سعاد محبوبي
قبل سنوات طويلة قد تتجاوز قرنًا (وإلى يومنا هذا)، كانت الدول العظمى تفرض سيطرتها على دول العالم الثالث بحيل وأساليب مقنعة، كإثقالها بالديون، وهو ما بيّنه بيركنز في كتابه «الاغتيال الاقتصادي للأمم» (اعترافات قاتل اقتصادي)، من أن السيطرة الحديثة قد لا تحتاج دائما إلى احتلال الأرض بالسلاح، يكفي أن تصبح صاحب دين. وحين تعجز الدولة عن سداد ديونها للبنك الدولي، فإنها قد لا تخسر أموالها فقط، بل أيضا جزءا من قدرتها على اتخاذ قرارات تخصها بنفسها.
وكما تُستعمر الدول بالديون، تُستعمر العقول بالمصطلحات. ففي عصرنا الحالي لن يكون من المقبول دينيا ولا اجتماعيا ولا ثقافيا أن يظهر شخص ما فجأة بين الحشد ويتحدث بعبارات صريحة تقدمه للناس على أنه ساحر ومشعوذ! لن يتقبله العقل المسلم المؤمن بقضاء الله خيره وشره. أما إذا ألبس الشخص نفسه كلماته لباسا دينيا ممزوجا بفلسفة شعبية فحتما سيتقبله الضمير الجمعي، كمصطلحات الطاقة والذبذبات والسلام الداخلي وقانون الجذب والارتقاء الروحي؛ أفكار تبدو للوهلة الأولى بريئة، بل ومألوفة… حتى إن بعضها يُقدَّم للمسلم وكأنه ليس سوى طريقة عصرية للتعبير عن أشياء عرفها دينه منذ قرون.
لكن، هل الأمر فعلاً بهذه البساطة؟ ماذا لو كانت وراء هذه المصطلحات حكاية أقدم بكثير؟ حكاية بدأت في فلسفات وديانات (غير سماوية) شرقية، ثم انتقلت إلى عالم «العصر الجديد»، قبل أن تجد لنفسها لغة جديدة تناسب الإنسان المعاصر.
والأخطر من ذلك… ماذا يحدث عندما تختلط الحدود بين الدين والفلسفة والتنمية الذاتية والمعتقدات الروحية، إلى درجة يصبح معها من الصعب أن نعرف: ما الذي نؤمن به فعلاً؟ وما الذي تبنيناه فقط لأنه قُدِّم إلينا بطريقة جميلة ومقنعة؟
هذه ليست مجرد قصة عن الطاقة أو الوعي… بل عن رحلة عقيدة، وكيف يمكن أن تغيّر الكلمات شكل المعتقد، دون أن ننتبه إلى المرحلة التي بدأ فيها التدليس وتزوير المصطلحات.
أنت إلهٌ مصغر
في إحدى الدورات التكوينية لشخص يعرّف نفسه بأنه مدرب في مجال الطاقة الحيوية (أ.ع)، طلب من الحضور أن يغمضوا أعينهم ويتخيلوا أن لديهم الصلاحية المطلقة للتحكم في حيواتهم وأن كل واحد منهم إله مصغّر ولديه ولاية مطلقة على نفسه. وأنه هو نفسه (أ.ع) إله مصغّر في الأرض، ولديه المقدرة على التحكم في مصير حياته بتسيير يبدأ منه وينتهي إليه. خطر ببالي الآن قول أحد السلف: «عجبت لمن جرى مجرى البول مرتين أن يتكبر!» أيعقل أن يذهب الرجل بعيدا جدا في تقديس ذاته وتأليهها وهو يعلم أنه بشر عادي خلق من طين وجبل على النقص وعدم الكمال؟!
فالأنبياء وبكل المعجزات التي أمدهم الله بها، لم ينسب نبي واحد منهم الألوهية لنفسه يوما، بل كانوا دوما عبادا لله مفتقرين إليه يحبونه ويخشون عقابه ويرجون لقاءه.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: 110]
إذا كان نبي الله محمد ﷺ الذي انشق له القمر بأمر من الله ﷻ، خاطب الناس من حوله وقال لهم: أنا مثلكم، ثم يكمل: «أنما إلهكم إله واحد»، وهو الله عز وجل. فمن نحن لنتأله على الله ﷻ؟
وإذا كان هذا هو الوجه الأكثر إثارة للذهول، فهناك وجه آخر ربما كان أخف وقعاً: مصطلحات تبدو بريئة، ثم يُقال لنا إنها لا تختلف عن الإسلام في شيء.
يقولون: الكارما هي نفسها ما ورد في القرآن عن عاقبة أعمال الإنسان في الدنيا. والتجلي هو نفسه التوكل والدعاء، والموكشا هي نفسها الفوز بالجنة.
ثم يؤكدون لك أنه لا يوجد اختلاف جوهري… نحن فقط نستخدم لغة عصرية لنفس الثوابت الدينية.
لكن، هل الأمر فعلاً مجرد اختلاف في المصطلحات؟
لا. لأن المصطلح ليس مجرد كلمة عابرة.
خلف كل مصطلح، منظومة فكرية كاملة، لها تصورها عن الإنسان، والكون، والروح، والبرزخ، ثم المآل الأخير وعلاقة الإنسان بالله ﷻ، وهنا تكمن الخطورة!
الكارما ليست هي الإسلام
في الإسلام، الإنسان مسؤول عن أعماله، وسيحاسب عليها، والله ﷻ يقول:
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [النحل: 34]
أما «الكارما» فهي مفهوم نشأ داخل تقاليد دينية وفلسفية آسيوية، وله تاريخ ومعانٍ مرتبطة بالدين بشكل مباشر.
قد توجد بعض أوجه التشابه الظاهر بين فكرة «عاقبة العمل» وبين بعض التصورات المرتبطة بالكارما، لكن التشابه في نتيجة جزئية لا يعني تطابق العقيدة أو المفهوم.
وهذه واحدة من أكثر الحيل انتشاراً: أن نأخذ فكرة موجودة في منظومة مختلفة، ثم نبحث عن شيء يشبهها في الإسلام، وبعدها نقول للناس: إنهما الشيء نفسه!
وهكذا يتلاشى الاختلاف الحقيقي وراء تشابه لغوي بسيط.
التوكل ليس هو التجلي
من أكثر المصطلحات التي انتشرت في السنوات الأخيرة التجلي.
يُقال للإنسان: تخيل ما تريد، اشعر بأنه أصبح واقعاً، أرسل طاقتك إلى الكون، وسيأتيك ما تطلب.
ثم تُربط هذه الفكرة بالدعاء والتوكل، وكأن المسلم كان يمارس «قانون الجذب» منذ مئات السنين دون أن يعرف اسمه!
لكن التوكل في الإسلام ليس إيماناً بأن الكون يستجيب لمشاعرك أو أن أفكارك ترسل ذبذبات تجذب الأحداث إليك.
التوكل هو عبادة تقوم على الثقة بالله ﷻ، والأخذ بالأسباب، والتفويض إليه، وهذا فرق جوهري في المعنى.
أن تقول: «سأعمل وأسعى وأدعو الله ﷻ وأتوكل عليه»
ليس هو نفسه أن تقول: سأرفع ترددي الطاقي حتى أجذب ما أريده من الكون. قد تبدو العبارتان جميلتين ومطمئنتين، لكنهما لا تحملان بالضرورة التصور نفسه عن الله ﷻ والإنسان والكون.
الموكشا ليست الجنة
بعد ذلك، تأتي الموكشا: مصطلح مرتبط بتقاليد دينية وفلسفية هندية، ويُستخدم للدلالة على التحرر والخلاص من دورة الولادة والموت في بعض هذه التقاليد.
ثم يأتي من يقول: «الموكشا هي الجنة في التصور الإسلامي»
مرة أخرى، يتم اختزال منظومة دينية كاملة في كلمة واحدة.
لكن الحقيقة القرآنية أن الجنة في الإسلام ليست مجرد تحرر من دورة الحياة!
إنها دار الجزاء التي أعدها الله ﷻ للمؤمنين، ضمن تصور قرآني كامل عن الخلق، والبعث، والحساب، والثواب والعقاب.
ومع ذلك، فإن وجود تشابه في بعض المعاني الأخلاقية بشكلها الظاهر، لا يجعل العقيدتين متطابقتين.
وإلا أصبح بإمكاننا أخذ أي مفهوم من أي فلسفة أو ديانة، والعثور على كلمة إسلامية تشبهه، ثم القول إن الجميع يتحدثون عن الشيء نفسه. وهذا ليس بحثاً عن الحقيقة. إنه تلاعب صريح بالمصطلحات!
أخطر ما في «علم الطاقة» ليس الكلمة … بل الادعاء
الطاقة مفهوم حقيقي في الفيزياء، وله استخدامات علمية دقيقة.
المشكلة تبدأ عندما تُستعمل كلمة «طاقة» لإضفاء طابع علمي على ادعاءات لا تستند إلى المنهج العلمي المعروف: طاقة سلبية، ذبذبات، ترددات تجذب المال، الكون يستجيب لأفكارك، الأحجار تحمل طاقات معينة، الأشخاص يرسلون ذبذبات تؤثر في الأحداث وغيرها من المصطلحات التي لا أساس علمي لها.
وكلما سأل أحدهم: أين الدليل؟
جاءته إجابة جديدة بمصطلح أكثر تعقيداً من سابقه، وبأناقة تتناسب دائما مع مفاهيم التجديد والحداثة.
حري بنا أن نمتلك شجاعة السؤال بعد كل هذا: هل نحن أمام علم فعلاً؟ أم أمام مجموعة من المعتقدات التي استعارت لغة العلم لتبدو أكثر إقناعاً؟
العلم لا يصبح علماً لأنه استعمل كلمات مثل «ذبذبات» و«ترددات» و«طاقة». العلم يحتاج إلى أدلة قابلة للاختبار، ونتائج يمكن التحقق منها، ومنهج واضح يسمح للآخرين بتكرار التجربة ومراجعة النتائج.
إن الدين ليس بحاجة إلى أن نُجمّله بخرافة. الإسلام لديه منظومة قرآنية وسنية خاصة: فيه الدعاء، التوبة، التوكل، الذكر، الصبر، حسن الظن بالله ﷻ، وفيه الإيمان بالغيب والقدر خيره وشره…
لسنا بحاجة إلى استيراد «الشاكرات»، «قوانين الكون»، «التجلي» أو «الذبذبات» ثم البحث لها عن آيات قرآنية وأحاديث نبوية حتى تصبح مقبولة اجتماعيا.
إذا كانت الفكرة صحيحة، فلتُثبت بدليل قاطع. وإذا كانت دينية، فلتُعرف من مصادرها الصريحة كالقرآن والسنة النبوية. وإذا كانت علمية، فلتخضع لمنهج علمي دقيق.
أما أن نأخذ فكرة من هنا، ومصطلحاً من هناك، ثم نخلط الجميع ونضع فوقه غلافاً إسلامياً لامعاً، فهذه ليست بالضرورة روحانية عميقة.
لذلك، قبل أن تتبنى أي مصطلح جديد، اسأل: من أين جاء؟ وما التصور الذي يحمله؟ وهل أجد له أصلاً في القرآن والسنة، أو دليلاً في العلم؟ فإن لم تجد، فلا تدع جمال العبارة يسحبك إلى عوالم مجهولة.



