فكر وثقافةالدين

قلق الحرب

عبدالرحمن الشمري

 

 

ليلةَ الثالث من نوفمبر كان الأمريكيون يقترعون في انتخابات التجديد النصفي، وكان كثيرون في المنطقة يسهرون على نتائجها، لا يشغلهم منها إلا سؤال واحد: ماذا بعد؟

لنتصوّر بيتًا في إحدى مدن الخليج، جلس فيه الأب وهاتفه في يده، يقرأ عن ضربات أمريكية على جزيرة قشم وصفها مسؤولون بأنها “دفاعية”، وعن وسطاء قطريين حملوا مسودة اتفاق إلى طهران، وعن تصريحٍ يَعِد بأن الحرب ستنتهي قريبًا “بطريقة أو بأخرى”[1]. وفي الممر حقيبة صغيرة بجوار الباب، فيها جوازات السفر وأدوية الصغير، لم تُفرغها الأم منذ مارس. أما ابنتهما ذات الأعوام التسعة فسألت سؤالًا لم يجد أحدٌ في البيت جوابه: “هل سيصيح الهاتف مرة أخرى؟”

هذه الأسرة لا تحتاج إلى أن تتخيّل الحرب؛ يكفيها أن تتذكر. في الثامن والعشرين من فبراير، والناس صائمون في رمضان، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما على إيران، فردّت إيران بصواريخ ومسيّرات أعلنت الكويت وقطر والبحرين اعتراضها. يومها اهتزت النوافذ، واحتمى الناس في حمّامات وخزائن لا نوافذ لها، ووصلت إلى هواتف بعضهم تنبيهات تدعوهم إلى أقرب مبنى آمن بعيدًا عن النوافذ، وانتقلت المدارس في البحرين وقطر إلى التعليم عن بُعد[2]. ثم مضت الشهور لا تستقر على حال؛ هدنةٌ في أبريل، ومذكرة تفاهم في يونيو، وعودةٌ إلى الضربات في يوليو، ثم هدوءٌ حذر تخدشه ضربات محدودة، لا يطمئن إليه أحد[3]. فقلق الناس اليوم قلقُ من ذاق الأمر مرة، ويخشى أن يُعاد عليه.

وقد وصف القرآن ساعةً كهذه حين أحاطت الأحزاب بالمدينة: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: 10]. عيونٌ لا تستقر على شيء، وقلوبٌ كأنها تريد أن تخرج من الصدور. ولم يكن المؤمنون بمنأى عن هذا الخوف؛ فقد قال تعالى بعدها: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 11]. أما الظنون، فقد اختلفت بها القلوب.

وفي أيام الانتظار هذه تكفّ الأخبار عن أن تكون نافذة يطلّ منها المرء على العالم، وتصير غرفةً يسكنها. يفتح هاتفه قبل أن يغسل وجهه، ويتنقل بين القنوات والمنصات ومجموعات المحادثة، فإن لم يجد جديدًا قرأ تحليلًا، فإذا فرغ منه قرأ الرد عليه. وصار بعضهم يقرأ مزاج الحرب في أسعار النفط؛ هبطت يومًا بأكثر من سبعة في المئة على أنباء الوساطة[4] فتنفّس، ثم جاء خبر ضربة جديدة فانقبض صدره. والخوف لا يقف عند السؤال عن عودة الحرب، بل يسبقه إلى ما بعدها: أتُغلق المدارس مرة أخرى؟ أتتوقف الرحلات فيبقى المغترب بعيدًا عن أهله؟ وماذا يبقى من العمل والرزق إن طال الأمر؟ ومع الأيام يستقر أسوأ الاحتمالات في الذهن كأنه أمرٌ قُضي، ولم يبقَ إلا موعده.

ويتلقى الناس هذا الخوف كلٌّ على طبعه. منهم من يفزع فيشتري ما يحتاجه وما لا يحتاجه، وكأن لسان حاله يقول: “في الحرب لا قواعد، كلٌّ لنفسه”. ومنهم من يقرأ في كل تصريح نذيرًا، ومن صار خبيرًا عسكريًا بين ليلة وضحاها يقيس مدى الصواريخ ويرسم خرائط الأهداف، ومن لا يرفع رأسه عن الشاشة، ومن يتظاهر بأن الأمر لا يعنيه ثم يستيقظ في الثالثة فجرًا ليتفقد الأخبار.

ولهذا الانتظار ثمنٌ لا تذكره نشرات الأخبار؛ يدفعه الناس من نومهم وصبرهم، ومن صفاء بيوتهم، ومن أعمال يؤدونها بنصف انتباه. والعجيب أن جولةً لم تقع بعد تكون قد أخذت منهم بعض ما تأخذه الحرب حين تقع، فسلبتهم طمأنينتهم، وزهّدتهم في يومٍ ما زال آمنًا.

وليس في أصل هذا القلق ما يُعاب. فالعقل خُلق ليلتقط الخطر قبل وقوعه ويستبقه، ولولا هذه اليقظة لما نجا الإنسان من كثير مما يتهدده. غير أن اليقظة نفسها تضطرب إذا كان الخطر غامضًا لا يُعرف موعده ولا حجمه. وقد يكون احتمال المجهول أشد إنهاكًا للنفس من مواجهة حقيقة مؤلمة معلومة؛ فاليقين، وإن آلم، يدع لها أن تتكيف وتتهيأ، والمجهول يُبقيها على أهبةٍ لا تنقضي. ولعل هذا ما يجعل بعض الناس يتمنون لو “تُحسم الأمور” على أي وجه، وما بهم رغبة في الحرب، وإنما أنهكهم الانتظار.

فإذا عجز العقل عن معرفة ما سيكون، ملأ الفراغ بأسوأ ما يتخيله، يحسب أن تصوّر الكارثة ضربٌ من الاستعداد لها. والخوف السويّ ينبّه صاحبه إلى احتياط بعينه، فإذا أخذ به خفّ قلقه، أما القلق المفرط فيدور على نفسه، يسأل “ماذا لو؟” ثم يعود فيسألها، ولا يغيّر من الواقع شيئًا.

وتزيد المتابعة المتصلة للأخبار هذه الدائرة اتساعًا، لأن الجهاز العصبي يستجيب لصورة الخطر إذا تكررت أمامه مرة بعد مرة بشيء من الاستنفار الذي يستجيب به للخطر نفسه. وقد وجدت دراسة نشرتها مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية عام 2014 أن متابعة تغطية تفجيرات ماراثون بوسطن ستَّ ساعات يوميًا أو أكثر ارتبطت بأعراض توتر حادّ تفوق ما ارتبط بالوجود في موقع التفجيرات نفسه[5]. فالخبر الذي نطلب فيه الطمأنينة قد ينقلب، إذا أسرفنا فيه، مصدرًا دائمًا للتهديد، ولو كان الخطر بعيدًا.

ويشتد الأمر على من سبق أن ذاق الخطر. فقد وجد الفريق البحثي نفسه، في دراسة لاحقة، أن من مرّوا بكوارث جماعية سابقة، ولو عبر الشاشات، كانوا أشد تأثرًا بالحدث الذي تلاها، كأن النفس تحتفظ بأثر كل صدمة فتستقبل ما بعدها متحفّزة[6]. ولعل في ذلك ما يفسّر أن يجفل بعضهم اليوم لنغمة تنبيه عادية بعد أشهر من آخر صاروخ. ثم إن الأخبار نفسها تتأرجح بين انفراج وتصعيد، والنفس التي تُرفع إلى الأمل ثم تُردّ إلى الخوف مرة بعد مرة لا تجد أرضًا تقف عليها، وربما كان هذا التأرجح أثقل عليها من خوفٍ ثابت.

وما يحتاج إليه الخائف في هذه الحال أن يميّز بين استعدادٍ عاقل يُنجَز ثم يُطوى، واجترارٍ لا ينتهي إلى قرار. والمؤمن محتاجٌ فوق ذلك إلى أن يعرف ما أُمر به من الحذر، وما لم يُكلَّف به من استكشاف الغيب.

والخوف في ذاته لا يقدح في إيمان أحد. فموسى عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، وصفه القرآن مرتين بما نجده في أنفسنا اليوم: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 18]، و﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21]؛ خاف وترقّب، ثم دعا ربه ومضى في طريقه. وصرّح القرآن بأن النفوس تكره القتال بطبعها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، وجعل الخوف من سنن الابتلاء: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: 155]. فالإيمان لا يَعِد صاحبه بأن ما يخشاه لن يقع، وإنما يعلّمه كيف يقف أمامه.

وفي خبر الأحزاب بيانٌ لهذا. فالأبصار زاغت والقلوب بلغت الحناجر، والمؤمنون أنفسهم ﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 11]، فلم يعِبهم القرآن بذلك، وسمّاه ابتلاءً. وإنما انصبّ الذم على ما فعله الخوف في قلوب المنافقين ومرضى القلوب، إذ ساء ظنهم بالله فقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]، ثم استأذن فريق منهم في الانصراف ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13]. وعلى هذا فسّر الواحدي قوله تعالى ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: 10]، فقال: “ظنَّ المنافقون أنَّ محمدًا ﷺ وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون بنصر الله”[7]. لقد نزل بالمؤمنين من الشدة ما نزل بغيرهم، ثم كان قولهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. فالخوف يعرض للقلوب جميعًا، وإنما يُذمّ المرء إذا ساء ظنه بربه، أو فرّ من واجبه.

فما الذي يُطلب من المؤمن في أيام كهذه؟ يُطلب منه أن يأخذ بأسباب السلامة، ولم يُكلَّف أن يعرف ما سيكون، ولا أن يحمل همّ الغد كله قبل أن يأتي. فالغيب مطويّ عن الخلق: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: 34]، وقد أُمر النبي ﷺ أن يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: 188]. وإذا كان أعلم الخلق بالله لا يعلم ما يحمله الغد، فما بال أحدنا يرهق نفسه في استطلاع مستقبلٍ لم يُطالَب بمعرفته، ويسهر على نشراتٍ تعده بيقينٍ لا تملكه؟

ومن أيقن أنه ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51] خفّ عنه ما يحمله من همّ المستقبل، وسقط عنه عبء السيطرة على ما لا يملك. وفي وصية النبي ﷺ لابن عباس: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك” (رواه الترمذي: 2516، وصحّحه الألباني). وذكر القرآن أن المصائب مكتوبة قبل وقوعها، ثم ذكر الحكمة من إعلامنا بذلك: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23]. غير أن هذا اليقين لا يُقعد صاحبه، وإنما يعيده إلى ما في يده؛ ففي الحديث: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز” (رواه مسلم: 2664). فما كان في وسعه بذل فيه جهده، وما جاوز وسعه وكله إلى ربه.

والتوكل لا ينفي الأسباب، ولكنه يمنع أن يعتمد القلب عليها استقلالًا عن الله. فترك الحذر باسم التوكل تواكلٌ، والقرآن الذي أمر بالتوكل هو الذي قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 71]. وقد أورد ابن تيمية مقرِّرًا عبارةً جامعة في هذا: “الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع”[8]. ولما عزم عمر بن الخطاب على الرجوع بالناس، وقد بلغه أن الوباء وقع بالشام، قال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ فأجابه: “نعم، نفرّ من قدر الله إلى قدر الله” (رواه البخاري: 5729). فالحذر عنده سيرٌ في القدر لا خروجٌ عليه. وحين عبَر يوسف عليه السلام رؤيا الملك وعلم أن سنين شدادًا مقبلة، لم يُشِع في الناس هلعًا، وإنما وضع لهم خطة: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: 47].

ولا يقف أثر الخائف عند نفسه، فهو يمتد إلى من حوله بما يقول وما ينقل. وقد أدّب القرآن الذين ﴿إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: 83]، وأرشدهم إلى ردّه إلى أهل العلم والشأن، وقال السعدي في تفسيرها إن الذي ينبغي لهم “أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر”[9]. وذكر ﴿الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب: 60] مع المنافقين ومرضى القلوب في وعيد واحد، وهم الذين يشيعون من الأخبار ما يزلزل الناس. وفي الحديث: “كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع” (رواه مسلم في مقدمة صحيحه: 5). وكم من الناس اليوم من يعيد إرسال المقطع المجهول والتحليل المرسَل دون أن يسأل عن صدقه! وليس كل إرجافٍ كذبًا صريحًا، فمنه تهويلٌ يلبس ثوب التحليل.

وما أبعد هذا عن صنيع النبي ﷺ ليلة فزع أهل المدينة لصوتٍ سمعوه؛ فقد سبقهم إليه، ثم لقيهم وقد “استبرأ الخبر” على فرسٍ لأبي طلحة، وهو يقول: “لم تُراعوا، لم تُراعوا” (رواه البخاري: 2908، ومسلم: 2307).

وليست السكينة غياب الخوف بالضرورة، وإنما ثبات القلب مع وجود أسبابه؛ فقد يخاف المؤمن، ولكنه لا يدع خوفه يستولي على يقينه، أو يصرفه عن واجبه، أو يوقعه في سوء الظن بربه. وطريقها ذكر الله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وقد قيل للمؤمنين يومًا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173]، وهو خبر يشبه ما نسمعه اليوم، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، كما قال ابن عباس (رواه البخاري: 4563). فكانت العاقبة: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 174].

ولما رأى أصحاب موسى البحر أمامهم وجيش فرعون من ورائهم قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]، فقال لهم واثقًا: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]. وكان النبي ﷺ لا يدع إذا أصبح وإذا أمسى أن يدعو: “اللهم استر عوراتي، وآمِن روعاتي” (رواه أبو داود: 5074، وصحّحه الألباني)، والروعات هي الفزعات؛ فسؤال الأمان من الخوف عبادةٌ تتجدد مع كل صباح ومساء.

وقد عرف أهل العلم هذه السكينة في أشد أحوالهم. حُبس ابن تيمية وهُدِّد، فكان يقول: “ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني”[10]. ووصف تلميذه ابن القيم ما كان يجده أصحابه عنده: “وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه… فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوةً ويقينًا وطمأنينة”[11]. وأرجع ابن القيم القلق إلى موضعه من القلب، فقال: “وفيه قلق لا يسكّنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه”[12]، يريد الاجتماع على الله والفرار إليه. ولهذا تنتقل السكينة من قلب إلى قلب كما ينتقل الهلع.

ولعل أكثر ما يرهق الناس في هذه الأيام أنهم يستعجلون البلاء قبل نزوله. وقد فرّق ابن القيم بين الهمّ والحزن بأن المكروه الوارد على القلب “إن كان من أمر مستقبل يتوقعه أحدث الهم، وإن كان من أمر ماض قد وقع أحدث الحزن”[13]، وقد استعاذ النبي ﷺ منهما معًا (رواه البخاري: 6369). وكان الحسن البصري يقول: “ابن آدم، لا تحمل على يومك همّ غدك”[14]. وعدّ السعدي من أسباب دفع القلق “اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، وقطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل”[15].

ومن دقائق الفقه في التعامل مع المخاوف أن يفرّق الإنسان بين الصبر على البلاء إذا نزل، وبين إشغال نفسه بمعاناته قبل أن ينزل. فليس المطلوب أن يستحضر الإنسان مصيبة لم تقع ويعيش آلامها قبل أوانها، وإنما أن يصبر على ما يجده من خوف، ويسأل الله العافية، ويأخذ بأسباب السلامة، ويحسن الظن بربه. فإن معايشة المصيبة قبل نزولها لا تدفعها إذا جاءت، ولكنها تسلب صاحبها عافية أيامه إن لم تأتِ.

ويشهد لهذا المعنى توجيه النبي ﷺ إلى سؤال الله العافية قبل لقاء العدو، والصبر إذا وقع اللقاء؛ فالمؤمن لا يستعجل البلاء، ولا يشغل نفسه بمعاناته قبل نزوله، وإنما يسأل الله العافية ويستعد بما يستطيع، فإذا نزل به ما يكره تلقّاه بالصبر والثبات. وقد قال ﷺ: “لا تتمنّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا” (رواه البخاري: 2966، ومسلم: 1742).

ومن استقر هذا المعنى في قلبه، خفّ عنه بعض ما يجده من رهبة المستقبل. ففي الحديث: “عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير… إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له” (رواه مسلم: 2999). فالإيمان على هذا قوةٌ في الحالين: إن وقع ما يُخشى وجد المؤمن ما يثبت به، وإن لم يقع لم يكن قد أضاع عمره في انتظاره.

وأسباب السلامة في أيام الترقّب لا تقتصر على الحقائب والملاجئ، وأولها أن يُحسن المرء علاقته بالأخبار؛ فحسبه أن يعرف ما يلزمه ثم يعود إلى حياته. وتنبيهات الطوارئ الرسمية على الهاتف وسيلة حماية ينبغي أن تبقى مفعّلة، أما سيل الإشعارات العاجلة من عشرات التطبيقات والمجموعات فيمكن إسكاته، والاكتفاء بالمصادر الموثوقة. ويكفيه مصدر رسمي وآخر إخباري، ووقتان في اليوم يطّلع فيهما على الجديد، وأن يُبعد الهاتف عن فراشه ومائدته. ويحسن أن يدع التحليل الذي لا يستند إلى معلومة، والتوقع الذي يبدأ بعبارة “مصادر تقول”. ولو سأل نفسه بعد ساعة من التصفح عمّا عرفه ولم يكن يعرفه قبلها، لوجد الجواب في الغالب: لا شيء، سوى مزيد من القلق.

ومما يوصي به المعالجون في العلاج المعرفي السلوكي أن يجعل الإنسان لهمومه موعدًا، ربع ساعة في اليوم يكتب فيها ما يخشاه، ثم يقسمه قسمين: ما يقدر أن يفعل فيه شيئًا، وما لا حيلة له فيه. فيحوّل الأول إلى خطوات صغيرة محددة، ويَكِل الثاني إلى الله دعاءً وتفويضًا؛ وهذا عينُ قوله ﷺ: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله” (رواه مسلم: 2664). فإذا عاوده الهم في غير موعده أرجأه إليه. ويحسن به كذلك أن يحاور أفكاره المفزعة بدل أن يسلّم لها: ما الدليل على أن الأسوأ واقع لا محالة؟ وما الأقرب إلى الحقيقة بحسب ما أعرفه؟ ولو وقع الأسوأ فماذا أفعل؟ وهذا السؤال الأخير بالذات يحوّل الخوف الغامض إلى خطة؛ فإذا عرف ما يستطيع فعله، انصرف ذهنه عن الدوران في الاحتمالات إلى عملٍ ينتفع به.

ثم تأتي الاحتياطات الواقعية، فتُتخذ بقدر الحاجة، وتُراجع عند تغيّر الظروف أو صدور تعليمات جديدة، دون أن تتحول إلى هاجس يومي يستغرق التفكير. ومنها أن يعرف المرء تعليمات الجهات المختصة في بلده، ويختار في بيته مكانًا داخليًا بعيدًا عن النوافذ يلجأ إليه عند التنبيه، ويُعدّ حقيبة صغيرة فيها الوثائق والأدوية الضرورية وأرقام التواصل، ويحتفظ بقدر معقول من الحاجات الأساسية دون تكديس يضيّق على غيره. فإذا فرغ من ذلك طوى الملف حتى يستدعي الأمر مراجعته، كما وضع يوسف خطته ثم مضى، وعاد إلى عمله وبيته وواجباته؛ فتعليق الحياة انتظارًا للمجهول خسارةٌ مؤكدة في مقابل خطر محتمل.

ويهدأ العقل حين يهدأ الجسد. فالنوم في موعد ثابت، والمشي كل يوم ولو قليلًا، والتنفس البطيء الذي يطول فيه الزفير حين يتسارع القلب، كلها مما يعين النفس على استعادة توازنها. وفي الصلوات الخمس إيقاعٌ يعيد ترتيب اليوم حول ما هو ثابت بدل ما هو عاجل، وفي أذكار الصباح والمساء موعدان مع الطمأنينة يُفتتح بهما النهار ويُختم.

والأطفال أحوج الناس إلى هذا الاتزان، فهم يقرؤون وجوه الكبار قبل كلامهم. يكفيهم جواب صادق على قدر أعمارهم: أن صوت التنبيه وُضع ليحمينا، وأن في البيت ركنًا آمنًا نذهب إليه معًا بهدوء كما تدرّبنا. ويحتاجون إلى يوم منتظم فيه دراسة ولعب ونوم، وإلى أن يُبعَدوا عن مقاطع الدمار المتكررة على الشاشات، وعن أحاديث الحرب التي تدور على مسامعهم صباح مساء. فإن ظهرت عليهم علامات قلق تطول، كاضطراب النوم أو التعلق الشديد بالوالدين، فاستشارة المختص من الأخذ بالأسباب. وطمأنينة الوالدين لا تعني إخفاء الحقيقة عنهم، وإنما هي الدرس الأول الذي يتعلم منه الصغير كيف يواجه الخوف.

والقلق يكبر في العزلة ويصغر في صحبة الناس. فالسؤال عن جار مسنّ، أو أسرة غاب عائلها، أو مغترب يعيش وحده، يطمئن السائل قبل أن يطمئن المسؤول عنه. وأما مجموعات المحادثة التي لا تتداول إلا التهويل، فخيرٌ منها أن يتولى واحد من أهل البيت متابعة الأخبار، ويحمل إلى الباقين ما يلزمهم منها. ومن طال قلقه أسابيع حتى أفسد عليه نومه وعمله، أو صارت تنتابه نوبات هلع، فليطرق باب المختص النفسي دون حرج؛ فقد قال النبي ﷺ لمن سأله عن التداوي: “تداووا“، وأخبر أن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً (رواه أبو داود: 3855، والترمذي: 2038، وصحّحه الألباني).

وسؤال “ماذا سيحدث لنا؟” لا يملك أحدٌ جوابه، ولا يزيد صاحبه إلا عجزًا، أما “ما الذي ينبغي أن نفعله الآن؟” فجوابه قريب: صلاةٌ تُقام، ودعاءٌ يُرفع، وعملٌ يُتقَن، وجارٌ يُسأل عنه، واحتياطٌ معقول يُتَّخذ.

ليست قرارات الحرب والسلم بأيدينا، ولا نملك أن نعرف ما تحمله الأيام التي تلي هذه الانتخابات. لكن أحدنا يستطيع أن يجاهد نفسه في ضبط ما يدخل إلى قلبه من أخبار ومخاوف، وأن يختار ما يلوذ به حين يشتد الخوف. ويملك أن يكون في بيته موضع سكينة لا ناقل ذعر، وأن يؤدي عمل يومه تامًّا وإن كان الغد غامضًا.

وقد امتنّ الله على قريش بنعمتين جمعهما في آية واحدة: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]، وجعل شكرهما أن يعبدوه. وقال النبي ﷺ: “من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا” (رواه الترمذي: 2346، وقال: حسن غريب، وحسّنه الألباني). فمن أصبح اليوم على هذه الحال فقد أوتي نعمةً عظيمة، ومن الغُبن أن ينفق يومه في معايشة جولةٍ لم تقع، فيضيّع أمن حاضره خوفًا من فقده غدًا، ويعيش الحرب مرتين: مرةً في خياله، ومرةً إن وقعت. فإن جاء ما يُخشى، جاء وقد وجد قلبًا أعدّته أيام العافية للصبر، لا قلبًا أنهكه الانتظار قبل أن يبدأ الامتحان.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

[1] ‎”US hits Qeshm Island, Pezeshkian signals more diplomacy: Iran war latest”‎‏، الجزيرة الإنجليزية، 3 نوفمبر 2026.

[2] ‎”Iranian missiles shake Gulf cities after US, Israeli strikes on Iran”‎‏، رويترز، 28 فبراير 2026؛ ‎”How missile alert systems vary in Gulf countries”‎‏، Semafor‏، 16 مارس 2026.

[3] ‎”How the US-Iran ceasefire and MOU broke down — a timeline”‎‏، ABC News‏، 9 يوليو 2026؛ ‎”US hits Qeshm Island, Pezeshkian signals more diplomacy: Iran war latest”‎‏، الجزيرة الإنجليزية، 3 نوفمبر 2026.

[4] ‎”US hits Qeshm Island, Pezeshkian signals more diplomacy: Iran war latest”‎‏، الجزيرة الإنجليزية، 3 نوفمبر 2026.

[5] ‎”Media’s role in broadcasting acute stress following the Boston Marathon bombings”‎‏، E. Alison Holman, Dana Rose Garfin & Roxane Cohen Silver‏، مجلة PNAS‏، المجلد 111، العدد 1، 2014، ص93–98.

[6] ‎”Cumulative Exposure to Prior Collective Trauma and Acute Stress Responses to the Boston Marathon Bombings”‎‏، Dana Rose Garfin, E. Alison Holman & Roxane Cohen Silver‏، مجلة Psychological Science‏، المجلد 26، العدد 6، 2015، ص675–683.

[7] الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، الواحدي، تحقيق: صفوان داوودي، ص859.

[8] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم، ج10، ص257.

[9] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن السعدي، تحقيق: عبد الرحمن اللويحق، ص190.

[10] الوابل الصيب، ابن القيم، تحقيق: عبد الرحمن قائد، ص109.

[11] الوابل الصيب، ص110.

[12] مدارج السالكين، ابن القيم، تحقيق: محمد البغدادي، ج3، ص156.

[13] الجواب الكافي، ابن القيم، ص73.

[14] آداب الحسن البصري، ابن الجوزي، تحقيق: سليمان الحرش، ص78.

[15] الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، عبد الرحمن السعدي، ص18.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى