صالح فلاح
شغل بالي منذ فترةٍ ليست بقصيرةٍ شدة التشابه بين الشاعر محمد بن الذيب وأبي الطيِّب المتنبي في الترحالِ، والأنا المتفخِّمة، والتناص الشعري، والأحداث السياسيَّة، وحتّى في جذرِ الاسمِ نفسهِ؛ فأبو الطيِّب المتنبي هو: أحمد بن الحسين الجعفي، والآخر هو: محمد بن راشد بن حسن الذيب؛ فما معنى أن يكونَ كِلا الشاعرينِ مولودينِ للجذرِ اللغوي ذاته؟ معناهُ يتجلّى واضحًا إن نظرنا إلى ما يقولُه القاموسُ المحيطُ لنا في باب الحاءِ عن جذرِ الاسمِ، إذ يقول: «الحَمْدُ: الشُّكْرُ، والرِّضى، والجَزاءُ، وقَضاءُ الحَقِّ». وهذا هو عينُ ما فَعَلَهُ الشاعرانِ بمدائحهما على حكامِ زمانِهما وملوكهِ. وعلى كلٍّ فإن البحث هنا لن يتناول أبا الطيِّب إلّا كظاهرةٍ أدونيسيَّةٍ تنبعثُ في شخص الذيب.
من المعلومِ أن محمد بن الذيب من أبرز الشخصيّات الجدليّة في الساحةِ الشعريّة في وقتنا الراهن، وفي هذا البحث لا أحاولُ إلّا قراءةَ المشهد الحاضر وفقًا للماضي.
بدأت رحلة محمد بن الذيب الشعريّة في فترةٍ مبكرةٍ في حياته، فهو ابن راشد بن حسن الذيب الشاعر المعروف، وعلى كلٍّ ليس مقام هذا البحث التعريف بشخصيّة الشاعر، ولكن من المهم معرفة الظرف الانسياقي له.
«محمد بن الذيب وسيفُ الدولة الثاني»
سنبدأُ قبل عشرةِ قرونٍ هجريةٍ في حلب، عندما التقى أبو الطيّب المتنبّي أولَ مرةٍ أبا الحسن علي بن أبي الهيجاء التغلبي، أو سيفَ الدولةِ الحمْداني. التقاهُ من بعدِ سفرٍ وسجنٍ ولقاءاتٍ كثيرةٍ مع الحكامِ؛ فكانت السيرةُ الذاتيةُ لأبي الطيّبِ المتنبّي مليئةً بالخبراتِ الميدانيّةِ لمقابلةِ الحكامِ؛ فعندما التقى بسيفِ الدولةِ كان جاهزًا لمباشرةِ عملهِ الشعريِّ من يومِهِ الأول.
وعلاقةُ المتنبّي بسيفِ الدولةِ علاقةٌ شفيفةٌ لا نراها بوضوحٍ رغمَ كلِّ ما قيلَ حولها، والمهمُ هنا أن المتنبّي وجد في سيفِ الدولةِ شيئًا -لا نعلمه- جعلَهُ يحفظُ الودَّ مع وجود الخلافات بينهما.
وبسبب الخلافات التي نشبت بين سيفِ الدولةِ والمتنبي، اضطرَّ الشاعرُ للرحيلِ بعيدًا، فقصدَ مصرَ ولمْ يلبثْ حتّى غادرَها هاجيًا كافورًا الإخشيدي إلى أنْ قُتِلَ فيما بعد لهجائهِ ضبّة بن يزيد الأسدي.
هذا جانبٌ من جنابِ المتنبّي في حياتهِ، أمّا حياةُ الذيبِ فلم تختلفْ كثيرًا سوى أنَّنا متأكدونَ من أبيهِ وقبيلتهِ بخلافِ نسبِ المتنبّي.
وأمّا مشوارُ الدخولِ للبلاطِ السياسيّ والتقرُّب من الحكامِ فليس هناكَ ما يُبينُ عن البدايةِ غيرَ أنَّ والدَ الذيبِ كانَ مُقرَّبًا قبلهُ مما مهدَ له الدخولَ، فدخلَ الذيبُ ساحاتِ البلاطِ ناهِشًا خِرافَ الشعراءِ من حولِهِ ليتصدرَ المشهدَ الشعريَّ سريعًا ويبدأ ارتحالَهُ من مسقطِ رأسهِ لبعضِ الدولِ كمادحٍ لحكّامِها.
«وكيف تكونُ شريفًا وأنتَ ذئب؟»
من الأمورِ التي أثارت السخط على محمد بن الذيب هو عدم تصريحه بمذهبه العقدي، فهو كما قالَ الشاعرُ:
«يَوماً يَمانٍ إِذا لاقَيتُ ذا يَمَنٍ – – وَإِن لَقيتُ معَدِّياً فَعَدناني».
فمن المعلوم أن الذيب نشأَ في بيئةٍ سُنيِّةٍ محضة، ولكننا نراهُ حينًا يمتدِحُ رموزًا من الشيعةِ كأمثالِ قاسم سليماني وغيره، وهذا مما يُثير السخطَ عليهِ؛ فهو لا يُصرِّح بمذهبِه العقديِّ بكلِّ وضوحٍ، بل يجعل عقيدته مزيجًا من إشاراتِهِ الشعريَّة، ويكفينا معرفةً أنَّ الرجلَ متأثرٌ بالمذهبِ الشيعيِّ -أدبيًّا- حتّى وإنْ لم يعتقدهُ اعتقادًا جازمًا.
وأمّا أبو الطيّب المتنبّي فعلى العكسِ؛ إذ نشأ المتنبّي في بيئةٍ شيعيّةٍ منذُ صغرِهِ في الكوفةِ -التي هي مهدُ التشيعِ- ودرسَ في مدارسِ العلويين، وجالسَ بني حمدان -وهم شيعةٌ أيضًا- ولكننا لا نجدهُ يتطرق في شعرِهِ لرموزِ الشيعةِ الكبارِ كما هو معهودٌ في عهدهِ من الشعراءِ! ولمَّا سألهُ أحدهم: ما لك لم تمدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ قال:
«وتركتُ مدحي للوصيِّ تعمّداً – – إذ كان نوراً مستطيلاً شاملا». ص472 – كتاب معجز أحمد.
وهذا من أعجب الأمرِ حقًا، فأبو الطيّبِ المتنبّي تركَ مدحَ أميرِ المؤمنين تعمدًا واكتفى بالإشاراتِ الشعريّةِ البعيدة كما فعلَ الذيبُ.
يقول طه حسين عن مذهب المتنبّي العقدي -وكأنَّهُ يتحدثُ عن الذيبِ أيضًا- : «وكان بما عرف عنه من ميل إلى علوم الشيعة الذي خلفته الوراثة والنشأة الأولى في مدرسة العلويين قادراً على الموازنة بين ما يعتقده وبين الاتجاهات المذهبية الأخرى». مع المتنبي ص43 .
«الذيب يغادرُ شاطئَ الراحةِ للأبد»
في دولةِ الإمارات العربيةِ المتحدةِ ظهرَ برنامجُ شاعرِ المليونِ على مسرحِ شاطئ الراحة لموسمهِ الثاني في عامِ 2007م.
وكانَ من الشعراءِ المشاركينَ نخبةٌ من الساحةِ النبطيَّةِ، وكانَ من أهمِّهم محمد بن راشد الذيب الذي شاركَ بكلِّ ثقةٍ بأنَّ المركزَ الأولَ من نصيبِهِ إلى أنِ اعتلى مسرحَ شاطئ الراحةِ: خليل بن إبراهيم الشبرمي؛ الفائزُ بالمركزِ الأولِ للموسمِ الثاني من شاعر المليون.
أُعْلِنَ اسم محمد بن الذيب على لسانِ المُقدِّمِ للمشاركة بقصيدةِ الحلقةِ. تدورُ كاميرا المُخرج باحثةً عن الذيب. ينتظرُ الجمهورُ ظهوره. كرسيُّ المليون فارغٌ. وبعد ثوانٍ يعودُ لسانُ المقدِّمِ مُعلِنًا انسحاب محمد بن راشد الذيب لأسبابٍ مجهولة!
يذكُر لنا يوسف البديعي الدمشقي حادثةً مشابهةً حينَ تحدّثَ عن المعركة الأدبيَّةِ التي جعلت المتنبّي ينسحب من مجلسِ سيفِ الدولةِ بسبب وشاية أبي فراسٍ نقلًا عن الدهّان بقولهِ: «…فأطرق سيف الدولة ولم ينظر إليه كعادته، فخرج المتنبّي من عنده متغيراً، وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبّي». ج1 – ص65 – كتاب الصبح المنبي عن حيثية المتنبّي.
ومسرحُ شاطئ الراحةِ لم يكن إلّا مجلسَ سيفِ الدولةِ بأحدثِ إصدارٍ؛ ففيهِ العلماءُ، واللغويونَ، والأُدباءُ، والشعراءُ، وبالطبعِ كانَ هنالك أبو فراسٍ الحمْداني -الفائز بالمركزِ الأولِ- أيضًا، من انسحاب الذيب ستضطرم نيرانُ الهجاءِ بين الذيبِ والشبرمي وستشتعل بعد أمسيَّةِ ملتقى دبي التاسع عام 2010م ولن يعود الذيب بعدها لشاطئ الراحة مجددًا، كما لم يعد المتنبّي لمجلسِ سيف الدولةِ مرةً أُخرى.
«فعولن مفاعيلن ست عشرة سنة»
عندما ألقى محمد بن الذيب قصيدته الشهيرة -على بحر البسيط- «الليل معنا جن» لم يكن يعلم بأنَّها ستحدد بقيَّةَ فصولِ حياتِهِ ستَّ عشرةَ سنةً مقبلةٍ، إذ بعد هذه الأُمسيَّة تفاجأ الجميع -في عصرِ المنتدياتِ- بقصيدةٍ لخليل الشبرمي على بحرِ البسيطِ أيضًا بمثلِ حروفِ الرويّ والكوميديا الساخرة في مائةٍ وثلاثينَ بيتًا يهجو فيها الذيب صراحةً، ولم يلبثْ الذيب كثيرًا حتّى ردَّ على الشبرمي بأشهرِ قصائدَ الهجاءِ على الإطلاق «يا طرطور» -على بحر الطويلِ- وأقذعِها شتمًا، والتي كانت السبب الرئيس في سجن شاعرها بالسجنِ المؤبد الذي خُفِفَ وتم العفو عنه فيما بعد. ومن هنا ستبدأُ فعولن بفعلِ الأفاعيلِ خارجَ القصيدةِ لا داخلها.
وعند خروجهِ من السجن لم يتغيّرْ الذيب، ولكنّهُ لن يلبث حتّى يصدر بحقِّهِ حكمٌ مؤبدٌ ثانٍ بعدَ ثماني سنواتٍ من خروجِهِ.
ومن عجيبِ الأمرِ أنَّ في هذا الوقتِ ظهر خليل الشبرمي في مقطعٍ صوتيٍ يردُّ فيهِ على آخرِ تصريحاتِ الذيبِ، مُحذِّرًا الناسَ بأنَّ محمد بن راشد الذيبَ لم يرغبْ إلّا كما رغِبَ المتنبّي حينَ قال:
«أبا المِسْكِ: هل في الكأسِ فَضلٌ أنالُهُ؟ – – فإنّي أُغنّي منذُ حينٍ وتَشرَبُ».
ومع تطور الأحداث فيما بعد اضطرَّ الذيبُ أن ينأى بنفسهِ عن الأذى، فاتخذَ مصرَ مقصِدًا له فهبطَ فيها، ولكن الذيب لم يرتضِ مصرَ ولم ترتضِهِ، فأرادَ الخروجَ سريعًا منها.
وفعلًا يرتحل الذيبُ كارتحالِ المتنبي عن مصرَ، ولكنَّ أبا الطيب ارتحلَ لبغدادَ وأمّا الذيب فارتحلَ خارجَ جزيرة العربِ كُلِّها، ليبقى منفيًّا عن أرضهِ الأم وكأنَّهُ يتمثّلُ قولَ المتنبّي في الغربةِ:
«ولكنَّ الفتى العربيَّ فيها – – غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ».
ولهذا فإنَّ غربة المنفى أصبحت مأساةَ الشاعر الكبرى مع ما يحملهُ من حنينٍ للوطن والقبيلةِ والجذورِ الأولى، وإنّها كما قال جون بيرجر: «يتضمن المنفى فكرة إلغاء، إلغاء علاقة الفرد بالسماء، والأرض والمجتمع، ثمة خط عمودي يصل بين السماء، حيث المعبود والأرض حيث الإسلاف في هدأة الموت الطويل. وثمة خط أفقي ينتظم القرية أو البلدة، حيث المنازل والذكرى وملاعب الطفولة، وفي نقطة تقاطع الخطين يقف الفرد. هول المنفى هو في اقتلاع الفرد من نقطة التقاطع هذه».
ومن هنا نلاحظ أنَّ التشابهَ بين الشخصيتين كبيرٌ جدًا، بدايةً من الاسمِ، إلى الشاعريَّةِ، والتأثير، والهوس السياسيِّ، والسجنِ، والترحالِ، والتشيع، والخلافِ مع من كانا مقرَّبين لهما، والسفر إلى مصرَ بعد الخلافِ، والخلاف مع حاكم مصر أيضًا، وإنَّ الأدونيسيَّةَ بين الشاعرينِ ليست في البعثِ من جديدٍ وحسب، بل في خصوصيّةِ اللفظِ الأدونيسيّ ذاته؛ ففي اللغة الإغريقيّةِ نجدُ أنَّ الجزءَ الأولِ من الاسمِ: Ἄδων/أدو يقابِلُه بالعربيةِ معنى: السيّد. وإن نظرنا إلى شخصيّةِ الشاعرينِ -الذيبِ والمتنبّي- سيتضحُ لنا أساسُ هذا الشعورِ الذي كانَ في كلِّ واحدٍ منهما من معنى السيادة، فكلاهما يرى في ذاتِهِ: سيدًا محبوسًا في العالمِ السفليِّ، وقد حاولَ المتنبّي -طيلةَ حياتِه- تحقيقَ هذه السيادة حتّى قُتِلَ في سبيلِها؛ ليبقى السؤالُ المطروحُ في نهايةِ هذا البحثِ هو: هل سيكون هناكَ ضبة بن يزيدٍ مرَّةً أخرى؟



