الدين

مفتاح الفتوحات!

  • محمد الفارس

الحمد لله، وبعد، فإن للخيرات والبركات والفتوحات طرائق إليها، مفاتح لأبوابها، ومن تلكم المفاتح: مفتاح التحقق بالعبودية؛ فإن من أكثر المعاني تكررا في القرآن وورودًا: معنى العبودية، وقد تنوع مجيئه في مساقات عدة؛ فتارة يجيء في سياق الأمر بأن تُصرَفَ العبادة لله تعالى، وتارة في الثناء على من تمحّضت عبوديته لله عز وجل، وتارة في النهي عن أن تصرف لغيره صِرفًا أو شِركًا، وتارة في الذم لمن نصّب هواه صنمًا يتعبده ويتألهه، وغير ذلك من المساقات.

والناظر في كتاب الله تعالى المتأمل له سيجد في ثناياه إشارات وإلماحات لثمرات العبودية لله تعالى، والمقصود بها الأفضال والكرامات الخاصة التي يجتنيها المرء كلما تمكّن من وصف العبودية لله تعالى، فإذا تلمّسنا المواضع التي تعرض القرآن فيها لوصف العبودية، سنجد قِرنَها آثارا وثمرات متعلقة بهذا الوصف الشريف الراقي، وهي كرامات يُمنحَها العبد وتسمو به بقدر تحقيقه للعبودية.

وهذا النوع من الاستنباط والنظر يذكره علماء الشريعة في أبواب أصول الفقه، ويضمّنونه في مسلك الإيماء والتنبيه الذي هو ضرب من أضرب إثبات العلة، قال ابن قدامة -رحمه الله-: “ذِكرُ الحكم مقرونًا بوصف مناسب، يدل على التعليل به كقوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم) أي: لبرهم وفجورهم، فإنه يسبق إلى الأفهام التعليل به، كما لو قال: “أكرم العلماء وأهن الفسّاق” يفهم منه: أن إكرام العلماء لعلمهم، وإهانة الفساق لفسقهم؛ فكذلك في خطاب الشارع، فإن الغالب منه: اعتبار المناسبة”[1].

فنجد في القرآن أن الله تعالى يحمد نفسه المحمودة العليّة على إنزاله الكتاب السالم من العوج، وليس سالما من العوج فحسب، بل “قيّمًا” بالغًا أسمى درجات الإقامة ورتب الاستقامة: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيّمًا..)، ولعل في اختيار وصف العبودية في سياق حمد الله تعالى على إنزال القرآن إشارةً إلى أن الشعور بنعمة القرآن والاغتباط والفرح به= إنما يتحقق بقدر تحقق المرء من وصف العبودية، فكلما كان المرء محققًا في عبوديته لله تعالى ومتمكنًا من هذا الوصف – كان شعوره بالنعمة والاغتباط والفرح بهذا القرآن أعمق، فيصدر عنه ريانًا، ويقتبس منه مستنيرًا، ويتفيأ ظلاله متبردًا بيقينه، ومن كان حاله كذلك قال بلسان حاله ومقاله (الحمد لله الذي أنزل الكتاب)، بل لو كان لكل عضو منه لسان لنطق به حمدا لله وشكرا.

وانظر إلى الالتقاطة الأصولية اللطيفة للبقاعي -رحمه الله-: ” وعدل عن الخطاب بأن يقول: عليك، كما يقول: (فلعلك باخع نفسك)، كما في ذلك من الوصف بالعبودية والإضافة إليه سبحانه من الإعلام بتشريفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتنبيه على علة تخصيصه بالإنزال عليه“، ويؤخذ منه أن من ترقّى في منازل العبودية= اختُصّ في فهم القرآن فهمًا ربما لا يؤتاه غيره، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ الغاية في العبودية اختُصّ بإنزال القرآن عليه.

ثم نجد في القرآن التفاتةً أخرى لأثر العبودية: وهو أثر اللطف (الله لطيف بعباده) واختيار وصف العبودية في هذا السياق إشارة إلى أن بقدر تحقيق العبد لهذا الوصف ناله هذا الأثر، فإنما تستدعى وتستجلب وتُطلَب الألطاف والكرامات والفضائل بالعبودية، فكن من عباده= يلطفْ بك، ويمنحك من بركاته وخيراته وعطاياه ونواله، وكما يذكر بعض العارفين: “إن أردت ورود المواهب عليك صحّح الفقر والفاقة لديك: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)”، وليس اللطف منحصر في الرزق المادي -كما يتسارع الفهم للذهن-، بل هو رزق خاص لمن تحقق فيه الوصف الخاص: العبودية، أما عموم الأرزاق فهي لعموم الخلق، ولذا قال بعدها (يرزق من يشاء)، “ومن لطفه، أن قيض لعبده كل سبب يعوقه ويحول بينه وبين المعاصي، حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوها مما يتنافس فيه أهل الدنيا، تقطع عبده عن طاعته، أو تحمله على الغفلة عنه، أو على معصية صرفها عنه، وقدر عليه رزقه”[2].

وفي سياق ثالث نلحظ أن القرآن أشار إلى ارتباط الكفاية بالعبودية فقال سبحانه (أليس الله بكاف عبده)؟ وهذا سؤال للتقرير مفاده: أن الله كافٍ عبده -وفي قراءة: عباده-، فمن كان عبدا لله تعالى فهو من أقرب الناس إلى كفاية الله وحفظه ورعايته، وكلما حقق الوصف تحقق له الأثر، (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء)، ” وفي استحضار الرسول ﷺ بوصف العبودية وإضافته إلى ضمير الجلالة، معنى عظيم من تشريفه بهذه الإضافة وتحقيق أنه غير مسلّمه إلى أعدائه”[3]؛ وهذا أمر يُعلَم بديهةً وفطرةً= أن المحب يحمي ويحرس محبوبه بقدر قربه منه؛ وكفايةُ الله وحفظُه في هذه الآية عامّةٌ شاملةٌ، فما أهنأ من أصبح وأمسى وهو في حفظ الله ورعايته وكفايته!

ومن السياقات كذلك في القرآن ما يشير به إلى أن تحقيق وصف العبودية يفتح للعبد المواهب والكرامات، وربما يخرق له العادات، ويمكّن الله تعالى له من أبواب خدمته واستعماله ما لا يخطر له ببال، كما في قوله سبحانه وبحمده (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) ” وإيثار لفظة العبد للإيذان بتمحضه صلّى الله عليه وسلّم في عبادته سبحانه وبلوغه في ذلك غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية حسبما يلوح به مبدأ الإسراء ومنتهاه، والعبودية على ما نص عليه العارفون أشرف الأوصاف وأعلى المراتب وبها يفتخر المحبون”[4]، ولعل من مقاصد التنبيه بوصف العبودية هنا أن الله تعالى فتح له هذه الكرامة وخرق هذه العادة ومكّنه من خدمته واستعمله في طاعته في صورة لا تخطر ببال لتحققه صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية لله عز وجل.

ومن عيون ما قاله بعض العارفين: “تحقق بأوصافك؛ يمدّك بأوصافه؛ تحقق بذلك يمدك بعزه، تحقق بعجزك يمدك بقدرته، تحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته”.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وافتح لنا أبواب رحمتك وفضلك؛ فإنه لا يملكها إلا أنت..


[1] روضة الناظر 2/ 202

[2] تفسير السعدي 7/ 52

[3] التحرير والتنوير 24/ 13

[4] تفسير الآلوسي 8/ 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى