الأدب والفنفكر وثقافة

على طاولة الأمس: من الغربة إلى اليقين

 سنا عبدالسلام

 

أنثروبولوجيا الحنين: فنجان القهوة وبوصلة الذاكرة

يتسابق الجميع في مطلع كل صباح مع دقات الساعات وصخب الشوارع؛ فهذا طالبٌ يشرب فنجانه مسرعاً ليلحق بكرسي المحاضرة، وذاك موظفٌ يحمل قهوته في طريقه إلى مكتبه المكتظ، وتلك فتياتٌ يتشاركن فناجين القهوة أثناء إنهائهنّ لأعمالهنّ. غير أن فنجان القهوة بالنسبة لي يتجاوز حدود هذه التفاصيل الصباحية العابرة؛ إنه بوصلة شعورية تُعيد ضبط إيقاع الذاكرة النائية.

تأخذني الذكريات إلى صباحات عائلية حنونة، حين كانت أمي تغلي القهوة في موعدها اليومي المقدّس، ليفوح عبق الهال ملء أرجاء البيت. كان صوت فتح الدرج إشارةً أثيرية تُعلن استيقاظ أبي لقياس السكري بعد فراغه من الوضوء، لنبدأ حينها توزيع الأدوار العائلية: أختي تحمل الصينية، وأنا أنادي أخي الأكبر ليكون آخر الواصلين إلى الطاولة، فنعلن رسمياً بدء يومنا الجديد.

لم تكن القهوة لنا مجرد نكهة حسية، إنما كانت كما يحلو لي أن أصفها: عادةً تطمئننا، إذ لابد أن الأمور على ما يرام طالما نبدأ صباحنا المعتاد، وتأكيدًا لذيذًا على بداية الصباح. وعلى الرغم من أنني لم أستطع التخلي عن تلك العادة حتى بعدما بدأتُ العيش بمفردي، حيث أضبط الموعد نفسه وأعدّ القهوة ذاتها، إلا أن الطاولة اليوم تبدو أقل أماناً وانتماءً، وكأن القهوة تُفقد المعنى بعضَ بهائه حين لا نرتشفها كما اعتدنا على طاولة واحدة برفقة من نحب.

سيكولوجية الاغتراب: لوحة زيتية متعددة الطبقات

من تلك العادة الصباحية الصغيرة، تخلّق في وجداني تساؤلٌ أكبر وأعمق عن ماهية الوطن. فالفنجان حين لم يعد من صنع يدَي أمي افتقد دفأه الأول، وهذا ما دفعني إلى إدراك أن الغربة ليست بُعداً جغرافياً أحادياً، بل هي كلوحة زيتية معقدة تتداخل فيها الألوان والطبقات:

  • غربة المكان والجدران: تلك التي تستبدّ بزوايا المنزل حين تجلس وحدك أمام مكتبك الصامت ترتشف قهوتك، بعد أن كنتم خُمسةً ملتفين حول الطاولة تقاطعون بعضكم لكثرة الأحاديث والدفء.
  • الغربة الشعورية والاجتماعية: حين تقصد مقهى الدراسة فريداً بعد أن تفرقت بالأصدقاء السبل وافترقت الطرق.
  • غربة البهجة (أشد الطبقات وحشة): تلك اللحظة التي يغمرك فيها سرورٌ مفاجئ أو تصبح مأخوذاً لجمالٍ ما، فتلتفت حولك فلا تجد عيناً آلفة تشاركك كُنه هذا الجمال وتستوعب جلال معنى.

ولأنني عايشت سنين غربة طويلة، نقلت تلك السنين نظرتي إلى الغربة من مجرد تنقل بين المدن إلى بعد آخر من الترحال النفسي والوجداني حيثيًّا وشعوريًّا.

ما هو «هناك» وما هو «هنا»؟

«أنا من هناك.. ولست هناك ولست هنا» — محمود درويش

يضعنا هذا البيت للشاعر الفلسطيني الشهير، من قصيدته طباق، أمام أسئلة وجودية شفيفة: ما هو «هناك»؟ وما هو «هنا»؟ وهل نسيج أرواحنا يبعد ويقرب بحسب المكان؟ هل الوطن رقعة جغرافية محدودة برسم الخرائط، أم أنه زمانٌ خابرناه، أو شعورٌ عايشناه، أو صديقٌ صادق، أو قلبٌ يحبنا بلا شروط، أو فكرةٌ أو قضية، أو حلمٌ نسعى خلفه؟

حين يتسع السؤال، نكتشف أن الوطن ليس صورة نمطية جصّاء تُفرض على الجميع، ولا إحساساً محصوراً في حد ما، الوطن هو الأُنس؛ تجده كامناً في فنجان قهوة تصنعه أمك، وهو الأمان في كتف تسند رأسك عليها حين تخور قواك على عتبات الأيام، وهو البهجة التي تُغمرك في قلوب الأصدقاء الحقيقيين. الوطن في نهاية المطاف هو كل ما نرتديه أو يلبسنا من ثياب العاطفة والحنين.

الأوطان الصغرى والملاذات المخبأة

حين تتسرب المنافي الكبيرة إلى أرواحنا وتضيق بنا دروبها، تنقذنا شيئاً فشيئاً تلك الأوطان الصغرى العابرة التي نشيدها بوعينا الغضّ على أرضية أيامنا الهشّة لتكون أنساً آنيًّا، طال أو قصر، يخفف وطأة غربة الواقع: هي الملاذات اليومية: كقطة صغيرة نطعمها منذ عامين، تزورنا في الساعة ذاتها من الصباح بدقة متناهية، وهي كقصائدنا المفضلة التي نلجأ إليها في كل انكسار لنرمم بها ما أفسدته الأيام، أو كتبنا القديمة التي طالعناها أكثر من خمس مرات حتى حفظت الورقاتُ تعابيرَ وجوهنا مع كل سطر، وهي ملاذات مخبأة في الذاكرة: ذكرياتنا الصغرى المتروكة في الصناديق؛ دفتر صور العائلة، شهاداتنا من المرحلة الابتدائية، وأغاني أفلام الكرتون التي كنا ننتظرها صباحاً، وشارات “سبيستون” التي تختزن في ألحانها براءةً كاملة محفوفة بقلوبنا البالغة، وتلك أوطان نرقبها من بعيد: أحباؤنا الذين غادروا فجأة في يوم عادي، مدننا التي تركت حاراتها صدى خطواتنا الأولى، وبيوتنا التي سكنها غُرباء بعدنا. ولنا أوطان نسعى إليها: أحلامنا التي نركض إليها في سعي محموم علّنا نصل يوماً.

تتضافر هذه التفاصيل الصغيرة لتصنع لنا دروعاً نفسية تحمي براءتنا الأولى وربما تمنحني متسعات وملاجئ وسط شتات المغترب.

مدنٌ مؤقتة للعابرين تشبه في معناها حقيقة الدنيا

لم يكن توضيب الحقيبة الأول هو الأخير، فقد استمريت بتوضيبها مرارًا منذ أن جمعنا احتياجاتنا الشخصية وتركنا بلدنا الأم “سوريا”، منذ ذلك الحين أصبح المنزل بالنسبة لي دارًا غير ثابتة، لا يعول عليها في المعنى واليقين، وما كان ثابتًا معي دائما هو حقيبتي، وتلك الدفاتر التي ملؤتها بالتدوينات اليومية وبعض اللوحات، استمريت بأداء طقوس الوداع مرارًا وتكرارًا، ودعت ببغائي الأليف حين تركنا البلد، ودعت سريري الخشبي ورفاق المدرسة الإعدادية ثم الثانوية، ودعت المنازل التي عشت فيها، والمكتبات التي اضطرننا لترك كتبها والرحيل، وودعت أبي وأمي لاستكمال دراستي الجامعية، وفي وقت ما سأودع رفاق المستشفى الذي أداوم فيه، والأطباء الذين تعلمت على أيديهم. كل ذلك الوداع المستمر لم يكن في عيني إلا الحقيقة الثابتة الوحيدة عن الدنيا، حقيقة ترفعك بشيء من الشجى وتجعلك خفيفًا بملئ حزنها، أن كلّ ما فيها إلى زوال، ولا نحمل منها إلا “حقائبنا”: أعمالنا طيبة كانت أو خبيثة.

من غربة الممر إلى يقين المقر

يَا وَيْحَ مَنْ نَسِيَ الْمَصِيرَ ودونه … طُولُ الطَّرِيقِ وقفره وعوائقه
الفقر لِلرَّحْمَنِ جَلَّ جَلاَلُهُ … خَيْرٌ لِمَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَضَائِقُهْ

لقد حُكم علينا أن نكون في هذه الحياة عابري سبيل، تماماً كما أخبرنا سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم. ولأن الدنيا في أصل خلقها ممرٌّ لا مقر، فليس من طبيعة الممر أن يمنح سالكَه طمأنينةً كاملة أو استقراراً أبدياً.

لكن هذا التيه الدنيوي ينجلي حين يسكن القلب إلى نور اليقين؛ يقين أن ثمة داراً آخرة دائمة لا تعرف الرحيل ولا الفقد، داراً ليس فيها رحيل ولا منفى، ليس فيها تيه ولا فقد. مع هذا اليقين، تزول رغباتنا الدنيوية التي تثقل كواهلنا، ويصبح سؤال الوطن أقل وطأة وإصرارًا علينا، ويصبح همُّنا الأسمى هو أن نعبر نحو الخلود خفافاً من الآثام، تاركين وراءنا الأثر الطيب الذي يشهد لنا.

وهو المعنى العميق الذي لخّصه ابن عمر رضي الله عنهما حين قال:”إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَساءَ، وخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لمَرَضِكَ، ومِنْ حياتِك لِمَوتِكَ”.

وربما في نهاية المطاف لن نجد إجابة حاسمة لهذا التساؤل المستمر، بل لعل هذا التساؤل في عمقه وألمه سيظل في جوهره وطنًا للغرباء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى