فكر وثقافة

ابنُ حزمٍ الأندلسيِّ بينَ قِصَّتَين

د. جمعان بن محمد الشهري

 

ما إن يقرأ المرءُ قصةَ حياةِ ابن حزم، التي روى كُبرى أحداثها بنفسه، حتى يُكْبِرَ فيه همّتَه العالية، وتفانيَه العجيب في الدفاع عن المبدأ الذي يعتقده ويُنظّر له. وسيكون القارئ، بهذه القراءة الكلية، مُنصفًا لابن حزم من حيث مآلها ونتيجتها الغالبة؛ كما سيعثر، من خلالها، على بعض مشكلات منهجه المعرفي، وتجلياتها في مسارات انشغالاته المتعددة، وهي أمورٌ ينبغي فهمُ خلفياتها وأبعادها، ووزنُها بميزان العدل والإنصاف.

ولو لم يكن من محاسن ابن حزم إلا تضحيته بزخرف الدنيا التي أقبلت عليه بخيلها ورجلها، خدمةً للعلم، لكفى بها منقبةً وفضلًا؛ لا سيما وأن الطريق الذي اختاره في الدفاع عن الحق ليس طريقًا سهلًا ميسّرًا، بل هو محتفٌّ بأصناف من المحن والفتن، التي لا قِبَل لكثير من أولي القوة من الرجال بها. وهذا ما سيظهر جليًّا أمام من يستعرض قصة حياة ابن حزم، وما جمعت في طيّاتها من قصةٍ للنفس، وقصةٍ للعقل؛ فهي قصص متتابعة، وأحداث عظيمة: تارةً تكون مع نفسه، وتارةً تكون مع عقله.

وحُقَّ لقائلٍ أن يقول: (… وكل مَنْ قرأ تراث ابن حزم بإمعانٍ؛ أكبرَ فيه العقلَ الواسعَ، والفكرَ الخصبَ، والغورَ البعيدَ، والعبقريّةَ العجيبةَ) ([1])؛ ذلك أنَّه (أحد الشخصيات التي كان لها شأن عظيم، فهو من أنبغ الثمرات التي انشق عنها فردوسنا المفقود: الأندلس؛ فهو من أعلام الدين، والشعر والأدب والتاريخ والفلسفة والسياسة) ([2]).

وإذا حُقَّ لي أن أستبقَ أحداثَ حياته، وما تمخّض عنها من آثار في تكوينه الشخصي، وتكوُّنه المعرفي؛ فلعلي أشير إلى طرف من تلك الآثار، وعساه من أكبر الآثار التي عُرف بها ابنُ حزم على مدى تاريخه؛ وذلك متمثِّلٌ في اليقين الذي تخلّل قصةَ نفسِه، وقصةَ عقلِه على السواء، فلم يسلمْ منه ابنُ حزم نفسُه لا طبعًا، ولا لغةً، ولا معرفةً؛ ولذلك كانت هذه النظريةُ ركيزةً من ركائزه الكبرى في منهاجه المعرفي.

وهذه اليقينيةُ المنشودةُ أتتْ حصيلةَ اجتماعِ أمورٍ، من أهمها: الأول: طبيعةُ ابن حزمَ الذاتيةُ التي فُطر عليها، ونشأةُ العزِّ والجاهِ التي ترعرع فيها. والثاني: ما وقع على تلك الذاتيةِ الحزميةِ من وقائع السنين، وتقلّب الأحداث، مما تأباه نفسُه، لا سيما ما كان ضدًّا لرفعتِه وعلوّ شأنه. وعلى ضوء هذين الأمرين المرتبطين بعضهما ببعض؛ جاءت هذه النتيجةُ ماثلةً في هذه النظرية.

يقول آسين بلاثيوس ASIN PALACIOS في وصف الأحداث السياسية العنيفة التي وقعت على رقعة الأرض التي كان ابن حزم يقطنها ويقضي وقته بين جنباتها، وكان لها أثرٌ بليغٌ في شخصيته: (إنَّ ابن حزم قد عاين من ألوان الظلم ما أنضب معين الرقة واللين في نفسه، وشاهد من مساءات الفوضى السياسية التي ضربت على الأندلس بُجرانها ([3]) في أيامه ما نفّرَ نفسه، وأوذي في نفسه وكرامته بما لقي من الاضطهاد …) ([4]).

ومن أبرز الأمور المندرجة ضمن الأمر الثاني (=وقائع السنين)؛ الوسط الفكري الذي عاشه ابن حزم -وكان بلا شك وسطًا مُحاطًا بالاضطرابات السياسية الخطيرة التي عاصرها ابن حزم وذكر طرفًا في توصيفها([5])-؛ حيث كان ذلك الوسط الفكري ذا اتجاهاتٍ متعددةٍ، فهو من جهة الأعراق متنوعٌ، ومن جهة العقائد والأديان متفرقٌ؛ فكان الطابع للمجتمع آنذاك -من الجهة الفكريّة- ذا اتجاهاتٍ معرفيةٍ يُغالب بعضها بعضًا، فالاتجاه العباسي لم يقتصر على البياني والبرهاني([6])، بل كان يمزج بينهما أحيانًا، وأحيانًا أخرى يمزج بين البياني والعرفاني.

فلمَّا رأى ابن حزم أن هذا الوسط المعرفي بنُظمه السابقة لا يفي بالمقصود الذي يتطلع إليه؛ أراد تخطّيه إلى نظامٍ معرفيٍّ من نوعٍ آخر، يكون ذا ميسم يخالف بعضًا من تلك الاتجاهات المعرفية؛ فيعود بالمعرفة إلى النبع الصافي والخالي من الكدر؛ فأسّس -بناء على تلك الرؤية- منهجًا معرفيًا مُتفردًا مفتاحُهُ الأساسي: مفهومُ الظهور اليقيني. وفي معنى هذا الكلام يقول ابن حزم: (واعلموا أن دين الله ظاهر لا باطن فيه، وجهر لا سر تحته، كله برهان لا مسامحة فيه) ([7]).

فهذا هو الشعار الذي دعا إليه ابن حزم ونافح عنه وعادى ووالى فيه، وكان هذا الشعار مستهدفًا بالدرجة الأولى أصحاب الاتجاه العرفاني من متصوفة وشيعة ([8])، ثم الذين يلونهم، فالذين يلونهم، من أهل الملل والأهواء والنحل، ممن بعُدوا عن ذلكم النبعُ الصافي.

ولم يُصِبِ الجابري – من كل وجه – في توصيفه إرادةَ ابن حزم بمذهبه الذي استقر عليه ورضيه في المعرفة؛ من أنه أراد أن يتجاوز، بذلك المذهب، الاتجاهَ البيانيَّ والاتجاهَ البرهانيَّ، لا سيما في الجوهر التأسيسي لكلا الاتجاهين. ولم يُصبْ، كذلك، من جهة الدافع الذي حمل ابن حزم على هذا المحمل؛ حيث جعل الجابري دافعَ ابن حزم – وراء منهاجه – دافعًا سياسيًا، يُسيِّس به التراث ليغالب تلك الاتجاهات؛ إذ منهجُ ابن حزم، في حقيقته وكليّته، يعتمد على كلا الاتجاهين من الواقع العلمي الذي يَدينُ اللهَ به، ويقرن أبو محمد بين هذين الاتجاهين في جملة من المسائل المنثورة في مصنفاته.

ومن وضوح هذا المنحى المعرفي لدى ابن حزم؛ فإنَّه لا حاجة في البرهنة عليه، فالأمر بيّنٌ في دلائله ومسائله، وموجودٌ في تضاعيف تصانيفه. وابن حزم -في اتجاهه المعروف- وإن كان يخالف جمهور الفقهاء في مسائل له فيها أدلة ووجهات نظر؛ فإنَّه يشترك معهم في كثير من المسائل الأخرى، سواءٌ كانت في الأصول أو في الفروع، وهذا يدل دلالةً واضحةً على بُعده كل البُعد -كما هو حال غيره من أهل العلم المُحققين- عن تسييس المنهج الذي اختاره في المعرفة، وأنَّ تهمة الجابري للمنهجِ الحزميِّ خاليةٌ من البرهان([9])، وقائمةٌ على مقولة المستشرقين ومَن سار على مسلكهم من الحداثيين الخوالف حينما زعموا أنَّ التراث الإسلامي، والإسلامي فقط، سُيِّسَ على شكل الدولة التي قام فيها.

وما أجمله الجابري في الاتجاهات التي كانت مضادة لاتجاه ابن حزم المعرفي، جاء ذكره مفصلًا عند يوسف الغفيص([10])من غير التهمة السياسية التي انفرد بها الجابري وأصحابه. وحاصله، أنَّ ابن حزم جاء في زمن مدارس التأويل الكلامية؛ كالأشعرية التي مرت بمراحل كان من ضمنها المرحلة التي نظَّر لها (أبو المعالي الجويني) الذي كان مُعاصرًا لابن حزم، والذي كان يضبط أصول الأشعرية بجملة من التقريرات المائلة للتأويل المُناهض لظاهر النّص. ومن الأشعريّة المتصوفة ممن كان كذلك معاصرًا لابن حزم: (القشيري) الذي أصَّل للتصوف بنزعة كلامية على المسلك العِرفاني الذي امتد أثره إلى (أبي حامد الغزّالي)، وهو بتلك الصيغة كان مناهضًا لظاهرية ابن حزم في المعرفة. وكذلك كان الشأن في مدرسة (ابن سينا) الإشراقيّة من جانبٍ، وما كانت عليه الإسماعيلية الباطنية في الدولة العُبيديّة من أصول تُناهض مشروع ابن حزم المعرفي من جانبٍ آخر، ليس هذا فحسب، بل إنَّ مدرسة الاعتزال، لا سيما على يد (القاضي عبد الجبار) والمعاصر لابن حزم، كانت في أصولها مناهضة لمدرسة ابن حزم الظاهرية، فكانت تلك المقالات على اختلافها تبتعد كل البُعد عن ظاهر النّص والبرهان الذي يعتمده ابن حزم في المعرفة. فهذه اتجاهات عاصرها ابن حزم وأراد تجاوزها، وتخطّى أصولها المعرفيّة إلى أصولٍ أخرى تتضمنها النظرية الظاهرية في المعرفة.

ومن هنا يمكن القول: إنَّ ظاهرية ابن حزم، لا سيّما في الجانب العقدي، تبلورتْ على أساسٍ نقدي لتلك الاتجاهات الغالية التي عاصرها، فكان الظاهر الذي يُؤصّل له في نظريته الكبرى يقابل الباطن الذي يعتقده الشيعة والصوفية اللذان يعتبر ابن حزم أن جوهر كل كفر ظهر في الأمة مقتبس من جوهرهما حيث قال: (… واعلموا أنَّ كل من كفر هذه الكُفرات الفاحشة ممن ينتمي إلى الاسلام فإنَّما عنصرهم الشيعة والصوفية) ([11]).

هذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر فإنَّ ابن حزم أخذ يصحح برهان المتكلمين، من معتزلةٍ وأشعريّةٍ، ويستصلح البرهان الذي يراه حقًا في المعرفة، وهو يقول في هذا المعنى عن كتابه؛ التقريب: (… وتكلمنا فيه على كيفية الاستدلال جملةً، وأنواع البرهان الذي به يستبين الحق من الباطل في كل مطلوب، وخلصناها مما يُظنُّ أنَّه برهانٌ وليس ببرهانٍ) ([12]). وهذا الاستصلاح الذي صنعه ابن حزمٍ وقع فيه من التأثر بالاتجاه الكلامي ما شاهده ظاهرٌ في اتفاق ابن حزم مع المتكلمين في جُملٍ من المسائل الحاضرة في مصنفاته في رأي يوسف الغفيص. وفي هذا المعنى يقول يوسف الغفيص: (… ولهذا صار قوله في أصول الدين متأثرًا بأصول السلف، وأصول المتكلمين وأصول الفلاسفة، وليس في كلام ابن حزم تأثرٌ بأصول الشيعة والصوفية) ([13]). وهذا الشاهد الذي ذكره الشيخ شاهد غير دقيق؛ لأن أصول الفلاسفة مخلوطة بأصول الشيعة والصوفية.

ولإثبات تلك الرؤية الحزميّة الماثلة في منهاجه؛ ينبغي السير مع أطوار سيرته عبر مراحل تفيء، في مآل أمرها، إلى تلك الحقيقة. فصاحبنا هو العالم الأندلسي الكبير صاحب المجد عليّ بن أحمد بن سعيد ابن حزم، المكنى بأبي محمد، والمولود قبل طلوع الشمس من يوم الأربعاء آخر يوم من شهر رمضان لسنة أربع وثمانين وثلاث مئة، والمتوفى في الثامن والعشرين من شعبان لسنة ستٍ وخمسين وأربع مئة ([14]). كانت الفترة الأندلسية التي سبقت ميلاد ابن حزم؛ من أمتع الفترات التي عاشها عرب الأندلس في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر المتوفى سنة (350 ه)؛ حيث استتب الأمر له بكل ما من شأنه أن يقضي على ما يشوش على الناس رَغَدَ العيش وحلاوة الدنيا ([15]) (ساعده على هذا عقلٌ راجحٌ ودهاءٌ واسعٌ ووطنيةٌ مخلصةٌ ورجولةٌ كاملةٌ، مع بأسٍ شديدٍ وصفحٍ جميلٍ وهمةٍ بعيدةٍ، فاجتمعت الأندلس عليه، ونَعِمتْ في عهده وازدهرت) ([16]). فاستقر له الشأن السياسي الداخلي وأمِن من الخطر السياسي الخارجي، وازدهرت له الحالة الفكرية والثقافية في أنواع من العلوم وألوان من الفنون التي أولى لها العناية والرعاية، فجمع الله له بين العمران العلمي والعمران المادي ([17]).

ولكنّ تلك الفترة لم تدم طويلًا لا للخلافة الأموية ولا للدولة العامرية؛ إذْ المتربصون بهذه الدولة ما كان ليهدأ لهم بالٌ؛ فهم يشتغلون بإفسادها والسعي في خرابها، فوقعت الدولة -لا سيما في أواخر عهدها- بين عدوٍ خارجيٍ من جهةٍ، وعدوٍ داخليٍ من جهة أخرى؛ فتسلط الأسبان عليها من الجبهة الخارجية، وفتكَ البرابرة والصقالبة -المتوغلون في مناصب مهمة ذات نفوذ- بها من الجبهة الداخلية؛ فسقطت الدولة العامرية إثرَ هذا التكالب المشترك في أحداث تاريخية عرضها ابن حيان من الفتح العربي إلى نهاية الدولة العامرية في أواخر القرن الرابع الهجري([18]).

مضت السنون بتقلباتها وأحداثها ثم تلا تلك الأحداث ظهورُ دولة العلويين وانتهاءُ دولة الأمويين ([19])؛ وهذا العصر هو العصر الذي شهده ابن حزم ونشأ فيه. ولك أن تلحظ الزمن الأول لتلك النشأة الحزميّة؛ حيث نشأ ابن حزم نشأةً غنيّةً مترفةً؛ فكان عيشه عيشًا رغيدًا تراه معروضًا عرضًا أدبيًا رائعًا في كتابه طوق الحمامة، ففي وصف داره التي ترعرع فيها وأنس بها ودرج في مرافقها قبل خرابها ودمارها؛ يقول: (… فكأن تلك المحاريب المنمقة، والمقاصير المزيّنة، التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهمومَ حسنُ منظرها، حين شملها الخراب، وعمّها الهدم، كأفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا، وتُريك عواقب أهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائمًا فيها …) ([20]).

ولعلك تعجب من أن يخرج ابن حزم بهذه الشخصيّة الفريدة في قوتها وشجاعتها وثباتها، من ذلك النعيم المقيم الذي تلذذ به في نشأته الأولى وما صاحب ذلك العيش من رعاية المربيات والمراقبات اللاتي علّمنه القرآن وروّيّنه الأشعار ودربّنه على الخط. وذلك أن هذه المقدمة في ظاهرها لا توحي بتلك النتيجة. وإنَّما هي عناية الله تعالى بالدرجة الأولى، ثم اهتمام والده به في زمن الوزارة؛ حيث نشأهُ نشأةً صالحةً على قدرٍ من التوازن الذي لا يجعل الحياة المترفة تطغى على حياته، فتميل به ميلًا عظيمًا؛ فصحب في صغره أبا الحسين بن على الفاسي، الذي قال عنه ابن حزم: (… وما رأيت مثله جملةً علمًا وعملًا ودينًا وورعًا؛ فنفعني الله به كثيرًا) ([21]). ويكأنَّ والد ابن حزم يُعد ابنه -بهذا المحضن التربوي- لأمرٍ جللٍ.

وبعد موت والده في سنة (403 ه) وما تلاها من أحداث، أخذتِ المرحلة العصيبة تتبدّى للشاب المُترف؛ فعاش فترة في صنوف البلاءات وضروب النكبات؛ فكان في تلك الحقبة ما بين تشريدٍ وحبسٍ وتنكيلٍ، ونحوٍ من تلك الشدائد التي تكابده في زمن عُلو البرابرة؛ فَصَبَغَتهُ تلك المحن بصابغ الصلابة والقوة والجَلَد؛ فكان غايةً في الوضوح والصراحة لا سيّما عند صدعه بالحق في مواجهة الباطل؛ وهذا ابن حزم يروي لك طرفًا من تلك الخطوب التي اكتوى بلظاها فيقول: (… والكلام في مثل هذا إنَّما هو مع خلاءَ الذرْع وفراغ القلب، وإنَّ حفظ شيءٍ وبقاءَ رسمٍ وتَذكّرَ فائتٍ لمثل خاطري؛ لعَجَبٌ على ما مضى ودهمني؛ فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مهصر بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان، ونكبات السلطان، وتغير الإخوان …) ([22]).

ومع هذا كله لم يَغفلِ ابن حزم ساعةً عن تلهفه لطلب العلم الذي أخذ طرفًا من مبادئه على نساء قصره ورقيبات شخصه، ثم حفل زمنه التالي بطلب العلم على كوكبة من المشايخ الفضلاء والعلماء الأجلاء، وخرّج بعد ذلك تلاميذ نبلاء ([23]). فعلى الرغم من تقلب ابن حزم بين عيشتين كلٍّ منهما على طرف يقابل الآخر فإنَّ ذلك لم يمنع صاحبنا من الجد في طلب العلم وتفريغ النفس بكليتها له، فما برح هذا المبدأ حتى توفاه الله تعالى.

ولعل مناظرته للباجي في هذا الشأن تُنْبئك بمتانة همته وعلوّها في طلب العلم، وأنَّ العلم هدفه الأسمى الذي سعى من أجل تحقيقه وبثِّه بين الناس. ومما جاء في تلك المناظرة أنَّ الباجي لمّا أراد أن يثبت همةً لنفسه، تزيد فضلًا على همة ابن حزم، قال له: (تعذرني فإنَّ أكثر مطالعتي كان على سرج الحراس. قال ابن حزمٍ: وتعذرني أيضًا فإنَّ أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب والفضة، أراد أن الغني أضيع لطلب العلم من الفقير) ([24]).

هكذا كانت همم العلماء التي يستصغرون فيها ما دون النهاية من معالي الأمور. ومفاد هذه المناظرة من الوجهة الحزميّة أنَّ (الغنى أمنع لطلب العلم من الفقر) ([25])، ومع هذا فابن حزم قد تجاوز هذا المانع وغيره من الموانع الأخرى، وانصرف إلى العلم انصرافًا لم يشغله عنه غيره؛ فتميّز في معقول الشرع ومنقوله، وذاع صيته واشتهر ذكره بين الناس. ومما قيل عنه في هذا الصدد (… ابن حزم رجلٌ من العلماء الكبار فيه أدوات الاجتهاد كاملة …) ([26]).

وما ينبئك عن التفنن الذي شهد به العلماء لابن حزم مثل تصانيفه المتنوعة؛ حيث (امتد خطابه النقدي … إلى جميع فروع الثقافة العربية الإسلامية من فقهٍ وأصولٍ وكلامٍ ونحوٍ ومنطقٍ وفلسفةٍ) ([27]). وقد أصاب الجابري في وصفه لخطاب ابن حزم النقدي من جهة الامتداد. ولكنَّ رؤيته لخطاب ابن حزم النقدي الذي يصفه بأنه قد شكل أساسًا ثوريًا للثقافة الأندلسيّة؛ ظهر أثرها بعد ابن حزم في (المشروع الرُّشّديّ … الذي كانت ظاهرية ابن حزم حُبلى به ومثقلة بكل مضامينه العقلانيّة والنقدية) ([28]). لا يوافق عليها؛ فالنصُّ الذي ساقه الجابري فيه مبالغة واضحة، ووضوحها ظاهرٌ يتجلى لك بمجرد النظر إلى بعض المفارقات المعرفية بين فلسفة ابن حزم وفلسفة ابن رشد ([29]).

ويرى الجابري أيضًا أنَّ المدّ الظاهري لم يقتصر تأثيره على ابن رشدٍ فحسب، بل كان له أثره الواضح في ابن تومرت من جهة المضمون الديني الداعم للاتجاه السياسي (= السياسة في الدين)، وكان له الأثر -من جهة أخرى- في الواقع الفكري الذي استثمره ابن باجة في تسييس الفلسفة (= السياسة في الفلسفة) ([30]).

وهذه الرؤية الجابرية في القول بتسييس التراث وامتدادها إلى (ابن تومرت) و(ابن باجة)؛ ما هي إلا خطأ علمي على ابن حزمٍ خصوصًا، وعلى المذهب الظاهري عمومًا، فالجابري في مشروعه لا يفتأ يذكر تلك المقولة الاستشراقية بين الحين والآخر، وهي معارضةٌ للواقع الأندلسي بتاريخه الكبير، فالمذهب المالكي كان متزعِمًا تلك الحقبة منذ عهد يحيى بن يحيى الليثي (234 ه) المتتلمذ على الإمام مالك، وكانت معركة ابن حزم مع هذا المذهب الضارب في أعماق الحضارة الأندلسية، والذي اكتسح الديار وعمَّ أرجاءها إلى زمن ابن حزم؛ كانت قائمةً على سوقها في نبذ الرأي والقياس والتقليد([31])، ولم تكن علاقته مع دولة بني أمية، في واقع الأمر، علاقة تسييس وقوة يناهض بها الاتجاه العباسي أو غيره، بل ابن حزم ينقد مَن كان مخالفًا للحق، من وجهة نظره، وإنْ كان المخالف من بني أمية أنفسهم، ومن ذلك تعييبه (مروان بن الحكم) في شق عصا جماعة المسلمين عندما خرج على (ابن الزبير) رضي الله عنهما، وفي شأنه يقول: (… مروان ما نعلم له جرحةً قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما) ([32]). فكيف يكون ابن حزم، بعد هذا القول، مُسيّسًا تراث الأمة لمصلحة بني أمية ضد مُخالفيها، وهو المشغول بالنقد وبيان الحق بنَفَسٍ ظاهريٍّ حادٍّ يُجابه به المخالف أيًا كان انتماؤه.

ولا يُسلَّم للجابرى إطلاق القول بأنَّ ظاهريّة ابن حزم قد امتد أثرها -من وجهٍ ما- على ابن رشدٍ وابن تومرت وابن باجة من الناحية المعرفيّة؛ لأن الأصول التي انطلق منها ابن رشد وابن تومرت وابن باجة مختلفة جذريًا عن أصول ابن حزم إلا ما يكون من الموقف من منطق أرسطو وهذا لم يكن موقفا حزميًا متفردًا، بل مشتركا مع المتكلمين وبعض الأصوليين ([33]).

وليس الأمر في تراث ابن حزم محصورًا في هذه الجوانب المعرفية التي بسطتْ نفوذها على فكر الذين أتوا من بعده، بل الأمر أوسع من ذلك؛ فهذا كتابه طوق الحمامة يُظهر لك أنَّه عالم (من أساطين علماء النفس، الخبيرين بدخائلها، الغائصين على أسرارها الدّارسين لمظاهرها وبوادرها وعواقبها) ([34]). وفيه تجد قصةَ نفسِ ابن حزمٍ مع تجارب الأيام التي خاضها بوُجدانه وجرّبها بنفسه، ومن تلك التجارب يتجلى لك كثيرٌ من خفايا النفس وخباياها التي يسوقها ابن حزم بلغة واضحة، تأتيك من أقرب طريق، على طريقة الأدباء العظماء.

وإذا كان كتاب الطوق يحكي الوضوح النفسي لهذا العالم القدير؛ فكذلك هو كتابه في الأخلاق والسير؛ حيث يُبرز الكتاب الجانب نفسه من منظورٍ آخر، فهو عبارة عن خلاصة تجاربه وملاحظاته على نفسه، حتى ما كان قبيحًا منها، ولا يصنع مثل هذا إلا من بلغ مبلغًا عظيمًا في الصراحة والإخلاص والتواضع، والكتاب أيضًا يجلي جوانب عددية في باب الأخلاق لمن عاصره وجمعَتْه به صحبةٌ أو مناظرةٌ ([35]).

وينتاب المرء استغرابٌ عند قراءته لهذا الأدب الرفيع الذي يعطيك صورة أخرى لابن حزم، غير الصورة التي عُرف بها في مجادلة الخصوم ومحاجّة المخالفين؛ حتى صدق عليه وصف ابن القيم له بـ (مَنْجَنِيقِ الْغَرْبِ) ([36]). ولكن يبقى الجامع المشترك لهاتين الصورتين -على اختلافهما- هو الظهور والوضوح؛ فكان واضحًا فيما يُخالج نفسه من مشاعر وأحاسيس يدفعها ويحركها حبٌّ عميقٌ استولى على شغاف قلبه، مع عفاف وكريم خصال؛ وإنِّي لأقول: لم يكبحْ جماحَ لوعةِ حبِّ ابن حزم إلا متانة دينه، هذا جانب الصورة النفسيّة لابن حزم، وأمّا الجانب الحجاجي فيما له صلة بالمعرفة؛ فكذلك كان ينهج فيه نهجًا ظاهرًا ظهورًا لا خفاء معه، تجد ذلك في تعبيره؛ حيثُ كان تعبيرًا يتسم بميسم الوضوح والظهور، أيّا كان المجال المُعبر عنه والمجال المُناظر فيه.

وابن حزم في تعبيره يمتلك لغة ظاهريّة تصوّر لك الحدث كأنَّك تراه، بل ويبقى أثرُ هذا التصوير في مَخْيُلتك أمدًا بعيدًا. ومن شواهد تلك الدُّرْبَةِ على تصوير المواقف والأحداث قوله: (… ولقد جرّبت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان، ولا للمال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن من بعد الخوف، ولا التروح على المال، من المُوقِع في النفس ما للوصل، ولا سيما بعد طول الامتناع، وحلول الهجر، حتى يتأجّج عليه الجوى، ويتوقّد لهيب الشوق، وتتضرّم نار الرجاء؛ وما إصناف النبات بعد غب القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب الساريات في الزمان السَّجْسَجِ([37])، ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النُّوار، ولا تأنق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض الخضر؛ بأحسن من وصل حبيبٍ قد رُضيت أخلاقُه، وحُمدت غرائزُه، وتقابلتْ في الحسن أوصافُه، وأنّه لمُعجزٌ ألسنةَ البلغاء، ومُقصِرٌ فيه بيانُ الفصحاء، وعنده تطيش الألبابُ، وتعزبُ الأفهام …) ([38]).

وصدق من جعل تمام الصورة الصادقة عن حياة ابن حزم رهينا بأمرين: (أما الأول: فأخبارُ حُبه وآثارها في نفسه، وأما الثاني: فهو اختباراتُه في هذا الميدان ودراساته لمجتمعه في الحب، ثم دقة وتحليل وُفِّق إليهما في دراساته النفسيّة العميقة) ([39]). وإذا أردت معرفة براعة ابن حزم في قوة تصويره للأمور الخفية كأنَّك تراها رأي العين؛ فانظر إلى قوله: (… وشيء أصفه لك تراه عيانًا: وهو أني ما رأيتُ قط امرأة في مكانٍ تُحس أن رجلًا يراها أو يسمع حِسها إلا وأحدثتْ حركة فاضلةً كانتْ بمعزلٍ، وأتتْ بكلامٍ زائدٍ كانتْ عنه في غُنية، مخالفَين لكلامها وحركتها قبل ذلك؛ ورأيتُ التهممَ لمخارج لفظها وهيئة تَقَلُبِها لائحًا فيها ظاهرًا عليها لا خفاء به؛ … وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المَزْح عند خُطور المرأة بالرجل واجتياز الرجل بالمرأة؛ فهذا أشهر من الشمس في كل مكان) ([40]).

إنَّ هذا السبر لغور خفايا النفس التي قلَّ أن يتفطن لها كثيرٌ من الناس؛ يوحي لك بعقليّة تحليلية لم تقتصر على الجانب النفسي فحسب، وإنَّما تجاوزته إلى جوانب معرفية متنوعة؛ ومن تلك الجوانب ما تحكيه قصة عقله، والتي ظهرتْ معالمها جليّة في: التقريب، والفَصْل، والإحكام؛ فكانت هذه التواليف على إثر الاستثارة الفكرية التي تعرض إليها ابن حزم عند احتكاكه بأهل الجهل، بحسب تعبيره. وفي هذا يقول: (… ولقد انتفعت بمحك أهل الجهل منفعةً عظيمةً، وهي أنَّه توّقد طبعي، واحتدم خاطري، وحمي فكري، وتهيج نشاطي، فكان ذلك سببًا إلى تواليف لي عظيمة المنفعة، ولولا استثارتهم ساكني، واقتداحهم كامني؛ ما انبعثت لتلك التواليف) ([41]).

فالمقادحات الفكرية بين ابن حزم وخصومه أنتجت لنا تلك التواليف الموسوعية، وهي الموطن الذي يُظهر لك عقليّة ابن حزم الوقّادة. ولك أن تنظر إلى مقدمة التقريب الحاوي على الحوار بينه وبين الرافضين للمنطق؛ وستجد أن هذا الحوار أحد الأسباب التي دفعت ابن حزم للتأليف في هذا الباب. وستجد في التقريب، من جهة أخرى عقلية ابن حزم التي تميل إلى استثمار المنطق في صناعة البرهان الذي يُعد هدفًا أسمى في منهجية ابن حزم المعرفيّة، حيث قرّب الإرث اليوناني تقريبًا لم يُسبق إليه؛ ونجح إلى حدٍّ كبيرٍ في توظيف علم المنطق توظيفًا شرعيًا؛ بمعنى أنَّه أراد أن يجعل علم المنطق منطلقًا يشيّد عليه أصول الشرع وفروعه، وذلك بحجة كون المنطق يرتكز على المبادئ الفطرية المعروفة. وبغض النظر عن مدى صلاح هذا التقريب من عدمه في المشروع الحزمي؛ إلا أنَّ ما قدّمه في كتاب التقريب من صناعة برهانيّة تدلك على عقلية المُناظر القُرطبي والفقيه الأندلسي. ولو قيل إنَّ (التوافق بين نزعة ابن حزم البرهانية وصرامة المبادئ والقوانين المنطقية) ([42])؛ كانت سببًا في (انتشار التأثير المنطقي في كل جوانب مشروعه العلمي) ([43])؛ لكان القائل محقًا في ذلك.

وفي الفَصْل تظهر العقليّة الحزمية في تضاعيف هذا السفر الجدلي؛ إذْ الفَصْل في أساسه جملةٌ من البراهين العقلية الواضحة التي يستثمرها ابن حزم في الرد على المخالفين بحسب بُعدهم عن دين الإسلام وانحرافهم عنه، وبحسب ما يصلح من البراهين لكل مقالة قد عَرَفَ ابن حزم مُنطلقها وكيفية الرّد عليها، لا سيّما وابن حزم يخالط ذلك المجتمع المتنوع عرقّيًا وفكريًا، فتجده قدْ نصَّ في المقدمة على تلك الفِرَق المخالفة؛ فذكر على رأسها مبطلي السبعة ( (=السفسطائية)، ثم من أثبت الحقائق على اختلاف أصنافهم؛ وما تبع ذلك من الكلام عن النصرانية واليهودية وفرق الإسلام إلى آخر تلك المقالات التي تناولت آراء الحكماء السبعة([44]) من الفلاسفة وغيرهم.

والمقصود، أنَّه لا يقدر على استيعاب تلك المقالات المتشعبة من جهة نسبتها إلى أصحابها وفهمها على وجهها ثم نقضها وبيان بطلانها؛ إلا من تفضل الله عليه بعقليّة فذة، استطاعت إلى حدٍّ كبيرٍ أن تُعرّي كثيرًا من تلك الآراء والأهواء، وتبيّن زيفها وضلالها. وفي الإحكام تجدُ العقليّة الأصولية المتأثرة بالمنطق اليوناني ماثلة في تضاعيف هذا السفر وما تضمنه من حجج وبراهين للأمثلة الفقهية والقضايا الشرعيّة ([45]). وتجد تلك العقلية -أيضًا- سافرة في مقدمة كتابه هذا؛ حيث يستهلها بذكر تراكيب النفس الإنسانية وما هي عليه من قوى مختلفة، ويذكر منها قوّة التمييز (= النطق) الخاصة بفهم خطاب الله عز وجل والموصلة إلى التفريق بين الحق والباطل، وقوة العقل المُعِينة للنفس على تتبع الحق والثبات عليه ([46]).

والصلة بين الكتب الثلاثة التي صنّفها ابن حزم؛ هي صلة وثيقة؛ إذْ يُعد كتاب التقريب اللّبنة الأولى في صناعة البرهان والممهد الرئيس لكتاب الفَصْل الذي هوعُمدة في إبطال المقالات المخالفة لدين الإسلام من الديانات الأخرى وغيرها. وكتاب التقريب كذلك هو المرجعية الأصولية لكتاب الإحكام؛ الكتاب المَعْنِيّ بالتأصيل الفقهي الإسلامي، والمُتكفل (ببيان الجمل في مراد الله عز وجل …) ([47]) فكان كتاب الإحكام (مُوعبًا للحكم فيما اختلف فيه الناس من أصول الأحكام في الديانة) ([48]).

وفي معنى كون التقريب أساسًا للبراهين المستثمرة في هذين الكتابين (= الفَصْل، والإحكام)، وتحت قوله: (باب مختصر جامع في ماهية البراهين الجامعة الموصلة إلى معرفة الحق في كل ما اختلف فيه الناس وكيفية إقامتها …) ([49])؛ يقول ابن حزم: (هذا بابٌ قد أحكمناه في كتابنا الموسوم بالتقريب في حدود الكلام وتقصيناه هنالك غاية التقصي) ([50]).

ومع كثرة التصانيف التي حررها ابن حزم في شتى العلوم إلا أنّ شواهد التنظير لنظريّة الظاهر، وتحريّ اليقين في المعرفة ماثلٌ في جميع مصنفاته، وهذا يدلك على اطراد منهجه الذي قد تشبع به وبثّه في مناحي المعرفة التي تطرق لها، وألّف فيها ([51]). والشاهد يشهد بأنَّه (قد أتى في كتبه بأحرف فاضلة يعز استعمالها عند غيره) ([52])، هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد أتى بأحرف شذّ بها عن مذهب أهل الحديث الذي ينتسب إليه ويدافع عنه. وهو في كل المسائل التي يتعرض لها في كتبه السابقة إما بالتقرير أو النقد؛ فإنَّه يعيدها جميعًا إلى المقدمات الأوليّة التي جعلها أساسًا ثابتًا في المعرفة، سواءٌ بعُدت تلك المسائل أو قرُبت من تلك الأوليّات ([53]).

وهذا الاطراد المذكور آنفًا بقي ممتدًا على طول تاريخ ابن حزم بالرغم من كثرة المحن التي لاقاها من علماء عصره، وحكّام دهره، فهو في المحنة ما بين تضليلٍ وتأليبٍ وتأنيبٍ وتحريقٍ ([54])؛ فهذه كتبه تُحرق على يد ابن عبّاد ولكنه لا يأبه بصنيعهم هذا ([55])، بل يقول لهم:

فإنْ تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي *** تضمنه القرطاسُ، بل هو في صدري

يسير معي حيث استقلتْ ركائبي *** وينزل إنْ أنزلْ ويُدفن في قبري

دعوني من إحراق رقٍّ وكاغد *** وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري

وإلا فعودوا في المكاتب بدْأةً *** فكم دون ما تبغون لله من ستر ([56]).

وقد ورّث ابن حزم إرثًا ثقافيًا زاخرًا، انقسم الناس حياله إلى أقسام، وبقي هذا الانقسام حيال هذه الحركة الفكرية التي أحدثها ابن حزم إلى يومنا هذا، ويكأن ابن حزم بإرثه هذا قدّ خلَّد ذكره في العالمين؛ فمع وجوده وسط المذهب المالكي الذي كان يغشى بلاد الأندلس آنذاك، ويبسط نفوذه عليها، إلا أن ابن حزم يُحلّق بعيدًا عن هذا المذهب؛ لرؤية رآها بنفسه كانت بذرةَ البعثِ الظاهري؛ مما جعله يترك المذهب الشافعي الذي اعتنقه من قبل([57])، ويأخذ بالنظريّة الظاهريّة في المعرفة، فلزمها وأصَّل لها في ربوع بلاده وما استطاع من أماكن أخرى، وتحمَّل في مسلكه هذا صنوفًا من الأذى مرَّ طرفٌ من أحداثها. وهو بهذا الصنيع يجدد الحركة الفكرية الظاهرية ويبعثها من المغرب بعد أن كانت بواكرها نابعة من المشرق على يد داود بن علي الذي وضع أصولها الأولى.

وابن حزم بالفعل هو الذي أحيا هذه النظريّة بعد أنْ أوشكتْ على الاندراس، وآية هذا تجاوز ابن حزم ظاهرية داود بن علي التي كانت مقتصرة على الجانب الفقهي فقط ([58])؛ حيثُ ذهب بها ابن حزم إلى ظاهرية تشمل الفقه والأصول، ويشهد لذلك ما هو مبثوث في عُمد مصنفاته من شواهدَ تدل على أنَّه الناهض بالمذهب الظاهري بشموليته تلك لقضايا الاعتقاد والتشريع.

وفي هذا المعنى يقول ابن حزم: (وأنَّ كلَّ ما في القرآن من خبر عن نبي (أو غيره)، أو عن المعاد، أو عن أمة من الأمم، أو عن المسخ، فعلى ظاهره، لا رمز في شيء من ذلك، ولا باطن ولا سر، وكذلك كلُّ ما فيه من أمور الجنة من أكلٍ وشربٍ … وعذاب في النار بالزقوم، والحميم.. وغير ذلك، فكله حق) ([59]). فداود بن علي يُعد إمامًا لابن حزم من جهة تقريره للمذهب الظاهري في صورته الكليّة في الجانب الفقهي، ولكنَّ هذا السبق الزمني تمَّ تجاوزه من قبل ابن حزم بتأصيلاته المعرفية للنظريّة الظاهريّة الكلية ([60]).

وليس بخاف على من سبر المنهج الحزمي وقارنه بمذهب داود بن علي وغيره من الاتجاهات الأخرى أنه سيلحظ هذا التجاوز الذي بلغ مبلغ الرفض لكل تأويلٍ باطن لا يدل عليه دليلُ الكتاب، أو السنة، أو الإجماع أو ضرورةُ عقل أو حسٍّ، وسواءٌ كان ذلك الباطن عرفانًا شيعيًا أو صوفيًا، أو كان قياسًا أصوليًا يُمارَس في الحقل الفقهي، أو قياسًا للغائب على الشاهد يطبّق في الوسط الكلامي، فكله منبوذ عند ابن حزم على حد سواء. ومع تلك المخالفة التي خالف بها ابن حزم جمهور الفقهاء في كثير من المسائل، لا سيما في القياس الأصولي، وجملة من مسائل الاعتقاد؛ إلا أنّك تلحظ اتفاق المُترجمين له على ورعه وتديّنه وزهده وتحريّه الصدق، إلى فضائلَ كثيرةٍ ومناقب حميدةٍ، قلَّ أن تجدها في غيره. ومما قيل عنه في هذا المعنى: (… وكان صاحب فنونٍ، فيه دينٌ وتورعٌ وتزهدٌ وتحرٍّ للصدق) ([61]).

ومن الصفات الحميدة التي اتصف بها ابن حزم وكشفت عنها مراحل حياته التي عاشها مع الناس؛ صفة الوفاء، تلك الصفة الأخلاقية الفاضلة التي لا يتصف بها إلا من كان كريمَ السجايا صادقَ المزايا. وعن تلك الصفة يقول ابن حزم: (… وعنّي أخبرك أنّي جُبلتُ على طبيعتين لا يَهْنأني معهما عيش أبدًا، … وهما: وفاءٌ لا يشوبه تلونٌ قد استوت فيه الحضرة والمغيب، والباطن والظاهر، … وعزةُ نفسٍ لا تُقِرّ على الضيم، مُهتمةٌ لأقل ما يرد عليها من تغير المعارف، مؤثرةٌ للموت عليه؛ فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلى نفسها) ([62]).

ولعلّ الحدة في القول التي اشتهر بها ابن حزم في مناقشة العلماء كانتْ إثرَ مرضٍ ألمّ به جعله مزاجي الطبع فجّ القول، وفي هذا يقول: (… ولقد أصابتني علةٌ شديدةٌ ولدّت عليّ ربوًا في الطحال شديدًا؛ فوّلد عليّ ذلك، من الضجر وضيق الخُلق وقلةِ الصبر والنزق، أمرًا حاسبت نفسي فيه) ([63]). ومع تلك العلة التي أصابته، والتي يبرر بها شدته في النقاش، إلا أنَّ ذلك العنف الجدلي الذي عُرف به؛ يُعد هفوةً من هفواته وسقطةً من سقطاته لا يُقر عليها بحال. وقد لاقى بسبب هذه الهفوة من المحن والحسد والنكران؛ ما لا طاقة لكثير من الناس على تحمله والصبر عليه، فحياته (معارك متلاحقة، لا ينفض عن نفسه غبار معركة حتى تقوم له أخرى) ([64]).

فهي حياة تتراوح فصولها بين الحب من جهة والحرب من جهة أخرى؛ الحب الذي أفصح عنه في طوق الحمامة، والحرب التي أعلنها في الفَصْل والإحكام وغيرهما من مصنفاته.

ومن الجوانب المُثيرة للباحث عند استعراض حياة ابن حزم؛ ذلك الجهاد الذي أبلاه لنصرة ما يراه حقًا؛ فيدع المناصب ولذائذ الدنيا، ويتحمل الغربة والاعتقال ونحوٍ من تلك الفتن، في سبيل إحقاق الحق وتبيينه، ثم يأتي من يأتي من بعض المُحْدَثين فيردد ما قيل من قبل في موقف ابن حزم من دولة بني أمية، وأن موقفه من هذه الدولة كان موقفًا تحزبيًا سياسيًا، يستثمر سلطة الدولة السياسية في فرض مشروعه الفكري كي يعم المجتمع بأسره ([65]). وفي هذا المعنى يقول الجابري: (… فإن ابن حزم لا يستعيد هذه النظرية من موقع التمذهب الديني … أي بوصفها تراثًا وحسب، بل يؤكدها أيضًا من موقع التحزب السياسي المباشر) ([66]).

وأرى أن ما صدر من ابن حزم تجاه الدولة الأموية وتأييده لها ليس إلا رؤية دينيّة رآها في هذه الدولة، وأنَّها أحق من غيرها بالحكم؛ إذْ هي التي تقدر على تحقيق ما يضمن نقاء الدين من مشارب دخيلة قدْ غلتْ في باب التأويل غلوًا كبيرًا. وأن النظريّة الظاهريّة التي أسسها؛ ليست مؤسسة على التحزب السياسي، بل هي رؤيةٌ معرفيّةٌ يرى أنَّها تنصر الحق وتقمع الباطل وتحمي الدين من تلك المذاهب المنحرفة؛ فتوافقت هذه النظريّة الظاهريّة مع نظرته للدولة الأموية التي يقول فيها: (إنّ دولة بني أمية بالأندلس؛ كانت أنبل دول الإسلام وأنكاها في العدو، قد بلغت من العز والنصر ما لا مزيد عليه) ([67]).

وفي ختام الوقفة هذه، تحسن الإشارة إلى الجناية التي حصلت ممن لم يعرف ابن حزم حق المعرفة، ولم يطلع على بعض جوانب حياته المشرقة؛ حيث تصدى للحكم على ابن حزم، من غير برهان؛ بل يأتي بتشغيبات لا يستند فيها إلى شاهدٍ إلا شاهد القيل والقال. ولو صحت تلك المذام؛ فليست في مناقب ابن حزم ولا خصاله شيئًا مذكورًا، فهو الذي أنصفَ الباجيَّ -خصمَه- حيث قال فيه: (لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي، بعد عبد الوهاب، إلا مثل الوليد الباجي؛ لكفاهم) ([68])، ولا يقول مثل هذا القول إلا من اتصف بأخلاق الكبار.

ومن فضله في هذا الباب؛ رجوعه للحق بعدما تبين له، وشاهد ذلك قوله: (… وأخبرك بحكاية لولا رجاؤها في أن يسهل بها الإنصاف عن مَن لعله ينافر ما ذكرناها؛ وهي أني ناظرت رجلًا من أصحابنا في مسألة فعلوته فيها لبَكُوءٍ([69]) كان في لسانه. وانتفض المجلس على أني ظاهر، فلما أتيت منزلي حاك في نفسي منها شيء فتطلبتها بعض الكتب؛ فوجدت برهانًا صحيحًا يبين بطلان قولي وصحة قول خصمي، وكان معي أحد أصحابنا ممن شهد ذلك المجلس فعرّفته بذلك، ثم إني قد علّمتُ على المكان من الكتاب، فقال لي ما تريد؟ فقلت: أريد حمل هذا الكتاب وعرضه على فلان وإعلامه بأنّه المحق وأنّي المُبطل وأنّي راجع إلى قوله. فهجم عليه من ذلك أمرٌ مُبهت، وقال لي: وتسمح نفسك بهذا؟! فقلت له: نعم، ولو أمكنني ذلك في وقتي هذا ما أخّرته إلى غد) ([70]).

وكذلك هو العالم الذي اطرد منهجه على النزاهة العلمية؛ فقلّ أن تجد له مناقشة علميّة إلا ويستقصي أدلة الخصم واحدًا واحدًا لا يُخفي منها شيئًا. وانظر إلى شاهد ذلك يوم أن كان يرتاد مجالس علماء يهود؛ كي يستفسر عن لفظةٍ غامضةٍ، تحتاج إلى بيان واستفصال، أو عند تصنيفه لبعض فرق النصارى وإخراج الفرق الأخرى من ذلك التصنيف، فكان بذلك دقيقًا متحريًا للحق ([71]).

ولستُ هنا منتصرًا لابن حزم من غير برهان؛ إذِ الحق أحق أن يتبع بغض النظر عن قائله، فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد، ولا قدسية للأشخاص في ملّتنا، ولكن الحق هو الذي يُجلّي مواقف الرجال المخلصين، والعلماء الربانيين؛ متى ما كان الاستدلال لذلك الأمر بدليل صحيح.

توفي ابن حزم -رحمه الله تعالى- في الثامن والعشرين من شهر شعبان لسِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَأرْبَعِ مائَة ([72]). وفي سنة وفاته يقول صاعد: (ونقلت مِنْ خطّ ابْنِهِ أبِي رَافِعٍ، أنْ أبَاهُ تُوُفِّيَ عَشِيَّة يَوْم الأحَد لِليلتين بقيتَا مِنْ شَعْبَانَ، سَنَة سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَأرْبَعِ مائَة، فَكَانَ عُمُره إحْدَى وَسَبْعِيْنَ سَنَةً وَأشْهُرًا) ([73]).

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

([1]) دراسة في المفاضلة بين الصحابة، لابن حزم، تحقيق: سعيد الأفغاني، ص3.

([2]) ابن حزم وموقفه من الإلهيات، لأحمد الحمد، ص95.

([3]) بُجْرٌ وبُجْرانٌ بضمهما تعني: الدَّاهِيَةُ. انظر: القاموس المحيط، للفيروزآبادي، مادة: (بجر). وأصل اللفظة عند ابن فارس: تعقُّد الشّيء وتجمُّعُه. انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، المادة نفسها.

([4]) تاريخ الفكر الأندلسي، آنخل جنثا لثبا لنثيا، نقله عن الأسبانية: حسين مؤنس، مكتبة الثقافة الدينية، 1955م. ص216.

([5]) انظر: رسائل ابن حزم، 2/19. وانظر: ابن حزم الأندلسي المفكر الظاهري الموسوعي، لزكريا إبراهيم، ص22 فما بعدها. وانظر: دولة الموحدين للصلابي، ص280.

([6]) الذي قصره عليه الجابري، انظر: تكوين العقل العربي، للجابري، ص298. وانظر: نحن والتراث، للجابري، ص88. مما يبين أن تصنيف الجابري تصنيفا حديا لأنظمة الفكر العربي إلى بياني وبرهاني وعرفاني، لم يكن دقيقا، ولم يتداول في البيئتين الثقافيتين المشرقية والمغربية بتلك الحدية التي افترضها، وذينك الانفصال والقطيعة اللذين افترضهما: بين تلك الأنظمة في ذاتها أولا، وبين أنماط وجودها في المشرق وفي المغرب ثانيا.

([7]) الفصل، لابن حزم، 2/91.

([8]) انظر: تكوين العقل العربي، للجابري، ص299.

([9]) انظر: المصدر السابق، ص301.

([10]) انظر: التداخل العقدي، ليوسف الغفيص، ص236 – 237.

([11]) الفصل، لابن حزم، 4/143.

([12]) الإحكام، لابن حزم، 1/12.

([13]) التداخل العقدي، ليوسف الغفيص، ص268 -269.

([14]) انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، 18/184 فما بعدها. وانظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان، 3/322. وانظر: نفح الطيب، للمقري، 2/77. وانظر: الأعلام، للزركلي، 4/254. وانظر: ابن حزم خلال ألف عام، لابن عقيل، 1/61. وانظر: ابن حزم صورة أندلسية، لطه الحاجري، ص36.

([15]) انظر: نفح الطيب، للمقري، 1/211.

([16]) دراسة في المفاضلة بين الصحابة، لابن حزم، تحقيق: سعيد الأفغاني، ص3.

([17]) انظر: الوافي بالوفيات، للصفدي، 6/109. وانظر: نفح الطيب، للمقري، 1/333، 545. وانظر: ابن حزم الأندلسي، لزكريا إبراهيم، ص14.

([18]) تاريخ ابن خلدون، لابن خلدون، 6/221.

([19]) انظر: البداية والنهاية، لابن كثير، 12/6.

([20]) رسائل ابن حزم، تحقيق: إحسان عباس، 1/227-228.

([21]) المصدر السابق، 1/273.

([22]) المصدر السابق، 1/309- 310.

([23]) انظر: تذكرة الحفاظ، للذهبي، 3/227. وانظر: جذوة المقتبس، للحميدي، ص25.

([24]) معجم الأدباء، ليقوت الحموي، 2/28.

([25]) المصدر السابق، 2/28.

([26]) تذكرة الحفاظ، للذهبي، 3/231.

([27]) بنية العقل العربي، للجابري، ص514.

([28]) نحن والتراث، للجابري، ص90. وانظر: قصة المشروع الثقافي الذي أنتج ابن رشد، لمحمد عابد الجابري، مقال على الشبكة العنكبوتية.

([29]) انظر: موسوعة الفلسفة، لبدوي، 1/19 فما بعدها.

([30]) نحن والتراث، للجابري، ص90-91.

([31]) انظر: التأويل الحداثي للتراث، للسكران، ص204. وانظر: رسائل ابن حزم، 2/20.

([32]) رسائل ابن حزم، 2/22. وانظر: التأويل الحداثي للتراث، للسكران، ص204 فما بعدها.

([33]) محاورات مع الأستاذ الدكتور إدريس الجابري.

([34]) رسالة المفاضلة، لابن حزم، تحقيق: الأفغاني، ص23.

([35]) ابن حزم الأندلسي، لزكريا إبراهيم، ص8.

([36]) زاد المعاد، لابن القيّم، 5/461.

([37]) السَّجْسَجُ: المعتدل، الذي لا حر فيه ولا برد. انظر: الصحاح، للجوهري، 1/ 321.

([38]) رسائل ابن حزم، تحقيق: إحسان عباس، 1/180-181.

([39]) المفاضلة بين الصحابة، لابن حزم، تحقيق: الأفغاني، ص56.

([40]) رسائل ابن حزم، 1/270.

([41]) الأخلاق والسير، لابن حزم، ص110.

([42]) أثر المنطق اليوناني في المنهجية الأصولية عند ابن حزم، للسي محمد، ص9.

([43]) المصدر السابق، ص9.

([44]) انظر: تاريخ الفلسفة اليونانية، ليوسف كرم، ص7.

([45]) انظر: الإحكام، لابن حزم، الباب السابع.

([46]) انظر: المصدر السابق، 1/4-6.

([47]) المصدر السابق، 1/8.

([48]) المصدر السابق، 1/8.

([49]) الفصل، لابن حزم، 1/10.

([50]) المصدر السابق، 1/11.

([51]) شواهد هذا الكلام مبثوثة في تضاعيف هذا البحث.

([52]) التداخل العقدي، ليوسف الغفيص، ص233.

([53]) انظر: التقريب، لابن حزم، ص172.

([54]) انظر: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، للشنتريني، 1/168.

([55]) انظر: المصدر السابق، 1/171.

([56]) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، للشنتريني، 1/171.

([57]) انظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان، 3/325.

([58]) انظر: درء التعارض، لابن تيمية، 1/390. وانظر: التداخل العقدي، ليوسف الغفيص، ص222.

([59]) الدُّرة فيما يجب اعتقاده، لابن حزم، تحقيق: التركماني، ص323.

([60]) انظر: التداخل العقدي، ليوسف الغفيص، ص233.

([61]) تذكرة الحفاظ، للذهبي، 3/227.

([62]) المصدر السابق، 1/210.

([63]) المصدر السابق، 1/391.

([64]) المفاضلة بين الصحابة، لابن حزم، تحقيق: الأفغاني، ص 78.

([65]) انظر: نحن والتراث، للجابري، ص90.

([66]) تكوين العقل العربي، للجابري، ص300.

([67]) نفح الطيب، للمقري، 1/326.

([68]) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، للمقري، تحقيق: إحسان عباس، الجزء الثاني، ص 68-69.

([69]) البَكوء: نقصان الشيء وقلته. انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، 1/ 285.

([70]) التقريب، لابن حزم، ص94.

([71]) الفصل، لابن حزم، 1/37.

([72]) انظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان، 3/328.

([73]) سير أعلام النبلاء، للذهبي، 18/211.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى