الدين

تعلم الإيمان

الإيمان روح المسلم ولا حياة لمن لا روح له، والإيمان على بساطته تدركه الفطرة السليمة التي خلق الله الناس عليها، لكنه لا يُتصوّر على وجهه الصحيح وصورته الكاملة بدون علم وتعلم، فالعلم ضروري لتأسيس الإيمان وتصحيح تصورات المسلم عن الكون والحياة وفهم رسالته التي وُجد من أجلها، وإدراك علاقته بمن حوله ممن وافق دينه أو خالفه، ويتأكد تعلمه في أزمنة هوان أهل الإسلام وتكالب الأعداء عليهم بالشبهات وانتشار الأهواء، تأسيسًا وحراسةً لدين النشء.

والإيمان الذي نتحدث عنه هو أصوله التي لا يستقيم بدونها من مسائل الاعتقاد الواجبة على المسلم ثم المندوب إلى تعلمها أو ما تجب على الكفاية منها، فأما ذلك القدر الواجب منها فما ذكره ابن القيم ت 751ه بقوله: “ثم إن العلم بالمفروض تعلمه ضربان؛ ضرب منه فرض عين لا يسع مسلمًا جهله، وهو أنواع؛ النوع الأول: علم أصول الإيمان الخمسة؛ الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فإن من لم يؤمن بهذه الخمسة لم يدخل في باب الإيمان ولايستحق اسم المؤمن”[1]، وهي أشرف العلوم لتعلقها بذات الله عز وجل وصفاته وأفعاله ثم بملائكته وكتبه ورسله وجنته وناره، فبعلمها نجاة المسلم وفوزه وفي تضييعها ضلاله وخسرانه.

لذا افتتح ابن أبي العز ت 792ه شرح الطحاوية – وهو متن عقدي – بتأكيده على فضيلة ذلك العلم، فقال: “أما بعد فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم. وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، .. وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة، إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها، بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه.ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم، وزبدة رسالتهم، معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها”[2].

وذلك القدر الواجب من الأصول هو ما جاء به كتاب الله وبينته سنة رسوله ﷺ وأجمع عليه صحابته الكرام، لا ما استحدثه المتأخرون من عقليات هي في كثير منها أغلوطات، خالفت الكتاب وأظهرت الخلاف، وفرقت الجماعة، فلا تدخل في القدر الواجب بل إنها أقرب إلى القدر المحرم، وقد نبه ابن تيمية ت 728ه على ذلك بقوله: “وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولاً أو قولاً وعملاً كمسائل التوحيد، والصفات، والقدر، والنبوة، والمعاد، أو دلائل هذه المسائل. أما القسم الأول: فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته، واعتقاده، والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله ﷺ التي نقلوها أيضًا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد، وتمام الواجب، والمستحب”[3]، وكذلك القسم الثاني من دلائل هذه الأصول، حواهما الكتاب والسنة بما فيه الكفاية لإيمان العباد وقيام الحجة عليهم.

فليس شرط العلم بالأصول المتعيّنة على المسلم الخوض فيما خاض فيه الفلاسفة والمتكلمون من الأدلة العقلية والبراهين المنطقية، بل جُلّ ذلك أغلوطات نهت الشريعة عن الخوض فيها وحذر السلف من تعلمها، وإنما الكفاية في الوحي الذي نزل على الصادق المصدوق ﷺ، لذا وجب “التنبيه على أن في القرآن، والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين، وأما ما يُدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين؛ وإن أدخله فيه مثل المسائل والدلائل الفاسدة”[4].

ولجلالة هذه الأصول الواجبة ومنزلة تعلُّمها نزل بها جبريل الأمين معلمًا في هيئة المتعلمين، فأرشد المسلمين لجماع مسائل الدين في الإسلام والإيمان والإحسان والساعة، فقال ﷺ: “فإنه جبريل؛ أتاكم يعلمكم دينكم“، قال القرطبي ت 656ه أي: “قواعد دينكم، أو كليات دينكم “[5]؛ وعلى هذا سارت المنهجية التعلمية في العهد النبوي تعتني بتعليم أصول الإيمان أولًا وتأسيس مسائله وتقديمه على ما سواه من فروع العلم الواجبة، إذ هي الأصل الذي يبنى عليه غيره، والعناية بهذا الأصل تظهر ثمراتها في فروع العلم الأخرى زيادةً في الإيمان، فيحصل الانتفاع المطلوب ويجنى الثمر المرغوب، وهذه التجربة المنهجية وأثرُها حكاها لنا جندب بن عبد الله رضي الله عنه، فقال: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة، “فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا”[6]، وظلت هذه المنهجية النبوية يتوارثها أصحابه رضوان الله عليهم حتى نبغ في الناس من قل اعتناؤهم بتعلم الإيمان وأقبلوا على تعلم القرآن قبل التأصيل الإيماني، لذا قال حذيفة رضي الله عنه موضحًا أصل الانحراف عن المنهجية النبوية التعليمية، وهي الفرقان الرئيس بين جيل الصحابة ومن بعدهم: “إنا قوم أوتينا الإيمان قبل أن نؤتى القرآن، وإنكم قوم أوتيتم القرآن قبل أن تؤتوا الإيمان”[7]، ويعقد صحابي آخر وهو ابن عمر – رضي الله عنه – مقارنة بين هاتين المنهجيتين فيقول: “لقد لبثنا برهة من دهر، وأحدُنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، تنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما يتعلم أحدكم السورة، ولقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يعرف حلاله ولا حرامه، ولا أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل”[8].

ومع غياب التأسيس الإيماني نشأ أقوامٌ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ومن بعدهم خلوفٌ أعرضوا عن القرآن جملةً وأقبلوا على الفلسفة والكلام فزاد الانحراف وانتشر الخلاف وظهرت الفرقة وحار الناس، وأصبح تعلم الأصول عند الكثيرين لا يتأتى إلا من خلال النظر في كلام الرازي ومنطق ابن سينا، فزهّدهم ذلك في تعلم مسائل الإيمان؛ إذا الخوض فيها مرادف للدخول في هذه المتاهات والمشاركة في أجواء التناحر بين الفرق والمذاهب، فأقبلوا على غيرها من فروع العلم على غير أساسٍ وضبط لمسائل الاعتقاد التي ينبني عليها الكثير من هذه الفروع، مع ما صاحب ذلك من تزهيد عامٍ في علوم الشريعة وإهمال الكثير من المسلمين لطلب العلم المتعين عليهم ومعرفة مسائل الحلال والحرام المفترضة في حقهم، يقول ابن تيمية ت 728ه واصفًا هذا النوع المفرِّط الذي يُعرض عن مسائل الأصول تعلمًا وتعليمًا، في مقابل صنف من الغلاة في هذه المسائل تكفيرًا وتضليلًا: “وبإزاء هؤلاء المكفّرين بالباطل؛ أقوامٌ لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبيّنونه للناس بل يكتمونه ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم؛ بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذمًا مطلقًا؛ لا يفرقون فيه بين ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وما يقوله أهل البدعة والفرقة أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة كما يقر العلماء في مواضع الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع، وهذه الطريقة قد تغلب على كثير من المرجئة وبعض المتفقهة والمتصوفة والمتفلسفة كما تغلب الأولى على كثير من أهل الأهواء والكلام، وكلا هاتين الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب والسنة. وإنما الواجب بيان ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وتبليغ ما جاءت به الرسل عن الله والوفاء بميثاق الله الذي أخذه على العلماء فيجب أن يعلم ما جاءت به الرسل ويؤمن به ويبلغه ويدعو إليه ويجاهد عليه..”[9]، وهذا هو منهج الطائفة التي بشر الله ببقائها وظهورها في كل خَلَف يتوارثون هذا العلم الشريف على أصول الكتاب والسنة ينفون عنه تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين.

وأما المعرضون فلعلهم يدخلون في عداد المتوَعَّدين، لإعراضهم عن تعلم الواجب من أصول الدين الذي لا يصح اعتقادهم إلا بها، ولا تقبل أعمالهم مع جهلها، فالإيمان قول وعمل، والإعراض عن شقيه أو أحدهما موجب للوعيد بقدر ذلك الإعراض وآثاره، لذا يتوعد ربنا من أعرض عن كتابه بما حواه من أصول الإيمان ودلائلها، علمًا وعملًا فيقول: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا ۝ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ۝ خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ [طه:99-101]، ويقول سبحانه أيضًا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ۝ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ۝ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه:124-126]، فنسيان آياته – وهي حججه وأدلته – هجرها وعدم الإيمان والعمل بها، والعلم قبل العمل، وقال عز وجل: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن:17].

كما أن في ذلك مشابهة للكافرين الذين كان الإعراض سببًا في كفرهم، فقد جاءتهم البينات من ربهم فأعرضوا عنها لا ينظرون فيها، فلم يؤمنوا بها لمـّا جهلوا الحق الذي بين أيديهم، كما قال الحق عز وجل: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:24]، وهذا هو أصل الفساد كما أشار الرازي ت 606ه: ” أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه، بل ذلك لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد كله وهو عدم العلم، ثم ترتب على عدم العلم الإعراض عن استماع الحق وطلبه”[10].

وكما وصف الله الكافرين في موضع آخر بقوله: ﴿بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:42]، يقول الطبري ت 310ه: “بل هم عن ذكر مواعظ ربهم وحججه التي احتجّ بها عليهم معرضون لا يتدبرون ذلك فلا يعتبرون به، جهلا منهم وسفها”، ثم تأتي الحسرة الكبرى والندامة العظمى، حين يُسأل هؤلاء عن اعتقادهم في القبور فيقول أحدهم لا أدري، هاه هاه، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، أو يوم القيامة فلا يملكون جوابًا، وما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم حين أعرضوا عن العلم بالإيمان والعمل به، يقول ابن كثير ت 774ه في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ﴾ [النمل:84-85]، ” أي: ويسألون عن اعتقادهم، وأعمالهم فلما لم يكونوا من أهل السعادة”[11].

وكان من آثار هذا الإعراض عن تعلم الإيمان ومسائله الكثيرُ من المفاسد العقدية والشرعية، التي عاشت فصولها الأمة ومازالت تعيشها، ولن يرفعها إلا العودة للمنهجية الربانية التي جاء بها الكتاب وبينتها السنة وأظهرتها آثار القرون المزكاة:

فمن أخطر هذه المفاسد الجهل بالأصول الاعتقادية المتعينة على المسلم لا يعرف حقيقتها ولا حدودها فيقع في نواقضها ويأتي بما يضادها من حيث لا يدري وهو لا يشعر، وهو مع ذلك لا يُعذر لإعراضه عنها وتفريطه في تعلمها مع توفر القدرة وانتفاء المانع، فكان جهله بها مكتسبًا لتفريطه في إزالته، يقول أبو العلاء البخاري ت 730ه: “إنما جعل الجهل من العوارض وإن كان أمرا أصليًا؛ لأنه أمر زائد على حقيقة الإنسان وثابت في حال دون حال كالصغر، ومن المكتسبة؛ لأن إزالته باكتساب العلم في قدرة العبد فكان ترك تحصيل العلم منه اختيارًا بمنزلة اكتساب الجهل باختيار بقائه فكان مكتسبا من هذا الوجه[12].

وكان من نتائج هذا الجهل؛ الابتداع في الدين بالإحداث فيه ما ليس منه أو السقوط في شراك البدعة ببمارستها أو الانتساب لها، والإحداث في الدين أمره خطير وعاقبته وخيمة، فأمره خطير على الدين؛ يأتي عليه بالتحريف والتبديل، وعاقبته وخيمة على الفرد بالضلالة والجماعة بالفرقة، لذا حذر منه صاحب الشريعة بقوله: “وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة[13]، يقول ابن رجب ت 795ه: ” فقوله ﷺ: “كل بدعة ضلالة” من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: “من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد[14]، فكُلّ من أحدث شيئا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة”[15]، وإن كان في مسائل الإعتقاد فأشد خطرًا وأعظم جرمًا، كما أُحدث من التفرق في أصول الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة، وما أُحدث من الكلام في أفعال الله تعالى من قضائه وقدره، وما أُحدث من الكلام في ذات الله وصفاته، مما سكت عنه النبي ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، وكل ذلك من نتائج الجهل بالأصول والخروج عنها أو عليها.

ولا يعذر في ذلك المعرضون بجهلهم، لذا يذكر ابن القيم ت 751ه الفرق بين الجهلاء من المبتدعة ممن ليس قادرًا على تعلم الهدى، أو القادر المفرّط أو العالم المعرض تقليدًا وتعصبًا أو بغضًا ومعاداةً للحق، فيقول عن المفرط: “المتمكن من السؤال وطلب الهداية، ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالاً بدنياه ورياسته، ولذته ومعاشه وغير ذلك، فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات”[16]، ويقول في موضع آخر: “نعم لا بد فى هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان فى الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله”[17]، بخلاف ذلك العاجز عن السؤال والعلم الذى لا يتمكن من العلم بوجه، فلا يستوون عند الله ولا عند الناس.

ومن نتائج هذا الجهل؛ الوقوع في نواقض الإيمان ونواقض التوحيد من الإشراك بالله، يقول عز وجل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:13]، ووجه شناعته كما يقول السعدي ت 1376ه: “أنه لا أفظع وأبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئا، بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه، بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟! وهل أعظم ظلما ممن خلقه اللّه لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، فجعلها في أخس المراتب جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلما كبيرا “[18]، لذلك لما سئل رسول الله ﷺ عن أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: “أن تجعل لله ندًا وهو خلقك[19].

والشرك لا يغفره الله عز وجل إن لم يتب منه العبد قبل موته، فكيف إذا جهل صوره وحدوده عن تقصير منه في تعلمه، وواقَعَه ومات عليه؟!، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:48]، وقال في موضعٍ بعدها: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:116]، فيجني على نفسه حرمان الجنة والخلود في النار بجهله، وقد كان في عافية من أمره، يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:72]، وبه حبوط العمل ولو كان من نبي – لكنهم معصومون -، فكيف بمن دونهم؟!، وهذه قاعدة عامة جاءت بها جميع الشرائع وخوطب بها جميع الأنبياء، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:65]، وذلك نظير قوله تعالى بعد ذكر مقام الأنبياء: ﴿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:88]، “تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته”[20].

فلا يجدر بالمسلم أن يبتلى بالجهل في مثل مسائل الإيمان والتوحيد وهي على هذا القدر الجليل، ونواقضها على هذا الخطر العظيم، يقول ابن القيم ت 751ه: “والمقصود: أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدا، وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين”[21].

ومن نتائج هذا الجهل؛ الوقوع في القول على الله بغير علم، وما أعظمه من ذنب بل هو أعظمها مطلقًا وأصل الذنوب كلها، كما يقول ابن القيم ت 751ه في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:33]: “وأما القول على الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات تحريمًا، وأعظمها إثما، ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان، ولا تباح بحال، بل لا تكون إلا محرمة، وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير، الذي يباح في حال دون حال، فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد إثما، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات، فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم. ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها، وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش، والظلم والعدوان، إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد، وقد أنكر تعالى على من نسب إلى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده، بلا برهان من الله، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:116] الآية، فكيف بمن نسب إلى أوصافه سبحانه وتعالى ما لم يصف به نفسه؟ أو نفى عنه منها ما وصف به نفسه؟ “[22].

وما أصدق النصارى مثالًا تتجسد فيهم كل هذه الضلالات!، التى صنعها الجهل فابتدعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، وأشركوا معه ما لم ينزل به سلطانًا، وقالوا على الله بغير علم فضلوا وأضلوا، كما قال فيهم ربهم عز وجل: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:77]، يقول ابن القيم: “وإنما سر الآية أنها اقتضت تكرار الضلال في النصارى ضلالا بعد ضلال لفرط جهلهم بالحق، .. ووجه تكرار هذا الضلال أن الضال قد أخطأ نفس مقصوده فيكون ضالا فيه فيقصد ما لا ينبغي أن يقصده، ويعبد من لا ينبغي أن يعبده، وقد يصيب مقصودًا حقا لكن يضل في طريق طلبه والسبيل الموصلة إليه، .. ووبخ النصارى بالضلال والجهل الذي هو عدم العلم بالحق، فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الحق تارة ومن عدم إرادته والعمل بها أخرى، يتركب منها فكفر اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به وإيثار غير عليه بعد معرفته فلم يكن ضلالا محضا، وكفر النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه فإذا تبين لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمة الغضبية وبقوا مغضوبا عليهم ضالين”[23].

وهؤلاء من أَمَرنا الله تعالى بالاستعاذة من حالهم في كل صلاة، ليستحضر المسلم مع تلاوته لقول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:6-7]، خطر الانحراف عن صراط الله المستقيم بأخطر مزالقه وأعظم أبوابه وهي الجهل، ثم التقليد للضُّلال بلا خبرٍ صادق ولا عقلٍ ناطق، وبهذا وصفهم القرافي ت 684ه قائلًا: “فإن النصارى أمة أميا وطائفة جهلا، قد غلب عليهم التقليد، وتجنبوا محجة النظر السديد، حتى لا يبحثون عن صحة ما يلقيهم إليهم أساقفتهم، ولا يتأملون ما يعتمده في دينهم أكابرهم وطغاتهم، ولولا ذلك لم يبق لدين النصرانية وجود لظهور فساده، وناهيك من قوم يعتقدون أن إلههم خلق أمه، وأن أمه قد ولدت خالقها”[24]، فمن شابه النصارى في جهلهم سلك في الضلالة سبيلهم.

فيقبح فيمن تصدر لدعوة الناس أو رام القيام على أمورهم أن يجهل أصول دينه وحدود شرائعه، بل يتأكد الواجب في حقهم، فإن آفة كثير من المتصدرين الجهل بالدين، فكم يقعون في الانحرافات أو يمررونها؟!، جهلًا منهم بها أو استهانة بآثارها، مع ما يرفعونه من شعارات الإسلام وينادون به من العودة للدين، فيضلّون ويُضلون، وهم أولى من يدخل في قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:25]، وهذا نظير قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:13]، أو قوله ﷺ: “ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا[25]

وقد كان المعرضون عن العلم في فسحة من أمرهم برفع جهلهم أو عدم الخوض فيما نهى الشرع عن مثله من القول بغير علم على أقل تقدير: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:36]، فلا يُعذر أمثالهم مع شيوع العلم وإمكان التحصيل وثبوت التقصير، يقول السمعاني ت 489ه: “ولأن الخطاب متى شاع أمكن كل إنسان العمل به متى لم يقصر في الحجة من قومه، وإذا لم يطلب حتى جهل كان بتقصير منه، ولم يصر ذلك الجهل له عذر أو صار كأنه علم ثم لم يعمل”[26]، أو عمل على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، فخاب سعيه، وفي أمثالهم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:103-104]، فهم لا يعذرون بجهلهم ولا يشفع لهم حسن قصدهم، يقول ابن تيمية ت 728ه: ” من ترك الواجب، أو فعل المحرم لا باعتقاد ولا بجهل يُعذر فيه، ولكن جهلًا وإعراضًا عن طلب العلم الواجب عليه، مع تمكنه منه، أو أنه سمع إيجاب هذا، وتحريم هذا، ولم يلتزمه إعراضًا، لا كفرًا بالرسالة، فهذان نوعان يقعان كثيرًا مِن ترك طلب العام الواجب عليه، حتى ترك الواجب وفعل المحرم، غير عالم بوجوبه وتحريمه أو بلغه الخطاب في ذلك، ولم يلتزم اتباعه، تعصبا لمذهبه، أو اتباعا لهواه، فإن هذا ترك الاعتقاد الواجب بغير عذر شرعي، كما ترك الكافر الإسلام. فإن الاعتقاد هو الإقرار بالتصديق، والالتزام، فقد يترك التصديق والالتزام جميعا لعدم النظر الموجب للتصديق، وقد يكون مصدقا بقلبه لكنه غير مقر ولا ملتزم، اتباعًا لهواه.”[27].

ومن أخطر مفاسد الإعراض؛ التلفيق: وهو الجمع بين مختلِفٍ من المذاهب والاتجاهات العقدية في إطار واحد على غير أساس علمي، بل عن هوى أو جهلٍ بأصولها والفروق بينها، ويكون التلفيق في كثير من صوره ثمرة من ثمار الجهل بأصول الإيمان أو التقليد على غير بينة، فلا يميز الملفِّق بين حقائق المقالات الاعتقادية والأسس التي تنطلق منها، فيجعلها سواءً، أو يلفق بينها ليخرج بمذهب جديد، لا يرضاه أصحاب المذاهب الملفَّق بينها أنفسهم في غالب الأمر.

وإذا كان الاختلاف وقع بين الفقهاء في جواز التلفيق في مسائل الفروع بين المذاهب الفقهية من عدمه، فإن التلفيق في مسائل الاعتقاد لا يرضاه أحد من العلماء المعتبرين، إذ إنّ الصواب بينها واحدٌ لا يتعدد والحق فيها واحدٌ لا يتجزأ، يقول الزركشي ت 794ه: “والمسائل قسمان: عقلية وغير عقلية، أما العقلية: فالمصيب فيها واحدٌ”[28]، ويقصد بالعقلية مسائل الاعتقاد، والأولى جعلها أصولًا كما قال السمعاني ت 489ه: “واعلم أن الأحكام ضربان: عقليّ وشرعيّ، والأولى أن يُقال: أصول وفروع، فأما أصول الدين فالحق في قول واحد منهما، والثاني باطل قطعًا”[29]، ونقل الإجماع على ذلك غير واحد، يقول ابن اللحام ت 803ه: “مسألة: الإجماع على أن المصيب فى العقليات واحد، وأن النافي ملة الإسلام مخطىء آثم كافر اجتهد أو لم يجتهد”[30]، إلا ما حُكي عن عبيد الله العنبري أن الاجتهاد في الذين تجمعهم الملة الواحدة كله حق وصواب، قال الجصاص ت 370ه: “وهذا مذهب فاسد ظاهر الانحلال “، ناقشه بأنه يستحيل أن يخاطب الله ورود النص بتكليف بعض الناس القول بالقدر، وآخرين القول بالجبر، وبتكليف بعضهم القول بالتنزيه، وآخرين القول بالتشبيه، وكذلك سائر ما اختلف فيه أهل الملة من صفات الله تعالى وأسمائه، لتناقض القول به، واستحالته، ومن جهة أخرى: إن القائلين بهذه المذاهب من أهل الملة على اختلافهم فيها، متفقون قبل عبيد الله بن حسن على إيجاب التأثيم والتضليل بالخلاف فيها، فمن صوب الجميع من المختلفين فهو خارج عما انعقد به إجماع الجميع[31].

وهذا يؤكده قول الله تعالى: ﴿فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:32]، وقد أشار القرطبي ت 671ه لوجه المعنى المستفاد من الآية فقال: “قال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى، وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد؛ لأن الكلام فيها إنما هو في تعديد وجود ذات كيف هي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:48]، وقوله عليه الصلاة والسلام: “الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات“، والكلام في الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يختلف فيها، وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بها”[32].

وهذا لا يعني أن مسائل الأصول كلها من القطعيات التي لا تحتمل الظن، بل فيها من المتشابهة الذي يمتنع معه القطع، لكن هذا المنع قدري لا شرعي، فالاختلاف في تلك المسائل لا ينفي أن الحق فيها واحد كما يؤكد الشاطبي ت 790ه بقوله: “أما مسألة المتشابهات؛ فلا يصح أن يُدّعى فيها أنها موضوعة في الشريعة قصد الاختلاف شرعًا؛ لأن هذا قد تقدم في الأدلة السابقة ما يدل على فساده، وكونها قد وضعت؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:42]، لا نظر فيه؛ فقد قال تعالى:  ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:118-119]؛ ففرق بين الوضع القدري الذي لا حجة فيه للعبد – وهو الموضوع على وفق الإرادة التي لا مرد لها – وبين الوضع الشرعي الذي لا يستلزم وفق الإرادة، وقد قال تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:2]، وقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة:26].

ومر بيانه في كتاب الأوامر؛ فمسألة المتشابهات من الثاني لا من الأول، وإذا كان كذلك؛ لم يدل على وضع الاختلاف شرعًا، بل وضعها للابتلاء؛ فيعمل الراسخون على وفق ما أخبر الله عنهم، ويقع الزائغون في اتباع أهوائهم، ومعلوم أن الراسخين هم المصيبون، وإنما أخبر عنهم أنهم على مذهب واحد في الإيمان بالمتشابهات علموها أو لم يعلموها، وأن الزائغين هم المخطئون؛ فليس في المسألة إلا أمر واحد، لا أمران ولا ثلاثة، فإذا لم يكن إنزال المتشابه عَلَما للاختلاف ولا أصلا فيه، وأيضا لو كان كذلك لم ينقسم المختلفون فيه إلى مصيب ومخطئ، بل كان يكون الجميع مصيبين؛ لأنهم لم يخرجوا عن قصد الواضع للشريعة؛ لأنه قد تقدم أن الإصابة إنما هي بموافقة قصد الشارع، وأن الخطأ بمخالفته، فلما كانوا منقسمين إلى مصيب ومخطئ دل على أن الموضع ليس بموضع اختلاف شرعًا”[33].

فهذا أول وجوه فساد التلفيق، ثم إن القرآن قد أشار لذم المنهجية التلفيقية في التعامل مع المسائل، والتي تهون من الخلاف وتبحث في حلول وسط لا تُنصف الحق ولا تقتص من الباطل، فهؤلاء أشبه الناس بمن كانوا على عهد رسول الله ﷺ من المشركين الذين أرادوا رفع الخلاف بالجمع بين عبادة الله وعبادة الأصنام، فاخترعوا قسمة زمانية لعبادة الله عامًا وعبادة آلهة المشركين عامًا بعده، أو تلفيقية بالاجتماع على عبادة الله وسائر الآلهة معًا، وذلك حين لقي الوليدُ بن المُغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأميَّة بن خلف رسول الله فقالوا: يا محمد! هلمّ فلنعبد ما تعبد وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه؛ وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنـزل الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة[34].

أو أولئك اليهود والنصارى الذين قالوا نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض، كما قال الله فيهم: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء:150]، يقول ابن عطية ت 542ه: “وقوله ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي بين الإيمان والإسلام والكفر الصريح المجلح، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الكافرون حقًا، لئلا يظن أحد أن ذلك القدر الذي عندهم من الإيمان ينفعهم، وباقي الآية وعيد”[35].

أو أولئك المنافقين الذين أخبر الله عن إعراضهم عن التحاكم لشريعة النبي ﷺ بحلِفهم: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:62]، وذلك على تفسير من قال إن المنافقين “اعتذرواْ إلى رسول الله ﷺ في محاكمتهم إلى غيره بأن قالواْ ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقاً بين الخصوم، وإحساناً بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرّ الحق”[36]

وأمثال هؤلاء يكثر ظهورهم مع كل احتدام بين الحق والباطل والصواب والخطأ والسنة والبدعة، يدفعهم جمع الكلمة بحسن نية إن كانوا جهالًا أو بسوء طوية إن كانوا ضُلّالًا إلى اتخاذ موقف وسط بين المقالتين، كما وقع من محاولة التلفيق بين السنية والجهمية في مسألة خلق القرآن في زمان الإمام أحمد ت 241ه، إما باختراع مسألة اللفظ بالقرآن كصورة توفيقية أو الوقف عند “القرآن كلام الله”، بلا خوضٍ في مخلوقيته من عدمها، فلم يتساهل معهم أئمة السنة في زمانهم، بل عدّهم البعض شرًا من الجهمية، لأن الوقف أصبح ردْءًا تستتر به البدعة لتعيد التسلل في ثوب جديد والتموضع بعد أن قمعها أهل السنة، لذا لما سئل الإمام أحمد: هل لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام الله ويسكت؟ قال: “ولم يسكت؟ قال: لولا ما وقع الناس فيه كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا، لأي شيء لا يتكلمون؟ “[37]، فهم بين جهمي مستتر ببدعته أو جاهل مُرّرٌ للبدعة بوقفه، فلما لما سئل عن اللفظية، والواقفة، فقال: “من كان منهم جاهلًا ليس بعالم فليَسأل وليتعلم”، وقال أيضًا عنهما: “من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي، وقال مرة أخرى هم شر من الجهمية”[38].

وهذا يشير إلى حساسية الكلام في مسائل الاعتقاد وخطورة التهاون فيها، وتشدد السلف مع المواقف المداهنة وعدم التماهي معها، وذلك عن علم بأصول الإيمان وإدراك لحقيقة الأقوال المخالفة، وبصيرة نافذة بمحاولات أصحابها لإيجاد موضع قدم ينفذون منه لتحريف العقيدة، ورداؤهم في ذلك الكثير من الجهال الذين يعرضون عن العلم فلا يميزون.

فأما اللفظية: فقد فسر أبو عثمان الصابوني ت 449ه تسمية الإمام أحمد لهم بالجهمي، فقال: “وإنما قال ذلك لأن جهمًا وأصحابه صرحوا بخلق القرآن، والذين قالوا باللفظ تدرجوا به إلى القول بخلق القرآن، وأدرجوه في هذا القول بذي اللباس لئلا يُعد في زمرة الجهمية، وخافوا أهل السنة في ذلك الزمان من التصريح بخلق القرآن، فذكروا هذا اللفظ وأرادوا به أن القرآن بلفظنا مخلوق، فلذلك سماهم أحمد رحمه الله جهمية، وحكى عنه أيضًا أنه قال: اللفظية شر من الجهمية “[39]، وربما كان السِتار الذي تسللوا من خلاله هو اختلاف أهل الحديث بينهم في المسألة على دقتها وصعوبة تصورها، لذا يقول ابن قتيبة ت 276ه:” وإنما اختلفوا – يقصد بعض أهل الحديث – في فرع لم يفهموه لغموضه ولطف معناه، فتعلق كل فريق منهم بشعبة منه، ولم يكن معهم آلة التمييز ولا فحص النظارين، ولا علم أهل اللغة ..”[40].

وأما الواقفة: فقد أبصر بخطرهم الدارمي ت 280ه حيث أدرك أن ما وراء وقفهم تمرير البدعة، فقال في الرد عليهم: “ولكن تستترون من الافتضاح به مخافة التشنيع، وجعلتم أنفسكم جُنةً ودلسة للجهمية عند الناس، تصوّبون آراءهم وتحسنون أمرهم وتنسبون إلى البدعة من خالفهم”[41]، وأدرك أن فريق من جهلة أهل الحديث أصبحوا بابًا يتسلل منه هؤلاء الجهمية متشفعين بجهل بعض أهل الحديث ووقفهم في المسألة، فقال: “وكان من أكبر احتجاجهم علينا في ذلك أن قالوا: إن ناسًا من مشيخة رواة الحديث الذين عرفناهم عن قلة البصر بمذاهب الجهمية سئلوا عن القرآن، فقالوا: لا نقول فيه بأحد القولين، وأمسكوا عنه إذ لم يتوجهوا لمراد القوم؛ لأنها كانت أغلوطة وقعت في مسامعهم لم يعرفوا تأويلها، ولم يبتلوا بها قبل ذلك، فكفوا عن الجواب فيه وأمسكوا”[42].

فكذا الجهل بأصول الدين مضيّع للدين سيما إن كان من المتصدرين، ويتأكد إن كان فيهم غفلة عن سُبُل المجرمين، الذين لا يألون جهدًا في البحث عن ثغرات يتسللون منها، ولا أفضل من الجهل والغفلة بابان ينفُذ منهما هؤلاء، لذا جاء القرآن ممتنًا على النبي ﷺ وأمته بتفصيل سبيل المجرمين كما فصل لهم قبل سبيل المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:55]، يقول ابن القيم ت 751ه:”فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها وكفّرَ من خالفها واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها”[43].

ثم إن الشريعة وإن كانت تؤكد دائمًا على التمسك بالأمر والنهي وتحذر من المخالفة، إلا أنها لم تتهاون لحظة في مسائل الإيمان مع أي التفاف خفيف، ولم تتساهل مع أي انحراف طفيف، بل جاءت بالوعيد الشديد لرأس الأمة المسلمة وسيد ولد آدم على “الشيء القليل” من الركون لدعوات المشركين، وهو المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، لكن تنبيهًا لمن هو دونه ﷺ، وتحذيرًا مما هو أعظم من الأشياء، قال عز وجل: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ۝ وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ۝ إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:73-75]، وكذا لم تتسامح الشريعة لحظة في أدق تغيير، أو أيسر تقصير في بلاغ الرسالة كاملة كما أنزلت على خير البشر، وهو المعصوم عن ذلك، فكيف بغيره ﷺ؟!، يقول عز وجل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ۝ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ۝ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ۝ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:44-46].

وإنما تتغير معالم الدين وتتبدل حدوده بفعل هذا التلفيق الذي ينظر للمسائل بنظرة النسبية التي ترى في المقالات كلها وجهًا من الصواب والخير فيعمد إلى التلفيق بينها، يحدُو أصحابها في ذلك رغبتهم في جمع الكلمة ونُفرَتهم من الفرقة وتحسّرهم على واقع الأمة المؤسف، فيزيدون الطين بلة، إذ في تلفيقهم زيادة تشويه للدين وطمس لما تبقى من معالمه، وما ذلك إلا ثمرة إعراض الكثيرين عن الأصول علمًا وعملًا، ولو أنهم وقفوا مع الصواب بنقائه لاشتد عزمه وقوي ساعده لكنهم أكثر عونًا للباطل وأضمن لبقائه، فلا تنقطع سلسلة الانحرافات ولا يتوقف مسلسل التنازلات.


[1] مفتاح دار السعادة ص1/156

[2] شرح العقيدة الطحاوية ص17

[3] رسالة في أصول الدين ص7

[4] رسالة في أصول الدين ص15

[5] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ص 1/152

[6] سنن ابن ماجة: 61

[7] التفسير من سنن سعيد بن منصور ص1/206

[8]  الإيمان لابن منده: 207، المستدرك للحاكم: 101، السنن الكبرى للبيهقي: 5290

[9]  مجموع الفتاوى ص467/12

[10] الرازي في تفسير الآية [الأنبياء:24]

[11] ابن كثير في تفسير الآيات [النمل:84-85]

[12] كشف الأسرار شرح أصول البزدوي ص4/330

[13] سنن ابن ماجة:42،  مسند أحمد: 17144

[14] صحيح مسلم: 17 – (1718)، سنن ابن ماجة: 14، مسند أحمد: 26033

[15] جامع العلوم الحكم ص2/128

[16] الطرق الحكمية ص1/147

[17] طريق الهجرتين ص1/413

[18] السعدي في تفسير الآية [لقمان:13]

[19] صحيح البخاري: 4477، صحيح مسلم: 141 – (86)، مسند أحمد: 4102

[20] ابن كثير في تفسير الآية [الأنعام:88]

[21] إغاثة اللهفان ص1/60

[22] مدارج السالكين ص1/379

[23] بدائع الفوائد ص2/31

[24] الأجوبة الفاخرة ص53

[25] صحيح مسلم: 16 – (2674)، سنن أبي داود: 4609، مسند أحمد: 9160

[26] قواطع الأدلة في الأصول ص2/385

[27] مجموع الفتاوى ص22/17

[28] تشنيف المسامع بجمع الجوامع ص4/584

[29] قواطع الأدلة في الأصول ص2/307

[30]  المختصر في أصول الفقه ص164

[31] انظر الفصول في الأصول ص4/375-383

[32] القرطبي في تفسير الآية [يونس:32]

[33] الموافقات ص 5/71

[34] انظر الطبري في تفسير الآية [الكافرون:1]

[35] ابن عطية في تفسير الآية [النساء:150]

[36] الماوردي في تفسير الآية [النساء:62]

[37] السنة لأبي بكر بن الخلال ص2/132

[38] السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل ص1/179

[39] عقيدة السلف أصحاب الحديث ص172

[40] الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة ص57

[41] الرد على الجهمية ص 193

[42] الرد على الجهمية ص 193

[43] الفوائد ص109

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى