.
  • مبدأ الاستقلال، وكأن كانط عندما تكلم عن استقلال الدول جره إلى الأفراد أو العكس، فالدول يسود بينها التساوي والحرية وتتمتع بالاستقلال الذي يتحقق بعد وجود الحرية والمساواة، فكل دولة لا تتمتع بحرية الاختيار أو المساواة كما يقال معاملة الند للند فليست دولة، ولا تتمتع بالاستقلال ولا تكون خاضعة للقانون الدولي كبقية الدول، بل هي في الحقيقة جزء تابع، وكذلك الأفراد عند انعدام المساواة والحرية يكونون تبعًا لا تقع ولا تطبق عليهم القوانين، كالأبناء الصغار الذين يتحمل آباؤهم مسؤولية اختيارهم، ويطبقون بالنيابة عنهم مسألة المساواة وبالطبع لا يستقلون بأنفسهم عن آبائهم.
  • الشخصية المدنية الاعتبارية القانونية، حيث لا ينوب فرد عن آخر بل كل شخص مسؤول عن نفسه وتصرفاته دون أدنى مسؤولية على الآخرين إلا حين اشتراكهم في قضية ما.

وكانط عندما يجرد الأخلاق النظرية من العمل، ويقصره على البعد القانوني للنظرية السياسية فإننا نكون بذلك طبيعتين: الطبيعة القانونية، والطبيعة الأخلاقية، وقسيمهما على التوالي: الحالة المدنية القانونية، والحالة المدنية الأخلاقية، ويعرف الحالة المدنية القانونية بأنها “علاقة البشر فيما بينهم على نحو جماعي تحت أحكام قانونية عمومية قسرية”، والحالة المدنية الأخلاقية هي “التي يكونون فيها متحدين تحت قوانين خالية من الإكراه تحت ما يعرف بالفضيلة مجردة”.

وأنت ترى كانط كهيجل في كلامه عن الطبيعة، والتاريخ، ومراتب الروح الثلاثة عندما تتشكل في الحاكم البروسي، وهو ما سنعرفه بعد عندما نعقد المقارنة بينه وبين هيغل، عندما تسعى فلسفة كانط التاريخية التي قد نسميها الطبيعة أحيانًا أو العناية الإلهية في أحيان أخرى إلى التغلب على الانفصال بين الأخلاق والسياسة، وأن من واجب الإنسان أن يتلاءم معها من أجل تحقيق تقدمه وبناء مجده، ففلسفة التاريخ باختصار عنده هي في صنع السياسي الخلوق ببعديه القانوني والأخلاقي “الفضائلي”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى