الأدب والفنعام

الكتابة.. واللَّيْل والمعنى

د. جمعان بن محمد الشهري

 

الكتابةُ نظامٌ راقٍ للتواصل الإنساني، يتمثّل عبر الرموز البصرية والإشارية. وقد شغلت أصولُ الكتابة العربية العلماءَ في حديثهم عن نشأتها وتطورها؛ فتساءلوا عن منشئها: أهي توقيفيةٌ منزَّلة، أم مشتقة من الخط المسند الحميري، أم متصلة بخطوط أخرى سبقتها؟ وبغضّ النظر عن تفاصيل الخلاف في النشأة والأصل، فإنّ الكتابة تمثّل ابتكارًا إنسانيًّا بديعًا لحفظ الحضارات وصون إرثها المتنوع على مرّ العصور.

ومن تأمّل فعلَ الكتابة على القراطيس عرف أنّها ليست نقلًا آليًّا محضًا عمّا في دفائن النفس، بل هي نقلةٌ من خفائها في النفس إلى ظهورها في اللغة. فقد يكون المعنى، على ما فيه من إجمال وتشابك وانفعالات داخلية، كامنًا في النّفس؛ فإذا أراد الكاتب صياغته وإبرازه احتاج إلى انتقاء ألفاظه، ومراعاة ترتيبها، وتصوير إيحاءاتها، وضروبٍ من المعالجة تتمايز فيها أقدار البيانيين، كلٌّ بحسب طاقته وذوقه.

وهناك يُبتلى الكاتب بأمرين: أولهما ما يجده في نفسه من شعور أو فكرة، وثانيهما مقدار حُسن صوغه لتلك المعاني في عبارة تؤديها ولا تجور عليها. فقد تختلج في النفس عاطفة جياشة صادقة، أو فكرة دقيقة متشعبة، ثم يعجز صاحبها عن تصويرها في هيئة تبلغ القارئ؛ فتظل في نفسه أوسع مما أفصحت عنه كلماته، وأغنى مما حمله لفظه.

وليس الإبداع، لذلك، في وفرة المعاني وحدها، ولا في جودة الألفاظ مجرّدةً من المعنى، وإنّما هو في إحكام الصلة بينهما؛ بأن يجد الكاتب للمعنى لفظًا يناسبه، وللّفظ ترتيبًا يكشف ما فيه من وجوه الدلالة من غير أن يبدده. فإذا تمّ له ذلك، غدا النص كأنّه جسرٌ بين نفسين: تخرج الفكرة من نفس الكاتب في صورة لغوية، ثم تعبر إلى نفس القارئ، فتحرّك فيها من المعنى ما يوافقها أو يقاربها.

وما من كلمة تُسطَّر أو تُنطق إلا وهي صدى للذات الإنسانية، تحمل معنى مستقرًّا في النفس، وتنقله إلى المتلقي في قالب تركيبي يسعى إلى أداء ذلك المعنى بدقة وأمانة.

وإذا كانت جودة الكتابة رهينةَ التأمل والمراجعة، وحسن الاختيار، واجتماع الفكر، لم يكن غريبًا أن يتخيّر الكاتب من الأزمنة والأحوال ما يعينه على ذلك. وللكتابة أوقاتٌ مختلفة يتخيّرها المبدع وفق حالته النفسية والذهنية، ويظل اللَّيْل زمنًا أثيرًا للإبداع عند كثير من المبدعين، بما يحمله من سكينة وعُزْلة وستر. فعندما يرخي اللَّيْل سدوله على الروابي والآكام، ويلفّ الوجود بظلامه، تتنبه قريحة المبدع، ويتدفق معين الفكر صافيًا رقراقًا، فتخرج المعاني عذبة، والمباني أنيقة متناسقة.

وفي هذا المعنى أبدع أبو تمام الطائي (ت 231هـ) حين قال:

خُذْها ابنةَ الفكرِ المهذَّبِ في الدُّجَى – – واللَّيْلُ أسودُ رقعةِ الجلبابِ

فكأن اللَّيْل، بسواده وهدوئه، يتحوّل إلى حاضنة خصبة للفكر المهذَّب المصَفّى، الذي تتزاحم فيه المعاني الراقية، وتتشكّل فيه الأفكار بعيدًا عن ضوضاء النّهار ومشاغله المتعددة.

وتتوالى الشواهد على صلة الكتابة باللَّيْل في التراث الإنساني، فضلًا عن التراث العربي الإسلامي. ويكفي أن ننظر إلى أبي تمام (ت 231هـ) حين خصّ الدُّجَى بزمن تهذيب الفكرة وإنضاجها؛ فهو لا يقدّم قصيدته وليدة خاطر عابر، بل ثمرةَ فكر صُقل بالتهذيب والمراجعة في سكينة اللَّيْل.

وقد أحسن ابن حَجّة الحموي (ت 837هـ) شرح هذا المعنى، فأشاد بتخصيص أبي تمام (ت 231هـ) الدُّجَى بتهذيب الفكر؛ إذ تتاح فيه تلك النظرات المتأنية التي لا تتوالى إلا إذا هدأت الأصوات وسكنت الحركات، فقال:

«فيكون الفكر فيه مجتمعًا، ومرآةُ التهذيب فيه صقيلةً؛ لخلوِّ الخاطر، وصفاءِ القريحة، لا سيما وسطَ اللَّيْل، والنفسُ قد أخذت حظَّها من الراحة بعد نيل قسطها من النوم، وخفَّ عليها ثِقَلُ الغذاء، وصحَّ ذهنُها، وصار صدرُها منشرحًا، وقلبُها بالتأليف منبسطًا. وما قدَّموا وسطَ اللَّيْل في التأليف على السَّحَر، مع ما فيه من رِقَّة الهواء، وخفَّة الغذاء، وأخذِ النفس سهمَها من الراحة، إلا لما يكون فيه من انتباه أكثر الحيوان الناطق، وارتفاع معظم الأصوات، وجرس الحركات، وتقشُّع الظلماء بطلائع الأضواء؛ وبدون ذلك ينقسم الفكر، ويشتغل القلب، ووسطُ اللَّيْل خالٍ مما ذكرناه»([i]).

والنص يشرح تخصيص أبي تمام (ت 231هـ) الدُّجَى بتهذيب الفكر من جهة هدوء الأصوات وسكون الحركات واجتماع الفكر، ثم يعلّل تفضيل وسط اللَّيْل على السحر. فالمشترك عند أهل البيان أن وسط اللَّيْل ليس سوادًا يطوي الأشياء، بل فسحة تتجلّى فيها النفس من كدرها، وتتخلّص من شوائبها؛ فتصفو القريحة، ويأنس القلب، وتقبل المعاني في هدوء لا عنت فيه ولا مشقة. ثم تنساب العبارة من قلم الكاتب انسياب الماء في مجراه إذا سكنت الريح.

وللسَّحَر مزية اللطف والرقة، إلا أنّه، في هذا التصور النقدي، لحظة ابتداء يقظة العالم: حضور الأصوات، وحركة الأحياء، وظهور طلائع الضوء. وفيه يتوزّع الفكر بين نداء الداخل وهمس الخارج، فلا يكون كوسط اللَّيْل الذي يخفّ فيه القلب من أثقاله، ويقرب فيه القلم من مخياله. فشتّان بين ساعة صفاء تسترسل فيها النفس إلى كشف كوامنها، وساعة يتوزع فيها الذهن بين ما يختلج في النفس وما يحيط بها.

والأدب العربي يتجاوز باللَّيْل كونَه ظرفًا زمانيًّا فحسب؛ إذ يغدو رمزًا تتعدد وجوهه بتعدد أحوال أصحابه. فقد يكون ليلَ محبٍّ يترقّب اللقاء، أو ليلَ حزين يشكو همَّه، أو ليلَ متأمل يلوذ بالعُزْلة ليستمع إلى ما يختلج في نفسه. ولذلك يطول اللَّيْل في حس هؤلاء الشعراء، لا لأنّه حالك السواد في ذاته، بل لأنّ النفوس التي تسكنه أو تشكو فيه تُلقي عليه من تقلّباتها؛ فيغدو مرآةً لما تعانيه من شوقٍ أو حزنٍ أو انتظار.

وها هو المتنبي (ت 354هـ) يعبّر عن ثِقَلِ اللَّيْل على النفس القلقة بقوله:

عقدتُ بالنّجم طرفي في مفاوزهِ – – وحُرَّ وجهي بحرِّ الشمسِ إذ أفلا

يقول أبو العلاء المعرّي (ت 449هـ): «يُريد: أنّه لم يزل ينظُر إلى النّجم حتّى كأنَّه قد عقد طرفَه به»([ii]).

فأنت تجد المتنبي (ت 354هـ) يرسم انتقال الشاعر بين دليلين في سفره: النّجم ليلًا، والشمس نهارًا، وقد فُسّر عقدُ الطرف بالنّجم باتصال النظر إليه اتقاءَ الضلال. فالنّجم عنده هنا ليس مجرد عنصر من عناصر المشهد اللَّيْلي، بل علامة هادية في وحشة الفلاة، تكشف عن معاناة السفر ودوام الارتحال.

غير أن للنّجم في الشعر العربي دلالات أخرى تتجاوز وظيفته في الاهتداء؛ فهو عند كثير من الشعراء قرينُ نفس لا ينقضي انتظارها، إذ يطيل الشاعر تحديقه في السماء، كأنّما علّق على ذلك النّجم البعيد أمرًا يتعذر بلوغه. ومن ثم يتحول اللَّيْل من زمن ساكن إلى تجربة نفسية ممتدة، يقاس طولها بمقدار ما في القلب من قلق وتعلق.

وفي المقابل، يكون اللَّيْل عند أبي تمام (ت 231هـ) لحظةً لتهذيب الفكر وصقل العبارة؛ فهو لا يقطع ظلامه في مفاوز السفر متتبعًا النّجم اتقاءَ الضلال، بل يخلو إلى قصيدته حتى تنضج في مرآة التأمل والمراجعة. فتأمل هذا التباين: ليل المتنبي (ت 354هـ) ليلُ سفرٍ ووحشةٍ ومعاناة، وليل أبي تمام (ت 231هـ) ليلُ عملٍ فكريٍّ وصفاء؛ والجامع بينهما أن اللَّيْل لا يمنح دلالته بنفسه، وإنّما تستمد صورته من النّفس التي تعيشه، ومن الشاغل الذي يستولي على القلب فيها.

فتتضح بذلك حقيقة اللَّيْل في التجربة الأدبية: فهو ليس صورةً جامدةً للظلام، ولا زمنًا ذا دلالة واحدة، بل وعاءٌ رحبٌ تتلوّن دلالته بلون النّفس التي تعيشه؛ فيكون زمنًا للشوق عند المحب، وثِقَلًا للحزن عند المكروب، ووحشةً وعناءً عند المسافر، وصفاءً للفكر عند الكاتب.

وينبغي لفت الانتباه إلى أنّ اللَّيْل ليس شرطًا لازمًا للإبداع، ولا أنّ المعنى لا يصفو إلا في الدُّجَى؛ فقد يجد بعض الناس صفاءه في عُزْلةٍ نفسيةٍ لا تتوقف على ظُلمة اللَّيْل ولا على وضوح النّهار.

فالنّاس يتفاوتون في طبائعهم، وتختلف ساعات صفائهم الذهني؛ فمنهم من تنشط قريحته في أوّل النّهار حين تتجدد النفس، ومنهم من يجد في الصباح صفاءً يعينه على جمع المعنى وترتيب العبارة، ومنهم من لا تستيقظ ملكته إلا في سكون المساء أو وسط اللَّيْل؛ فكلٌّ يصنع طقسَه الذي يهيّئ له اجتماع الفكر وصفاء القريحة.

وإذا كان المتنبي (ت 354هـ) قد جعل من مراقبة النّجم علامة على قلب معلّق، فإنّ أبا تمام (ت 231هـ) جعل من الدُّجَى موطنًا لفكر مهذّب؛ وبين القلب المعلّق والفكر المهذّب تتسع وجوه اللَّيْل، وتتنوع تجلياته في التجربة الإنسانية.

وإذا كان اللَّيْل يهيّئ لبعض المبدعين قدرًا من العُزْلة وخفوت المثيرات الخارجية، فإنّ الإبداع لا يتوقف على وفرة المدركات الحسية المباشرة؛ إذ تنهض البصيرة والخيال والذاكرة بدور واسع في تشكيل المعنى والصورة. ومن هنا يلفت النظر ما أبدعه عدد من المكفوفين في النثر والشعر، ممن جادت قرائحهم بتراكيب لفظية كانت قريبة مما يعتلج في نفوسهم من معانٍ راسخة.

فلم يكن فقد البصر الحسّي حائلًا دون اشتعال نور البصيرة وتوهج الإبداع في نفوسهم. ولعل بشار بن برد (ت 167 أو 168هـ)، ذلك الشاعر الفذ، الذي كان أعمى منذ مولده، من أبرز من نقض بشعره المقولة المنسوبة إلى أرسطو (ت 322 ق.م).

قال أرسطاطاليس (ت 322 ق.م): «ويظهر أنّا عندما نفقد حسًّا من حواسنا أنه يلزم بذلك من الاضطرار أن نفقد علمًا من علومنا ولا يمكننا إدراكه؛ من قِبَل أن جميع ما نعلمه ليس يخلو أن يكون إما بالاستقراء، وإما بالبرهان، والبرهان إنّما يتم من مقدمات كلية…»([iii]).

وفي شرحها يقول ابن رشد (ت 595هـ): «… فإذنْ واجبٌ أن يكون مَن فَقَدَ حاسّةً من حواسه قد فَقَدَ محسوساتِ تلك الحاسة، وإذا فَقَدَ محسوساتِ تلك الحاسة فَقَدَ معقولاتِها»([iv]).

لكنّك تجد – عند قراءة شعر بشّار – عناءً في تصديق أنّه لم يُبصر قط؛ فالصور البصرية ماثلة في شعره بإتقان يدهش الألباب.

ولو تأملنا قوله:

يا قومُ أُذني لبعضِ الحيِّ عاشقةٌ – – والأُذنُ تعشقُ قبلَ العينِ أحيانًا

لوجدناه يومئ بلطافة إلى عدم إبصاره، لكنّه، في الوقت ذاته، يرسي فلسفة جمالية ثرية حول إمكان العشق والتذوق عبر حواس أخرى غير البصر. ثم تأمل، بعد ذلك، مفارقة تجلّيه في التعبير البصري حين يقول:

حَيِّيا صاحِبَيَّ أُمَّ العَلاءِ – – وَاِحذَرا طَرفَ عَينِها الحَوراءِ

فهنا نراه يصف العيون الحوراء وتأثيرها كأنّه ممن يبصرونها، مما يؤكد أن البصيرة النافذة والخيال الخصب قد يتجاوزان حدود البصر، بل قد يمنحان الأديب قدرة على تخيّل المرئيات ووصفها بدقة تفوق، أحيانًا، وصف المبصرين أنفسهم.

وهكذا تتجلى العلاقة المتشابكة بين الكتابة واللَّيْل والمعنى في ثالوث إبداعي تتآزر فيه السكينة اللَّيْلية مع صفاء الذهن ونفاذ البصيرة، فتخرج المعاني في أبهى حللها وأصدق تجلياتها. فالكتابة ليست مجرد تدوين للألفاظ، بل هي تشخيص للمعنى المستكن في النفس، واللَّيْل ليس مجرد وقت للراحة، بل فضاء للتأمل والإبداع عند من يجد فيه صفاءه، والمعنى ليس حكرًا على حاسة البصر، بل هو نتاج تفاعل الحواس جميعًا مع العقل والروح. لقد أثبت المبدعون عبر العصور أنّ الإبداع الحقيقي يتجاوز حدود الحواس الظاهرة إلى آفاق من الإلهام لا يحدّها إلا فيض الخيال وسعة الأفق الفكري.

وإذا كان اللَّيْل قد شكّل عند بعضهم حاضنة زمنية مثالية للكتابة، وكان فقدان البصر لم يمنع ثراء المعنى، فإنّ ذلك يؤكد أنّ الكتابة –في أصلها– رحلة داخلية في أغوار النفس الإنسانية، قبل أن تكون نقشًا للرموز على الورق؛ ولعل هذا ما يجعل لها سحرها الخالد وتأثيرها البالغ في الوجدان البشري عبر الزمان والمكان.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

([i]) خزانة الأدب وغاية الأرب، ابن حجة الحموي، تحقيق عصام شقيو، دار ومكتبة الهلال، ودار البحار، بيروت، 2004م، 2/32.

([ii]) اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي، أبو العلاء المعرّي، ت: محمد سعيد المولوي، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط1، 2008م، ص1062.

([iii]) شرح كتاب البرهان لأرسطو وتلخيص البرهان، ابن رشد، ت: عبد الرحمن بدوي، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1984، المقالة الأولى، ص 414 (أرسطو: 81a38.).

([iv]) شرح كتاب البرهان لأرسطو وتلخيص البرهان، ابن رشد، ت: عبد الرحمن بدوي، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1984، المقالة الأولى، ص 416 (أرسطو: 81a38.).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى