د. عايض بن سعد الدوسري
يقول الجواب التقليدي الشهير -الذي يُنسب عادة إلى أفلاطون وأرسطو– إنَّ بداية الفلسفة أو التفلسف يكون من لحظة الدهشة الأولى والتعجب، دهشة الإنسان مما حوله، وتعجبه الذي يقوده إلى طرح الأسئلة، ومن ثم محاولة البحث عن جواب عنها من خلال إعمال العقل والتفكير. ويذهب أفلاطون إلى أنه ليس هناك من مبدأ للفلسفة سوى وجود شعور الدهشة أمام الوجود، ومثله أرسطو الذي يرى أنَّ الناس بدأوا في ممارسة الفلسفة بسبب دهشتهم. ولا يبتعد عن ذلك الجواب المعروف من قال إنَّ بداية الفلسفة: التساؤل، إذا السؤال نتيجة الدهشة والتعجيب.
لكنْ، هناك وجهٌ آخرُ للفلاسفة الذين يمثلون أحد الاتجاهات المعاصرة للفلسفة، التي ترى أنَّ الفلسفة ليست مشروعًا للوصول إلى يقين نهائي وإنما ممارسة دائمة للسؤال، حيث أعادوا النظر في هذا السؤال: متى تبدأ الفلسفة؟ ورأوا أنَّ الجواب التقليدي لا يعبر عن الحقيقة، وأنَّ الجواب الحقيقي هو أنَّ الفلسفة: تبدأ من اليأس! حيث يقول الفيلسوف الروسي ليف إيزاكوفيتش شيستوف: “بداية الفلسفة ليست الدهشة -كما علَّمها أفلاطون وأرسطو– بل اليأس”. ويقترب من هذا الرأي ما قرَّره الفيلسوف الإنجليزي المعاصر سيمون كريتشلي، الذي يتحدى التقليد الفلسفي القديم الذي يذهب إلى أنَّ الفلسفة تبدأ بالدهشة، والحقيقة في نظره أنَّ الفلسفة: تبدأ من خيبة أمل. يقول سيمون كريتشلي: “من أين تبدأ الفلسفة؟ تبدأ، كما أعتقد، من تجربة خيبة الأمل”.
ويعتقد الفيلسوف سيمون كريتشلي أنَّ الخيبة التي تُنْتِج الفلسفة تبدأ بمشكلتين: الأولى: خيبة الأمل المتعلقة بالدين التي تثير مشكلة المعنى، أي ما معنى الحياة في غياب الإيمان الديني. الثانية: خيبة الأمل المتعلقة بالسياسة التي تثيرها مشكلة العدالة وكيفية تطبيقها في عالم ظالم إلى حد العنف. ويطرح سيمون كريتشلي مفهوم الفلسفة المعتاد الذي يقوم على أنَّ الفلسفة ليست جزءًا من الحل، بل هي بالأحرى جزء من المشكلة، ويرى كريتشلي أنَّ خيبة الأمل تولد التساؤل حول معنى الحياة، لينتهي إلى نتيجة الحداثة المتمثلة في رفض الدين وما يقدمه من معنى، ومن ثم الوصول إلى أنَّ الحياة بلا معنى. ويبين سيمون كريتشلي أنَّ الحداثة حين أعلنت موت الإله في الغرب فإنَّ هذا: “لا يعني فقط موت إله التقاليد اليهودية والمسيحية، بل أيضًا وفاة جميع تلك الأفكار والمعايير والمبادئ والقواعد والغايات والقيم التي يتم تعيينها فوق الإنسانية من أجل توفير معنى لحياة البشر”. إنَّ خيبة الأمل عند سيمون كريتشلي ليست نهاية الفلسفة، بل نقطة بدايتها، في عالم ما بعد انهيار المرجعيات الدينية والميتافيزيقية التقليدية، ومنها يشيد مبدأ ’الالتزام الأخلاقي‘ الذي ينبع من العلاقة الإنسانيَّة نفسها لا من الوحي أو الشرع الإلهي، وبعد أن قام باستبعاد الله والوحي وأساسها المتعالي، حاول أن ينفخ في الأخلاق روحًا تحتفظ بقوتها الإلزاميَّة، مكتفيًا بالمسؤولية الإنسانية وحدها لتأسيس معنى للحياة والواجب الأخلاقي الملزم. ولم يتفطن إلى أنَّ الأخلاق بلا أساس متعال قد تستطيع أن تفسر بعض جوانب لماذا نرغب في فعل الخير، لكنها تعجز عن تفسير لماذا يجب علينا فعله حتى عندما يخالف مصالحنا وأهواءنا، فالمسؤولية الإنسانية بذاتها تصف شعورًا أو التزامًا ذاتيًا، لكنها لا تفسر لماذا يجب أن يكون هذا الالتزام ملزمًا لجميع الناس، ومتى نُزع الأساس الديني عن الأخلاق، تحولت من واجب موضوعي ملزم ومقنع إلى اختيار إنساني قابل للمراجعة والرفض، قائمًا على القناعة أو الذوق أو الهوى بالأحرى، أو التوافق لا على حقيقة ملزمة.
وهذا البُعد الذي تعنيه الحداثة وما بعدها هو ما يعبر عنه بـ(أفول الأصنام). ويلفت كريتشلي الانتباه إلى تصريح الفيلسوف الملحد مارتين هايدغر في عام 1925م، مستحضرًا الفيلسوف فريدريك نيتشه، حيث يقول: “البحث الفلسفي هو بحثٌ إلحاديٌّ وسيظل كذلك، ولهذا السبب يمكن للفلسفة أن تسمح لنفسها بغطرسة التفكير”. ويتفق الفيلسوف سيمون كريتشلي مع هذا التقرير الهيدجري النيتشوي، ويؤكد أنَّ “الفلسفة ليست شيئًا إلا إذا كانت مغرورة متعجرفة، إنها يجب أن تكون مغرورة متعجرفة، إنها انحصار مستمر لصوت الإنسان”. ثم يطرح سيمون كريتشلي سؤالاً مهمًا، وهو: ما مصدر تلك الغطرسة الفلسفيًّة؟ يؤكد أنَّ الجواب يكمن في أنَّ غرور الفلسفة ينبع من خيبة أملها التي تنبع من انحلال المعنى، والهشاشة والضعف الذي يرافق الاعتراف بالطابع البشري للإنسان الذي يُعاني منه الإنسان بشدة، إذ هو الآن لوحده ويعتمد على نفسه، ولا توجد معونة يستند إليها بعد إقصاء الدين ونبذ الإيمان. ويؤكد سيمون كريتشلي أنَّ جوهر الفلسفة: “من وجهة نظري هو إلحاد، وأنَّ الحصول على تجربة الإيمان سيعني التوقف عن ممارسة الفلسفة، التوقف مباشرة، وفورًا”. ويرى سيمون كريتشلي أنَّ الفلسفة -التي يؤكد على أنَّها الإلحاد بطبيعتها- لو أنتجت الرضا، لكانت الفلسفة قد وصلت إلى نهايتها، ومن وجهة نظره، فإنَّ الإلحاد لا يوفر الرضا، بل القلق، ومن هذا المزاج من عدم الارتياح تبدأ الفلسفة جدلياتها القلقة والمثيرة للجدل، فالفلسفة عملية مستمرة بلا نهاية!
وهذه النقطة الرئيس التي ترتكز عليها تلك الفلسفة، أي أنَّها لا إيمان لها تتوقف عنده وتنتهي إليه، سواء كان ذلك بلسان حال الفيلسوف أو بلسان مقاله، كما هو الحال لدى الفيلسوف المعاصر سيمون كريتشلي، جعلت غايتها ونهايتها الإنسان كما أنه بدايتها، وهذا تأكيدٌ على مبدأ مركزيَّة الإنسان في الفلسفة، فالإنسان هو مركز وقلب الفلسفة، أو هو متنها وباقي الأشياء مجرد هوامشها. وقد أشار الباحث جورج هارت إلى رحلة الفكر الغربي الذي بدأ بتقديس الإنسان وتأليهه، ثم تلاها بإعلان موت الإله، ومن التخلي عن الدين إلى التمسك بالإنسان، بهشاشته وقلقه، متسلحًا باللاأدرية أو الإلحاد، حيث يقول: “وحين عم الإلحاد في الفلسفة بدأ الفلاسفة بدون وعي في ملء الفراغ بأصنام خلقوها: كالإنسانيَّة”.
ويرى عدد من النُّقَّاد أنَّ هذا الاتجاه الفلسفي يكشف أزمة كامنة في المشروع الفلسفي الحديث، ويمكن أن يلاحظ القارئ أنَّ نتاج هذه الروح الفلسفيَّة الصادرة عن هذا التمركز، هو أنَّ الفلسفة لم تفارق لحظتها الأولى، وأنها ظلت أسيرة لها وباقية فيها، لحظتها الأولى: الدهشة، والتساؤل، واليأس، وخيبة الأمل، والقلق، وأنَّها في الواقع نمط من التفكير لا يبتغي تقديم جواب ولا يهتم بالجواب، إنها بالفعل عجرفة وغرور لا يكترث للحقيقة. فالوصول إلى الحقيقة عيبٌ ونقصٌ يقتضي نهاية التفلسف وتوقف الفلسفة، فالفلسفة مجرد وسيلة إلى وسيلة بلا غاية، أو غاية هي وسيلة، إنها تمجيد الطريق ذاته، بلا غاية أو جواب أو حقيقة. أو كما صاغها الفيلسوف كارل ياسبرز متفلسفًا: “الفلسفة تعني أن تكون في الطريق، فأسئلتها أهم إجاباتها، وكل إجابة تصبح سؤالًا جديدًا”.
وهذا النوع من التفلسف الذي يطرحه هذا الاتجاه من الفلسفة -الذي يحاول بضراوة إن يزيح الدين، ويعلن موت الإله، والقضاء على جميع المبادئ والقواعد المستندة إلى الله، مفتخرًا بعجرفة الفلسفة، وغرورها بقلقها وخيبة أملها ومواصلتها التساؤل اللانهائي المقصود بذاته- يفشل كل مرة في محاولتها انتزاع مكانة له حيث يعمل الدين بكل فاعلية وحيوية. فالفلسفة –أعلنت ذلك أو أضمرته- ستنتهي حتمًا إلى العدميَّة من دون الدين، وستكون عقيمة وإن استمرت بلا نهاية. إن الاحتجاج بعدم توقفها وموتها عند التوقف اعتراف ضمني بعجزها الحقيقي في الماضي والحاضر عن أن تقدم إجابات حقيقيَّة تنقذ الإنسان وتعيد للحياة معناها، إنه تشبث غير واع بمستقل قادم موهوم ينقذها!
يقول الفيلسوف إبيقور: “عقيمة هي كلمة الفيلسوف التي لا تُشفي أي معاناة للإنسان. وبالضبط مثلما ليس ثمة فائدة من الدواء إن لم يطرد أمراض الجسم، لذا لن تكون هنالك فائدة من الفلسفة أيضًا، إن لم تطرد معاناة العقل”. وربما يتساءل بعض النُّقَّاد: من أين للفلسفة أن تطرد معاناة العقل وهي جزء أصيل في إنتاج تلك المعاناة، وجزء جوهري في إنتاج المزيد من المشكلات؟ وهذا ما حمل الفيلسوف الروسي ليف شيستوف على رؤية الفلسفة كحالة يأس؛ إذ الحياة نفسها –كما يعتقد- لا يُمكن فهمها من خلال التحقيق المنطقي أو التحليل العقلاني. وحين تلجأ الفلسفة إلى إنقاذ المعنى بالتأمل الميتافيزيقي مهما كان حده، فإنها تعجز حتى بتلك الاستعانة عن حل ألغاز وغموض الحياة بصورة يقينية، إنها تستند إلى الإنسان نفسه ذلك الهش القلق، والفلسفة في نظر ليف شيستوف ليست حلاً للمشكلات، إنها في الحقيقة تُولِد المزيد من المشكلات.
ولهذا، يقول ويل ديورانت: “كل شيءٍ روحي يتحلل عندما يصبح سلعة، وإن السؤال الأعظم لزماننا هو حول قدرة الإنسان على تحمل الحياة بلا إيمان، إذ لطالما كان الدين أعمق من الفلسفة، وقد أدى التفكير إلى تقويض الأخلاق من خلال تجريدها من قداستها والعقاب الغيبي عليها، فالأخلاق دون الإيمان بالله ضعيفة”. ويؤكد هذا المعنى الباحث جورج هارت، الذي يقول: “عندما ترفض الفلسفة الله والوحي، فإنها تضع نفسها في مأزق: تصبح حياة الإنسان لا معنى لها، وموته رعب غير مبرر. ويستحيل على المفكر الملحد حل لغز الإنسان: إذ معنى حياة الإنسان ولغز الموت هما الصخرة التي تتحطم أمامها معظم الفلاسفة العَلمانيين”. ثم يؤكد جورج هارب أنَّ “الدين يعطي الإنسان أكثر الإجابات المُرضية لأسئلته الحيوية”. إنَّ الفلسفة، كما يؤكد نُقَّادُها، لا تمنح الإنسان رؤية للوجود ولا للكون، ولا تصلح أن تكون طريقة للتفكير وهدفًا للإنسان، لأنَّها تخفق في الكشف عن مغزى الحياة، وهذا خلل جوهري في الفلسفة، يجعل الحياة عبئًا ثقيلاً، قد يدفع الإنسان إلى محاولة التخلص منها. وهذا ما يشير إليه بعض الباحثين، مثل فيكتور فرانكل، حيث يؤكد على أنَّ الانتحار يرتبط بفقدان الأمل وغياب المعاني السامية من حياة الفرد. فهناك ترابط شديد الالتصاق بين فقدان المعنى والإحساس بالعبث في الحياة وفقدان الإيمان بالله، حيث نجد أمثال جان بول سارتر وألبير كامو اكتشفوا اللامعنى في الحياة بعد إنكار وجود الله! وما البديل؟ عند جان بول سارتر تحقيق الوجود الذاتي عبر الحرية المطلقة التي لا حدود أخلاقية لها قد تحول الإنسان لشيطان، وعند ألبير كامو البديل هو “إما الانتحار أو التمرد”، أما جورج باتاي البديل هو “الهذيان” الذي يعرفه بأنه “الضحك المتوحش واللاإنساني الأكثر تعذيبًا من الدموع”. ويقول ألبير كامو، في (أسطورة سيزيف): “هناك مشكلة فلسفية خطيرة واحدة فقط، وهي الانتحار. إن الحكم على ما إذا كانت الحياة تستحق العناء أم لا، يعد بمثابة إجابة على السؤال الأساسي للفلسفة: هل يجب أن أقتل نفسي؟”، ويرى ألبير كامو أنَّ الموقف الفلسفي الملائم هو التمرد على العبث والاستمرار في الحياة رغم غياب المعنى المطلق، وهذا الجواب لا يرفع الإشكال الذي أثاره ابتداءً، وإنما يحاول الهرب منه بالتعايش معه دون تأسيس معنى متعالٍ للحياة. ويتحدث ديدييه ايريبو عن الفيلسوف ميشيل فوكو، فيقول: “في أحد الأيام، وجد أحد المعلمين في مدرسة العلوم الوطنية ميشيل فوكو ملقى على الأرض حيث كان قد قطع صدره للتو بشفرة الحلاقة. وفي مرة أخرى في منتصف الليل قام بمطاردة أحد الطلاب الآخرين بخنجر. وفي عام 1948م حاول الانتحار، فأكد ذلك لمعظم زملائه بأن توازنه النفسي كان هشًا، على أقل تقدير. ويرى من عرفه جيدًا خلال هذه الفترة أنه كان طوال حياته على وشك الجنون. بعد عامين من دخول المدرسة الوطنية العليا [لدراسة الفلسفة بباريس]، وجد فوكو نفسه في مستشفى سانت آن لدى طبيب نفسي، حيث اصطحبه والده هناك”. ويقول توماس بولزلر، الباحث الأكاديمي في قسم الفلسفة الأخلاقية: “في عالم يفتقد إلى وجود الله، يكون البحث عن المعنى لا يقابله إلا اللامبالاة أو حتى العداوة”. ويقول ابن قيم الجوزيَّة: “في القلب شَعَثٌ، لَا يَلُمُّهُ إلا الإقبال على اللَّهِ. وفيه وَحْشَةٌ، لَا يُزِيلُهَا إلا الْأُنْسُ به في خَلْوَتِهِ. وفيه حُزْنٌ لَا يُذْهِبُهُ إِلَّا السرور بمعرفته وصدق مُعَامَلَتِهِ. وفيه قَلَقٌ لَا يُسَكِّنُهُ إلا الاجتماع عَلَيْهِ، وَالْفِرَارُ منه إليه”.
ولهذا، ينبه أستاذ الفلسفة المعروف هنتر ميد قراءَ الفلسفة الجدد من اصطحاب الآمال العريضة والتوقعات الكبيرة عند الدخول في القراءة الفلسفيَّة، كي لا يصابوا بخيبة الأمل وتبدد الأحلام، إذا عادة الداخل إلى الفلسفة الحماس الكبير والأحلام الواسعة والتوقعات العريضة بالحصول على إجابات شافية. يقول هنتر ميد: ”من المحتملِ أن يكون القُرَّاء الذين قاموا بدراسة الفلسفة مع التوقعات العظيمة، التي يأتي بها معظم القادمين الجدد، قد أصيبوا بخيبة أمل. المحبطون هؤلاء ربما أصبحوا متشككين، أو متشككين جدًا في الاعتقاد بأنه يمكن الوصول إلى اختيار هام من بين الأجوبة التي تقدمها الفلسفة”.
والسبب في ذلك، أنَّ الفلسفة -كما يصورها بعض النُّقَّاد- عاجزة تمامًا بروحها عن تقديم الجواب والمعنى الذي ينشده الإنسان، إنَّ جوهرها وروحها يتنافى مع ذلك، إنها حالة سيولة مستمرة، وهروب دائم من تقديم الجواب، أو إن شئت هي ركض دائم من دون توقف، وهي تفتخر بذلك، إنها تلجأ إلى المستقبل المجهول كمنقذ لشرعيتها، بعد إحباطاتها في الماضي والحاضر. ولهذا، فإن الفلسفة في حقل المحسوسات والتجريبيات، التي كانت تزاحم فيه العلم التجريبي، قد تم إزاحتها وإبعادها عن هذا الحقل، لأن العلم يسعى إلى الحصول على الحقائق، وهي المهمة التي تعجز الفلسفة عن تقديمها، وتُعزي نفسها اليوم بأن جوهرها يتنافى مع التوقف، وأهميتها في سيولتها. وقد أشار عالم الفيزياء المعروف ستيفن هوكينج إلى أنَّ الإنسان بطبعه كائن متسائل، وأنه في أسئلته لا يقصد السعي وراء أسئلة أخرى، بل الحصول على جواب، فنحن “نتساءل ونسعى للحصول على إجابات، ولطالما طَرَحَ الناس العديد من الأسئلة: كيف نفهم العالم الذي نجد فيه أنفسنا؟ كيف يتصرف الكون؟ من أين أتى كل هذا؟”. ثم يشير ستيفن هوكينج إلى أن هذه الأسئلة -تقليديًا- خاصة بالفلسفة، “لكن الفلسفة ماتت، فالفلسفة لم تواكب التطورات الحديثة في العلوم، وخاصة الفيزياء”. ويؤكد الباحث الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا أنَّ الفلسفة عاجزة في جوهرها عن أن تقدم الأجوبة، فـ”الفلسفة لا يمكنها ابداً أن تنهض بما ندبت له نفسها، وهو تفسير الكون وأصله ومصيره، وما ذلك إلا لأن عمادها العقل والعقل وحده دون سواه. فهي تقدس العقل لذاته وتعبده عبادة اسمية جمالية وتطمئن بذكره، فأعماها ذلك عن واقعها الملموس المعاش فاستسلمت للرؤى والاحلام”.
وإنَّ هروب هذا اللون من الفلسفة من معنى الحياة، ليس إلا اعترافًا بعدم صلاحيتها لسد حاجة الإنسان الماسَّة، فالسؤال عن مغزى الحياة، سؤال لا ينفك يطرح نفسه على الإنسان بصورة ملحة، وهو ما يعترف به الفلاسفة والأدباء، كما قال أفلاطون: “الإنسان كائن يبحث عن المعنى”، وألبير كامو: “معنى الحياة أكثر المسائل إلحاحًا”. والفلسفة هذه بطبيعتها لا تزرع يقينًا ولا تقدم جوابًا شافيًا عن أهم وأكثر أسئلة الإنسان إلحاحًا، بل تولد عشرات الأسئلة من سؤال واحد، وتضيف له مئات الشكوك التي تصنع نفسه أرضًا هشة ومتزعزعة ومتزلزلة، لا يكاد يثبت فوقها شيء يمكن يعتمد عليه، واليأس والشك هو نتاج الفلسفة، ونهاية الفلاسفة. فالفيلسوف اليوناني أرسطو نفسه يتحدث أنَّ الإنسان إذا تعمق في الفلسفة: “تملكته الأحزان ولازمته الأمراض”، أما غنار سكيربك فيؤكد أنَّ: “المهمة الأولية للفلسفة هي الشك أو الاستفهام، فليس ثمة جواب نهائي”. أما الفيلسوف الإنجليزي المعروف برتراند رسل، فيقول: “الفلسفة التي أرغب في الدفاع عنها هي بضع كلمات تلخص سيرتي الذاتية. فأنا لم أولد سعيدًا، وكطفل كانت ترنيمتي المفضلة: (تعبت من الأرض واثقلتني الخطايا)، وفي سن المراهقة كرهت الحياة، وكنت في أحيان كثيرة على وشك الانتحار”. وهذا ما يؤكده أستاذ الفلسفة هنتر ميد، الذي قال سابقًا أن الذين أقبلوا على دراسة الفلسفة بحماس من أجل الوصول إلى حقائق: “أصبحوا متشككين أو بالأحرى متشككين جدًا في الاعتقاد بأن يمكن الوصول لاختيار هام من بين الأجوبة التي تقدمها الفلسفة”.
فقد انتهى، مثلاً، الفيلسوف لوقيانوس (القرن الثاني الميلادي) بعد كتابته المطولة عن الفلسفة إلى أنَّ إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال، وبرهن على أن الوصول إلى الحقيقة في ضوء تعاليم الفلاسفة المتناقضة مستحيل، وتوقف هو عن بيان الحقيقة، ومدح الجهل وذم تحكيم العقل بصورة مفرطة. ويقول كولن ولسن: “كيركغارد قرَّر أنَّ البحث الفلسفي لا معنى له، وكان يستند في ذلك إلى أن الواقع ينفي الفلسفة، أو كما قال: الوجود ينفيها. هل يستطيع أحد أن يعيش فلسفة دون أن ينفي الحياة أو الفلسفة؟ يقول كيركغارد: لا، وإنما يستطيع الإنسان أن يعيش ديناً دون أن يضطر إلى نفي الحياة أو الدين”.
ويقول الفيلسوف أبو بكر الرازي، عند ساعة احتضاره وقد عاش قريبًا من مائة سنة: لعمري لا أدري وقد أذنَ البلى
بعاجلِ ترحالي إلى أين ترحالي
وأين مكانُ الروح بعد خُرُوجِها
من الهيكل المُنْحَل والجَسَدِ البالي
ويذكر الفيروز آبادي أنَّ المتفلسف أحمد بن سهل البلخي بعد أن “تعمق في الفلسفة…قاده ذلك إلى الحيرة”. ويقول أبو بكر بن العربي، عن شيخه الغزالي، وقد كان من أخص أصحابه: ”شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قَدَرَ”. ويُعَلق الدكتور عبد الرحمن بدوي على هذا الكلام الذي نقله عن أبي بكر بن العربي، بما يأتي: “وهذه ملاحظة دقيقة تلخص موقف الغزالي الفكري كله، وفيها تفسير لما كان فيه من قلق واضطراب…فمنذ أن بدأ [=الغزالي] يقرأ كتب الفلسفة -ونحن نفترض أنَّ ذلك كان في حدود سنة ٤٨٤هـ، وهو في الرابعة والثلاثين- تغير مجرى تفكيره؛ وحدثت له أزمة روحيَّة كان من نتائجها أن شك في اعتقاداته الموروثة”. وأشار العالم المعتزلي ركن الدين محمود الملاحمي الخوارزمي إلى تخوفه من أثر الفلسفة على الإسلام، بسبب ما رآه من أمر الأمم السابقة وكيف آل أمرها في دينها وعقائدها بعد أن “مالوا إلى علم اليونانيين في الفلسفة”.
وهذه الحالة الوجوديَّة الملازمة لهذا الضرب من التفلسف، أشار إليها بوضوح وببصيرة، ناقد الأفكار ومؤرخ الأديان والمذاهب ابن تيميَّة، حيث يقول: “أهل الفلسفة والكلام لا يصلون إلى علم ويقين…وهذا مما اعترفت به حذاقهم”. والسبب في ذلك يعود، كما يؤكد ذلك ابن تيميَّة، إلى: “اعترف أكثر أئمة أهل الكلام والفلسفة من الأولين والآخرين بأن أكثر الطرائق التي سلكوها في أمور الربوبية بالأقيسة التي ضربوها لا تفضي بهم إلى العلم واليقين…[و]أساطين الفلسفة من الأوائل قالوا: العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين، وإنما يتكلم فيه بالأولى والأحرى”. وما ذكره ابن تيميَّة أشار إليه كبار الفلاسفة القدماء، فقد ذكره الفيلسوف اليوناني أفلاطون، فقال: “وإذا لم نكن قادرين على أن نعطي أفكاراً دقيقة ومتماسكة فيما يتعلق بالآلهة ونشوء الكون، فلا تكن مندهشًا، يا سقراط، وكفاية إن أوردنا ترجيحات فقط؛ لأنه يجب علينا أن نتذكر أننا جميعاً رجال فانون، وينبغي أن نقبل القصة المحتملة وألا نحقق أبعد من ذلك”. وإذا كان القول في الألوهيَّة ووجود العالم هكذا، فكذلك القول في ماهيَّة النفس، حيث بيَّن أفلاطون أنَّ ما كتبه عن حقيقة النفس إنما يقع في نطاق الاحتمال، فقال: “فلا نستطيع الجزم بصدقه على وجه اليقين إلا إذا شاركنا إلهٌ في هذا الجزم؛ أمَّا الآن، ونحن نمعن النظر في الأمر أكثر، فلا يسعنا إلا أن نجازف بالقول إنَّ بياننا هذا معقول ومحتمل، وأن نكتفي بهذا الادعاء”.
ومن أسباب تلك النتائج التي تُعزى إلى الفلسفة، أنًّ حقلاً كبيرًا من حقول الفلسفة يقع فيما وراء قدرة عقل الإنسان أن يصل إليه وحيدًا، وإنَّما وجِدَتْ الفلسفة في هذا الحقل لتطرح الأسئلة والمزيد منها، والاعتراضات والشكوك، وتقدم الإجابات عنها باحتمالات كثيرة مفتوحة النهايات، لتنتج المزيد من الأسئلة. ولذا لم تكن هذه الفلسفة منصة موثق بها لتأسيس اليقين، ولا خرَّجت في معظم أحوالها إلا المتشككين. إنَّ الفلسفة إعرابٌ عن الرغبة في الوصول إلى الحقيقة بواسطة العقل وتأملاته، لكنها في الوقت نفسه تعبر عن العجز عن تحقيق ذلك، لأن حقائق ما وراء الطبيعة والطبيعة لا يمكن تحصيلها بمجرد إعمال العقل النظري وتأملاته وخيالاته، فما وراء الطبيعة حقل ليس أداته العقل المحض، والطبيعة أداتها العلم التجريبي. أمَّا الغيب، فالوسيلة إليه هي الوحي الإلهي.
ومع أنَّ الموضوع الرئيس الذي تبحث فيه الفلسفة بصورة مكرَّسة هو: الوجود، إلا أنَّها فشلت في تقديم الإجابة الناجعة عنه. يقول الفيلسوف أرسطو: “وهكذا كان في القدم، ويكون الآن، وسيكون إلى الأبد، السؤال: عمَّا هو الموجود؟ هو السؤال الذي تنحو نحوه الفلسفة، وتخفق المرة تلو المرة في الوصول إلى الإجابة عنه”. ولهذا، يُشار إلى الفلسفة من بعض النُّقَّاد بأنها وسيلة أو محاولة غير ناجعة في التفكير عند غياب الدين والعلم، ونبعًا لذلك فقد حلَّ محلها العلم في مجال اكتشاف العالم الطبيعي، ولا يحتاج الدين ولا العلم إلى أساطيرها في مجال ما وراء الطبيعة، ومن ثَمَّ ستظل الفلسفة حيَّة تمارس نشاطها في المربعات الرمادية، حتى يجزم العلم فيها برأيه، لتنسحب من ذلك الميدان إلى ميادين غامضة. وليس بعيدًا عن هذا السياق، يلاحظ الفيلسوف تيودور أويزرمان، أنَّ شكل تطور الفلسفة يسلك طريق “التطور اللولبي“، أي تقدم ينطوي على رجوع مستمر إلى الوراء (إلى النظريات الأولية)، وأنَّ الفلسفة لا تتقدم إلى الأمام إلا بمستلزمات تحدث مستقلة عن عمل الفلاسفة، أي بالظروف الاجتماعية والاقتصادية وتطور العلم التجريبي.
وجزءٌ من مواطن الخلل الذي يعزى إلى الفلسفة: كثرة تناقضات الفلاسفة، وتصادم الآراء الفلسفيَّة، بحيث لا يوجد رأي إلا وفي مقابله ما يضاده وينقضه، ولا أستاذ إلا وله تلميذ أو تابع يتعقبه ويخطئوه ويسفهه ويسخفه، فتعارضت الآراء تعارضًا عظيمًا، وتصادمت وجهات النظر تصادمًا تشابكت فيها المسائل وتعقدت، وتضاءلت الحلول والمخارج. يقول ول ديورانت: “ألنا أن نقرِّر أنَّ الفلسفةَ تناقض نفسها باستمرارٍ مع تتابع مذاهبها؟ وأنَّ الفلاسفة جميعًا خاضعون لثورةِ جنونِ قتلِ الأخوة؛ فلا يهدأُ لهم بالٌ حتى يحطموا كل منافسٍ يُطالبُ بارتقاءِ عرشِ الحقيقة؟”. ويقول ابن تيميَّة: “أما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع، بل هم أعظم اختلافًا من جميع طوائف المسلمين…فلو حكي اختلافهم في علم الهيئة وحده لكان أعظم من اختلاف كل طائفة…فما الظن بالعلم الإلهي وأساطين الفلسفة يزعمون أنهم لا يصلون فيه إلى اليقين وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأحرى والأخلق”. ويقول يوهان جاكوب بروكر: “يعرض لنا تاريخ الفلسفة كيف أن عقولاً عظيمة رفيعة المستوى قد ضلت طريق الحقيقة، وتبنت آراء شديدة السخافة والضرر في آن واحد، ويعد ذلك تذكيرًا قويًّا بحماقة الاعتماد الكلي على أحكام الرجال المشهورين، أو قبول أي نظام على أنَّه صحيح دون إجراء فحص دقيق”.
ومرد ذلك الخلل في الفلسفة، كما يُشير بعض النُّقَّاد، إلى خلل آخر، وهو أنَّ الفلسفة -كما سبق الإشارة إلى ذلك- تهتم بطرح الأسئلة وإثارة الإشكالات أكثر من البحث عن الجواب أو الانتهاء إلى يقين. ولهذا، كان من المتوقع أن يكثر الاختلاف والجدل والاضطراب والشكوك والريب. يقول برتراند رسل: “الفلسفة ما هي إلا تلك الأسئلة التي نعجز عن إيجاد إجابات مناسبة لها”. ويقول ماثيو ليبمان: ”في الحديث غير فلسفي نرد على السؤال بجواب لكن في النقاش الفلسفي غالبًا ما نرد على السؤال بمحاولة تأكيد معناه…في الواقع الطلبة المعروفين بأنهم موهوبين غالبًا هم الذي يكونون غير مرتاحين مع الفلسفة لأنها لا تقدم أجوبة جاهزة يمكنهم ترديدها ولا يوجد فيها الإجماع الذي تعودوا عليه”. ونبَّهَ هنتر ميد الدارسين الجدد للفلسفة أن لا يأتوا إليها مصحوبين بالتوقعات العظيمة، لأنَّهم قد يصابون بخيبة أمل وإحباط.
ولهذا، يثير هذا النوع من التفلسف سؤالًا جوهريًا يتجاوز كونه سؤالًا عن بداية الفلسفة إلى سؤالٍ عن ماهيتها ووظيفتها: هل الفلسفة مشروعٌ لبلوغ الحقيقة، أم إن حقيقتها تكمن في دوام التساؤل نفسه؟ وهنا يتكشف أحد أهم وجوه الإشكال في الفلسفة الحديثة؛ إذ يتحول مسارها من الدهشة إلى خيبة الأمل، ومن البحث عن الحقيقة إلى تعظيم السؤال، ومن اليقين إلى الارتياب، ومن إعلان موت الإله إلى مركزية الإنسان، ومن مركزية الإنسان إلى التشكيك في مركزيته، بل إلى موته، لتغدو أزمة المعنى واليقين النتيجة الطبيعية لهذا التحول، فيغدو السؤال ذاته غاية، لا وسيلة إلى الحقيقة.



