الدين

أفي القرآن الكريم إعجازٌ علمي؟

منهجية جديدة في كيفية التعامل مع العلم الطبيعي في القرآن

  • حمزة أندرياس تزورتسيس
  • ترجمة: زياد الحازمي

منذ ثمانينيات القرن الماضي كان هناك نزعةٌ متنامية عند المسلمين الأكاديميين والدعاة لاستخدام العلم الطبيعي في محاولة لتعزيز الطبيعة المقدسة والإعجازية للخطاب القرآني. على مستوى القاعدة الشعبية حاول المسلمون حول العالم وخصوصاً في الغرب التعبير عن صحّة الإسلام باستخدام الآيات ذات الدلالات العلمية الطبيعية كدليلٍ على المصدر الإلهي للقرآن، وامتلأت شبكات الإنترنت بالمواقع الإلكترونية والمقالات والمقاطع المرئية والمنشورات المتعلقة بالآيات العلمية في القرآن الكريم، فلو أدخلت كلمة “القرآن والعلم” في محرك البحث سيظهر لك أكثر من 40 مليون نتيجة بحث[1]

هذه النزعة لها أصول قديمة وحديثة، ففي التراث الإسلامي القديم تجد النقاش حول استخدام العلم كأداة تفسيرية لمعاني آيات القرآن حاضراً، ومع ذلك لم يتولّد هذا التعبير المدافع بشدة عن هذه النزعة حتى بداية الثمانينيات.

أعتقد أن هناك عاملين رئيسين مهّدا لظهور هذا التوجّه، العامل الأول كان نشر كتاب “القرآن والإنجيل والعلم” للدكتور موريس بوكاي عام 1976م، والعامل الثاني هو المقطع المرئي الذي نُشِر في الثمانينيات بعنوان “إنّه الحق” للداعية المسلم عبدالمجيد الزنداني. يطرح كتاب بوكاي فكرةَ أن القرآن لا يحتوي أيةَ أخطاءٍ من الجانب العلمي الطبيعي بينما الإنجيل مليء بالعديد من الأخطاء العلمية، أصبح كتاب بوكاي من أكثر الكتب مبيعاً في العالم الإسلامي وتُرجِم للعديد من اللغات الأخرى، ومع أن الكتاب واجهَ نقداً أكاديمياً [2] إلا أنه بقيَ كتاباً رائجاً واعتُبِر مرجعاً للعديد من الدعاة والوعّاظ.

ثم أنتج الداعية المسلم عبدالمجيد الزنداني -مؤسس الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة- مقطعاً مرئيّاً عنْونَهُ بـ”إنّه الحق“، دعا الزنداني عدداً من الأكاديميين الغربيين لحضور إحدى مؤتمراته، وادّعى في ذلك المؤتمر أن مجموعةً من العلماء البارزين غير المسلمين شهدوا على وجود معجزاتٍ علمية في القرآن، ومع ذلك تلقّت اللجنة انتقاداتٍ بأنها نشرت تصريحات مضلِّلة وخارج سياقها لتبرير قصتها[3]. وحصلَ مؤخراً أن تواصل مقدمٌ ومعلقٌ ملحد شخصياً مع بعض هؤلاء العلماء الذين حضروا المؤتمر وأجرى معهم مقابلاتٍ شخصية وتم تسجيلها ونشرها على اليوتيوب، كل العلماء الذين أجريت معهم المقابلة ادّعوا أن تصريحهم قد أُخرِج عن سياقه وأنه لا يوجد هناك إعجاز علمي في الخطاب القرآني.[4]

في ضوء ذلك طُبِعت العديد من المنشورات والكتيّبات ونُشِرت حاملةً ادّعاء أن هناك إعجازاً علمياً في القرآن، وعددٌ غير قليل من غير المسلمين أسلموا كنتيجةٍ لذلك. هذه النزعة المتنامية ألهمت الفضاء الأكاديمي أيضاً، فعلى سبيل المثال نُشِر كتابٌ أكاديمي من قِبل “كورزون” بعنوان “ترجمة القرآن: الخطاب والتركيب والتفسير” خُصِّصت فيه بعض الصفحات لهذه الظاهرة[5]، كما استخدم بعض الأشخاص ذوي الشعبية الكبيرة مثل ذاكر نايك[6] ويوسف إستس[7] سردية الإعجاز العلمي لتأكيد أن القرآن منبثقٌ من مصدر إلهي. نظراً لهذه الشعبية الكثيفة خلال العقود الماضية فقد نشأت نزعةٌ مضادّةٌ في محاولةٍ لإزالة الإبهام عمّا يُسمّى “التعبيرات العلمية”، وتبدو هذه النزعة ذات منهجيةٍ دقيقة مع وجود شعبيةٍ متزايدة. يعتبر العديد من المرتدين عن الإسلام (ممن أجريت معهم حواراتٍ شخصية) أعمال هذه النزعة المضادة عاملاً مؤثراً في قرارهم لترك الإسلام، ومع ذلك فإني أُؤمن أن الردّة عن الإسلام ليست قراراً عقلياً محضاً، بل هي مشكلةٌ نفسية وروحية، فهي تنبني على ضعفٍ شديد في الاتصال الروحي بالله عز وجلّ وإحباطٍ من الإسلام كنتيجةٍ لتجاربَ سلبيةٍ بائسة مع المسلمين والمجتمع المسلم.

للأسف أصبحت سردية الإعجاز العلمي تمثّل إحراجاً فكرياً للعديد من الدعاة المسلمين، من ضمنهم أنا، فقبل عدّة سنوات اصطحبت بعض النشطاء إلى إيرلندا لحضور مؤتمر الإلحاد العالمي لننخرط مع الجمهور والمتحدثين وكان لدينا طوال المؤتمر “كشك” صغير خارج القاعة نجحنا من خلاله أن نختلط بالمئات من الملحدين من ضمنهم ملحدون مشهورون كبول زاكري مايرز، وريتشارد دوكنز، وخلال حديثنا المرتجل مع البروفيسور مايرز وصل بنا النقاش إلى التحدث عن الوجود الإلهي والمرجعية الإلهية للقرآن، حينها طُرِح موضوع علم الأجنّة وتحدانا مايرز فيه كونه خبيراً فيه وادعى أن القرآن لم يسبق الاكتشافات العلمية في هذا المجال، وبعد أن تم نشر مقطعٍ على اليوتيوب لهذه المناقشة[8] واجهنا العديد من ردّات الفعل الفكرية العنيفة، وصلتنا أعداد كبيرة من رسائل البريد من مسلمين وغير مسلمين، كان المسلمون حائرين ومتشككين وغير المسلمين كانوا مرتبكين من الموضوع برمّته. بناءً على ما جرى قررت أن أصنف وأكتب مقالةً موسعةً عن القرآن وعلم الأجنة بهدف الرد على الادّعاءات الأكاديمية والشعبية[9]، خلال مرحلة الكتابة اعتمدت على طلبة وعلماء الفكر الإسلامي للتحقق من المراجع، وليقدموا ملاحظاتهم في المجالات التي كان عليّ أن أعتمد على مصادر ثانوية أخرى فيها، لسوء الحظ لم يكونوا ملمّين بالأمر وبدا أنهم أيضاً يبنون ما لديهم على الثقة بعلماءَ آخرين. عندما نُشِرت الورقة وُضِعت تحت المجهر من قِبَل النشطاء الملحدين[10]، وعلى الرغم من أنهم أساؤوا فهم بعض النقاط إلا أنهم أثاروا بعض الادعاءات المهمة، عندها قمت بإزالة الورقة من موقعي الإلكتروني، بالنظر للوراء لو أن هذا لم يحدُث فعلى الأغلب لم أكن الآن أكتبُ هذا المقال، هو بالنهاية منحنىً تعليمي وجزءٌ مهم في تطوير النزاهة الفكرية.

في ضوء هذا تهدف هذه المقالة لتقديم منظور عقلاني وإسلامي عن كيفية فهم الآيات القرآنية ذات الدلالة العلمية، لقد حان الوقت لأن يتحدث المزيد من الناس في المجتمع الإسلامي ضد هذا المنهج الإشكالي في محاولة إظهار المنبع الإلهي للقرآن الكريم، فالموضوع أصبح يشكّل إحراجاً فكرياً للدعاة المسلمين وكاشفاً لنوعٍ من عدم الاتساق في الطريقة التي يتم من خلالها صياغة خطابهم وحجّتهم، وجديرٌ بالذكر أن العديد من المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام بسبب خطاب الإعجاز العلمي قد تركوا الدين بسبب حجج الخطاب المعارض في هذا الفضاء. هذا المقال يوضح إشكالية وهشاشة خطاب الإعجاز العلمي ويسلط الضوء على طريقة جديدةٍ لكيفية المناقشة والتعامل مع العلم الطبيعي في القرآن، ويجب التوضيح أنني لست أدّعي بتاتاً أن القرآن غير دقيق أو فيه أخطاء أو أنه لا يوجد شيءٌ استثنائي في الخطاب القرآني بعيداً عن الظاهرة الطبيعية، أنا ببساطة أوضح العلّة المحفوفة بالمخاطر في ادعاء أن بعض الآيات القرآنية معجزةٌ -بسبب- محتواها العلمي الطبيعي. ولذلك أنا أطرح منهجية جديدةً متّسمةً بالدقة ومتجاوزةً للعقبات والإشكالات التي تواجه خطاب الإعجاز العلمي.

ملخص لادعاءات الإعجاز العلمي:

يُعبر عن المعجزات العلمية بعباراتٍ مختلفة ولكن بنفس المضامين الفلسفية.

1- لم يكُن للنبي ﷺ القدرة على التوصل للمعارف العلمية المذكورة في القرآن فلذلك لا شك أنّه من عند الله عزّ وجل.

2- لم يكن لأحد في وقت نزول الوحي -القرن السابع الميلادي- إمكانية للوصول للأدوات اللازم لفهم أو التحقق من المعارف العلمية في القرآن لذلك لابد وأن يكون من عند الله عزّ وجل.

3- الآيات القرآنية نزلت في زمنٍ كان العلم فيه بدائياً ولم يكن بإمكان أي إنسان أن يأتي بالحقائق المذكورة في القرآن، فلابد أن يكون من عند الله عزّ وجل.

هناك مجموعةٌ من الأسباب التي تجعل من التعبيرات السابقة عن الإعجاز العلمي إشكاليةً وهشّة البُنية، وهي:

1- مغالطة الوسط غير المستغرِق.

2- التاريخ غير الدقيق.

3- غائية الآيات القرآنية.

4- العلموية، مشكلة الاستقراء والتجريبية.

5- الآيات “غير العلمية”.

6- المعجزات والبساطة، وملحوظة في علم أصول التفسير

وسأناقش كلاً من هذه النقاط بالتفصيل فيما يلي.

1- مغالطة الوسط غير المستغرِق

ادعاء خطاب العلم الطبيعي في القرآن يقع في مغالطة منطقية تدعى “مغالطة الوسط غير المستغرق”، تقع هذه المغالطة حين يتم تسوية شيئين بسبب أرضيةٍ مشتركة بينهما استُخدِمَت بشكلٍ خاطئ. هذا مثالٌ عام:
1- كلّ “أ” هو “ج”

2- كل “ب“ هو “ج”

3- لذلك كل “أ” هو “ب”

المغالطة المذكورة أعلاه هي في الاستنتاج (رقم 3) فلأن “أ” و “ب” يشتركان في فئةٍ معينة “ج” فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن “أ” مطابق لـ “ب”

هنا مثالٌ آخر:

1- جون يحتاج للأوكسجين ليبقى على قيد الحياة

2- كلبي يحتاج للأوكسجين ليبقى على قيد الحياة

3- لذلك جون هو كلبي

فكما ترون في هذا المثال، الأرضية المشتركة التي أُسيء استخدامها هي الأوكسجين، وعلى رغم من صحة المقدمتين السابقتين لها أن جون والكلب كلاهما يحتاج الأوكسجين للنجاة، فإن ذلك لا يعني أن جون هو كلبه.

معظم المجادلين بالعلم الطبيعي في القرآن يقعون في نفس المغالطة، وهنا خلاصة ذلك:

1- وصف لحقيقة علمية “أ” استخدم “ج”

2- وصف قرآني “ب” استخدم “ج”

3- لذلك فالوصف القرآني “ب” هو الوصف “أ”

وهنا نُورد أمثلةً أدق:

1- الحقيقة العلمية في علم الأجنة أن الكيسة الأريمية (blastocyst) تنغرس في جدار الرحم، والانغراس هنا يمكن أن يعبّر عنه كعملية توفير مكانٍ آمن.

2- يستخدم القرآن مصطلح ﴿قرارٍ مكين﴾ [11][12] والذي من معانيه المتجلية: مكان آمن.

3- لذلك فالقرآن يصف الحقيقة العلمية لانغراس الكيسة الأريمية بجدار الرحم.

إن كلمة ﴿قرارٍ مكين﴾ في القياس السابق لا يستلزم بالضرورة أن تعني عملية الانغراس المذكورة فقط لمجرد أنها تشترك معها في وصفها بمكانٍ آمن، لن تكون هذه الحجة صحيحةً إلا إذا كانت جميع معاني ﴿قرارٍ مكين﴾ تصف وتشير إلى عملية الانغراس، وبما أن كلمة قرارٍ مكين يمكن أن تشير أيضاً إلى الرحم نفسه[13] -والذي كان الفهم السائد للكلمة في القرن السابع- فبالتالي تكون هذه حجّةً باطلة، مجرّد الارتباط بين كلمةٍ قرآنية ووصف علمي لا يؤكد حقيقةً أن هذا هو المعنى المقصود في النص الإلهي.

هنا مثالٌ آخر:

1- الحقيقة العلمية أن الغلاف الجوي للأرض يساعد في تفتيت النيازك عند اقترابها منها، ويقوم بفلترة أشعة الضوء الضارة ويعمل كواقٍ من درجات الحرارة الباردة للفضاء، وأن حزام فان آلن الاشعاعي يعمل كدرعٍ ضد الاشعاعات الضارة، فالغلاف الجوي للأرض يمكن وصفه بـ”سقفٍ محفوظ”.

2- يستخدم القرآن كلمة ﴿سقفاً محفوظا﴾.[14]

3- لذلك فالوصف القرآني يمثل ويصف وظيفة الغلاف الجوي.

وهذا القياس مجدداً باطل، فلا يلزم منطقياً أن عبارة ﴿سقفاً محفوظاً﴾ تصف وظيفة الغلاف الجوي للأرض، لأن ﴿سقفاً محفوظا﴾ قد تعني سقفاً فيزيائيّاً مجسّماً أيضاً، وبعض تفاسير القرآن تذكر أن السماوات مرفوعةٌ بعَمَدٍ غير مرئيةٍ (الرعد 2) وأن كِسَفاً من السماء قد تسقط على الأرض (سبأ 9)، فهذه التفسيرات تشير إلى سقفٍ صلبٍ كالهيكل أو البناء كما يشير إليه المفسر العّلامة ابن كثير الذي استشهد بكلام أحد العلماء أن “السماء على الأرض مثل القبة”[15]، ومن هذا يُعلم أن كلمة ﴿سقفاً محفوظا﴾ قد ترمز أيضاً لسقفٍ متجسد أو بناءٍ كالقبّة، لذا فالحجّة السابقة ستكون صائبةً لو أجمعت كل معاني كلمة ﴿سقفاً محفوظاً﴾ على وظيفة الغلاف الجوي للسماء.

يتبين في ضوء ما سبق أن الحجة القائلة بأن القرآن معجزٌ -لأن- معاني كلماتٍ معينةٍ فيه فيها إشارةٌ إلى معانٍ مستخدمةٍ في الحقائق العلمية مغالطةٌ منطقية واضحة، ولن يكون هذا الاعجاز العلمي سائغاً إلا في حالِ أمكن إثباتُ أن المعاني المشتقة المرتبطة بالعلم الطبيعي هي فعلاً المعنى المقصود بذاتها، ومبادئ التفسير القرآني تنص على استحالة تأكيد ذلك (سيتم مناقشة هذا لاحقاً قي المقالة).

زد على ذلك أن هناك عدداً كبيراً من الأسئلة التي تكشف عدم اتسق خطاب الإعجاز العلمي، فعلى سبيل المثال: لماذا يتم استبعاد التفاسير والمعاني الأبسط لآيات القرآن؟ ماذا عن التفاسير الصحيحة الصريحة الأخرى وغير العلمية؟ بما أن التباس معاني الكلمات يجعل من المحال معرفة المعنى المراد من الآية فكيف يسعُ أي أحدٍ أن يدعي إعجازها؟ ماذا عن الحضارات القديمة وتنبؤاتها الدقيقة بالظواهر العلمية قبل أن يؤكدها العلم الحديث؟ هل هذا يجعل هذه الحضارات مُلهمةً إلهياً؟

2- التاريخ غير الدقيق.

يجزم المؤيدون لخطاب الإعجاز العلمي في محاولةٍ لإنقاذ حجتهم أنه لم تكن هناك معرفة متوفرة بالعلم المتضمن في آيات القرآن في القرن السابع الميلادي، وغالباً ما يقدمون حجتهم في أحد هذين القالبين:

  • أن المعرفة المتضمنة في آيات القرآن لم تكن متاحةً أو مكتشفَةً في وقت نزول الوحي (القرن السابع)
  • أنه لم يكن بإمكان النبي محمد ﷺ التوصل للمعرفة التي اشتملت عليها الآيات الكريمة

المعرفة المتضمنة في آيات القرآن لم تكن متاحةً أو مكتشفَةً في وقت نزول الوحي (القرن السابع)

لو أعدنا النظر في التاريخ لوجدنا أن هذه العبارة خاطئةٌ تماماً، وهنا سأسرد بعض الأمثلة التي تشير إلى معارفَ كانت متاحة ومعروفةً في وقت -وقبل- نزول الوحي:

– معجزة إنزال الحديد: لنأخذ على سبيل المثال دعوى أن القرآن معجزٌ بناءً على حقيقة أن الحديد قد ﴿أُنزِل [16] إلى الأرض، في إشارةٍ إلى حقيقة أن الحديد قد أُرسِل من الفضاء إلى أرضنا وهي حقيقةٌ مثبتةٌ علميًا[17]، فالقرآن يقول: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ [18].

لكن المصريين القدامى قبل 1400 سنة من نبوة محمد ﷺ قد أشاروا للحديد بـمسمّى (با-إن-بت) والذي يعني “معدن السماء”[19]، وكان في الحضارة الآشورية والبابلية مفاهيم مشابهة عن الحديد.

معجزة ضوء القمر: مثالٌ آخر وهو استخدام القرآن لكلمة ﴿نورًا[20] لوصف ضوء القمر، والتي تعني الضوء المنعكس أو المستعار.

يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.[21]

يدّعي مؤيدو المعجزات العلمية أنه لم يكن أحدٌ في فترة نزول الوحي أو قبلها يعلم أن القمر غير مشعٍّ بذاته، والحقيقة أن من يطالع التاريخ يعلمُ أن هذا غير صحيح، ففي حقبة 500 ق.م. أي قبل الوحي القرآني بـ 1200 سنة يقول طاليس:” القمر يعكس ضوء الشمس”[22]، وأكد أنكساغوراس في 400-500 ق.م. أن:” القمر لا يشعّ ضوءه الخاص به، بل ضوء الشمس”[23].

– معجزة أن للجبال جذور: لننظر إلى هذه الآيات التي تتحدث عن الجبال أن لها جذوراً أو أوتاد: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا[24]،هذا الإدراك كان حاضراً في ذلك الزمان عن طريق العبرانيين القدماء كما يذكر العهد القديم بوضوح مصطلح جذور الجبال: “وسقطت إلى جذور(לְקִצְבֵי) الجبال؛ الأرض احتجزتني في الأسفل إلى الأبد، لكنك استخرجت حياتي من القاع يا الهي”[25].

الكلمة الرئيسية التي استُخدمت في هذا النص هي الكلمة العبرانية ” לְקִצְבֵי” والتي تعني “أقصى بُعد” وهي وصفٌ دارج في الشِعر لقاع الجبال أو جذورها.[26]

– معجزة الانفجار الكبير: يتحدث القرآن عن خلق هذا الكون كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [27]، وهذه المعرفة أيضاً كانت متواجدةً عند الحضارات السابقة، ففي إحدى القصص المصرية القديمة ذُكِر خلق الكون مع ذكر انفصال السماوات عن الأرض، وقد كتب آلان فورد -وهو باحث ومؤلف مستقل- عن الآراء المصرية عن خلق الكون، فيقول: “وهي أسطورة انفصال السموات عن الأرض، ولاحظ أن هذا الانفصال يعبّر عن كارثة أو حدث ضخم”[28].
وفي الأدب السومري نجد مفاهيم مشابهة في ملحمة جلجامش:” عندما انفصلت السموات عن الأرض ووضعت الحدود بينهما، عندما بدأت لحظة الوجود البشري”.[29]

وبناءً على ما سبق فإن ادعاء أن الآيات معجزةٌ غير مقنع ولا يأخذ في الاعتبار إمكانية وصول النبي ﷺ إلى المعرفة العامة لذلك الزمن من الثقافات الأخرى، ولا يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الحضارات السابقة توصلت لنتائج مقاربة، وهذا لا يعني أنني أتبنى وجهة النظر السخيفة القائلة بأن النبي محمد ﷺ قد أخذ هذه المعارف من حضاراتٍ أخرى وأدخلها في القرآن، ولا أنني أتبنى الاعتقاد بأن القرآن ما هو إلا تمثيل لعلوم القرن السابع. أنا أؤمن كغيري من المسلمين بأن القرآن صحيحٌ وحقٌ، ولكن نقطتي الرئيسية هنا هي أن ادعاءات الإعجاز في آياتٍ المتحدثة عن للظواهر الطبيعية لا يصح تحت مجهر الفحص الفكري الدقيق وهناك حاجةٌ إلى منهج جديد – وهو أمر سأناقشه لاحقاً في هذه المقالة -.

يرى المخالف فيما سبق ذكره أنه تم استخدام المعاني الأولية والفهم البسيط للغة ولم تستخدم تلك المعاني الأخرى التي يمكن التوفيق بينها وبين الاستنتاجات العلمية الحديثة، وهذا قد يكون صحيحاً فقد تكون هناك معانٍ أخرى يمكن أن توفّق بين الآيات والاستنتاجات العلمية، لكن الحجّة التي أعلنتها هنا ليست أنه لا يمكن التوفيق بين هذه الآيات والعلم الحديث، بل المقصود بيان أن الآيات مع معناها الأولي الظاهر الصريح فهي تشير إلى معارفَ -وإن لم تكن دقيقةً بشكل تام- بالإمكان التوصّل إليها ومعرفتها في زمن النبوّة ونزول الوحي، وبناء على هذا فالادعاء أن هذه الآيات إعجازية بسبب ذلك هو خطأ بيّن، فمن المنظور المنطقي أنه لو توفر لدينا تفسير طبيعيٌ معقول فالأرجح اعتماد هذا التفسير على تفسيرٍ آخر خارق للعادة، فحقيقة أن التفسير الطبيعي المعقول ممكنُ الوجود يدل على أنه لا يوجد هناك إعجاز، لأن المعجزة بالتعريف هي حدثٌ لا يمكن تفسيره بشكل طبيعي، وهي نقطة سأتطرق لها لاحقاً في هذه المقالة أيضاً.

 

لم يكن بإمكان النبي محمد ﷺ التوصل للمعرفة التي اشتملت عليها الآيات الكريمة

إن المعلومات المتاحة حالياً حول تاريخ الأفكار تجعل من هذا الادعاء غير صحيحٍ سواءً في نظر الباحثين عن الحق أو حتى المشككين، كان بإمكان النبي التوصل إلى شكلٍ من أشكال المعرفة المتاحة في زمن النبوّة فقد أشار في مواقف متعدّدة للحضارات والثقافات الأخرى، فعلى سبيل المثال في مسألة إباحة الغيلة (وطئ المرضعة) أخذ النبي ﷺ بعين الاعتبار ممارسات الرومان والفرس، فقد صحّ عنه أنه قال:”لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ، حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلا يَضُرُّ أَوْلادَهُمْ [30]، (أرجو الانتباه أن هذا لا يعني أن النبي ﷺ استخدم تلك المعارف من الحضارات الأخرى كمصدرٍ للتشريع، لكن عندما يتعلق الأمر بالمسائل الطبية والعلمية في الدين الإسلامي فالأصل أن يُبحَث عن أفضل الآراء وأصح الممارسات كما مارسها النبي ﷺ نفسه).

يدل هذا الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان لديه إمكانية الوصول لبعض الممارسات الطبية السائدة في الحضارات الأخرى، وهذا لا يمنع أن يتمكن من الوصول للمعارف العلمية الأخرى التي اشتهرت في ذلك الزمان.

من المهم أيضاً ملاحظة أن الحياة الاقتصادية في الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي كان تتكئ على المتاجرة والتبادل التجاري، وكان السفر إلى أقصى الشرق أمراً شائعاً، لذلك فليس بمستبعدٍ أن يكون هناك تبادلٌ للممارسات والأفكار العلمية الشعبية. ينصّ المؤرخ إيرا لابيدوس في كتابه “تاريخ المجتمعات الإسلامية” بصراحةٍ أن عرب مكة كانوا تجاراً رُحّلاً يسافرون لمسافات بعيدة:

“بحلول منتصف القرن السادس الميلادي أصبحت مكة إحدى أهم مدن القوافل في الشرق الأوسط خليفةً للبتراء وتدمُر، حمل المكيّون البهارات والجلود والأدوية والأقمشة والعبيد والتي جاءت بعضها من أفريقيا أو ما بين المشرق الأقصى إلى سوريا، وعادوا بالأموال والأسلحة والنبيذ والحبوب إلى جزيرة العرب”[31].

لذلك فادعاءُ أن النبي ﷺ لم يمكن بيده الوصول للمعارف المشار إليها في الآيات القرآنية ادعاءٌ خاطئ سواءً تبنته وجهات النظر المشككة أم الباحثة عن الحق، ويرجع ذلك لأن احتمال تبادل النبي ﷺ لأفكار وممارسات مع الثقافات الأخرى أعلى من عدمه، فبالتالي هناك حاجةٌ إلى منهجية أخرى للتغلب على هذه العقبة الفكرية وسيأتي لاحقاً.

3- غائية الآيات القرآنية

إن خطاب الإعجاز العلمي يتّسم بنوع من التجاهل والإغفال للهدف الحقيقي للآيات القرآنية، فقد نزلت هذه الآيات كعلاماتٍ إرشادية تأمليةٍ وموصلةٍ إلى نتيجةٍ واحدة: أن الله واحد وأنه وحده المستحق للعبادة عز وجل، إضافة إلى استحضار وفهم وإدراك جلال الله وقوته وعظمته ورحمته ومحبته، ودراسة كتب العقيدة الشهيرة في التراث الإسلامي ككتاب العقيدة الطحاوية يوضح هذه المعاني. فالآيات القرآنية بكل بساطة لم تأتِ لتقدم تفاصيل فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية مما ليس متصلاً بمنظورها. يعلق المفكر والباحث أمين أحسن إصلاحي في كتابه “تدبر القرآن” على هذه النقطة:

“إن ذكر خلق السماوات والأرض يؤكد ويدل على قوة وجبروت الخالق عز وجل، الهيئة التي خُلِقوا عليها تشهد على تفرّد صُنع يده وحكمته العظيمة، كما يشير إلى طبيعة الخَلق ذات الفائدة وتناغمه مع حياة الانسان واحتياجاته، تلك الفائدة والمزية التي نكتسبها ونعتمد عليها، كل ذلك يدل على نعمة الخالق ورحمته وعنايته الإلهية بعباده، ويتّضح أيضاً أن هناك هدفاً أعلى وأسمى وراءَ خلق الحياة والكون، فلم يبقَ شكٌّ أن كوناً مدهشاً متناغماً مليئاً بالعديد من مظاهر الاتقان والحكمة لا يمكن أن يكون مخلوقاً بلا سببٍ وبلا هدفٍ أسمى، نعم لقد خُلقَ لهدفٍ عظيم كما يقول القرآن ووُضِع يومٌ محدد ليتمّ تحققه على أكمل وجه. ويُظهِر الانسجام بين السماوات والأرض بوضوحٍ أنهما خُلِقَا بيد صانعٍ واحد والذي لم يخلقهما فقط بل ويرعاهما ويدبر أمرهما، وأمره وشرعه هو الذي يسود وحده، ولا مكان لقوةٍ أخرى بأي شكلٍ أن تتداخل مع أوامره ونواهيه”[32].

وفي اقتباسٍ مماثل يوضح بروفيسور الفلسفة شبير أختر في كتابه “القرآن والعقل العلماني: فلسفة الإسلام” أن الغرض من الآيات القرآنية التي ترمز للعالم الطبيعي أن تشير إلى أمر خفي غير مادي:

“تناسق الطبيعة الذي لا تشوبه شائبة وروائع ومسؤوليات بيئتنا البشرية بعلاقاتها المتنوعة والدقيقة استُثمرت في الدلالة الدينية، فالطبيعة المخلوقة هي تشفيرٌ لواقعٍ متجاوزٍ لها، وما هي إلا نصٌّ يحتاج إلى فكّ شفرته، والأدلة المتراكمة في العالمين المادي والاجتماعي وآفاقهما المشتركة تشيرُ إلى نظامٍ خفي غير مادي.”[33]

يُذكر في العمل المرجعي الأكاديمي موسوعة القرآن “Encyclopedia of the Qur’ān” تحت قسم “العلم والقرآن” تأكيد أن غالبية التفسيرات التراثية للآيات الدالة على العالم الطبيعي تثبت أن هذه الآيات جاءت في سياق حث الناس على التفكر في حكمة الخلق وليس لتأسيس حقائق علمية:

“معجزة الخلق موضوعٌ متكررٌ في التفاسير القرآنية التراثية، يُنظر إلى هذه المعجزات في الخلق على أنها علاماتٌ على وجود الله عز وجل وكمال قوته وعلمه، وأنه الخالق باختياره لجميع المخلوقات. في بداية الأمر يقود هذا الانطباع إلى استنتاج مفاده أن هناك إحكاماً وحكمةً في الخلق، والذي يستدعي أن صانعاً حكيماً خلقه، وفي النهاية عندما يتفكر الناس في خلق السماوات والأرض سيدركون أن خالقهم لم يخلقهم عبثاً ولكن لحكمةٍ جليلة وسرٍ عظيم لا تملك العقول قدرةً على الإحاطة به، مما يعني أن الغرض الأولي من التفكر هو تقرير حدود المعرفة البشرية وعدم مقدرتها على الإحاطة بالخَلق، وليس لتقرير حقيقةٍ علمية أو إثبات تطابقها مع القرآن، لذا فالقرآن وفقاً لهذه التفاسير يوجه الناس للتفكر في حكمة الطبيعة ولكنه لا يقدم تفاصيل للنظام الطبيعي أو طرقاً لفك رموزه، هذه التفاصيل إن وُجِدت في كتب المفسرين في التراث الإسلامي فهي مستمدةٌ من المعرفة العلمية السائدة في ذلك الوقت.”[34]

لذلك يجب فهم هذه الآيات واستخدامها كفرصٍ لفتح النوافذ الفكرية والروحية للوصول إلى فهم وحدانية الله وعزّته وجلاله، ومن غير المستغرب أن الشاطبي أحد علماء القرن الرابع عشر الميلادي كان ضد استخدام العلم الطبيعي في التفسير لأنه يُبعد القارئ عن فهم هذا المعنى الغير مادي:

ما تقرر من أمية الشريعة، وأنها جارية على مذاهب أهلها –وهم العرب– ينبني عليه قواعد، منها: أن كثيرا من الناس تجاوزوا -في الدعوى على القرآن– الحدَّ، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين، من علوم الطبيعيات والتعاليم -كالهندسة والرياضيات وغيرها- والمنطق وعلوم الحروف”[35].

لكن يمكن القول من المنظور العلمي التجريبي أن هذه الآيات تقدم محفزات فكرية تشجع المستمع والقارئ على النظر في قوانين الطبيعة المترابطة واستكشاف الأبعاد الداخلية للواقع، فعندما يقول الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ فهذا محفزٌ العالم المؤمن أن يفتش عن أجوبة متعلقةٍ بأصل الكون ويبحث عن أدلة بخصوص بداية الكون، فبدلاً من إعطائنا جواباتٍ، يشجعنا القرآن أن نُعمِل النظر بأنفسنا.

4- العلموية، مشكلة الاستقراء والتجريبية

عبر جليس رحمن -زميل طب القلب بكلية الطب بجامعة إنديانا- بشكلٍ ملائم ودقيق عن مشكلة رئيسية في خطاب الإعجاز العلمي في القرآن، حيث يقول:

“إن إحدى أخطار مثل هذه المحاولات لربط العلم الحديث بالقرآن أنها تربط حكمة وحقيقة القرآن الدائمة بالأفكار العابرة للعلم الحديث”[36].

ما يحاول رحمن أن يشير إليه هنا هو أن هناك قضيةً فلسفية في ادعاء الإعجازية العلمية للآيات القرآنية، وهي إشكالية أن العلم لا يدّعي اليقين أو الحقيقة بنسبة 100%، واستخدام العلم بهذا الشكل كطريقة لإثبات الطبيعة المطلقة للقرآن أمر خاطئ، فالعلم الطبيعي بطبيعته غير ثابت بل له طبيعة ديناميكية متحركة ومتغيرة، ونتائجه تتغير مع مرور الزمن حتى تلك التي قد نعتقد أنها حقائق ثابتة، فهناك افتراضٌ خفي وراء خطاب الإعجاز العلمي هو أن العلم الطبيعي هو السبيل الأوحد للوصول للحقيقة في هذا العالم، وهو ما يُعرف بـ(العلموية).

هناك ثلاث نقاط لمناقشتها في هذا الباب:

  • العلم لا يدّعي اليقين 100%
  • العلم ذو طبيعة متحركة لذا يتغير عبر الزمن
  • العلم ليس السبيل الوحيد للوصول للحقائق عن العالم والواقع

العلم لا يدّعي اليقين 100%

فلسفة العلم هي حقل دراسي يحاول معالجة كيفية استخراج المعرفة من التجارب العلمية والبيانات التجريبية. أهم المشاكل الرئيسية لفلسفة العلم تتمحور في مفهوميّ الاستقراء والتجريبية حيث أن لكليهما حدوداً ونطاقاً محدداً، وفهم هذه الأمور سيمكننا من الوصول لاستنتاج أن الحقائق العلمية ليست كذلك بنسبة 100% وأن إمكانية الشك ستظل قائمة.

الاستقراء: الاستقراء هوعملية تفكيرية حيث يصل يتم الوصول إلى استنتاجات من خلال الانتقال من الجزئي إلى الكلي، ويمكن للحجج القائمة على الاستقراء أن تتراوح في الاحتمالية من منخفض جداً إلى مرتفع جداً ولكن دائماً أقل من 100%.

وهنا مثال للاستقراء: “لقد لاحظت أن لكْمَ كيس ملاكمة بشكلٍ صحيح باستخدام قفازاتٍ واقية لا يسبب أي إصابة، لذلك لن يصاب أحدٌ عند استخدامه كيس الملاكمة”.

إن مشكلة الاستقراء كما يتضح في المثال السابق هو عدم المقدرة على ضمان النتيجة، فالتعميم الشامل لا يمكن أن يتحصّل من عدد محدود من الملاحظات، فأفضل ما يمكن أن يقدمه هو احتماليات متأرجحة بين منخفض ومرتفع جداً، والمتحدث في المثال السابق لا يمكنه منطقياً إثبات أن الشخص التالي الذي سيَلكُم كيس الملاكمة لن يتعرض لأذىً.

لذا تكمُن مشكلة الاستقراء أنه لا يحصّل يقيناً، وهذه قضية أثارها الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر الميلادي في كتابه: “تحقيق في الذهن البشري“. يجادل هيوم في أن المنطق الاستقرائي لا يمكن أبداً أن يحصّل يقيناً، وخلص إلى أن الانتقال من مجموعة محدودة من الظواهر المرصودة إلى استخلاص استنتاجات لمجموعة غير محدودة من الظواهر المرصودة يتجاوز الشهادة الحالية للحواس وسجلات ذاكرتنا[37].

إن التعميمات التي يتم تطبيقها على مجموعة كاملة أو على الملاحظة التالية داخل تلك المجموعة بناءً على عدد محدود من البيانات لن تكون مؤكدة أبداً من منظور علمي عملي، خذ هذا المثال للتوضيح: سافر عالم إلى ويلز وأراد أن يعرف لون الخِراف (بافتراض أنه لا يعرف لونها) فبدأ يراقب الخراف ويسجّل ألوانها، بعد ملاحظة 150 خروف وجد أن جميعها لونها أبيض، استنتج العالم من هذه الملاحظات باستخدام الاستقراء أن جميع الخراف لونها أبيض. يسلط هذا المثال الضوء على الطبيعة الإشكالية لعملية الاستقراء فجميعنا نعلم أن الخراف قد تكون سوداء اللون أيضاً، إذاً فاليقين باستخدام الاستقراء لا يمكن أن يتحقق لأنه ستظل هناك دائماً احتمالية لملاحظة جديدةٍ تقوّض ما سبقها من استنتاجات.

يخبرنا الفيلسوف أليكس روزنبرغ في كتابه: “فلسفة العلم: مقدمة معاصرة” أن هذه مشكلة رئيسية تواجه العلم التجريبي، حيث يقول:

“هنا اكتشفنا مشكلةً أخرى تواجه التجريبية باعتبارها نظرية المعرفة الرسمية للعلم: مشكلة الاستقراء، والتي تعود لهيوم، وقد أضيفت إلى أجندة الإشكالات التي تواجه التجريبيين والعقلانيين”[38].

 

التجريبية أو الإمبيريقية: التجريبية تدّعي أننا لا نملك أي مصدر للمعرفة في موضوع أو للمفاهيم المستخدمة في موضوع ما غير تجربة الحس. يشرح الفيلسوف إليوت سوبر في مقالته “التجريبية” هذه الأطروحة:

“ينكر التجريبيون وجوب وعقلانية اعتقاد أن النظريات تقدم أوصافًا حقيقية للواقع الغير قابل للملاحظة… بالنسبة للتجريبي لو كانت النظرية متّسقة منطقياً، فإن الملاحظة هي المصدر الوحيد للمعلومات عما إذا كانت النظرية مناسبة تجريبياً أو لا”[39].

تعاني التجريبية من العديد من المشاكل المنطقية والقيود، فأحد أشكال التجريبية -والذي أسميه التجريبية الشديدة- محدودةٌ بالأشياء التي يمكن ملاحظتها فقط، هذا الشكل من التجريبية يواجه حزمة من الإشكالات المنطقية، فأحد أهم هذه الإشكالات الرئيسية مع التجريبية الشديدة أنها تستطيع أن تبني نتائجها بناءً على الوقائع المشاهَدَة فقط ولا يمكنها أن تخرج باستنتاجات للوقائع غير المشاهَدَة. يوضح إليوت سوبر هذه المشكلة:

“يحتاج التجريبيون إلى معالجة بعض الإشكالات في فلسفة الإدراك، الإشكال الأول الأكثر وضوحًا في قول ما تتضمنه رؤية شيءٍ ما هي وصف مرور الضوء من الجسم إلى العين مما يؤدي إلى حدوث تجربة بصرية، ومع ذلك فإن اختفاء القطط البيضاء في العواصف الثلجية وحقيقة أننا نرى ظلاً للأجسام (مثل القمر أثناء الكسوف) تظهر أن هذا غيرُ كافٍ أو لا حاجة له”[40].

ولتوضيح مثال سوبر السابق، تخيل أنك رأيت قطةً بيضاء تمشي خارجاً من منزلٍ باتجاه عاصفةٍ ثلجية قادمة، تستطيع حينها أن ترى القطة تمشي حتى تصل إلى مكان العاصفة عندها لن تتمكن من رؤية القطة وهي داخل الإعصار، موقف التجريبية الشديدة في هذه الحالة هو إنكار أن هناك قطّةً داخل العاصفة الثلجية أو على أقل تقدير عدم الجزم بأي معرفة بوجودها من عدمه، ولكن في الحقيقة وبالاستناد لأدوات فكرية أخرى بحوزتك يمكن الوصول لاستنتاج أن هناك قطة في العاصفة الثلجية بغض نظر عن إمكانية رؤيتها بالعين المجردة أم لا.

لم تمرّ المشاكل التي واجهت التجريبية الشديدة دون معالجة من قِبَل التجريبيين، فقد استجابوا لذلك عبر تضعيفهم لتعريف الإمبيريقية بإعادة تعريفها على أنها الرأي القائل بأنه يمكننا معرفة شيءٍ ما إذا تم تأكيده أو دعمه عبر التجربة الحسية فقط -وسأسمي هذا الشكل التجريبية الضعيفة- بينما تمسك البعض الآخر بشكل دوغمائي بالرأي الأساسي القائل بأن الطريق الوحيد للحقيقة هو عبر الملاحظة المباشرة وأن الملاحظة المؤيدة غير المباشرة ليست كافيةً. خلقت ردة الفعل هذه معضلة حقيقية غير قابلة للحل للتجريبيين، حلل الفيلسوف جون كوتنغهام هذه المشكلة في كتابه “العقلانية”، يقول:

“ولكن ماذا عن (كل المياه تغلي عند ضغط جوي معين عند 100 درجة مئوية)؟ بما أن هذه العبارة تعبّر عن تعميمٍ كوني غير مقيد، فيستلزم من ذلك أنه لا يوجد عدد معين من الملاحظات يمكنها أن تثبت حقيقتها بشكل قطعي، وهناك مشكلة أخرى إضافية وقد تكون مقلقةً أكثر من سابقتها، وهي أننا عندما نصل إلى مستويات عليا في العلم فإننا نجد أنفسنا أمام تراكيب وكيانات غير قابلة لأي شكل من أشكال الملاحظة المباشرة، فالذرة والجزيئات والإلكترونات والفوتونات وما شابهها مما له بنية نظرية معقدة للغاية، نجد أنفسنا أمامها بعيدين تماماً عن عالم الملاحظة التجريبية المباشرة. يميل الوضعيون إلى الرد على هذا المأزق بمحاولة تخفيف معيارهم للمعنى، فقد تم تقرير أن العبارة تكون ذات معنى إذا تم تأكيدها أو تأييدها بالتجربة الحسية، ومع ذلك فهذا المعيار الهش غامضٌ بشكل مزعج، تعبيراتٌ مثل الله أو الحرية أو طبيعة المادة أو المطلق قد لا تكون قابلة للتحقق بشكل مباشر عبر التجربة، وهكذا يصبح الوضعيّ أمام معضلة كارثية: إما أن يجعل معياره صارماً للغاية بحيث يستبعد التعميمات والعبارات النظرية لعلم، وإلا سيتعين عليه أن يُضعِف معياره بشكل يفتح الباب أمام التكهنات الميتافيزيقية، وهذه المعضلة ظلّت دون حلٍّ حتى يومنا هذا”[41].

وتعقيباً على ما سبق، بما أن الاستقراء والتجريبية أدواتٌ تستخدم لاستمداد المعرفة من البيانات العلمية فلا يمكن للعلم التجريبي أن يدّعي اليقين، فلديه تلك الإشكالات الجلّية في اللامحسوس وتعذّر ضمان أن عملية الملاحظة التالية ستكون مطابقة لما سبقها من ملاحظات، مما يجعل ملاحظاتنا غير محيطةٍ بالظواهر الطبيعية إحاطةً تامة، فالعلم ابن ساعته، بمعنى أنه يتغير بتغير الملاحظات المستقبلية، ولأجل أن يكون العلم يقينياً يجب أن يحيط بجميع الظواهر الطبيعية وهذا أمر مستحيل.

لذلك فاستخدام المنهج العلمي الذي لا يفيد اليقين في محاولة لتبرير كتابٍ متطلّبٍ لليقين هو أمرٌ واضح الإشكال وضعيف البُنية المنطقية.

 

العلم ذو طبيعة متحركة لذا يتغير عبر الزمن

إن ادعاء أن هناك إعجاز علمي في آيةٍ معينة أمر غير متسق من الناحية النظرية، يرجع ذلك لحقيقة أن العلم يتغير بناءً على الملاحظات والدراسات المستحدثة، لذا فإن ادعاء أحدهم أن آية ما معجزةٌ علمياً يحمل في طيّاته ضمانة المدّعي أن العلم لن يتغير أبداً، وادعاء مثل هذا ينمّ عن جهلٍ شديد، جهلٍ بحقيقة أن العلم يتغير بناءً على الإشكالات التي خرجت من بَوتَقة الاستقراء والتجريبية، فهذه الإشكالات كما ناقشناها سابقاً تبيّن علّة الطبيعة المتحركة المتغيرة للعلم الطبيعي، فإمكانية التوصّل لملاحظات وبيانات جديدة سيظل أمراً قائماً دوماً. نستنتج من هذا التعريف أنه لا يمكن ادعاء أن آية ما معجزةٌ علمياً لأن توكيد هذا الأمر يلزم منه أن العلم ثابتٌ وهذا أمرٌ مستحيل.

لتوضيح هذه النقطة خذ على سبيل المثال حالة المسلمين الذين عاشوا في القرن التاسع عشر للميلاد، كانت الأوساط العلمية والأكاديمية تؤكد حينها أن الكون ثابتٌ وليس له بداية فيما كان يُعرف بنظرية الحالة الثابتة “Steady State Theory” أو نظرية الكون اللامتناهي، فإذا كان القرآن يُخبر أن الكون له بداية فهل يعني ذلك أن المسلمين الذين عاشوا في ذلك القرن شكّكوا في القرآن؟ والجواب لا قطعاً، فالمسلمون يؤمنون بالمصدرية الإلهية للقرآن وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا يمهد لفكرة: أن القرآن مصدره من الله عز وجل وأن العلم سيكشف في مرحلةٍ ما أن الآيات القرآنية تتماشى مع الواقع والحقيقة. هذا الافتراض ينتمي لفضاء سردية الإعجاز العلمي مع افتراض مسبق أن القرآن إلهي المصدر.

ومع ذلك فالافتراض السابق ليس مشكلاً لأنه يقودنا إلى منهجية جديدة ستساعد في استخدام الآيات المشيرة إلى الظواهر الطبيعية بطريقةٍ أكثر توازناً ودقّة.

 

العلم ليس السبيل الوحيد للوصول للحقائق عن العالم والواقع

يتضمن خطاب الإعجاز العلمي افتراضاً قائلاً أنّ العلم هو السبيل الوحيد لوصول لحقائق العالم، وهو ما يُعرف بالعلموية. باختصار تدعي العلموية أن العبارة لا يمكن أن تكون صحيحةً ما لم يتم إثباتها علمياً، بمعنى أنه إن تعذر إثبات صحة شيءٍ ما عبر المنهج العلمي التجريبي فهو خاطئ بالضرورة. والعلموية تُنبئ عن عدّة إشكالات فمنها:

  1. العلموية ذاتية الدحض، فهي تدّعي أن افتراضاً ما غير صحيح إن لم يُثبت علمياً، ولكن هذا الادعاء نفسه لا يمكن إثباته علمياً! إن هذا كقول “لا يوجد جملة في اللغة الإنجليزية تحتوي على أكثر من ثلاث كلمات” أو قول “أنا لا أستطيع نطق كلمةٍ واحدة بالإنجليزية” باللغة الإنجليزية![42]
  2. العلموية لا يمكنها أن تثبت المعارف الضرورية كالرياضيات والمنطق، أمثلة على هذا: القياس الاستثنائي كقول: إن كان هذا (أ) فهو (ب)، لكنه (أ) إذاً فهو (ب)[43]. و 3+3=6 كلها حقائق عقلية ضرورية لا تنتمي للتعميمات العامة التجريبية[44].
  3. العلموية لا يمكنها أن تثبت الحقائق الأخلاقية والجمالية كالحب والجمال والصواب والخطأ.
  4. العلموية لا يمكنها أن تثبت مصادر المعرفة الأخرى، كالمعتقدات المبررة بـ”الخبر المتواتر”، المشكلة الرئيسية للعلموية أن الحقائق لا يمكن أن تنشأ خارج إطار النموذج العلمي، فالخبر والشواهد المتواترة مصدرٌ معتبر لتحصيل المعرفة فقد أسهب علماء نظرية المعرفة في شرح أن أقوال الآخرين يمكن أن تكونّ أساساً للحقائق ضمن معايير معينة.

إن اعتبار الخبر مصدراً للمعرفة هو أحد فروع نظرية المعرفة والذي يهتم “بدراسة كيفية اكتساب المعرفة والاعتقادات المبررة من أقوال الآخرين”[45] لذا أحد الأسئلة المركزية التي يحاول الإجابة عنها هو “كيف يمكننا أن ننجح في تحصيل المعرفة أو المعتقدات المسوَّغة بناءً على ما يخبرنا به الآخرون؟”[46]

تُبنى كثير من الحقائق على فكرة الخبر المتواتر لأننا عادةً نثق بكلام الآخرين وليس لدينا دافعٌ لنرفض أو نكذّب ما يقولون، ويكون ذلك خصوصاً عندما يكون لدينا العديد من الأشخاص يخبروننا بنفس الأمر عبر طرق متعددة ومختلفة فيما يُعرف في الفكر الإسلامي بمصطلح “التواتر”. يسلط البروفيسور جاي كودي الضوء على بعض الحقائق التي نؤمن بها بناءً على التواتر: “الكثير منا لم يروا طفلاً يُولد ولم يفحص معظمنا الدورة الدموية…”[47]

يشرح البروفسور المساعد بنجامين ماكمايلر في كتابه: “Testimony, Truth and Authority” أن بعض الأشياء التي يعرفها مبنية على أقوال الآخرين:

“هذه بعض الأشياء التي أعرفها: أعرف أن الأفعى نحاسية الرأس هي أشهر الأفاعي السامة في منطقة هيوستن، وأعرف أن نابليون خسر معركة واترلو، وأعرف أنه بينما أنا أكتب الآن سعر الوقود في الولايات المتحدة هو 4.1$ /غالون، وأعرف أن والداي قد عادا مؤخراً للمنزل من رحلةٍ إلى كندا، كل هذه الأشياء أعرفها بناءً على ما يُعرف عند علماء نظرية المعرفة بالشهادة، بناءً على إخباري بها عن طريق شخصٍ آخر أو مجموعة أشخاص”[48].

وعموماً هذا موضوع بحثٍ واسعٍ جداً لكن الشاهد أن هناك إجماعاً عاماً على كون الشهادة الموثوقة مصدراً للمعرفة، لكن هناك اختلاف بين علماء نظرية المعرفة حول كيفية التحقق من صحة نقل المعرفة عبر الشهادة أو الخبر. العجيب أن العلماء التجريبيين أنفسهم يحتاجون إلى الشهادة كمصدرٍ للمعرفة من أجل فهم العلم نفسه، فهناك العديد من الافتراضات في العلم الطبيعي تستند بشكل تامٍ إلى أقوال علماءَ آخرين.

ومهما كان النقاش حول الشهادة فالنقطة الأساسية التي يجب إثارتها هي أنها مصدر صحيحٌ للمعرفة مما ينفي أن العلم التجريبي هو المصدر الوحيد. يلخص بروفيسور كيث ليهرر مصداقية الشهادة كمصدرٍ للمعرفة: “السؤال الأخير الذي يطرح نفسه بشأن قبولنا لشهادة الآخرين هو: ما الذي يحوّل قبولنا لشهادات الآخرين إلى معرفة؟ الشطر الأول من الإجابة هو أننا يجب أن نكون ذوي مصداقيةٍ حينما نقيّم مصداقية الآخرين، ويجب أن نقبل أنهم فعلاً جديرون بالثقة. بالإضافة إلى أنه يجب أن تكون مصداقيتنا متصلة الصحة، أي أن الآخرين يجب أن يكونوا ذوي مصداقية وهم أيضاً يجب أن تكون مصداقيتهم متصلة الصحة، ويجب علينا أن نصدق بذلك إن صحّ، وباختصار فإن قبولنا لشهادتهم يجب أن يكون مبررًا بطريقة لا تدحضها أو تنقضها أي أخطاء نرتكبها في تقييمهم وتقييم شهاداتهم، هذه الأقوال غير القابلة للدحض والخالية من الأخطاء لشهادات الآخرين هي المعرفة المتحصلة”[49].
ينبني منطقياً على ما سبق أنه بما أن العلم ليس الطريقة الوحيدة للوصول إلى استنتاجات حول الأشياء فيجب علينا إذن أن نؤمن في إمكانية وجود طرق أخرى للمعرفة، لذلك فإن افتراض أن العلم هو المعيار الوحيد لإثبات صحة القرآن أمر خاطئ.

 

5– الآيات “غير العلمية”

بعض الآيات في القرآن الكريم “غير علمية”[50] في الوقت الحاضر، وهذا لا يعني أن الآيات القرآنية تحوي أخطاءً أو أن مصدرها ليس من الله عز وجل (ناقشنا سابقاً أن العلم الطبيعي ليس الطريقة الوحيدة للوصول للحقائق الكونية وأنه يواجه العديد من الإشكالات في كيفية تحصيل المعرفة من البيانات التجريبية) بل يدلّ ذلك أن معرفتنا العلمية محدودة ولم تصل بعد إلى الاستنتاجات الصحيحة. السبب في ذكري للآيات غير العلمية هنا لأبين للقارئ عدم اتساق منهجية الإعجاز العلمي مع منهجية القرآن الكريم، حيث يكمن عدم الاتساق في أنه لو كان العلم الطبيعي معياراً يستخدم للتحقق من أصولية القرآن الإلهية فيلزم من ذلك أن تتوافق جميع الآيات مع الاستنتاجات العلمية، وبالنظر إلى أن بعض الآيات لا تتماشى مع العلم في الوقت الحالي فهذا يعني إما أن القرآن خطأ – وبالتالي تفقد المصدرية الإلهية – أو أن الأصل أنّ القرآن حقٌ وأن العلم سيتدارك نفسه في المستقبل، وقد حُلّت هذه المعضلة – على الأقل بالنسبة للمسلمين- من خلال تأكيد مرجعية القرآن الإلهية وطبيعة العلم المحدودة، وبذلك يتقلّص نطاق ادعاء الإعجاز العلمي في الخطاب القرآني ويصبح موافقاً لمفهوم: أن القرآن الكريم كلام الله عز وجلّ وأن العلم الطبيعي المتماشي معه هو الصحيح، وما خالفه غير صحيح.

وإليك مثالاً على آيةٍ غير علمية، يقول الله عز وجلّ: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[51].

تتحدث هذه الآيات عن آدم وحواء عليهما السلام، حيث تشير إلى أنهما هبطا من الجنّة إلى الأرض مما يوحي أنهما خُلِقا بشكل تام قبل نزولها للأرض، هذا التفسير المتفق عليه يتعارض بشكلٍ صريح مع العلم الطبيعي[52]، فنظرية التطور تؤكد أن البشر قد تكوّنوا عبر الانتخاب الطبيعي والطفرات العشوائية على الأرض عبر فترات زمنية طويلة، كما تشير النظرية أن للإنسان أصل مشترك مع الأنواع غير البشرية. إحدى المحاولات للتوفيق بين نظرية التطور والتفسير الديني للقرآن هي قبول التطور للكائنات غير البشرية واعتبار خلق آدم معجزةً منفصلة عن العملية التطورية، والإشكال في هذه الحجّة أنه بما أن الأدلة العلمية التي دلّت على تطور الأجناس غير البشرية هي نفسها -أو مشابهة- للأدلة التي استُخدِمت لإثبات تطور الإنسان فمن المغالطة ادعاء أن خلق آدم معجزة بمعزِل عن باقي الأجناس، حيث سيترتب على ذلك أن يُقبل الدليل العلمي لطرفٍ ويرفضه لطرفٍ آخر مما يجعله رفضاً للعلم كله ويُوقِع في مغالطة.[53]

 

6- المعجزات والبساطة، وملحوظة في علم أصول التفسير

إن ادعاء أن شيئاً ما معجزٌ يعني عدم وجود تفسيرٍ طبيعيٍّ معقول، في هذه الحالة ولأجل أن تكون الآية معجزةً يجب ألّا يكون هناك أي علاقة رابطة بين الآية وطبيعة المعرفة في زمان نزولها كما يجب ألا يكون هناك تفسير لغوي بديل متاحٌ لتفسير الآية القرآنية، هذا التفسير للمعجزة بتطبيقه على الآيات القرآنية يبيّن عدم اتساق الرؤية المتبناة من قبل العديد ممن يحاولون إيجاد شيءٍ معجزٍ علمياً في السياق القرآني.

لأجل أن تكون الآية معجزةً من المنظور اللغوي لابد أن تشير إلى معنىً واحدٍ فقط، فلو توفرت لدينا معانٍ أخرى فسيكون من العقلانية اختيار المعاني المباشرة والغير العلمية بدلاً من المعاني التي تدلّ على الإعجاز، ولأجل ذلك أيضاً يجب ألّا يرتبط المعنى بأي من المعارف والعلوم المتعارف عليها في ذلك الوقت، لكن وبما أن طبيعة الآيات القرآنية تسمح بأكثر من تفسير (ضمن نطاق معيّن بالطبع) فلا أساس لادعاء الاعجاز العلمي للآية، وحقيقةُ أن اللغة المستخدمة في الخطاب القرآني في الآيات التي تشير إلى معالم الظواهر الطبيعية ليست أحادية وقاطعة المعنى تكشف عن المأزق الخطر لخطاب الإعجاز العلمي، هناك ببساطة معانٍ بديلة أخرى تمكّننا من تفسير الآيات طبيعياً، والمعارف كانت متاحةً حينها لتفسير الآيات وفقاً لها، لذا فالقدرة على التوصل لرابط بين المعارف الموجودة ومعاني الآيات لأجل تفسيرها يمحي كل ادعاءٍ لاعجاز علمي.

 

ملحوظة في علم أصول التفسير

قد أكدنا أن كون آيةٍ ما إعجازية يلزم منه أن يكون معنى الآية قاطع ومؤكد، وهذا مما لا يمكن التوصل إليه في ضوء علم أصول التفسير، فعندما لا يُوجد تفسير لآيةٍ ما في الأحاديث النبوية أو كلام الصحابة رضي الله عنهم والتابعين يتم النظر للمعنى اللغوي للآية، عند تقديم المعنى اللغوي يتعين على المرء الرجوع إلى التقاليد التراثية والقواميس العربية المعروفة حيث سيتوصل الباحث لمجموعةٍ من المعاني لكلمةٍ معينة. القاعدة العامة هي أنه لا يمكن لأحدٍ ادعاءُ أن المعنى الذي اختيرَ هو المعنى الذي أراده الله عز وجلّ، لا يستطيع أحدهم أن يدّعي ببساطة أن الكلمة (أ) تشير إلى المعنى (ب)، بل المنهج القويم هو القول بأن الكلمة المعنية لها هذه المجموعة من المعاني وأن الكلمة (أ) قدْ تعني المعنى (ب). هذه الطبيعة لمعاني الكلمات تبيّن بوضوح كيف أنه لا يمكن ادعاء الإعجاز بهذه السهولة، فادعاؤه يعني ادعاءَ أن المعنى الذي تم اختياره لتفسير الآية هو المعنى الذي قصده الله عز وجلّ.

 

منهجية جديدة

فماذا الآن؟ كيف نغير من اتجاه هذه الموجة المتبنية للطريقة العلمية في القرآن والتي اجتاحت دعاة المسلمين؟ كيف نحوّل الخطاب؟ الجواب ببساطة هو أننا نحتاج لمنهجية جديدة، هذا الخطاب الجديد هو ما وصفه بروفيسور الفيزياء وعلم الفلك نضال قسّوم بالمنهجية “متعددة المستويات”[54].

هذه المنهجية الجديدة قائمة على الأسس والمبادئ التالية:

1- القرآن يتيح معانٍ متعددة ذات مستويات متعددة

2- فهمنا للعلم والظواهر الطبيعية يتغير ويتطور مع مرور الوقت

3- القرآن دقيق وصحيح المصدر

4- في حالة وجود اختلاف غير قابل للتوفيق بين الحقيقة القرآنية والحقيقة العلمية يجب عمل التالي:
إيجاد معنىً للآيات يتناسب مع الاستنتاج العلمي

– إذا لم تتطابق المعاني مع الاستنتاج العلمي فيجب تطوير العلم.

– ابحث عن معنى غير علمي، قد تكون الآية نفسها متعلقة بأشياء غير مادية كالحقائق غير المرئية أو الروحية أو الوجودية.

يطرح مستنير مير، بروفيسور الدراسات الإسلامية في جامعة يونغزتاون منهجيةً مشابهة: “من الممكن تمامًا من وجهة نظر لغوية أن تحمل كلمة أو عبارة أو جملة مستوياتٍ متعددة من المعاني بحيث يكون مستوىً ما منطقياً لجمهورٍ في زمنٍ معين، ويكون مستوىً آخر ذا معنىً لجمهور آخر في عصرٍ لاحق دون نفي المعنى الأول”.

“كلمة يسبَحون في الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ الأنبياء 33، أوجدت إحساساً جيداً بالمعنى لدى العرب في القرن السابع الميلادي الذين يشاهدون هذه الظواهر بالعين المجردة، وهي ذات معنى أيضاً بالنسبة لنا في ضوء المكتشفات العلمية الحديثة (كالميكانيكا السماوية)”[55].

لنوظّف مثالاً آخر لنوضح نقطة البروفيسور مير ونطبق المبادئ والأسس التي ذكرت آنفاً، ذكر الله عز وجل كلمة ﴿علقة﴾ في سورة المؤمنون آية 14، والتي قد تعني مادّة عالقةً أو العلقة الدودية، أو كتلة دم متخثرة، أو دماً بالمعنى العام[56]، استُخدِمت هذه الكلمة في الآية لوصف مراحل تطور الجنين البشري. سنحلل الأمر على عدة مستويات باستخدام منهجية المستويات المتعددة كالتالي:

1- ملائمة وقت النزول: إن المعنى الذي يشير إلى العلقة أنها مادة علقية أو كتلة دم متخثرة تُرى بالعين المجردة قد استخدم من قَبلْ من قِبل الأطباء اليونانيين والعبرانيين القدماء ممن سبقوا زمن النبوة[57]، وبالتالي ومن هذا المنظور فالمعنى يتفق مع المعطيات العلمية لذلك الزمن

2- ملائمة وقتنا الحاضر: تشير كلمة ﴿علقة﴾ أيضاً إلى الديدان العلقية ويمكن أن يرتبط إما بالمظهر الخارجي أو الداخلي على حدٍّ سواء[58]، لم يُكتشف هذا المنظور للجنين إلا بعد القرن الخامس عشر الميلادي، وعلى الرغم من أن الجنين في هذه المرحلة (عمر 22–25 يوم) يمكن رؤيته بالعين المجردة إلا أنه بحجم النواة أو حبة القمح ومثل هذه التفاصيل لم يتمكن العلم من رؤيتها بدون استخدام المجهر[59] والذي اكتُشف في القرن الخامس عشر للميلاد[60]. شاهد بعض الصور أدناه مأخوذة من مقال إلياس كريم، “علم الأجنة في القرآن: مرحلة العلقة”[61]:

شكل1: التركيب الخارجي لدودة العلقة مقارنةً بعلقة الجنين:

صورة1

شكل 2: التركيب الداخلي للدودة العلقية مقارنةً بعلقة الجنين البشري:

صورة2

لكن هذا لا يعني الإشارة إلى معجزة، لأن التفسير أعلاه لكلمة علقة غير مؤكد ويمكن للمتشككين أن يجادلوا في أنه قد يكون مجرد تخمين (هناك أيضًا مشكلة اعتبار المعنى الحرفي للكلمة معنىً مجازياً، وهذا البحث خارج نطاق المقال لكني أتبنى وجهة النظر القائلة بأن الفهم الشامل للأسلوب العربي والقرآني سيوصل إلى نتيجة فهم هذه الكلمة على أنها علقة بالمعنى الجنيني وليس بمعنى أنها دودة علقية)، ومع ذلك فالمغزى هنا ليست مناقشة المعجزات ولكن توضيح وجهة نظر أن القرآن متعدد المستويات من ناحية المعنى وبالتالي يمكنه معالجة وجهات نظر وتفسيرات مختلفة.

 

3- المنظور غير العلمي الثابت: تمارس الدودة العلقية دور الطفيليات فهي تتشبث بالمضيف وتبدأ بامتصاص الدم منه، يمكننا أيضاً أن نشبه الجنين بالطفيلي حيث يتغذى على موارد أمه، هذا التشبيه يجدر به أن يجعل الإنسان يخفض جناح الذل من الرحمة لوالديه وخاصةً أمه، فقد ضحّوا بالكثير لأجل أن نُوجد في هذه الحياة، وهذا يذكرنا بأننا لسنا مستقلين، مكتفين ذاتياً أو أحراراً، فها نحن في مراحل تطورنا في الرحم اعتمدنا بشكلٍ كامل على أمهاتنا، يجب أن يغرس هذا شعوراً بالتواضع واستيعاب أننا جميعًا نعتمد على بعضنا البعض، ومعتمدون في النهاية على معية الله عز وجلّ.

وعودةً بعد الاستطراد، فمن المثير للاهتمام أن هذا التماثل والمقارنة بين الدودة العلقية والعلقة الجنينية قد ذكره روبرت وينستون أستاذ العلوم والاجتماع والأستاذ الفخري لدراسات الخصوبة في كلية إمبريال:

“تأخذ الدودة العلقية كل ما تحتاجه للعيش عن طريق امتصاص دم ما تلتصق به، فعند التصاقها بجسدي مثلاً فهي تبدأ بامتصاص دمي وتتغذى على ما تحتاجه لتبقى حية، هي تعيش حرفياً معتمدةً علي وعملية الحمل تتشكل أيضاً من خلال نوع مماثل من العلاقة الطفيلية، على عكس العلقة فإن الجنين النامي لا يمتص دم الأم ولكنه يستفيد من دمها للحصول على المواد الأساسية التي يحتاجها للنمو، كلا العلقتين، الجنين والدودة، يشتركان في التغذي والاعتماد على غيرهما”[62].

4- اكتشافات مستقبلية: في حال غياب الرابط بين معنى آيةٍ أو كلمةٍ في آية وبين المكتشفات العلمية، فإن المعنى قد يحفز للوصول لمكتشفات أو معلومات جديدة ولتطوير حلول علمية مبتكرة.

إذا لم ينتج التحليل متعدد المستويات السابق أي نتيجةٍ ذات معنى فقد تفتح الاستنتاجات والاكتشافات العلمية المستقبلية الأبواب أمام فرصٍ أخرى للوصول لتحليلات ذات نتائج منطقية. هذا يؤكد مبدأ أن القرآن دقيق وصحيح المصدر، وهذا ليس أمراً اعتباطياً حيث أن هناك عددًا لا يحصى من الحجج التي تشير إلى أن القرآن فيه إشارات للماورائيات، أو بعبارة أخرى أنه من عند الله، وعلى الرغم من أنه ليس ضمن نطاق البحث في هذا المقال إلا أن أحد الأمثلة التي تظهر أن القرآن إلهي المصدر تلك الحقيقة أنه لا يمكن أن يضاهى في البلاغة والبيان[63].

 

كيف نوضح الأمر بطريقة سهلة وبسيطة

بالنسبة للمهتمين بكيفية توضيح ذلك بطريقة بسيطة، أقترح هذه العملية التالية:

1- عند الحديث عن الوحي الإلهي ناقش:

– حقيقة أن الحقائق التاريخية المذكورة في القرآن لم تكن معروفة عند نزول الوحي

– الإعجاز البلاغي واللغوي للقرآن

– حقيقة أن القرآن محفوظ

– مراد القرآن ورساليته

– مفهوم الإله في القرآن

– الميزات الأخرى للقرآن

2- بعد تأكيد معقولية أن القرآن مصدره من الله عز وجلّ يتم مناقشة قضية منهجية تعدد مستويات دلالات الآيات القرآنية كما ناقشنا سابقاً، وهنا مثال عملي:

“أتعلم ما المدهش في القرآن؟ إن القرآن يعالج مستويات مختلفة من الفكر ويتناول مستويات مختلفة من الفهم في فترات مختلفة من تاريخ البشرية، فمثلاً في الآية 14 من سورة المؤمنون ذكرت كلمة ﴿علقة﴾ لوصف مرحلة من مراحلة تطور الجنين، هذه الكلمة قد تعني دماً متخثراً أو دودة علقية أو قد تشير إلى شيء طفيلي، أكدت المعرفة المنتشرة في القرن السابع الميلادي أن الجنين كان يرى أنه أشبه بالكتلة الدموية المتخثرة أو أنه علقةٌ طفيلية، المدهش أنه في القرن الحادي والعشرين تم اكتشاف أن العلقة الجنينية تبدو تحت المجهر كالعلقة الدودية، حتى التركيب الداخلي للعلقة يبدو مماثلاً للجنين في عمر أربعة أسابيع خلال مراحل تطوره. يمكن أن تشير كلمة علقة أيضًا إلى أننا عندما كنا أجنة، كنا نستنزف موارد أمهاتنا تمامًا كما تفعل العلقة، لذلك يجب أن نحب أمهاتنا أكثر وأن نخفض لهم جناح الرحمة والتواضع لأنهن ضحوا عن طيب خاطر من أجلنا. هذا جانبٌ خلاب في القرآن في قدرته على معالجة مستويات متعددة من مفاهيم ذات طابعٍ زمني مختلف، فإذا كانت بعض الآيات لا يتوافق معها العلم الحديث فسوف يتدارك العلم نفسه مستقبلاً، كما وقد أثبتنا أن القرآن حقٌ دون الحاجة للرجوع إلى العلم الطبيعي، لذا فإن ما يذكره القرآن حقٌ لا مريّة فيه، والعلم الطبيعي كما تعلمون أيضاً ليس مطلق الحقيقة، فهو يتغير مع مرور الوقت وأن هناك احتمالية للمزيد من الملاحظات والتجارب والاستنتاجات الجديدة”.

 

كيف يمكن تحقق الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟

في ضوء ما سبق قد يجادل المسلمون الذين تبنوا الخطاب العلمي التجريبي في القرآن بأن ما قدمته يعبر عن منظور متشائم، وقد يشيرون أيضًا أنني لم أقم بتقديم طريقة أو معايير حول كيفية تقييم ما إذا كان يمكن وصف الآية بأنها معجزة علمياً. إن السبب الرئيسي لما أراه من عدم اتساق خطاب العلم التجريبي في القرآن يندرج تحت فلسفة العلم، ومع ذلك يمكننا القول إنه يمكن اعتبار الآية معجزةً علمياً إذا تحققت فيها المعايير التالية:

1- يجب أن يكون للآية تفسير/معنى مرتبط بحقيقة علمية

2- يجب أن يكون التفسير/المعنى غير غامض وواضح الدلالة

3- يجب أن تقع الحقيقة العملية ضمن نطاق المعاني والتفسيرات للآية

4- الرابط بين الحقيقة العلمية وتفسير/معنى الآية يجب أن يكون قوياً

5- يجب أن يكون العلم الذي تشير إليه الآيات أقرب ما يمكن للحقيقة العلمية، أي يجب ألا يكون نظرية لا زالت تحت الدراسة

6- يجب إثبات أنه لا يوجد تفاسير طبيعية أخرى يمكنها أن تفسر الارتباط بين معاني/ وتفاسير الآية وبين الحقائق العلمية، أي يجب أن تكون هناك دراسة شاملة لتاريخ العلم لإثبات ذلك (مثل هذه المعرفة العلمية قد تكون مستحيلة الاكتشاف ولم يناقش أحد في الماضي أو يختبر إمكانية التوصل لمثل هذه المعرفة).

7- إذا توفرت هذه المعرفة العلمية وجب حينها إجراء دراسة شاملة للتاريخ النبوي والعربي لاثبات استحالة توصل النبي ﷺ أو أحد من زمنه إلى مثل هذه المعلومات.

8- إذا كانت الآية المعنية لها تفسير/معنى بديل مناسب وأبسط “غير علمي” فيجب حينها إجراء تحليل احتمالي لمعنى الآية، ولاعتبار أن الآية معجزة عملية يجب أن يُظهر تحليل الاحتمالية أنه لا يمكن لها أن تأتي من شخصٍ عاش في القرن السابع (من المنظور التاريخي والثقافي واللغوي). قد يأخذ تحليل الاحتمالية بعين الاعتبار أن بعض المعاني/التفسيرات الممكنة تتوافق بالفعل مع الحقائق العلمية.

على الرغم من أن هذه المعايير المقترحة لإنقاذ سردية الخطاب العلمي في القرآن لا تزال قيد التنفيذ، إلا أنني شخصياً أجد أنه من المستحيل عملياً تحقيق المعايير المذكورة أعلاه، يجب على العلماء والمفكرين والمدافعين تطوير هذا الأمر أكثر.

 

خاتمة

توصلنا في نهاية هذه المقالة إلى أن خطاب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم غير متسق، واقترحنا منهجاً جديداً للتوفيق بين العلم والقرآن، وآمل أن يتبنى القراء المنهج الجديد حتى يظهر لدينا خطاب جديد في الفضاء العام قادر على تحمل النقد العلمي مع تسليط الضوء على طبيعة خطاب القرآن الصالح لكل زمان. أنا أعلم أن هذا المقال قد يثير بعض القراء وخاصة أولئك الذين تبنوا الإعجاز العلمي في سرد القرآن، وليس المقصد إستثارة المشاعر ولكن تقديم خطاب جديد متماسك للدعوة والدعاة المسلمين. أرجو الله عز وجلّ أن يفتح هذا المقال باب النقاش والحوار الذي نحن بحاجته، فمن خلال التواصل بيننا وتبادل الأفكار والتدقيق في الأساليب التي ننتهجها، حينها فقط نتمكن من إيجاد حلول وإجابات للإشكالات المعاصرة.

اقرأ ايضًا: كَيْفَ جُمِعَ القُرْآنُ؟


[1] https://www.google.co.uk/search?q=quran+science&oq=quran+science&aqs=chrome.0.69i57j0l3j69i61j69i62.6621j0&sourceid=chrome&ie=UTF-8

[2] Bigliardi, S. (2011), Snakes from Staves? Science, Scriptures, and the Supernatural in Maurice Bucaille. Zygon, 46: 793–805. doi: 10.1111/j.1467-9744.2011.01218.x

[3] “شراكات غريبة: كيف يلعب العلماء الغربيين دوراً حاسماً في الترويج للعلم الطبيعي في القرآن” بقلم داينيال غولدن، صحفي في وول ستريت، 3 يناير 2002، ص A.1 ونشر على موقع جامعة كاليفورنيا، كلية فوليرتون بواسطة د.جيمس سانتوتشي

[4] هنا مثال: عالم يستنكر ادعاءات الإعجاز العلمي: http://www.youtube.com/watch?v=ClHuG880pqU

[5] كتب بواسطة اللغوي حسين عبدالرؤوف، راجع الصفحات 166-169

[6] د.ذاكر نايك – القرآن والعلم الحديث: http://www.youtube.com/watch?v=r5h6CNhtVls

[7] يوسف إستس – العلم في الإسلام: http://www.youtube.com/watch?v=G6ehcirhZ-g

[8] http://www.youtube.com/watch?v=3T5Pm7qLH50

[9] يمكنك تحميل نسخة من هنا: http://www.iera.org.uk/downloads/Embryology_in_the_Quran_v2.pdf.

[10] يمكنك تحميل نسخة من هنا: http://www.scribd.com/doc/110224187/2-101612-Embryology-in-the-Quran-Much-Ado-About-Nothing.

[11] http://corpus.quran.com/qurandictionary.jsp?q=qrr#

[12] http://corpus.quran.com/qurandictionary.jsp?q=mkn#

[13] ذكر العلامة ابن كثير أن هذه الكلمات تشير إلى الرحم. انظر: http://www.qtafsir.com/index.php?option=com_content&task=view&id=2481&Itemid=78.

[14] http://corpus.quran.com/wordbyword.jsp?chapter=21&verse=33

[15] http://www.qtafsir.com/index.php?option=com_content&task=view&id=2321&Itemid=68، والقول هو قول هو إياس بن معاوية.

[16] http://corpus.quran.com/qurandictionary.jsp?q=nzl#

[17] http://mineralsciences.si.edu/collections/meteorites.htm#3

[18] الحديد، آية 25

[19] انظر: قصة الكيمياء، ن.س. داتا ص22، روح مصر القديمة، آنا رويز، نشر بواسطة آلغورا ص72: أصول وتطور الكيمياء التطبيقية. جيمس بارتينغتون ص87 Ayer Company Pub: http://www.digitalegypt.ucl.ac.uk/metal/metalinegypt.html

[20] http://corpus.quran.com/qurandictionary.jsp?q=nwr#

[21] يونس، آية 5

[22] انظر: Doxographi on Thales, Aet. ii. 1 ; Dox. 327.، تجد هنا المصدر الإلكتروني: http://history.hanover.edu/texts/presoc/thales.html.

[23] انظر: The Doxographists on Anaxagoras, Hipp. Phil, 8 ; Dox. 561 260-1.

[24] النبأ، آية 6-7

[25] إنجيل يوحنا 2-6: http://biblehub.com/jonah/2-6.htm

[26] Reading Jonah in Hebrew. Duane L. Christensen. Bibal Corporation. 2005, p. 16.، هنا الرابط: http://www.bibal.net/04/proso/psalms-ii/pdf/dlc_reading-jonah-b.pdf.

[27] الأنبياء، آية 30

[28] http://www.eridu.co.uk/Author/myth_religion/egyptian.html

[29] http://etcsl.orinst.ox.ac.uk/cgi-bin/etcsl.cgi?text=t.1.8.1.4#

[30] رواه مسلم (1442) كما جاء في الموطأ باب الرضاع، حديث 16

[31] إيرا لابيدوس، تاريخ المجتمعات الإسلامية، كامبردج، ص 14

[32] أمين أحسن إصلاحي، تدبر القرآن، الجزء 1، ترجمه للإنجليزية محمد سليم كياني. صندوق الكتاب الإسلامي، 2007، ص 410.

[33] شبير أختر، القرآن والعقل العلماني: فلسفة الإسلام. روتليدج. 2008. ص217.

[34] Dallal, Ahmad. “Science and the Qur’ān.” Encyclopaedia of the Qur’ān. General Editor: Jane Dammen McAuliffe, Georgetown University, Washington DC. Brill Online, 2013.انظر مرجع حمزة تزورتسيس 19 يوليو 2013: http://referenceworks.brillonline.com/entries/encyclopaedia-of-the-quran/science-and-the-quran-SIM_00375

[35] الموافقات للشاطبي، تحقيق محمد الخير حسين التونسي، 4 مجلدات، مصر: المطبعة السلفية 1922، المجلد 2 ص 80-1

[36] Jalees Rehman “Searching for Scientific Facts in the Quran: Islamization of Knowledge or a New Form of Scientism?’ Islam & science, 2003.

[37] ديفيد هيوم، تحقيق في الذهن البشري. ص108.

[38] أ. أليكس روزنبرغ، فلسفة العلم: مقدمة معاصرة. 2012، ص 198.

[39] Elliot Sober “Empiricism” in The Routledge Companion to Philosophy of Science. Edited by Stathis Psillos and Martin Curd. 2010, p. 129.

[40] المرجع السابق

[41] جون كوتنغهام، العقلانية، نشر Paladin، 1984، ص109-110.

[42] مأخوذة مقتبسة من محاضرة عبر الإنترنت ألقاها البروفيسور ج. ب. مورلاند.

[43] انظر الرابط التالي لفهم ما يعنيه هذا: http://www.philosophy-index.com/logic/forms/modus-ponens.php.

[44] http://www.reasonablefaith.org/is-scientism-self-refuting

[45] Benjamin McMyler. Testimony, Truth and Authority. Oxford University Press. 2011. p 3.

[46] The Epistemology of Testimony. Edited by Jennifer Lackey and Ernest Sosa. Clarendon Press: Oxford. 2006, p. 2.

[47] C. A. J. Coady. Testimony: A Philosophical Study. Oxford University Press. 1992, p. 82.

[48] Benjamin McMyler. Testimony, Truth and Authority. Oxford University Press. 2011. p 10.

[49] Keith Lehrer cited in The Epistemology of Testimony. Oxford University Press. 2006, p. 158.

[50] يقصد الكاتب بمصطلح “غير علمية” أنها لا تتماشى مع العلم الطبيعي المعترف به حالياً (المترجم).

[51] البقرة، آية 38.

[52] اعتبر الكاتب نظرية التطور مندرجة تحت العلم الطبيعي المتفق عليه في هذا السياق، وهذا محل نظر (المترجم).

[53] أتخذت هنا منهجًا معرفيًا للتطور لا ينبني عليه رفض العلم أو القرآن، اقرأ مقالتي هنا: http://www.hamzatzortzis.com/essays-articles/philosophy-theology/has-evolution-been-misunderstood-revelation-science-and-certainty/. (الكاتب).

[54] Nidhal Guessoum. Islam’s Quantum Question: Reconciling Muslim Tradition and Modern Science. I. B. Tauris. 2011. Chapter 5.

[55] اقتبسها نضال قسّوم، المرجع السابق، ص 152.

[56] المصدر: Embryology in the Qur’ān: The ‘Alaqah Stage. Elias Kareem.، انظر الرابط: http://islampapers.files.wordpress.com/2012/02/thealaqah.pdf.

[57] Corpus Medicorum Graecorum: Galeni de Semine (Galen: On Semen) pages 92 – 95.

[58] المصدر: Embryology in the Qur’ān: The ‘Alaqah Stage. Elias Kareem.، انظر الرابط: http://islampapers.files.wordpress.com/2012/02/thealaqah.pdf

[59] للمزيد من المعلومات انظر: http://islampapers.com/2012/07/01/can-alaqah-be-seen/.

[60] http://en.wikipedia.org/wiki/Microscope#History

[61] المرجع السابق.

[62] http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=pwwP_dgriLI.

[63] http://www.hamzatzortzis.com/essays-essays/exploring-the-quran/.

المصدر
hamzatzortzis

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى