- خالد الغيلاني
يعتبر مفهوم الدولة من أبرز المفاهيم التي أخذت حيِّزًا واسعًا واهتمامًا كبيرًا في النقاشات الفلسفية كل ذلك للخروج من حالة العبث والعدوانية التي يتسم بها الإنسان ضد أخيه الإنسان؛ فيقول فوكو: على المعرفة أن تصارع عالمًا بلا نظام، وبلا ترابط، وبلا شكل، وبلا جمال، وبلا حكمة، وبلا انسجام، وبلا قانون. وهذا هو العالم الذي تتعامل المعرفة معه. وبذلك، لا يجد المرء تواصلًا بين الغرائز والمعرفة بل يجد بدلًا من ذلك علاقة صراع، وهيمنة، وعبودية، وتوطيد وأصل الكلام هذا منقولٌ عن نيتشه.
فحاول الفلاسفة الخروج من الحالة الحيوانية والتوحش التي دفعت هوبز لوصف الإنسان بكونه ذئبًا لإنسان آخر فكانت الحاجة إلى أطر قانونية واجتماعية تنظم جميع مسارات الحياة والتعاملات اليومية بما يكفل السلامة للجميع مع أن الدولة مع كونها حاجة ضرورية فلم تسلم حتى هي من النقد في نقاشات الفيلسوف الفرنسي فوكو للسلطة وتشعباتها ولكن هذا ليس موضوعنا وربما يكون في مقال آخر، فأفلاطون كان يرى ميلاد الدولة تعبيرًا عن عجز الفرد عن تلبيه وإشباع حاجاته المختلفة بمفرده فالحاجة إلى قوة أكبر فالأمن على سبيل المثال لا يستطيع أن يوفره الفرد له ولعائلته وعند ذلك فهو بحاجة إلى مساعدة من جهة عليا مأمونة وواضحة المعالم وغير متقلبة الأهواء أو الرغبات الشخصية ولن تكون هذه الجهة إلا الدولة فالدولة عند أفلاطون لا تظهر إلا في الاستجابة للحاجات الفطرية ولا يبتعد كثيرًا أرسطو عن أفلاطون في الحاجة للدولة ولكن لا بد لها من المرور من خلال الأسرة كوحدة اجتماعية مهمة في تكوين الدولة وكأنه يؤمن بالمكونات الداخلة في تكوين الدولة وأنها ضرورة لها ولا يقتصر فقط على الحاجات الاقتصادية كما يرى أفلاطون.
ولا يختلف النقل عن كل من كانط وهيجل في الحاجة الماسة للدولة فهما مقتنعان أشد الاقتناع بضرورتها للتعايش البشري وأنه لا يمكن استبدالها بشيء آخر ومع ذلك فهما يختلفان في فهمهم وتبريرهم للدولة فكانط هو المنظر للحقوق الطبيعية والعقد الاجتماعي بينما يعرف هيجل بأنه الناقد لكليهما.
كانط في كتاباته المتأخرة “ميتافيزيقيا الأخلاق” يبرر الحاجة للدولة كما يفعل هوبز بالطبيعة البشرية فالبشر يميل بعضهم إلى إيذاء بعض أو التعدي على الآخرين وتجاوز حدودهم وإلحاق الضرر بهم، والقرآن ينص صراحة على هذا ويعطيه وصفًا دقيقًا فيقول ” وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعضٍ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم” فالخلطاء هم الناس ومن مقتضيات الطبيعة البشرية ضرورةً أن يقع البغي منهم على بعضهم لذلك في قصة هذه الآية التي في سورة ص وسيقت على لسان داود عليه السلام في فصله بين المتنازعين عندما كان داود ممثل الدولة والمطبق لقانونها وهذا ما يوضح هذه القضية بوضوح فالاعتداء من طرف على طرف وقع ولو كان تمثيلًا غير حقيقي إلا أنه في سياق الإثبات له وللدولة التي تفض هذه النزاعات وتحكم بقانونها العادل فيها.
ولا بد من السؤال في العالم الذ نعيش فيه اليوم هل أنجزت الدولة الحديثة وعد بالتقدم من خلال تجربة الحرية والديمقراطية فبالعودة إلى الأفكار التي وضعها توماس هوبز في عمله Leviathan عام 1651م عندما قرر القوة السيادية على مستوى الكومنولث كحل لمشكلة الإنسان القاسي واللامبالي والعنيف فيخبرنا هوبز أن الحالة الطبيعية السائدة هي حالة العنف حيث لا سلام دائم، لا خير مطلقًا فقط خوف محيط ورهيب مع انفلات المطامع والمطامح بين الرجال والعداوة متبادلة لهذا فالحرب قائمة بين الجميع ولا يمكن أن يكون هناك شيء عادل أو مفهوم وقد يكون الأمر لا يتجاوز ما وصفه المتنبي عندما قال:
إنما أنفسُ الأنيسِ سباعٌ
يتفارسنَ جهرةً واغتيالا
من أطاق التماس شيءٍ غلابًا
واغتصابًا لم يلتمسه سؤالا
كلُّ غادٍ لحاجةٍ يتمنَّى
أن يكون الغَضَنْفَرَ الرئبالا
ففي حالة الطبيعة كما يرى هوبز يتمتع الإنسان بالحرية لكن ليس له حقوق وهذه الحرية ترتكز على ما لديك من قوة ومنعة مما يعني تكوُّن جماعات مشوهة تقوم على تقديس القوة.
ينبع المفهوم الحديث للسيادة من لحظتين فاصلتين في تاريخ القانون الدولي الأولى: معاهد وستفاليا في ألمانيا التي كانت معركًا للحروب الأوروبية والخسائر البشرية عام 1648م واضعةً حدًا لحرب الثلاثين عامًا وحرب الثمانين عامًا، ووقعها مندوبو الإمبراطورية الرومانية وممالك فرنسا وإسبانيا والسويد وجمهورية هولندا والإمارات البروتستانتية وتكمن أهميتها في كونها أول اتفاقية دبلوماسية في العصر الحديث وكون هذه الاتفاقية بنيت على أساس سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها وأن لكل دولة الحق في حكم أراضيها بدون تدخل من أحد، ووجهت تلك الدول نحو العلم والتعلم ودراسة الفلسفة والمنطق وخلقت مجالًا رحبًا من التسامح والحرية الدينية واللحظة الثانية هي أعقاب الحرب العالمية الثانية بعد أن بدأ القانون العام “المحلي والدولي” يتجه بشكل ملحوظ ومتزايد في وضع مفهوم آخر للسيادة فيما يتعلق بالمحكومين وهو مفهوم حقوق الإنسان وما نتج عن ذلك من دساتير عدة أحدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومن الملاحظ في اللحظة الثانية الفارقة أن عامة الشعوب أصبحت جزءًا لا يتجزأ من السلطة وهو ما أصبح يعرف بالمشاركة الشعبية في السلطة، ولا يغيب عنك مسميات كثير من الدول العصرية بمسمى الجمهوريات وهو أدل على ما نرمي إليه. وهذا ما يعني أننا أمام نظريتين تحددان الواجب والالتزامات وتظهران معيار الوفاء المشترك بين الطرفين عندما تتأرجح السيادة بين نقيضين فهناك من يسعى لتركيز السلطة وتبرير حق السيادة المطلق في الحكم المدعوم بالقوة وهو ما يعتبره البعض خطيرًا للغاية لأنه يعزز القوة المفرطة بيد الدولة الواحدة وبالتالي يخضع الأشخاص لحكم مطلق ليأتي في المقابل النقيض المقابل الذي ينكر السيادة جملة وتفصيلًا مؤكدًا أنه لا مكان لها في النظريات الحديثة وهذا النهج يحاول التعرف على ماهية الدولة وفي اعتقادي أنه يحاول التعرف عليها ليحد من طغيانها أو استشرائها واستفحالها لعلمه أنها ضرورة لا بد منها وإذا أخذنا كانط على سبيل المثال فإنه يبدو للبعض غير مناسبٍ لتوضيح المفهوم الحديث لسيادة الدولة وفق النظريات الحديثة ومع ذلك فإن فلسفته القانونية والسيادية تبرز أهمية السيادة من وجهة نظر حق الإنسان الأساسي في المساواة والحرية حيث تعتبر الحرية والمساوة الركيزتين الأساسيتين في مفهوم الدولة عند كانط لنتحصل في النهاية على نظرية توضح كيف تبرر الحرية المتساوية وتُنظم السلطة السيادية بإظهار حق الحاكم المطلق في ممارسة السلطة العامة في إطار الواجب الذي يراعي هذا الحق ويضبطه وهو بذلك ينحرف عن النظريات العصرية التي تحصر نفسها في مسألة كيف تكون السيادة ممكنة فبحسب المنظرين المحللين مثل: فوكوياما، هانتغون، شومسكي…لم يعد بإمكان التاريخ أن يكون دليلًا لفهم المستقبل حينما نواجه اختفاء الدولة القومية والجغرافيا والتاريخ فرأى محللو العلاقات الدولية أن الدولة الوطنية أخذت تفقد السيطرة على سيادتها في ظل هذا الاشتباك العالمي والتداخل البشري والسلعي والمعلوماتي ثم طرحوا أزمة الدولة الوطنية وأعلنوا عن نهاية السيادة، أما كانط فلا يدخل في كل هذا ولا يقاربه البتة بل ينحرف بعيدًا في تبرير السلطة ضمن المحدد الأخلاقي وحق كل شخص في التفاعل مع الآخرين على قدم المساواة في الحرية التي لا يختص بها أحد دون أحد، مع أنه يركز السيادة في الحاكم الأعلى فيقول “إنه لا توجد معارضة شرعية من جانب الشعب ضد المشرع الأعلى في الدولة، لأن الحالة القانونية لا يمكن أن تقوم إلا بالخضوع لإرادته المشرعة الكلية، فلا يوجد إذن حق للتمرد.. ولا يوجد تجاه الحاكم بوصفه شخصًا مقررًا أي حق في المساس بشخصه أو بحياته بدعوى إساءته استعمال السلطة، وأقل محاولة من هذا النوع هي خيانة عظمى”، ويمكن تفكيك نظرية السيادة عند كانط إلى ثلاثة أقسام:
الأول: التبرير للحاكم عندما جعل من حقه ممارسة السلطة العامة على المحكومين.
الثاني: تفسير هذا التبرير للواجب الأخلاقي على الحاكم المطلق بالوفاء بحقوق المحكومين.
الثالث: وصف كانط للسيادة الدولة في منطقة وسطى بين الفوضوية الرافضة للدولة أو القابلية المطلقة لها.
إن الفرادة في مفهوم السيادة هو كونه سلطة عليا ونهائية فيما يتعلق بالحق في اتخاذ القرارات وإعطاء الأوامر التي تكون ملزمة للآخرين إنها ترسيخ للقاعدة المتعارف عليها في الحق بالحكم والتي بموجبها يتمدد صاحب هذا الحق ولا يتحكم فيه أحد لذلك كانت المساهمات الحديثة في فصل مفهوم السيادة عن الامتيازات أو السلطات الفردية وتوحيدها في السلطة العامة في حد ذاتها وهذا ما يعنيه فصل السلطات الثلاث بعضها عن بعض ووضوح الدستور وسلامته وشموله لكل أفراد الأمة وهو ما وجد عند كانط كتنظير يفتقد إلى الواقعية إلا أنه يعتبر تقدُّميًّا في وقته وبالنسبة للألماني ديتر جريم يظهر المعنى الأساسي للسيادة عند تشابك ثلاثة مكونات:
- الحق في الحكم
- الدولة باعتبارها صاحبة هذا الحق
- الإقليم الذي فيه الحق
وهو ما يعني طرح المزيد من التساؤلات الفلسفية حول هذه المكونات فكيف يمكن لشخص واحد أن يمتلك السلطة المطلقة لترسيخ الحقوق والواجبات وإعطاء الامتيازات، يظهر سؤال آخر من المكون الثاني: لماذا الدولة وحدها هي المنوطة بذلك؟ ويتولد سؤال ثالث من المكون الثالث ما الذي خول دولة ما أن تحكم إقليمًا معينًا؟.
إن فكرة الحق في الحكم بغض النظر عمن يمتلك هذا الحق أو كيفية ممارسته تتعارض مع اقتناع أساسي يعرضه كانط من منظور الحق الفطري للأشخاص في الحرية (الاستقلال عن التقيد باختيار الآخرين)، فلكل الحق في تحديد ومتابعة أهدافه الخاصة والواجب من الطرف المقابل احترامها وعدم انتهاكها كل ذلك كحق من حقوق الإنسان؛ فقد طرح جون لوك (John Locke) مثل هذا التفسير للشرعية، حيث إن نقطة انطلاق لوك هي حالة الطبيعة التي يتمتع بها جميع الأفراد بحرية متساوية في التصرف ضمن قيود القانون الطبيعي، ولا يخضع أي فرد لإرادة شخص آخر. كما يصف راولز (2007) فهم لوك لحالة الطبيعة، فهي “حالة من الحق المتساوي، فجميعهم ملوك” ووفقا لكانط وهو يتبع في ذلك لوك أن الفرد في الدولة يترك حكمه الخاص ويتحد مع الجميع المنطوي تحت قوانين عامة مطبقة على الجميع.
يشكل الحق الفطري لكل شخص في الحرية العمود الفقري لفلسفة كانط القانونية والسياسية وهي بحد ذاتها الحق الأصلي الوحيد أما غيرها من الحقوق فهي حقوق مكتسبة ويأخذ كانط لحق السيادة في الحكم بالشكل التالي فالأفراد يجب أن يتفاعل بعضهم مع بعض على أساس المساواة والحرية ولكل فرد رغباته واتجاهاته المتعددة والمتولدة لأقصى حد مما يعني وجود تعارض أو تصادم أو اختلاف وتضارب بينها لذلك فإن هذا التفاعل ممكن ومثمر فقط في ظل وجود مؤسسة تشريعية تمتلك سلطة تضبط وتحدد معايير السلوك فإذا سمعنا من يقول إن تعريف الحرية هو القدرة على فعل ما يحلو لنا؛ فإنها لا أكثر من تعبير عن حالة من عدم النضوج الفكري؛ لأنها لا تحتوي فكرة الإرادة الحرة المطلقة، والحق، والحياة الأخلاقية، ولو أخذنا على سبيل المثال حرية الصحافة فهل هي قول ما يجب على المرء أن يكتبه أي ما تقرره الإرادة العامة المتجسدة في الحكومة، أو هي قول وكتابة ما نشاء حين نقصد بالحرية فعل ما يحلو لنا؛ بالنسبة لكانط كل شيء في الطبيعة يعمل وفق القوانين، والكائن العقلاني هو وحده من يتصرف وفقا لفكرة القانون، ولكن من خلال إرادة، وعقل الفرد وفق ما يمليه الضمير مع أن المشهور عنه قوله بأن الطاعة للسلطة العامة غير مشروطة أما هيجل؛ فإن الفعل الحر لا يكون إلا بما يتفق مع العقل الكلي المتجسد في الدولة فالحرية لا تنفصل عن الدولة وفقا لهيجل بل نحن نتحرر بها ومعها.
يدرك شارون بيرد Sharon Byrd وجواكيم هروشكا Joachim Hruschka أن النموذج الجمهوري لكانط ليس شكلًا استبداديًّا أو أرستقراطيًّا، لكنهما يدعيان أيضًا أن صاحب السيادة قد لا يغير شكل الدولة وينبع تفسيرهم هذا من مقطع يصدر فيه كانط عن ادعاءات غامضة فيرى كانط أنه إذا لم يكن من الممكن التوفيق بين الدستور الحالي وفكرة العقد الأصلي فلا بد أن يغيره صاحب السيادة ويواصل كانط أن هذا التغيير لا يمكن أن يتمثل في إعادة تنظيم الدولة نفسها من أحد الاشكال الثلاثة إلى الأخرى، كما لو كان ذلك يعتمد على حرية اختيار صاحب السيادة والتفرد أي نوع من الدستور سيخضع الشعب له.
وكانط مهما كان متحررًا ليبراليًّا فإنه يكتب بأسلوب غامض ويحاول أن يكون روسويًّا ولكن نزعة القومية الألمانية تجعله لا يبتعد كثيرًا عن هيجل الذي رأى في أحد مستوياته الفلسفية أن الملك لا يخضع للاستنباط التحليلي وكأنه جهة فوق العقل؛ لأنه يفهم كمسألة الآلهة، وهذا ما يجعله مسلمة لا تقبل التغيير.



