الدين

محاضن التربية.. والعلاقة الـمُثلى بالقرآن الكريم

فيصل بن تركي

روي عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره من صحابة رسول الله ﷺ: “كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن”[1]، هذا النص الجليل: كثيف الفائدة، وهو وصف للمنهج التربوي المسلوك لسلف هذه الأمة في علاقتها بكتاب ربنا تبارك وتعالى.

وهي علاقة مبنية على ثلاثة أصول عظيمة، الأول: تعلم قراءة القرآن، ومنه الحفظ؛ مستفاد من قولهم: “إذا  تعلم عشر آيات”. الثاني: تعلم معاني القرآن؛ مستفاد من قولهم: “حتى يعرف معانيهن”. الثالث: العمل بمضامين معاني القرآن؛ مستفاد من قولهم: “والعمل بهن”. وهذه الأصول الثلاثة غالبا ما تتأتى بذات الترتيب الوارد في الأثر: تعلم حرفه، ثم تعلم معناه، ثم العمل به.

وإذا نظرنا في واقعنا التربوي سنجد أنَّ العناية بالأصل الأول -ولله الحمد- جيدة، وقدمتْ فيه حلقاتُ تحفيظ القرآن الكريم جهودًا مشكورة. ومخرجاتُ حلقات التحفيظ من الحفاظ والقراء والمتقنين شاهدة على ذلك النجاح المتميز.

وسنجد أيضًا أن الأصل الثالث شهد بدايات جيدة، تسعى لتفعيله وتحقيقه في المنهج التربوي، وقُدمت فيه مبادرات مشكورة، صاحبتْ النشاط الكبير مع إحياء سنة التدبر، في السنوات الأخيرة. مع أن عبارة “العمل بهن” أفهم منها معنى أبعد من مجرد التأملات التدبرية التي تدلنا على كيفية العمل وتقف غالبا عند ذلك – أفهم منها: تحقيق المعاني في النفس، وتربيتها على التخلق بها، وقد يستغرق ذلك أياما وشهورا بل وسنين.

فإذا قرأ القارئ -مثلا- قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ اجتهد في تحقيق معنى هذه الآية في نفسه، وعرفها معنى الإخلاص، وأوقفها على ثمراته، وطرائق تحقيقه، وعرض نفسه عليها، وتلمس أوجه القصور عنها، وحاسبها محاسبة دقيقة، في عباداته ومعاملاته، حتى يكون ذلك سجية له، أو قريبا من ذلك، وقُل مثل ذلك في غيره من المعاني. قال ابن تيمية رحمه الله: “ولهذا كانوا -يعني الصحابة والسلف- يبقون مدة في حفظ السورة … وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل: ثمان[2] .

وأما الأصل الثاني: “حتى يعرف معانيهن” وهو مقصود هذه المقالة؛ فإنني لا زلت أرى أنه لم يُقدم بدرجة كافية تليق بضرورته في المنهج التربوي، ولا بأولويته في العلاقة المثلى بكتاب الله تعالى، ولا زلت أعتقد أن الحاجة كبيرة لتكثيف جهودنا التربوية في تعليم معاني القرآن، وأن نعطي هذا الأصل القدر الذي نعطيه الأصل الأول -تعلم حروفه وحفظه- تمامًا كما كان يفعل سلفنا الصالح: عشر آيات من الحفظ والقراءة يقابلها عشر آيات من تعلم المعاني والعمل بها، لا يتجاوزون ذلك حتى يتم المنهج التربوي في كل عشر آيات!

بل العناية بمعنى القرآن أوكد وأولى من العناية بلفظه؛ إذ هو مقصود كل كلام، قال ابن تيمية في تأكيده على معنى بدهية حرص الصحابة على تعلم معاني القرآن الكريم: “أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن -المنزل عليهم- لفظًا ومعنى؛ بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد[3]. ويقول أيضًا: “فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود؛ إذ اللفظ إنما يراد للمعنى[4]. وقال أيضًا: “فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه؛ فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟!”[5].

وتعلم معاني القرآن شرط رئيس للعمل به، والتأثر بمعانيه، وتجسيده في واقعنا وحياتنا، وبدون معرفة معانيه لا يمكن الاعتبار به، ولا الاتعاظ بمواعظه، ولا الامتثال لأوامره، ولا الاهتداء بهديه ونوره. قال ابن جرير رحمه الله: “محال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له، ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به، ولا معرفة من القيل والبيان والكلام؛ إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به. فأما قبل ذلك؛ فمستحيل أمره بتدبره، وهو بمعناه جاهل[6]. وقال أيضا: “فكذلك ما في آي كتاب الله من العبر والحِكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: اعتبر بها، إلا لمن كان بمعاني بيانه عالمًا…”[7].

لهذا كله وغيره، كانت عناية سلفنا الصالح، من لدن صحابة محمد ﷺ فمن بعدهم بتعلم معاني القرآن عناية بالغة كبيرة؛ قال ابن مسعود: “لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته!”. وكذلك عرض مجاهد بن جبر -رحمه الله- صاحب ابن عباس -رضي الله عنهما- القرآن كاملا على ابن عباس، يقف عند كل آية يسأله عن معناها وما فيها!

فإذا أردنا من أنفسنا ومن المتربين في محاضننا التربوية: تحقيق علاقة مثلى بالقرآن الكريم، يتحقق بها الاتعاظ بالقرآن، والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه، فلا بد من اعتبار هذا الأصل، وتقديمه على غيره، والفائدة التي نجنيها من الارتباط بتعلم معاني القرآن ليست مقتصرة على معرفة معانٍ جديدة، أو كلمات غريبة، أو أحكام عملية وسلوكية -مع أهمية ذلك وحصوله-؛ لكننا سنجد أن تعلم معاني القرآن يُظهر لنا أن من المعاني معاني متكررة، وتكررها يوحي بأهميتها، ويرسخها، ويبين ضرورة التمثل بها، وسنجد معاني يهمشها القرآن، ويقلل من شأنها، وغير ذلك من الرسائل الضمنية التي ستؤثر بطبيعة الحال في تفكيرنا وشعورنا، وترتيب أولوياتنا الحياتية والتربوية.

ختامًا، أختم بعبارة قال عنها البشير الإبراهيمي رحمه الله: إنها “جملة إن لم تكن من كلام النبوة، فإن عليها مسحة من النبوة، ولمحة من روحها، ووَمْضة من إشراقها“. هذه العبارة هي قول إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رحمه الله: “ولن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أمر أولها!“.


[1] جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري (1/ 72).

[2] مجموع فتاوى ابن تيمية (13/331).

[3] المصدر السابق (5/157).

[4] المصدر السابق.

[5] مقدمة في أصول التفسير (ص:7).

[6] جامع البيان عن تأويل آي القرآن (1/76).

[7] المصدر السابق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى