ترجمة وتعليق د. عبدالله بن سعيد الشهري
لماذا ترجمتُ أحد أشد المقالات عدمية إلى العربية؟ ولجمهور مسلم تحديدًا؟
لقد ترجمت «المسيح الأخير» لأضع القارئ العربي المسلم أمام أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه العقل حين ينظر إلى الوجود نظرًا أرضيًا مغلقًا، منفصلًا تمامًا عن أي مدد إلهي. وكما يروى عن المسيح ابن مريم عليه السلام: «من ثمارهم تعرفونهم»، وكذلك الأفكار: من نتائجها نعرف قيمتها. فزابفه في هذا النص الخطير لم يكتف بالشك في المعنى، وإنما دفع شكه إلى نهايته المتوقعة: إن كان الوعي يكشف مأساة الوجود، وكان الوجود – في نظر المرء – لا غاية له ولا معنى، فإن الخلاص الأقصى لا يكون إلا بإسكات الوعي وإنهاء الحياة.
وزابفه، من هذه الجهة، وسيلة نموذجية لتذوق التباين الهائل بين رؤيتين، لكل منهما تداعياتها الحاسمة. من هنا، في نظري، تنبع أهمية قراءة هذا النص. فالمعنى الوجودي لا تظهر أصالته حين يُعرض بوصفه فكرة ضمن أفكار، وإنما حين نشهد ما يحدث حين يُنتزع من الوجود. عندئذ لا تعود الغاية مجرد عزاء، ولا تتراجع فكرة الخلق والمصير إلى مجرد آلية دفاعية ــ كما يقرر زابفه ــ أو تكتيك ميتافيزيقي؛ وإنما يتكشف، في العمق، أنها المرساة التي تمنع الوعي من الانزلاق إلى عبء بلا مخرج.
مجددًا، ترجمتُ هذا النص لأكشف قيمة ما بين أيدينا لو أنّا قدرناه حق قدره؛ وليس كثيرًا على من أدرك هذه النعمة أن يذرف من أجلها بحارًا من الدموع، وأن يظل في شكرها ساجدًا مخبتًا لله أبد الدهر ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾؛ فبعض أعظم النعم الفكرية لا ندرك قيمتها حين نمتلكها، وإنما حين نرى العالم من دونها ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾.
إن قراءة زابفه تمنح القارئ المسلم فرصة نادرة ليشهد ــ لا ليرى فحسب ــ أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه النظر في الوجود من الجهة المقابلة، فيدرك، بالمقارنة، قيمة ما بين يديه. في «المسيح الأخير»، عدمية انقراض البشرية هو المخلّص من نكبة الوعي ومأساة الألم؛ أما في الإسلام، فالويل كل الويل لمن استحب العدمية على الإيمان؛ بل إن القرآن، بمجموع معانيه، صريح في أن العدمية حقًا ــ المهلَكة كل المهلَكة ــ هي في اعتناق العدمية نفسها. الإنسان في الرؤية الإسلامية ليس مجرد حلقة في سلسلة بدأت بالرامي البدائي الأول، كما اعتقد زابفه، وإنما فصل مقصود في ملحمة الوجود برمتها: وجوده ليس خطأ ينبغي تصحيحه، والألم – على فداحته – لا يستنفد معنى الحياة، والموت ليس خلاصًا، وإنما مَعبَر إلى عالم يلقى فيه الإنسان قيمة سعيه.
مجددًا، ترجمتُ هذا النص لأكشف قيمة ما بين أيدينا لو أنّا قدرناه حق قدره؛ وليس كثيرًا على من أدرك هذه النعمة أن يذرف من أجلها بحارًا من الدموع، وأن يظل في شكرها ساجدًا مخبتًا لله أبد الدهر ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾؛ فبعض أعظم النعم الفكرية لا ندرك قيمتها حين نمتلكها، وإنما حين نرى العالم من دونها ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾.
بين يدي النص
ليست مقالة بيتر فيسل زابفه، “المسيح الأخير” (The Last Messiah)الصادرة عام 1933، معروفة بشكل واسع لدى عموم الناس في الغرب، لكنها تحظى بمكانة مرموقة باعتبارها ’عملًا كلاسيكيًا مغمورًا‘ (cult status) في دوائر نخبوية محددة. وقد ظل صيت المقالة محصورًا لعدة عقود في الدول الإسكندنافية، لأن أعمال زابفه الأساسية لم تُترجم إلى الإنجليزية إلا مؤخراً. تتمتع هذه المقالة العدمية بثقل أكاديمي في مجالات التشاؤم الفلسفي، والوجودية، واللاإنجابية؛ بل هي أشبه بـ “البيان التأسيسي” في هذا المضمار، وغالباً ما تُدرَس إلى جانب أعمال آرثر شوبنهاور وإميل سيوران وأشباههم. لم ترتفع شهرة المقالة في الغرب ارتفاعًا ملحوظًا إلا بعد صدور عمل كاتب الرعب توماس ليجوتي The Conspiracy Against the Human Race عام 2010، حيث أكثر من الاستشهاد بزابفه، فصارت رؤية هذا الأخير موضوعًا أساسيًا للأفكار التي يُصدّرها الكتاب. والآن .. إلى نص المقالة.
المسيح الأخير [1]
بيتر فِسِل زابفه
في ليلةٍ من ليالٍ غابرةٍ في زمنٍ سحيق، استيقظ الإنسان ورأى نفسه .. رآها عارية تحت الكون، لا يأويها جسده.
انفتح كل شيء أمام أفكاره المتفحّصة، عجَبٌ فوق عجب، ورعبٌ فوق رعب، كل ذلك تفتّح في ذهنه ..
ثم استيقظت المرأة أيضًا، وقالت إن الوقت قد حان للخروج وصيد شيءٍ ما ..
أخذ الرجل قوسه، ثمرة الاتحاد بين الروح واليد، وخرج تحت النجوم ..
وحين التفَّتْ الحيوانات حول مورد الماء، حيث كان ينتظرها على العادة، تلاشت اندفاعة النمر في دمه .. شعر بنغمة جليلة أظهرت المعاناة الأخوية المشتركة بين كل شيء حي ..
في ذلك اليوم عاد إلى منزله خالي الوفاض، وحين عثروا عليه مرة أخرى عند طلوع القمر الجديد ..
كان قد مات عند مورد الماء ..
ماذا حدث؟ لقد انكسرت وحدة الحياة نفسها، حدثت مفارقةٌ بيولوجية، مسخٌ، عبثٌ، تضخّمٌ كارثي. لقد طمحت الطبيعة عاليًا أكثر مما ينبغي، فتجاوزت نفسها. كان نوعٌ من الكائنات قد تسلّح تسلحًا مفرطًا – إذ جعلته عبقريته لا قادرًا على كل شيء في العالم الخارجي فحسب، وإنما خطرٌ على نفسه بالقدْر نفسه. كان سلاحه مثل سيفٍ بلا مقبضٍ ولا واقية، نصلًا ذا حدّين يستطيع أن يشقّ كل شيء؛ غير أن من يستخدم هذا السيف لا بدّ أن يقبض عليه من نصله وأن يوجّه أحد حدّيه نحو نفسه. ورغم عينيه الجديدتين، ظلّت البشرية راسخة في المادة الدنيا، وظلت روحها منسوجة بالمادة، وخاضعة لقوانينها العمياء. غير أن الإنسان، في الوقت نفسه، استطاع أن يتفرّس في المادة كما لو كانت غريبةً عنه؛ استطاع أن يقارن نفسه بظواهر أخرى، وأن يكشف عملياته الحيوية الخاصة ويصنّفها. لقد أتى إلى الطبيعة ضيفًا غير مدعوّ؛ وها هو الآن يمدّ ذراعيه عبثًا ويتضرّع ليتّحد بمن خلقه. لم تعد الطبيعة تجيب، فقد صنعت من الإنسان معجزة، لكنها امتنعت منذ ذلك الحين عن الاعتراف به. لقد فقد الإنسان موئله في الكون، أكل من شجرة المعرفة وطُرد من الفردوس. إنه قويّ في عالمه، لكنه يلعن قوته التي اشتراها مقابل سكينته، وبراءته، وعزائه في حضن الحياة.
يقف هناك برؤاه، قد خذله الكون، في حيرة وقلق. والحيوانات، هي أيضًا، تعرف القلق، تحت هزيم الرعود ومخالب الأسد. لكن الإنسان ينتابه القلق من الحياة نفسها، بل من كينونته هو. الحياة – بالنسبة إلى الحيوانات – هي أن تجرّب لعبة القوى، والشبق واللعب والجوع، ثم تنحني في النهاية أمام حُكم الضرورة. المعاناة عند الحيوان محدودة بذاتها؛ أما عند الإنسان فلا تفتأ تتراكم حتى تستحيل إلى قلقٍ من العالم والحياة.
منذ أن بدأ الطفل رحلته نزولًا في نهر الحياة، ملأ هدير شلال الموت الوادي ومازال؛ ولم يكفّ منذئذ عن الاقتراب، ينهش شيئًا فشيئًا سعادة الطفل. ينظر الإنسانُ إلى الأرض، فتتنفّس كأنها رئةٌ عظيمة؛ فإذا زفرت، فاضت من مسامّها حياةٌ رقيقةٌ رشيقة، وبسطت جميعُ المخلوقات أذرعها نحو الشمس؛ أمّا إذا شهقت، اجتاحَ الجموعَ خريرُ أرواحٍ واهيةٍ وهي تتكسّر، وانهالت جثثُها على الأرض كـأنها زخّاتِ بَرَد.
لم تنكشف للإنسانِ أيّامه المعدودة فحسب، وإنما كُشِفت أمام ناظريه أيضًا المقابرُ المنبوشة، وتناهت إليه صرخاتُ جثثٍ مشوَّهةٍ متحلِّلة على نحوٍ غريب، وعذاباتُ أزمنةٍ غابرة في القدم؛ كلها تهزه هزًّا. كذلك أحلامُ الأُمومةِ عادت مرة أخرى ليواريها التراب. لقد مُزِّقَ حجابُ المستقبل، فتكشف عن كابوس تكرار لا نهاية لها، وتبديد عبثيٍّ لا يفتُر لمادّةٍ عضويّة. تنفذُ إلى باطنه معاناةُ بلايين البشر عبر بوّابة تعاطفه؛ وكلُّ حادثةٍ تسخر من مطالبته بالعدالة، ذلك المبدأ الذي يعتز به أشد ما يكون الاعتزاز. يرى نشأته في رحم أمّه، ويمدّ يده فيرى أنّ لها خمسة فروع؛ فمن أين جاءت هذه الخمس الملعونة، وما صلتها بروحه؟ لم يعُد هنالك متّحدًا مع ذاته اتحادًا بسيطًا؛ إذ أصبح يتحسس جسده في فزع: هذا أنت، وأنت تمتدّ إلى هذا الحدّ لا تتجاوزه. يحمل في داخله وجبةً كانت بالأمس حيوانًا يمرح طليقًا بإرادته، لكنه الآن احتواها وباتت جزءًا منه؛ فأين يبدأ وأين ينتهي؟
تمتزج الأشياء مع بعضها في سلاسل متعاقبة من الأسباب والمسبَبَات، وكلّما حاول الإمساك بشيء والاحتفاظ به ذاب أمام أفكاره الثاقبة. وسرعان ما يُبصر الآلية المختبئة وراء كلّ شيء، حتى وراء ما كان يعدّه أعزّ ما لديه، ابتسامة حبيبته – فهناك ابتساماتٌ أخرى أيضًا: أصابعُ قدمٍ تطلّ من رأس حذاءٍ ممزّق! في النهاية لم تعد طبيعةُ الأشياء إلا طبيعته هو؛ فلا وجود لشيءٍ سواه، وكلّ طريقٍ يرتدّ إليه، والعالم ليس إلا صدىً شبحيًّا لصوته؛ فينهض صارخًا يريد أن يتقيّأ نفسه على الأرض، ويلفظ معها وجبته الخبيثة. يشعر أن الجنون زاحف تجاهه، فيحاول أن يقتل نفسه قبل أن يعجز عن اقتراف ذلك. وبينما هو واقفٌ على بُعد لحظةٍ واحدة من الموت، يبصر كذلك ماهية الموت، والدلالة الكونية للخطوة التي كان على وشك الإقدام عليها، وتشرع مخيّلته الخلّاقة في تصوير إمكاناتٍ جديدة مرعبة خلف باب الموت، فيفهم ألا مهرب حتى في الموت. استطاع الآن وأخيرًا أن يرسم ملامح وضعه الكوني: إنه سجين الكون العاجز، يُحتفظ به كي تدينه إمكاناتٍ مبهمة.
منذ تلك اللحظة تنتاب نفس الإنسان حالة هلع مزمن، وهذا ’الهلع الكوني‘ راسخٌ في كلّ عقلٍ بشري. تحت هذا الضوء، يبدو النوع الإنساني محكومًا عليه بالفناء، ذلك أن كلّ جهدٍ يُبذل للحفاظ على الحياة واستمرارها يُصاب بالشلل حين تُستنفد عنايةُ المرء الكاملة، وتُستهلك طاقتُه كلّها في درء الضغط الكارثي الآتي من كيانه الباطني. وأن يغدو هذا النوع غير صالح للحياة بسبب تضخُّم قدرةٍ واحدة من قدراته، لهو مأساة لم تنزل بالإنسان وحده. فبعضهم يذهب، على سبيل المثال، إلى أنّ نوعًا معيّنًا من الأيائل كان يجوب الأرض يومًا، ثم انقرض لأنّ قرونه نمت حتى غدت ضخمةً أكثر مما ينبغي. فالطفرات، في نهاية المطاف، عمياء، تُلقى في معترك الحياة دون أدنى التفاتٍ إلى قابليتها للبقاء في البيئة. وحين يرزح الإنسان تحت وطأة الاكتئاب والقلق، يغدو العقل البشري شبيهًا بتلك القرون التي، على ما يُجلّلها من بهاءٍ مهيب، تسحق حاملها شيئًا فشيئًا نحو الأرض.
لماذا، إذن، لم يُمحَ الجنسُ البشري منذ زمنٍ بعيد في أوبئةٍ عارمةٍ مستعرةٍ من الجنون؟ ولماذا لا يوجد إلا قلة من الأفراد الراضخين لضغط الحياة لأن حدّةَ إدراكهم تكشف لهم أكثر ممّا يطيقون احتماله؟ يفضي التأمل في التاريخ الروحي لنوعنا، وفي حالته الراهنة، إلى الجواب الآتي: إنّ معظم الناس يفلحون في إنقاذ أنفسهم من خلال تقليص وعيهم تقليصًا مصطنعًا. ولو أنّ ذلك الأيلَ عظيمَ القرون استطاع، من حينٍ إلى آخر، أن يُكسِّر أطراف قرونه الخارجية التي تجلل رأسه البهيّ، لربّما جابَ الأرض زمنًا أطول. نعم، كان سيفعل ذلك في عذابٍ محمومٍ متواصل؛ ولكن أيضًا عبر خيانة حقيقته، وخاصّيته المركزية، إذ تلقّى من يد خالقه تكليفًا بأن يكون الحاملَ المُتوَّج بالقرون، بالرايةَ المرفوعة فوق سائر وحوش الحقل. وما كسبه من أجل البقاء المستمر كان سيخسره في المعنى، في التلبُّس بالغرور الوجودي. كانت ستكون حياةً بلا أمل، ومسيرة تتجه لا إلى توكيد جوهره، وإنما إلى ما بعد أنقاض ذلك التوكيد. سيكون سباقًا مدمّرًا للذات في مواجهة الإرادة المقدّسة الجارية في دمه.
إنّ غايةَ الحياة وفنائها مشتركان بين الأيل العملاق والجنس البشري؛ وتلك هي مفارقتُهما المأساوية. ولأنه ظلّ وفيًّا لجوهره، حمل آخرُ أفراد الأيائل العملاقة رايةَ نوعه حتى لقي النهاية المُرّة. أمّا الإنسان فمستمر في إنقاذ نفسَه وما زال. وعلى نحوٍ لا يخلو من مفارقة، يظل بقاء الإنسان ممكنًا بفضل كبحه – الواعي إلى حدٍّ ما – لفائض وعيه الخطِر. وهو كبح، من جميع الوجوه العملية، متواصلٌ لا ينقطع ما دمنا يقظين ونشطين، حتى غدا شرطًا للتكيّف الاجتماعي، ولِمَا شاع تحت مسمى ’السلوك الصحي السوي‘.
يعمل الطبّ النفسي المعاصر على افتراض أنّ الصحة والتكيّف يمثّلان أقصى غايةَ يمكن للمرء أن يطمح إليها. فالاكتئاب، والقلق الوجودي، ورفض الطعام، وهلم جرًا، إنما هي – من غير استثناء – أمارات على حالةٍ مَرَضية، ويُتعامل معها على هذا الأساس. غير أنّ هذه الظواهر، في كثيرٍ من الحالات، قد تكون أمارات على اختبارٍ أعمقَ وأكثر مساسًا بحقيقة الحياة، وربما كانت ثمارًا مُرّة لعبقرية العقل والعاطفة، من ذلك الضرب المتأصل في كلّ نزعةٍ تناكف الحياة البيولوجية. فالمرض هنا ليس في النفس ذاتها، وإنما في آلياتها الدفاعية، التي إمّا أن تخفق، وإمّا أن تُهجَر عمدًا لأنّها تُعَدّ – بحقّ – خيانةً لأقوى خصيصة وُهِبها الإنسان.
إنّ الحياة برمتها، كما تتبدّى أمام أعيننا، من أبعد أعماقها إلى أقصى تخومها، منسوجةٌ نسيجًا محكمًا بشبكةٍ متداخلةٍ من آليّات الكبح، ويمكننا تتبُّع خيوطها في أكثر جوانب الحياة اليومية تفاهةً. تتسم هذه الآليّات بطيف متنوع لا يكاد ينتهي، لكن لعل من المقبول – على أيّ حال – الإشارة إلى أربعة أنماط رئيسة منها، تتداخل بطبيعتها في تركيبات شتّى: العزل، والتعلّق، والإلهاء، والتسامي.
أعني بآلية العزل رفضًا اعتباطيًّا تامًّا للأفكار أو المشاعر المُقلِقة والمُهدِّدة. وفي صورته المكتملة، وعلى نحوٍ أقرب للفظاظة، يمكن ملاحظة العزل لدى الأطبّاء الذين لا يرون – حرصًا على حماية ذواتهم – إلّا الجوانب التقنية من مهنتهم. وقد ينحطّ العزل أيضًا إلى حالة سوقيّة خالصة، كما لدى بعض البلطجية أو طلّاب الطبّ الذين يحاولون إماتة أيّ إحساسٍ بالحياة المأساوية باللجوء إلى العنف (كأن يلعبوا مثلاً كرة القدم برؤوس الجثث). في حياتنا الاجتماعية اليومية، يتجلّى العزل في اتفاقات عامّة غير مكتوبة، نتواطأ فيها على حجب وضعنا الوجودي عن بعضنا البعض. ويبدأ هذا الإخفاء مع الأطفال، كيلا يُصعقوا بعبثية الحياة التي بدأوها لتوّهم، وإبقاءً على أوهامهم إلى أن يشتدّ عودهم فيستطيعوا عندئذ التخلي عنها. في المقابل، يُمنَع الأطفال من إحراج والديهم بإشاراتٍ في غير أوانها إلى الجنس أو الأمور المستقذرة أو الموت. أمّا بين البالغين، فهناك قواعد لما يُعرف بـ ’السلوك اللائق‘، وإننا لنراها جلية حين يُؤخَذ رجلٌ يجهش بالبكاء في الشارع من قِبَل الشرطة[2].
أما آليّةُ التعلّق فتنشط منذ الطفولة المبكّرة، حيث يُسلِّم الطفل تسليمًا بديهيًّا بوالديه وبيته وحيّه، فتمنحه هذه الأشياء إحساسًا بالأمان. يشكل محضن الخبرات الآمنة هذا أوّل – وربما أنجح – حاجزٍ وقائيّ في مواجهة ’الكون‘ الذي سنتعرف عليه فيما بقي من حياتنا. تتضمن هذه الخبرات تفسير الظاهرة التي كثر النقاش حولها، ألا وهي ظاهرة ’التعلّق الطفولي‘. ما إن كان هذا التعلق ذا طابعٍ جنسيّ أيضًا، فهذا أمرٌ لا شأن له في هذا السياق. وحين يكتشف الطفل في مراحل لاحقة من حياته أنّ هذه الروابط الآمنة أيضًا ليست إلا عرَضًَا زائلًا مثل سائر الأشياء، فإنه يكابد أزمة حيرة وقلق، ويسارع إلى البحث عن تعلق جديد (كأن يقول: “في الخريف القادم سأنضم إلى الجامعة!”). فإن أخفق هذا التعلّق الجديد لأي سبب من الأسباب، فقد تتحوّل الأزمة إلى خطب يهدد الحياة، أو تتطوّر إلى ما أسميته ’شلل التعلّق‘، أي تشبث المرء بقيمٍ ميتة، وسعيه الحثيث لحجب قصورها وإفلاسه الروحي عن نفسه وغيره. وهكذا يؤول الحال إلى إحساس دائم بالدونية، وانعدام الأمان، والتعويض المفرط، والتوتر العصبي. وبقدر ما يمكن تحليل هذه الحالة، فإنّها تغدو موضوعًا للمعالجة التحليلية النفسية، بحيث يتمكن المرءُ عبرها من نقلها نقلاً ناجحًا إلى تعلّقاتٍ جديدة أخرى.
يمكن النظر إلى التعلّق بوصفه محاولةً لإقامة ركائز ثابتة داخل فوضى الوعي المتحرّكة، أو محاولةً لإحاطة هذه الفوضى بجدار. غالبًا ما تكون هذه العملية لاواعية، غير أنّها قد تغيب عن الوعي تمامًا أحيانًا، كما في محاولة المرء أن يجعل لنفسه هدفًا ما، أو سببًا يبرّر به العيش. في الجملة، يُنظر إلى التعلّقات النافعة بعين التعاطف، ويُرفَع أولئك الذين يهبون كلّ شيء لتعلّقاتهم (شركاتهم أو مشاريعهم) إلى مصاف القدوات المحتذى بها. فهؤلاء ’الأبطال‘ قد نجحوا في إقامة سدٍّ متينٍ أمام تلاشي الحياة، ويُفترَض بالآخرين أن ينتفعوا من مثالهم. حتى المُترَفون في فنون العيش – كما نقول – يستقرّون في نهاية المطاف، ويتزوّجون، وينجبون الأطفال؛ أي أن الجدران الضرورية تُبنى تلقائيًّا. إنّنا نُدخِل في حياتنا قدرًا من ’الضرورة‘، ونرحّب بما كان في الظاهر شرًّا لنا من قبل، لا لشيء إلا لأنّه يضفي السكينة على أعصابنا المنهكة، ويعمل مثل حاوية ذات جدران عالية تطوّق إحساسًا بالحياة ما فَتِئَ يتشبّع تدريجيًّا بانعدام الأمان.
إن كلَّ وحدةٍ اجتماعية عبارة عن نظام واسع متكامل من التعلّقات، ويقوم هذا النظام على دعائم راسخة من أنماط التفكير الثقافية الأساسية. فالإنسان العادي يستغني بهذه الدعائم الثقافية المشتركة، حتى إنّ شخصيّته لتكاد تُبنى من تلقاء نفسها. لقد توقّفت شخصياتنا عن النمو، واستقرّت على أسسٍ ثقافيةٍ موروثة: الله، والكنيسة، والدولة، والأخلاق، والقدر، وقوانين الحياة، والمستقبل. وكلّما تماهى معيار معيّن مع هذه الدعائم الحاملة، زاد خطرُ زعزعته. على العموم، تحاط تلك المعايير بجملةٍ من القوانين والتهديدات العقابية – كمحاكم التفتيش، والرقابة، والنزعات المحافظة، وما إلى ذلك.
إنّ أيّ حلقةٍ في سلسلة المعايير هذه تستمد قوتها إمّا من عدم إدراكنا لطبيعتها المتخيَّلة، أو من توافق الجميع على أنّها معيارٌ ضروري، رغم علمنا بأنّها محضُ خيال. ومن أمثلة ذلك التعليم الديني في المدارس، والذي يحظى بالتأييد حتى من قِبَل الملحدين، إذ لا يتصور هؤلاء وسيلةً أخرى لإلزام الأطفال بالتصرف وفق المعايير المقبولة اجتماعيًّا. وبمجرّد أن يتبيّن للمرء الطابعُ الوهميّ لتلك الحلقة أو عدم ضرورتها، فإنه يسرع إلى إحلال معايير جديدة محل المعايير القديمة (وقد قيل: “إنّ للحقائق عمرًا افتراضيًّا محدودًا”) – وهذا هو سببُ جميع الصراعات الروحية والثقافية التي تُشكّل، مضمومة إلى التنافس الاقتصادي، القوة المحرّكة لتاريخ العالم.
إنّ الشغف بالسلطة أو الممتلكات المادية ليس مدفوعًا بالمنفعة الكبيرة والمباشرة للثروة، إذ لا يستطيع أحدٌ أن يجلس على أكثر من كرسيٍّ واحدٍ في آنٍ واحد، ولا أن يأكل أكثر من حاجته. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية للثروة الكبيرة إنما تأتي من كون الأثرياء يتوفَّرون على مجموعة أوسع من التعلّقات الممكنة ووسائل الإلهاء.
سواء تعلّق الأمر بالتعلّقات الفردية أو الجماعية، فإنّ أي انكسار في سلسلة المعايير يُفضي إلى أزمةٍ يشتد خطرها كلّما اقترب موضعُ الانكسار من المعايير الاجتماعية الأساسية. أمّا في الباطن، حيث يحتمي المرء بأسوار خارجية، فإنّ الأزمات تواجهه يوميًّا، لكنها في الغالب إحباطاتٍ طفيفة لا كوارث تهدّد الحياة. أيضًا هنا لا يزال بإمكان المرء أن يعبث بتعلّقاته، فيكيل لها شيئًا من الشتائم، أو يواجهها بـ ’الشُرب الاجتماعي‘ والسلوك السوقي، ونحو ذلك. غير أنّ استمراء هذه الألاعيب قد يحفر، من غير قصد، حفرةً عميقة في موضعٍ هش من جدران الحماية تلك، فيفتح ثغرةً على خواء سحيق. وقد تنقلب الحال في طرفة عين من عبثٍ يسير إلى رقصة موت؛ فإذا برعب الوجود يحدّق فينا، وندرك، في شهقةٍ مشدوهة، أنّ عقولنا معلّقةٌ بشبكةٍ من صُنْعِها هي، وأنّ هاوية الجحيم فاغرة فاها تحتنا.
وأمّا الدعائمُ الأرسخ التي تسند ثقافتنا، فلا يمكن تغييرها – إلا نادرًا – من دون أن يترتّب على ذلك اختلاجٌ مجتمعي عنيف وتهديدٌ بانحلالٍ اجتماعيٍّ شامل، كما يحدث إبّان الإصلاح أو الثورة. في مثل هذه اللحظات يُترك الفردُ مع موارده الذاتية، فيصبح مطالبًا بإنشاء تعلُّقاته الخاصة بنفسه، وقليل من يستطيع ذلك. والمحصلة هي الاكتئاب، وحياة العربدة، والانتحار – كما حصل، على سبيل المثال، مع الضبّاط الألمان عقب الحرب العالمية الأولى.
وهناك موطنُ ضعفٍ آخر في هذا النظام، وهو أنّ المرء مضطرّ إلى استخدام وسائل دفاعٍ شديدة التباين لمواجهة أخطار متعددة على جميع الجبهات. ولكلٍّ من هذه المتاريس بنيتُها المنطقية الخاصة، والنتيجة المؤسفة هي نشؤ صراعاتٍ بين منظوماتٍ قيميّةٍ غير منضبطة لا محالة. تتصادم هذه البنى الفوقية، ويتسرّب اليأس عبر الشقوق الناجمة عنها. وعندئذٍ ربما استولت على الإنسان نزعة هدّامة منفلتة، وتوق إلى تمزيق نظام إسناد الحياة برمّته، ومحاولةٌ – في نشوةٍ ممزوجةٍ بالهلع -لاجتياح هذا الركام كلّه. وينشأ الهلع المذكور من فقدان جميع المعايير التي تواسينا، أمّا النشوة فمردّها إلى ذلك التماهي المجرّد من الغاية، وإلى الانسجام مع أعمق إقرارٍ في وجودنا، ألا وهو الإقرار بفَنَائنا البيولوجي، واتجاهه إلى الموت.
نُحبّ تعلّقاتنا لأنّها تُنقذنا؛ لكننا نُبغضها أيضًا لأنّها تُقيِّد إحساسنا بالحرية. لذا حين نشعر بأنّنا أقوياء بما يكفي، فإن من دواعي المتعة أن نحتشد لندفن قيمةً متقادمة، على رنين أجراس الكنائس الجنائزي. هنا تصبح الأشياء المادية نافعةً من حيث كونها رموزًا، وتُسمّى هذه الطقوس أحيانًا تجليات لـ ’التطرف ‘. وعندما يقضي المرء على جميع التعلّقات التي وقعت عليها عيناه، فإنه يصف نفسه حينئذ بأنه ’إنسان متحرّر‘.
أما الآلية الدفاعية الثالثة الشائعة فهي آلية الإلهاء. إنه يحصر مجال رؤيتنا ضمن حدودٍ مقبولة، وذلك بإبقائه مشغولًا تحت تيار مستمر من الانطباعات الجديدة. هذه حيلة نموذجية في الطفولة؛ فالطفل من دون إلهاءات لا يطيق نفسه – يشهد على ذلك الشكوى المألوفة: “أمي، لا يوجد ما أفعله!”. كانت هناك فتاة إنجليزية صغيرة التقيتُها أثناء زيارتها لأقارب في النرويج، وكانت تخرج باستمرار من غرفتها وتسأل: “ماذا يحدث؟”، فيُجبْنَها جليسات الأطفال البارعات في الإلهاء: “انظري يا صغيرتي، هل ترين؟ إنهم يطْلُون القلعة!”. إن هذه ظاهرة معروفة إلى حدٍّ لا يحتاج إلى مزيد إيضاح. الإلهاء هو أسلوب حياة الطبقة الراقية بأسره؛ ويمكن تشبيهه بالطائرة: مصنوعة من مواد الأرض، لكنها قادرة – بما فيها من طاقةٍ كافية – على إبقاء نفسها معلّقة في الجو ما دامت الطاقة مستمرة. لا بدّ لها دائمًا من الاندفاع إلى الأمام، لأن الهواء لا يسندها إلا قليلاً. وربما غدا الطيار كسولًا واثقًا بحكم العادة، لكن الأزمة تحتد بمجرد أن يختلّ المحرّك.
غالبًا ما تكون أساليبُ الإلهاء واعيةً إلى حدٍّ كبير؛ فنحن في حاجةٍ إلى أن صرف انتباهنا عن أنفسنا بلا انقطاع، لأنّ اليأس قد يكون متربصًا تحت السطح مباشرة، إما في اختلاج نفسٍ أو شهقةٍ مفاجئة. وحين تُستنفد جميعُ وسائل الإلهاء الممكنة، ننتهي إلى حالة من ’السأم‘ أو التبرّم، تتدرّج من عُبوسٍ خفيف إلى اكتئابٍ قاتل. والنساء – في الجملة – يبدون أكثر سكينةً إزاء وضعهنّ الوجودي، ويملْن أكثر إلى تهدئة قلقهنّ عبر الإلهاء.
في الواقع، أحد الجوانب المحورية في عقوبة السجن هو حرمان السجين من معظم فرص الإلهاء. ومع قلّة الوسائل الأخرى لحماية النفس من القلق الوجودي، يقف السجناء – في الغالب – على شفا يأسٍ مطبق على الدوام. وكلّ تدبيرٍ يعالجه السجين لدرء هذا اليأس مسوَّغٌ بوصفه محاولةً للحفاظ على الحياة نفسها؛ فحين يبلو نفسَه وحيدًا في الكون، لم يعد أمام ناظريه إلا تعذُّر الوجود تعذُّرًا قاطعًا.
إنّ اليأسَ الخالص غير المشوب، أو ’هلعَ الحياة‘، قد لا يبلغ تمامَه أبدًا، ذلك أن آليّات الدفاع معقّدةٌ وتلقائية، وتظلّ فاعلة – إلى حدٍّ ما – على الدوام. لكن الأرضَ المحرَّمة المجاورة لليأس يمكن أن تصبح هي الأخرى منطقة موت، بحيث لا تستمرّ الحياة إلا تحت وطأة ضغطٍ هائل. والموتُ دائمًا يقدّم مخرجًا، رغم الأشباح التي يُعتقد أنّها كامنة وراءه. وبما أنّ موقف المرء من الموت يتبدّل تبعًا للظروف، فإنه قد يصبح أحيانًا مهربًا مرحَّبًا به من حياةٍ تُعاش على أرض الموت تلك. بل إنّ بعض الناس ينجحون، في الواقع، في اختراع ’موتٍ لائق‘ – كأن يُطلقوا مراثٍ مُدوّية، أو يقفون وقفةً أخيرة مجيدة، وغير ذلك – يكون بمثابة الإلهاء الأخير، بحيث يمكن حقًّا تخيُّل أن هناك ’أقدارًا أسوأ من الموت‘. أمّا ما تنشره الصحف من نعي متلطّف، فهي بهذا الاعتبار آليّةٌ من آليّات الكبت الاجتماعي (وإن على نحوٍ مغاير)، من جهة أنها تنجح دائمًا في العثور على تفسيرٍ مُسكِّن لموتٍ مصدره الحقيقي هو اليأس؛ فيُقال مثلًا: “يُظنُّ أنّ المتوفَّى أنهى حياته بسبب انخفاض مفاجئ في سعر القمح في سوق السلع”. والإنسان حين يُقدِمُ على قتل نفسه يأسًا، فإنّ مِيتته ميتةٌ طبيعيّة تمامًا لها أسبابٌ روحية. أمّا البربريةُ الحديثة المتمثّلة في محاولة ’حفظ ماء وجه‘ المتوفَّى، فتُعدّ من ثَمَّ سُوءَ فهمٍ فظيع لطبيعة الوجود.
قلّةٌ من الناس تستطيع أن تصمد إزاء تغيّراتٍ اعتباطيةٍ عديمة المعنى في أوضاعها، سواء أكان ذلك تغييرًا في العمل، أم في الحياة الاجتماعية، أم في طرق الراحة والاسترخاء. ومعظمُ من يُوصَفون بأنّهم ’متقدّمون روحيًّا‘ يشترطون أن تنطوي هذه التغيّرات على ضربٍ من الاستمرارية أو الاتّجاه أو التقدّم. فهؤلاء لا يمكن لأيّ وضعٍ أن يُرضيهم إرضاءً نهائيًّا؛ إذ لا بدّ لهم دائمًا من المضي خطوةً أبعد، فيجمعوا معارف جديدة، أو يسعوا في مسارٍ مهني، وما إلى ذلك. هؤلاء يعانون توقًا متأصلاً إلى تجاوز الحدود، وإلى مطالبة الحياة بالمزيد والمزيد، فهو طموح قلق لا يهدأ. فإذا تحقّق الهدف السابق أصبح سلّمًا فقط إلى هدفٍ أعلى منه. بل إنّ الهدف نفسه غيرُ ذي شأن، فالمهمُّ هو استمرار التوق.
إن العلو المطلق للهدف أقلّ أهميةً من مقدار علوه في نفس المرءُ أثناء لحظته الراهنة؛ فالأهم المعتَد به هو التوق الهامشي. لذا كثيرًا ما تكون الترقية من جنديٍّ إلى عريفٍ أهمّ من الترقية من ملازمٍ إلى جنرال. وعلى هذا المنوال، يقوّض “قانون الزيادة الهامشية في المطالب” هذا كلَّ أملٍ في أن يكون ’التقدّم‘ مُرضيًا؛ إذ لا نهاية للتقدّم. ومن ثمّ، فإنّ توق الإنسان لا يعني مجرّد التطلّع إلى شيء ما، بل يعني كذلك التطلّع إلى الخلاص من شيء، أيًّا كان موضعنا في اللحظة الراهنة. وإذا استعملنا لفظ ’الخلاص‘ بمعناه الديني، اتّضح أنّ هذا بعينه ما يميّز التجربة الدينية. فلم ينجح أحدٌ قطّ في تفسير ما الذي يتطلّع إليه الناس في الدين، أما ما يسعون إلى الإفلات منه فواضحٌ تمامًا: هذا الوادي الأرضي الذي يسيل بالدموع، وهذا الوضع الوجودي الذي لا يُطاق. وإذا كان الوعيُ بهذا الوضع أعظم حقيقةٍ يمكن لذواتنا أن تبلغها، اتّضح أيضًا لماذا يُعدّ الدين حاجةً أساسيةً لدى الإنسان. مع ذلك، وفي ضوء ما تقدّم، يبدو أن الأمل في بلوغ إثبات نهائيّ لوجود الله لا طائل منه البتة.
أما آليّة الدفاع الرابعة، أي التَّسامي، فطريقةُ عملها هو التحويل لا الكبت؛ إذ قد يتمكّن المرء، بموهبته المبدعة أو حذقه الراسخ، من تحويل آلام الحياة نفسها إلى خبراتٍ سارّة. وهكذا يُباشر شرور الحياة بموقفٍ إيجابي يتمكن بواسطته من تحويلها إلى تجارب نافعة؛ فيلتقط – مثلًا – جوانب الحياة الدرامية أو البطولية أو الغنائية أو حتى الكوميدية، ليبدّد رعبها. لكن التسامي لا ينجح إلا إذ تجرَّدت هذه الشرور من شوكتها الأشدّ مرارة، أو أدى وظيفته قبل أن يغرس اليأسُ مخالبَه غرسًا محكمًا في الذهن. فمتسلّقو الجبال، على سبيل المثال، لا يجدون متعةً في معاينة الهاوية المنفّرة تحت أقدامهم حتى يبلغوا موضعًا ثابتًا آمنًا؛ عندئذٍ فقط يمكنهم أن يستطيبوا وضعهم المكشوف للأخطار. كذلك الأمر مع كُتّاب التراجيديا: فلكي يكتب المرء مأساةً لا بدّ أن يتحرّر أولًا – أي يخون – من جوهر المأساة، فيستطيع بذلك النظر إليها نظرًا هادئًا منفصلًا، متذوقًا خصائصها الجمالية. ينعمُ كاتب المأساة بترف الانتقال من وضعٍ إلى آخر، كلّ واحد منها أسوأ من سابقه؛ إذ لا نهاية لما يمكن أن يبلغه من ذُرى. إنه موقف لا يخلو من حرج، فالمؤلّف يطارد أناَه في تنوع لا يُحصى من الأوضاع اليائسة، ويراقب منتشيًا كيف يزداد الوضع سوءًا، متباهيًا – من مسافةٍ آمنة – بقدرة الوعي على تدمير ذاته. في الواقع، هذا المقال الذي بين أيديكم مثالٌ كلاسيكيّ على التسامي. فرغم أن موضوعه محفوف بالمخاطر، إلا أن الكاتب الحالي لا يعاني شيئًا على الإطلاق؛ فليس عليه إلا أن يملأ أوراقًا بالكلمات، وربما تقاضى أجرًا على هذه المخطوطة.
أيمكن لمن يُسمّون بالشعوب ’البدائية‘ أن تتدبَّر أمور حياتها بعيدًا عن هذه التشنّجات والتمارين الفلسفية؟ وهل يمكنها أن تعيش في انسجامٍ مع ذاتها، في ملذات العمل والحبّ الهادئة غير المُكدَّرة؟ إن كان يجوز إطلاق اسم ’الإنسان‘ على هؤلاء أصلًا، فأحسب أنّ الجواب لا بدّ أن يكون بالنفي. وأقصى ما يمكن قوله بحقّ ’أبناء الطبيعة‘ هؤلاء أنّهم أقرب قليلًا منّا – نحن أبناء المدن – إلى النموذج البيولوجي الجميل. أمّا كوننا قد استطعنا أن نبقي على أنفسنا بالرغم من وجودنا المُفزِع، فمردّه في الغالب إلى تلك الجوانب من طبيعتنا التي لم تتطوّر إلا قليلًا أو لم تتطوّر تطورًا مناسبًا. ودفاعاتنا التي نجحت حتى الآن لا يمكنها – بطبيعة الحال – أن تُقيم الحياة الإنسانية، وأقصى ما تفعله هو تأجيل هلاكها فقط. ومع ذلك، فإنّ أكثر خصالنا إيجابيةً يتمثّل في حسن استخدام قوانا الجسدية، وفي ذلك الجزء من أنفسنا الذي يحمل فائدةً بيولوجية. وهذه الخصال لا تعمل إلا ضمن شروطٍ صارمة: حدود حواسّنا، وهشاشة أجسادنا، والمهمّة المُستنزِفة المتمثّلة في إبقاء أجسادنا متماسكةً وإشباع حاجتنا إلى العاطفة. وهذه الشروط نفسها – النطاق الضيّق لإمكانات السعادة – هي التي تنتهكها انتهاكًا فظًّا حضارتُنا الحديثة الآخذة في الاتّساع، عبر تقنياتها ونزعتها إلى توحيد الأشياء توحيدًا معياريًا. وبما أنّ جانبًا كبيرًا من أفضل مواهبنا البيولوجية أصبح فائضًا عن الحاجة في هذه اللعبة التنقية الحديثة المعقّدة التي نخوضها مع البيئة، فقد أصبحنا في المقابل ضحايا بطالةٍ روحيةٍ متعاظمة. ولذلك ينبغي تقويم قيمة التقدّم التكنولوجي في حياة الإنسان بالقدر الذي يتيح لنا توسيع نشاطنا الروحي، ومن غير أن يُدمِّر، في الوقت ذاته، الطبيعةَ التي تيسّر لنا ممارسة هذه الأنشطة. أمّا حدود التطوّر التكنولوجي الملائم فليست واضحةً وضوحًا دقيقًا، لكني أجرؤ على القول إنّ أقدم الكاشطات الصَّوّانية[3] كانت اكتشافًا حسنًا.
كلُّ ابتكارٍ تقني آخر قد كان نفعُه للمخترع نفسه أعظمَ منه لغيره. وتعتبر هذه الابتكارات استلابًا جسيمًا وحشيًا لإمكانات الآخرين وخبراتهم؛ لذا ينبغي ن تُعاقَب بأشدّ العقوبات متى أُشيعت للعموم على خلاف حكمٍ أرجح قضَت به المؤسّسة المخصصة لتقييمها. من جملة هذه الجرائم، على سبيل المثال، استخدامُ الآلات الطائرة في رسم خرائط المناطق المجهولة، إذ يدمّر هذا الإجراء في خطوة واحدة الإمكانات الثرية لخبرات الآخرين، خبرات كان يمكن أن تُحفَظ أمانةً للصالح العام، بحيث يتسنّى لكلّ إنسان أن ينال لذّة الاكتشاف بجهده الخاص.
تتسم الحُمّى العالمية التي أصابت الحياة، في اللحظة الراهنة، بعوز متواصل في الخبرات الداعمة للنمو الروحي. ومما يشهد على عجز الإمكانات الطبيعية الحيوية عن إشباع الخبرة ذلك الهروبُ الجماعي إلى وسائل الإلهاء: الترفيه، والرياضات التنافسية، والراديو – ’ إيقاع العصر‘[4]. أمّا التعلّقات فقد تردّى بها الحال؛ وذلك أن جميع التعلّقات الثقافية الموروثة قد نُخِرت نخرًا بمثقاب النقد، فاندفعت عبر تلك الثقوب نفسها مشاعرُ الخوف، والقلق، والحيرة، واليأس. لذا سعت كلٌّ من الشيوعية والتحليل النفسي[5] – على تباينهما في سائر الجوانب – إلى إنشاء صيغٍ جديدة لآليّات الدفاع القديمة: الأولى بالعنف، والثانية بالمكر، والغرض هو جعل الناس نافعين عبر تقليص بصيرتهم الزائدة بخطورة الحياة وهشاشتها. إن هاتين الطريقتين منطقيّتان على نحوٍ مريب. غير أنّ هاتين المحاولتين أيضًا، في النهاية، مآلهما الإخفاق. لربما نجحت المساعي لإنقاذ نوعنا برهةً قصيرةً بإعادته لمستوى أدنى من الوعي صالح عمليًّا؛ غير أنّ الطبيعة الإنسانية، على ما هي عليه، لن تجد سلامًا دائمًا في مثل هذا الاستسلام، ولا في أيّ نوع من الاستسلام.
إذا مضينا بهذا المسار الفكري إلى نهايته المُرّة، كانت الخلاصةُ التي لا مفرّ منها هي الآتية: ما دامت البشريّة تخبط خبطَ عشواء تحت الوهم الخطير القائل بأنّه مُقدَّرٌ لنا بيولوجيًّا أن نغزو الأرض، فلن يكون ثمَّة شيء يخفف قلقنا إزاء الحياة. ومع ازدياد عدد البشر على الأرض، سيصبح الفضاء الروحي أشدّ اختناقًا، وستزداد آليّات الدفاع قسوةً على نحوٍ مطّرد. مع ذلك، سنظلّ نحلم بالخلاص والفداء ومجيء مسيحٍ جديد. لكن، بعد أن يُصلَب كثيرٌ من المُخلِّصين على جذوع الأشجار ويُرجَموا حتى الموت في الأسواق، سيظهر المسيح الأخير.
سيخرج إنسان تجرّأ، قبل سائر الناس، على تعرية روحه تعريةً كاملة، وأن يُسلِم نفسه كلّها إلى أعمق تساؤلاتنا، حتى إلى فكرة الفناء. رجلٌ أدرك الحياة في سياقها الكوني، فكانت معاناتُه معاناةَ العالم بأسْره. غير أنّ عويلًا عاتيًا سيبهته من أهل الأرض جميعًا، وسيرفعون صوتهم مطالبين بإعدامه آلاف المرّات، ولكن بعد أن يلُف صوتُه العالمَ مثل الكفن، وتُسمَع رسالته الغريبة للمرّة الأولى والأخيرة:
إنّ الحياة في عوالم كثيرة أشبه بنهر جارف، أمّا الحياة في هذا العالم فأشبه بمستنقعٍ راكدٍ وغديرٍ منعزل ..
إنّ سِمة الفناء مكتوبةٌ على جبينك، فإلى متى ستظل تدور على الحواف؟ ..
غير أنّ هناك نصرًا واحدًا وتاجًا واحدًا، وخلاصًا واحدًا وجوابًا واحدًا:
اعرفوا أنفسكم؛ كُفُّوا عن الإنجاب، واتركوا سلامًا على الأرض بعد رحيلكم ..
بعد أن ينطق بهذه الكلمات، ستنقضُّ البشرية عليه – وفي مقدّمتها القابلاتُ والمرضعات – وتدفنه تحت أظافرها. إنّه المسيح الأخير. ومن أبٍ إلى ابن، ومن ابنٍ إلى أبٍ، انحدر من ذلك الرامي عند مورد الماء.
(انتهى)
نكبة الوعي عند الفيلسوف النرويجي بيتر زابفه
د. عبدالله بن سعيد الشهري
يُعد مقال ’المسيح الأخير‘ للفيلسوف النرويجي بيتر فيسل زابفه Peter Wessel Zapffe من أبرز النصوص التي عبّرت عن النزعة التشاؤمية المتطرفة في الفلسفة الوجودية، حيث يقدّم أطروحة مركزية مفادها أن الوعي الإنساني ليس نعمة، وإنما كارثة بيولوجية أدّت إلى تمزيق الإنسان بين طبيعته الحيوية وإدراكه الكوني. فالإنسان في نظر زابفه تناقض بيولوجي بسبب الوعي الذي تطور تطورًا زائدًا عن الحد (Hypertrophy)، مما جعل الإنسان يدرك مأساوية وجوده وحتمية موته، وهو عبء أعظم من أن تستطيع طبيعته تحمله. في مقابل هذا، لا شك أن الإسلام تحديدًا – والسُّني خصوصًا – يمثل النقيض الجذري لهذه الرؤية، بتأسيس الوعي على قِيمتَي التوحيد والأمانة الكونية، واعتبار القلق الوجودي، والخوف من أن تكون حياتنا سدى، نتيجة طبيعية تمامًا لهذه المرتبة من الوعي.
– الوعي بين الكارثية والتكليف
ينطلق زابفه من اعتبار الوعي طفرةً مَرَضية، إذ يرى أن الإنسان “تسلّح تسلحًا مفرطًا” بقدرات إدراكية تفوق حاجته البيولوجية، مما جعله مدركًا لخطورة وجوده وعاجزًا تمامًا عن التكيّف مع خطورة مدركاته! غير أن هذا التحليل يفترض أن الطبيعة هي المعيار النهائي[6]، وأن تجاوزها خلل. على النقيض من ذلك، يقدّم التصور الإسلامي الوعي بوصفه لحظة اصطفاء، منحت الإنسان قدرة إدراكية هائلة تؤهله لحمل الأمانة. وعليه، فإن ما يراه زابفه “تضخّمًا” لا حاجة له هو في المنظور الإسلامي “تكليف” يتفجر بالمعنى والحياة، وما يبدو اختلالًا هو في حقيقته انتقال إلى مستوى أسمى من الوجود. والقرآن يشهد على ملاحظة زابفه التي نبعت منها مأساته، ألا وهي وحدة معاناة الإنسان مع الحيوانات في هذا العالم (“وحين التفَّتْ الحيوانات حول مورد الماء…شعر بنغمة جليلة أظهرت المعاناة الأخوية المشتركة بين كل شيء حي”)؛ فهي كائنات مثله ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾، ولكن عليه أن يتحمّل مسؤولية وعيه من بين سائر الكائنات.
– القلق الوجودي: مأزق أم دافع؟
يلتقط زابفه جانبًا حقيقيًا من التجربة الإنسانية حين يربط القلق بانكشاف الإنسان على ذاته ومصيره. فالإنسان، بخلاف الكائن الذي يعيش في حدود حاضره المباشر، يستطيع أن يستشرف موته، وأن يتأمل عبث بعض رغباته، وأن يرى التناقض بين توقه إلى المعنى ومحدودية العالم الذي يعيش فيه. ومن هذه الجهة يصيب زابفه في ملاحظته أن الوعي قد لا يكون مصدر الطمأنينة دائمًا، بل قد يصبح مصدرًا للقلق حين يفتح أمام الإنسان أسئلة لا يستطيع أن يجيب عنها بنفسه.
وبهذا لا ينكر التصور الإسلامي مأساوية بعض جوانب التجربة الإنسانية، ولا يختزل القلق في ضعف عابر يمكن تبديده بالتسلية أو التفاؤل الساذج. بل إنه يرفض أن يكون القلق خاتمة التفكير في الوجود. فالإنسان – كما يقرر القرآن – لن يُترك لقلقه عاريًا من الغاية ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾
غير أن الخلاف لا يقع هنا في أصل التجربة، بل في تفسيرها. فزابفه يرى أن القلق الوجودي نتيجة تكشُّف مأساة الوعي نفسه، وأن الإنسان حين يعي حقيقة وضعه لا يجد في الوجود قوة قادرة على إنقاذه من عبء هذا الوعي. أما التصور الإسلامي فيقر بانفتاح الإنسان على قلق عميق لا تكفيه الحلول السطحية، لكنه لا يعد هذا القلق برهانًا على غياب المعنى؛ إذ قد يكون دليلًا – بل هو دليلٌ – على أن الإنسان لا يستطيع أن يستقر ما لم يتشبث بشيء (“يتعلّق” بعبارة زابفه) أعظم منه وأجلّ. من هنا يعيد الإسلام وضع القلق في سياق مختلف، ويغدو السؤال الحاسم: ماذا يكشف لنا هذا القلق، وإلى أين ينبغي أن يقودنا؟ وليس: كيف يمكن إسكات الوعي ووأد هذا القلق؟ فقد يكون القلق علامة على خلل، وقد يكون أيضًا علامة على يقظة؛ وقد تكون الطمأنينة غفلة، كما قد يكون الاضطراب بداية بحث جاد عن الحقيقة.
وبهذا لا ينكر التصور الإسلامي مأساوية بعض جوانب التجربة الإنسانية، ولا يختزل القلق في ضعف عابر يمكن تبديده بالتسلية أو التفاؤل الساذج. بل إنه يرفض أن يكون القلق خاتمة التفكير في الوجود. فالإنسان – كما يقرر القرآن – لن يُترك لقلقه عاريًا من الغاية ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾، وليس عليه أن يجد من نفسه وحدها جوابًا عن أصل وجوده ومصيره ﴿اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم﴾؛ بل تأتيه الرسالات لتضع هذه الأسئلة في أفق أوسع، وتمنع الألم من أن يتسرب إلى كامل وجوده ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾. الإنسان في القرآن لا يملك أن يهدي نفسه، فضلًا عن أن يهدي غيره؛ لأنه كائن مفتقر إلى الهداية افتقارًا ذاتيًا أصليًا ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون﴾. إنها حقيقة قرآنية ناصعة لا تعقيد فيها، تضع الإنسان أمام تمييز وجودي حاسم: طرف يهدي إلى الحق، وطرف لا يهتدي بنفسه إلا إذا هداه غيره؛ فأيهما أحق بالاتباع؟
– آليات الدفاع وحدودها
يقدّم زابفه تحليلاً دقيقًا لآليات الدفاع (العزل، التعلّق، الإلهاء، التسامي)، ويرى أنها ضرورية لبقاء الإنسان. وإني أتفق مع زابفه في تحليله، لأني أعتقد أن الإنسان السوي لا يمكن أن يصبر على الخواء، ولا أن يظل محدقًا في هاوية العدم بلا تصرُّف من نوعٍ ما يعتقد أن فيه نجاته، أو ما يخفف به كربته. إلا أن هذه الآليات، في نظره، قائمة على تقليص الوعي، لا على قبوله كما هو ومعالجته، وهو ما يرفضه زابفه بطبيعة الحال. في المقابل، يقدّم الإسلام بدائل بنّاءة، بدائل دافعة، لا دفاعية، يُعاد بها تأويل العالم، وتنظيم العلاقة معه عبر مفاهيم مثل والإيمان والتسليم والصبر والاحتساب والتوكل؛ مفاهيم لا تعمد إلى إلغاء هموم الوعي، وإنما إلى تثميرها وتوجيهها واستخراج طاقاتها الوجودية استخراجًا بنّاءً لأقصى حد ممكن.
لذا جاء التحذير من “الفراغ” لا لأنه خطر بذاته، وإنما لأنه ساحة مكشوفة لكل شيء، بما في ذلك البطالة الفكرية والعملية، والهجمات الشيطانية، والوساوس العدمية. الإلهاء هنا ليس حلًا، وإنما انعدام للحزم (قيمة رفيعة في الإسلام) وتأجيل مستمر للأزمة.
لنأخذ آلية الإلهاء مثالاً نوضح به طبيعة التباين بين الرؤيتين. كما مر معنا، يرى زابفه أن الإلهاء حيلة ضرورية لتجنّب الانهيار، وهو بلا شك تحليل متبصّر يكشف هشاشة النفس البشرية عمومًا، والنفس الحديثة على وجه الخصوص. لكن الإسلام يذهب أبعد من ذلك، فيقرّ التلهّي أو الإلهاء باعتباره حقيقة ماثلة في سلوك البشر ﴿ألهاكم التكاثر﴾؛ ثم هو لا يكتفي بفضح الإلهاء ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد﴾، وإنما يفسّره بوصفه عَرضًا حَرِجًا لفراغ أعمق. والفراغ ليس مشكلة لوحده، وإنما ما يكشفه من مسؤولية مؤجَّلة على الدوام. لذا جاء التحذير من “الفراغ” لا لأنه خطر بذاته، وإنما لأنه ساحة مكشوفة لكل شيء، بما في ذلك البطالة الفكرية والعملية، والهجمات الشيطانية، والوساوس العدمية. الإلهاء هنا ليس حلًا، وإنما انعدام للحزم (قيمة رفيعة في الإسلام) وتأجيل مستمر للأزمة.
– الدين بين الاختزال والتأسيس
يقول زابفه في النص السابق: “لم ينجح أحد في تفسير ما الذي يتطلّع إليه الناس في الدين”. أولاً، هذه مجازفة بتعميم لا يملك زابفه دليلاً استقرائيًا تامًا عليه، لا من جهة العمق (وظيفة الدين الحقة) ولا الامتداد (سعة حلول الدين). يختزل زابفه الدين في كونه محاولة للهروب من المعاناة، وهو وإن كان تحليلًا يصيب في جانب (البحث عن الخلاص)، إلا أنه يغفل البُعد البنائي في الدين، وهو بُعدٌ تتفاوت الأديان في طبيعته وعمقه تفاوتًا كبيرًا. دين الإسلام في هذا المضمار يقف وحيدًا في المقدمة، فهو لا يستجيب للمعاناة فحسب، وإنما يعالجها معالجةً شاملةً بنّاءةً متعددة الأبعاد والطبقات. والإنسان فيه لا يلجأ إلى الدين ليهرب فقط، ولا ينبغي له ذلك، وإنما ليَفهم، ويحيا الحياة الطيبة ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾. ومن ثمّ، فإن تقليص الدين – والإسلامي تحديدًا – إلى وظيفة نفسية أو آلية دفاعية، يعطل زخمه المعرفي والوجودي، ويحرم البشرية من أهم خاصية تفرّد بها: الخلاص البنَّاء. من درس هذه الخاصية في الإسلام سيكتشف أنها ليس معتقدات تعزويَّة، ولا تقنيات تلطيفية، ولا تربيتًا على الأكتاف؛ وإنما نظام تفسيري شامل، يلامس أعمق الاحتياجات الروحية، ويقرّ بالألم ولا ينكره ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾، ويربط الخلق بالسعي والمصير ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه﴾. لقد رصد هذا الأثر المستشرق ويليام مونتجومري، فقال في مقاله: (المعاناة في الإسلام السني) Suffering in Sunnite Islam : “بيد أنّ أكثرهم تدينًا (أي المسلمين السنة) قد انتصروا على المعاناة التي أصابتهم، ووجدوا فيها الرضا وليس الإحباط. حقًا، إنّ أحد الإنجازات العظيمة للإسلام السني أنه قد مكَّن عددًا لا يحصى من الرجال والنساء من أن يعيشوا حياة مُرضِية في ظل ظروف من الشدة تفوق التصديق”[7].
لا شك أن زابفه ابن بيئته المسيحية، والتي في أحسن أحوالها لم تكن بنّاءة كثيرًا في هذا الجانب، بل كانت في كثير من الأحيان أساسًا لليأس وأصلاً للضعف والانسحاب من العالم[8]. من هنا جاءت استعارة زابفه لوصف ’المسيح الأخير‘ بصفته قرينة على تفاعله مع الموروث المسيحي تفاعلاً عكسيًا ساخرًا، يستفيد من القوالب بعد تفريغها ثم شحنها بمضامين مضادة. ليس من المستغرب إذن أن تنتج المسيحية عدميين مثل زابفه، فقد أنتجت نيتشه أيضًا، كما قال تي اس إليوت: “وما كان لثقافة أن تُنتج فولتير أو نيتشه سوى الثقافة المسيحية”. وأهم من هذا توكيده على تغلغل المسيحية في جميع جوانب الثقافة الأوروبية: “إن جميع أفكارنا لا تكتسب معناها إلا على خلفية المسيحية. فقد لا يؤمن الفرد الأوروبي بصحة العقيدة المسيحية، ومع ذلك فإن كل ما يقوله، ويصنعه، ويفعله، ينبثق من ميراثه الثقافي المسيحي، ويستمد معناه من تلك الثقافة”.[9]
– مآلات الرؤية: من اليأس إلى الإلغاء
تنتهي رؤية زابفه إلى نتيجة جذرية: الدعوة إلى وقف الإنجاب بوصف ذلك خلاصًا من مأساة الوجود: «اعرفوا أنفسكم؛ كُفُّوا عن الإنجاب، واتركوا سلامًا على الأرض بعد رحيلكم!». نحن نعاني – في اعتقاد زابفه – من لعنة وراثية، لأننا نحمل في جيناتنا “خطيئة” التكاثر التي ورثناها عن أسلافنا الأوائل. نحن أحفاد ذلك الذي فعل المستحيل ليبقى، وندفع الآن ثمن هذا البقاء من خلال وعينا الذي يفوق قدرتنا على التحمل. باختصار، الإنسان سليل غريزة البقاء الوحشية، وكل أب ينجب ابناً إنما يكرر فعل ذلك “الرامي” البدائي عند مورد الماء، ويستمر في دفع أرواح جديدة إلى عالم لا يوفر لها سوى العناء. الإنسان المعاصر ليس كائناً مستقلاً مميزًا، وإنما هو حلقة في سلسلة طويلة بدأت من ذلك الرامي. كل جيل يُسلم ’شعلة الوعي المأساوي‘ للجيل الذي يليه (من الأب للابن)، وهو ما يعتبره زابفه تأبيدًا متعمّدًا لجريمة بيولوجية. ما الحل إذن؟ كما رأينا، الحل عند زابفه هو الكف عن الإنجاب. فبمجرد انقراض الجنس البشري، ستعود الأرض إلى صمتها وهدوئها الفطري، وتتحرر من ’الرعب الوجودي‘ الذي لا يشعر به سوى الإنسان.
لولا فضل الرب علينا، لكنّا تائهين حيارى مثل زابفه في دياجير اليأس! في الإسلام، الحياة أمانة تُؤدَّى، وليست نفاية تُرمَى. ومن ثمّ، فإن الحل ليس في إنهاء السلسلة البشرية، وإنما في تصحيح مسارها.
تمثل هذه النتيجة الذروة المنطقية لرؤيته: إن كان الوجود ألمًا بلا غاية، فإن إنهاءه رحمة. ربما كشفت هذه النتيجة اتساق رؤيته، لكنها، في الوقت نفسه، تبرز حدودها؛ إذ تعجز تمامًا عن تقديم – وربما حتى عن تصوّر – مبرر إيجابي للوجود. ومن ثم، لا ينبغي القضاء على الوعي فحسب، بل على حامله أيضًا، والحيلولة دون تكاثره وانتشاره. هذه نتيجة طبيعية تمامًا للعجز والإخفاق والتقصير: العجز عن تصوّر معنى وجودي بنّاء للحياة، والإخفاق في ملاحظة العلاقة الحسَّاسة والعميقة بين الوعي والعالَم، والتقصير في البحث عن بدائل أرحب وأعمق وأمتن من تلك التي جاد بها المحيط الثقافي الذي عاش فيه زابفه وكثيرون مثله. يجب أن تُشعرنا هذه الحقيقة بالشفقة والرحمة والتواضع تجاه من ضلّوا السبيل، وأن تحْمِلنا بقوة على تنويرهم وإرادة الخير بهم، وعلى الاعتراف الكامل بأنه لولا فضل الرب علينا، لكنّا تائهين حيارى مثل زابفه في دياجير اليأس! في الإسلام، الحياة أمانة تُؤدَّى، وليست نفاية تُرمَى. ومن ثمّ، فإن الحل ليس في إنهاء السلسلة البشرية، وإنما في تصحيح مسارها.
خاتمة
تكشف المقارنة بين زابفه والتصور الإسلامي عن اختلاف بنيوي عميق: فبينما ينطلق زابفه من حياة بلا غاية، فيغدو الوعي عبئًا، ينطلق الإسلام من كونٍ ذي غاية، فيغدو الوعي طريقًا. وعليه، فإن القلق والمعاناة واليأس لا يمكن أن تكون حقائق تستنفد كل قراءة ممكنة للوجود، وإنما هي حالات يُعاد تأويلها في ضوء معانٍ أخرى، من بينها المعنى الذي ينفرد الإسلام بتقديمه. فاليأس ليس ’شجاعة وجودية‘ كما يوحي نص زابفه، وإنما خيانة للأمانة وذهول عن المعنى. وحتى لو قلتُ إنها شجاعة لوجب عليّ أن أصفها بأنها ’شجاعة خائنة‘ كي تكتمل الدلالة. هنا يتبيّن أن الاختلاف ليس في درجة التفاؤل، وإنما في طبيعته وفي بنية الرؤية نفسها. ومن ثم، فإن الحل ليس في إطفاء الوعي أو إنهاء الحياة، وإنما في إعادة توجيهه نحو معنى يفسر وجود كائن مسؤول مثل الإنسان. لا شك أن احتمال رفض زابفه لهذا الحل قائمٌ بقوة؛ إلا أن هذا الرفض بعينه هو أحد أهم نتائج تمتّع الإنسان بالوعي والاختيار في كونٍ تخلّى عن حمل الأمانة، فحملها الإنسان بدلًا منه: ﴿إنّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا﴾.
لقد ختم زابفه رؤيته بنبوءة تشاؤمية عن مخلِّص يدعو إلى إنهاء الحياة، في مفارقة ساخرة لفكرة الخلاص نفسها. وتعكس هذه النهاية انسداد الأفق في رؤيته؛ فلا خلاص في العالم ولا خارجه. أما في التصور الإسلامي، فليس الخلاص في التخلُّص من الحياة، ولا في التملُّص من المسؤولية، وإنما في قبولهما واستيفاء معناهما في ضوء بُعدٍ آخر، هو بُعد الإيمان باليوم الآخر.
وباختصار، فإن «المسيح الأخير» عند زابفه ليس مخلِّصًا يأتي بالخلاص، بل مخلِّصٌ – ويا للمفارقة! – يُشهر فأس الهلاك على الإنسانية. وهنا يتجلى الفرق الجوهري بين الرؤيتين: فالوعي عند زابفه ينبغي أن يقود إلى العدم («وحين عثروا عليه مرة أخرى عند طلوع القمر الجديد… كان قد مات عند مورد الماء»)، أما في الإسلام، فالقصة لم تنته، ولا بد المعاد: ﴿كما بدأكم تعودون﴾.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
[1] اعتمدتُ في ترجمة النص على نشرة المُحرِّرين بيتر ريد وديفيد روثنبرغ (1993) كتاب: ’ الحكمة في الهواء الطلق: الجذور النرويجية للبيئة العميقة‘، Wisdom in the Open Air: The Norwegian Roots of Deep Ecology، ص 40–52؛ مينيابوليس: مطبعة جامعة مينيسوتا. وهي نشرة مأذون بها على موقع OpenAirPhilosophy
[2] حينما يبكي رجل في مكان عام، تحت وطأة العبء الوجودي للحياة، فإنه بذلك ينتهك ذوقيات ’العقد الاجتماعي‘، لأنه يخرج عن المتعارف عليه لإبقاء الحياة مُحتَملة (الصمت)، ويجعل أهوال الوجود الخفية مرئية للجميع! (المترجم).
[3] أدوات حجرية (من حجر الصوان) كانت تُستخدم في العصور القديمة، لكشط الجلود (لإعداد الملابس أو الخيام)، أو تقطيع اللحوم والمواد النباتية، وشحذ الأدوات العظمية، وهلم جرًا. (المترجم)
[4] في زمنه، رأى بيتر زابفه أن الراديو، بوصفه «إيقاع العصر»، مثالٌ بارز على الإلهاء الاصطناعي الحديث الذي يلجأ إليه البعض لإشغال وعيهم وتشتيته. وهو يرى عمومًا أن لجوء البشر إلى الضجيج التكنولوجي والثقافي ليس إلا حيلةً للهرب من عبء المعنى – وجودًا وعدمًا – والقلق الوجودي، وفي مقدمته الاعتقاد المفزع بانعدام الغاية. أما في زماننا – وأعني عام 2026م – فقد أتاحت الثورة الرقمية والعوالم الافتراضية للبشرية ملاذًا للتلهّي يفوق ما كان يمكن أن يتوقعه زابفه بمراحل. فتسمير الأعين أمام سيل المقاطع القصيرة العشوائية، على سبيل المثال، غدا اليوم من أسرع وسائل الانسحاب من «عبء الجدية» الذي يفرضه انتباه الوعي لمعنى الحياة. (المترجم)
[5] والرأسمالية اليوم عبر الانهماك الدائم في الاستهلاك. (المترجم)
[6] سنتجاوز أيضًا أدبيات نقد نظرية التطور الدارويني، والتي من الواضح أنها (أي النظرية) تشكل رافدًا أساسيًا لأهم فرضياته في هذا النص.
[7] Watt, W. M. (1979) Suffering in Sunnite Islam. Studia Islamica, No. 50, p.19.
[8] لذا اعتبرها نتيشه دينًا ذليلاً يغرس الذل في أتباعه.
[9] Eliot, T. S., Javadi, Iman, Schuchard, Ronald (2018) The Complete Prose of T. S. Eliot: The Critical Edition: Notes Towards the Definition of Culture. Johns Hopkins University Press; Baltimore: Johns Hopkins University Press, p. 277.



