فكر وثقافةعام

منهج النقد التاريخي لدى ابن حزم: اليهودية والنصرانية أنموذجًا

د. جمعان بن محمد الشهري

 

فاتحة:

ابن حزم له نظرية في المعرفة قد أسس معالمها وشيّد بنيانها من قبل أن تكون عِلْمًا مستقلًا له شأنه في العصر الأوربي الحديث، وفي ظل تلك النظرية الحزميّة ينضوي جملةٌ من مناهج البحث؛ كالمنهج العقلي، والمنهج التجريبي، والمنهج التاريخي.

فأما المنهج التاريخي لدى أبي محمد فهو المتناول في هذا المقال؛ وسيظهر للقارئ دور ابن حزم الريادي في توسعة المنهج من جانبيه التوثيقي والتحليلي؛ وكيف أنَّه استوعب مجالات أُخر غير التي اشتهر بها في المجال الحديثي؛ وستكون الإشارة واضحة في صلة هذا المنهج بنظرية المعرفة البشرية من خلال توظيف ابن حزم لأوليات الحس وبديهيات العقل في هذا المنهج المقصود.

والتاريخ -من حيث موضوعه- وعاء لأحداث مضت، (حدثت مرة واحدة) ([1])، وروى وقائعها المؤرخون على ألسنتهم، (لكن لا يمكن فهمها؛ إلا بمعرفة كيفية حدوثها) ([2])؛ فهو في حقيقته معرفة بعدية تحتاج إلى استرداد ودرس وتفسير. وتلكم الدراسة التاريخية بكل صورها؛ شرط ضروري في تحقيق غرضين مهمين: الأول منهما: العلم بالأحداث والوقائع ورصدها كما هي، وهي (الخطوة الأولى في المنهج التاريخي) ([3]). والثاني: العلم ببواطن تلك الأحداث التاريخية، والمصطلح عليه (بخطوة النقد) ([4])؛ لاستخراج القواعد التي يفيد منها الإنسان في صلته بالكون والحياة([5]).

وتلكم الأحداث -على اختلاف مصادرها- تمُحّصُ من جهة صحتها والثقة بها على وجه التحقق تارة، وعلى وجه التحليل العميق تارة أخرى. وهذا الفعل التمحيصي -من الوجهتين- يسمى بالمنهج التاريخي (الاستردادي) ([6]).

وإذا ما تمت عملية النقد التاريخية على الوجه السليم لمعنى النقد التحليلي للوثيقة أو الواقعة التاريخية؛ فإنَّ الحدث التاريخي يصبح موضوعًا قائمًا أمام المؤرخ إلى حد كبير؛ ولكنَّ مشكلات الوثيقة نفسها وما يعتريها من أعراض فيزيائية أو لغوية أو غيرها؛ يجعل النقد التاريخي لها نقدًا في درجة أدنى من مستوى الموضوعية؛ ذلك أنَّه علينا أن نتفطن إلى أنَّ هناك قدرًا حاصلًا في المرحلة الوصفية التي تقع ما بين الفعل التاريخي وروايته على لسان المؤرخ؛ وأن هذا القدر له أثرٌ في مرحلة الفهم لتلك الوثيقة، وأنَّ مقدار التأثير يكون بحسب ذلك القدر قربًا أو بعدًا من الحقيقة.

وعندما يُذكر هذا اللون المنهجي في القراءة التاريخية للحدث؛ فإنَّ ممن يتبادر إلى الذهن ذكره من المؤرخين؛ ابن خلدون؛ إذِ التاريخ عنده ليس سردًا إخباريًا كما هو الحاصل عند بعض السالفين من المؤرخين، بل التاريخ عنده: ظاهر، وباطن؛ ظاهر (لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى) ([7])، وباطن من جهة النظر والتحقيق (وتحليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق) ([8]). وعليه؛ فإنَّ التاريخ الخلدوني لا يقتصر على مجرد السرد لأخبار الماضي كما هي، بل هو قائم على أربع ركائز: النظر، والتحقيق، والتحليل، والتعليل ([9]).

ولقد قصدت البدء بذكر ابن خلدون في هذه الفاتحة؛ لشهرته في هذا الباب من جهة، وتقاطعه مع ابن حزم في هذا الجانب النقدي من جهة أخرى، ولكي ألفت الانتباه، من جهة ثالثة، إلى جهود ابن حزم التاريخية والمبثوثة في تضاعيف تصنيفاته، والتي لم يفطن لها بعض الباحثين؛ فابن حزم كان مؤرخًا على طراز عالٍ من المنهجية النقدية التاريخية التي اتبعها ابن خلدون من بعده في مقدمته المشهورة؛ فأبو محمد يُعد أستاذًا لابن خلدون في أصول النقد التاريخي بلا نزاع.

فأنت تجد أنَّ ابن حزم قد ارتقى بالرواية التاريخية من مجرد كونها رواية للخبر إلى كونها رواية تخضع للدرس النقدي على أصول منطقية فطرية وحديثية متينة؛ قد أحسن مقدماتها واستخراج نتائجها؛ حيث استطاع في كثير من مناظراته وتأصيلاته أن يمحص الروايات التاريخية على اختلاف أنواعها، وينبذ منها ما كان أسطوريًا لا أساس له من الصحة، لا سيما تلك الروايات المذكورة في كتابه الفِصَل، والمنتسبة لأهل الملل الأخرى من يهود ونصارى وغيرهم؛ كان لهم احتكاك علمي، وصراع فكري مع ابن حزم على أرض الأندلس.

وفي معنى قصب السبق الذي ناله ابن حزم في هذا المضمار يقول عبد الحليم عويس: (إنَّ من المستبعد عقليًا أن يكون ابن خلدون قد فاته الاطلاع على كتاب الفِصَل) ([10]). وقال في السياق نفسه: (فلم يكن عمل ابن خلدون في الحقيقة أكثر من هضم الفكرة وتلخيصها وإخراجها بطريقته الخاصة) ([11]). وهذا النص يقيد بما هو متعلق بالنقد التاريخي، أما دراسة السنن الجارية والمذكورة في علم العمران عند ابن خلدون فهي مشتهرة وظاهرة بما لا ريب فيه.

ولا شك أنَّ من فتش في الجانب التاريخي لدى ابن حزم؛ فإنَّه يقر له بالريادة التاريخية؛ حيث اجتمعت له مقومات المؤرخ البارز؛ من صدق، وضبط، وقوة ذاكرة، وعمق في التفكير، وذكاء، وشدة ملاحظة، وجودة في الاستنباط والاستدلال، وربط للأحداث ببعضها ([12]).

فابن حزم في الجانب التاريخي كما قال عنه الحميدي: (أعلم بالتواريخ) ([13]). وقال عنه صاعد الأندلسي أنَّه: (أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام … مع وفور حظه في المعرفة بالسير والأخبار) ([14]). ويقول عنه محمد أبو زهرة: (يتقصى التاريخ ويدونه متحريًا الحقيقة، وهو بذلك المؤرخ العميق النظر، يكتب في أدق أجزاء التاريخ؛ وهو الأنساب) ([15]).

وعناية ابن حزم بالتاريخ تظهر لك من تقسيمه العلوم إلى أقسام خمسة، كان علم الأخبار قسمًا منها، وهو مصنف عنده على مراتب (إما على الممالك، أو على السنين، وإما على البلاد، وإما على الطبقات، وإما منثورًا … وقد عد علم النسب جزءًا من علم الخبر) ([16]).

وهذا الموروث التاريخي الحزمي ينزع، في كثير منه، إلى النزعة النقدية التي تُظهر المقاصد التاريخية من تلك الروايات، وخير مثال على هذه النزعة النقدية؛ كتابه الفِصَل الذي يُعد كتابًا تاريخيًا يعمد فيه أبو محمد إلى تأسيس علم مقارنة الأديان من خلال دراسة روايات أصحاب الملل والنحل دراسة معمقة، فأصبحت مصنفات ابن حزم في مادتها التاريخية، سواء التي ساقها بسنده، أو عاشها بنفسه، أو نقب عنها في مصادر مخالفيه؛ تنقسم إلى قسمين:

أولهما: قسم في صورته الاستدلالية والنقدية.

وقسم آخر يحوي مادة تاريخية خامة معنية بمجرد الموضوع التاريخي نفسه.

وحاصل الأمر، أنَّ ابن حزم يمثل المرحلة التنظيرية للكتابة التاريخية النقدية والتي أفاد منها جمعٌ من المؤرخين الذين جاءوا من بعده، وعلى رأسهم ابن خلدون في مقدمته.

 

كانت هذه فاتحة لا بد منها في مطلع الحديث عن منهج النقد التاريخي لدى ابن حزم؛ يتبعها ما يلي:

أولًا: ريادة منهج النقد التاريخي لدى ابن حزم:

فالمنهج النقدي التاريخي عند أبي محمد يأتي في مقدمة النقود المضمنة تصانيف المنشغلين بهذا النموذج، والمعني بدراسة النصوص وفحصها سندًا ومتنًا. فالنصّ، أيًا كان سنده، يخضع لقراءة تاريخية نقدية تجدها قائمة في العصر الحديث على أسس يتم ممارستها عمليًا على تلك النصوص التاريخية وَفْقَ محورين رئيسين؛ هما محل اتفاق بين المعنيين بهذا النوع من الدراسة: النقد الظاهري، والنقد الباطني، النقد الظاهري للوصول إلى صحة الوثيقة التاريخية، والنقد الباطني؛ لفهم مضمون الوثيقة ([17]).

والنقد الظاهري (الخارجي) يهدف إلى نقد التصحيح (نقد الاستعادة) أولًا، ونقد المصدر ثانيًا؛ كي يتأكد من صدقها وعدم تناقضها، ووثوقية مصدرها وطريق وصولها إلى المؤرخ نفسه. أما النقد الباطني (الداخلي) فمنه نقد إيجابي تفسيري (مقصد المؤلف)، ونقد سلبي توثيقي للحادثة يبين فيه مدى دقتها ونزاهتها([18]). وابن حزم في هذا المنحى قد بلغ مبلغًا حاز فيه ريادة في الفكر الإنساني، يأتي البرهان على ذلك من خلال منهجه النقدي التاريخي في الأسطر القادمة بإذن الله تعالى.

وشهادة مؤلَفه الفِصَل أبلغ شهادة على تلك المنزلة التي حازها؛ فمنهجه النقدي التاريخي تجده مستثمرًا في نقد نصوص التوراة وغيرها من نصوص الملل الأخرى، وهو بذلك التطبيق قد أصَّل أصولًا منهجية في مقارنة الأديان، والتي اعتمدها الوسط الأوربي من بعده.

وابن حزم بهذا الصنع كان مستلهمًا ما كان مؤسسًا عند علماء الجرح والتعديل من قبل في نقد السند والمتن، فهو في حقيقة الأمر لم يقصر ذلك المنهج على الدراسة الحديثية فقط، بل وسَّع النطاق حتى شمل روايات السيرة، والروايات التاريخية اليهودية والنصرانية، وغيرها من النحل الأخرى؛ فبان له -بعد تلك الدراسة- زيف بعضها وظهر له تهافتها. ولم يتميز في هذا الجانب النقدي؛ إلا لموسوعيته العلمية التي امتاز بها من جهة، ولبروزه في المدرسة الحديثية من جهة أخرى. هذا ملحظ.

والملحظ الآخر على منهج ابن حزم في نقد روايات المخالفين؛ أنَّه استثمر طريقة بعض المحدثين التي تعتمد المنطق الفطري والمتمثل في أوائل العقل والحسّ؛ ذلك الجانب البارز في نظريته المعرفية؛ والتي لم يكن المجال التاريخي موطنًا في تفعيلها فقط، بل إنَّ جوانب المعرفة الأخرى قد نالت منها نصيبها الأوفى. وعليه؛ يكون ابن حزم قد وسع دائرة النقد التاريخي من جهتين:

الأولى؛ من جهة ثبوت سند المادة النصية رواية؛ فلم يقصرها على دراسة نصوص السنة فقط؛ بل درس نصوص السيرة، وروايات الملل والنحل الأخرى وعاملها معاملة الجرح والتعديل من هذه الجهة. والثانية؛ من جهة مضمون المادة النصية دراية؛ حيث بعث الطريقة المنطقية وفعَّلها في مسلك منطقي عقلي على نصوص السيرة، وروايات الملل والنحل الأخرى فسبر بها نصوص المخالفين وميَّز ما حصل فيها من مخالفة صريحة لقواطع العقل.

وهنا يظهر لك أن ابن حزم لا يقتصر في دراسته التاريخية على المجال النظري للمنهج التاريخي؛ بل يطبق ذلك المنهج تطبيقًا واسعًا بامتياز، وهو بهذا العنصر الخطير قد فاق ابن خلدون من الجهة العملية التطبيقية؛ إذ ابن خلدون أسس المنهجية النقدية التاريخية نظريًا فقط، دون أن يكون له ما كان لابن حزم من واقعية المؤرخ والماثلة في رد زيف الروايات التاريخية المنتسبة للملل والنحل الأخرى ([19]).

ولعلك ترى طريقة ابن حزم في تفعيل المنطق الفطري عند تناوله للخبر وهو في أثناء حديثه عن أقسام المعارف والعلوم؛ فهو يرى أنَّ جملة من الأخبار التاريخية يتحقق صدقها ضرورة، وفي ذلك يقول: (تدخل صحة المعرفة بما صححه النقل عند المخبر تحقيق ضرورة، كعلمنا أن الفيل موجود ولم نره) ([20]).

وإذا كان الخبر لدى ابن حزم يُشكِّلُ أهمية في المعرفة؛ فإنَّ هذا الخبر يخضع لميزان النقد؛ لأن الخبر من حيث هو خبر، وأيًا كان مصدره؛ فإنَّه يدخل فيه (الصدق والكذب، وفيه تقع الضرورة والإقناع، وفي فاسد البنية منه يقع الشغب، ومن صحيحه يقوم البرهان على كل قضية في العالم) ([21])؛ ولذلك وجب تمحيص الخبر ونقده نقدًا تاريخيًا، وَفْقَ معايير يُرد إليها ويُحكم عليه في ضوئها؛ (أحدها: أن يكون معلومًا صحته بأول العقل أو بالحواس، ومنها ما يصح ببرهان يقوم على صحته من مقدمات تنتج نتائج … ومنها ما ينقله صادق قد قام على صدقه برهان … أو نقله مصدقون بضرورة) ([22]).

وهذه الطريقة العقلية معمول بها عند بعضٍ من أئمة الحديث، إذِ الخبر، عندهم، يُرد إذا كان مناقضًا للقواطع العقلية، وهذا معيار تبعي لثلاثة معايير أصليّة ينتهجها النقاد في فحص الأخبار وتمحيصها ([23])، وهذه المعايير كالتالي: (الأول: التعليل بالمخالفة، الثاني: التعليل بالتفرد، الثالث: التعليل بالاضطراب) ([24]).

وفي معنى تفعيل المعيار التبعي لنقد الأخبار يقول ابن الجوزي: (… فَكل حَدِيث رَأيْته يُخَالف الْمَعْقُول، أو يُنَاقض الأصُول، فَاعْلَم أنه مَوْضُوع؛ فَلَا تتكلف اعْتِبَاره) ([25]).

ومفهوم المخالفة لنص ابن الجوزي السابق؛ أنَّ كل حديث رأيته متسقًا مع المعقول ولا يناقض الأصول؛ فإنَّه معتبر الصحة؛ بحسب الدليل الخارجي الذي يسنده إلى صادق الخبر صلى الله عليه وسلم؛ وهذا يعني (أنَّ صدق الخبر لا يتوقف على صدق مضمونه أو متنه فحسب) ([26])، بل (إنَّ الخبر لا يعلم صحته بنفسه، ولا يتميز حقه من كذبه، وواجبه من غير واجبه، إلا بدليل من غيره) ([27])، والدليل الخارجي المصحح للخبر والذي يقصده ابن حزم هو (حجج العقول وموجباتها) ([28]). هذا من جهة قبول الخبر. أما من جهة رفضه؛ فابن حزم أيضًا يحكّم الحواس وبديهة العقل في تكذيب الخبر إذا ما كان الخبر داخلًا في حيز الامتناع (فمن جاء بهذا فإنما جاء ببرهان قاطع على أنّه كذَّاب مفتر) ([29]). وأما الخبر الذي يكون في نطاق الإمكان؛ فهو الحيّز الذي يحتاج إلى برهان على صدق المخبر؛ فيمارس على هذا الخبر طريقة المحدثين التي ينتهجها ابن حزم في نقده للأخبار من النظر في نقل الكوافّ، واتصال السند ونحو ذلك مما هو مبسوط في كتب أهل هذا الفن. فإذا كان الخبر مما كان منقولًا نقل كافّة (الخبر المتواتر) فإنَّه مقبول عند أبي محمد على شرط عدم التواطؤ، وامتناع اتفاقهم على الخبر (الَّذِي نقلوه عَن مُشَاهدَة أو رَجَعَ إلَى مُشَاهدَة، وَلَو كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدا) ([30]). ولذلك؛ رد ابن حزم صلب المسيح بمسبار الكافَّة حيث يقول: (إن صلب الْمَسِيح عليه السلام لم يقلهُ قطّ كَافَّة، وَلَا صَحَّ بالْخبر قطّ) ([31]). ومعنى نقل الكافَّة عند أبي محمد أنَّه (قد استشعرت الْعُقُول ببدايتها والنفوس بِأول معارفها؛ أنَّه لَا سيبل إلَى جَوَاز الْكَذِب وَلَا الْوَهم عَلَيْهَا، وَإنَّ ذَلِك مُمْتَنع فِيهَا) ([32]). وإن كانوا فسَّاقًا أو غير مسلمين ([33]).

وعلى هذا النحو يمحص ابن حزم أحداث التاريخ وما غاب عنا من وقائع، وأنَّ السبيل إلى إنكار بعض منها، والبالغ مبلغ التواتر؛ هو سبيل متعذر ([34])، وفي هذا المعنى، وعند البرهنة على أنَّ النبوة حق، يقول: (إنَّ مَا غَابَ عَنَّا أوْ كَانَ قَبْلَنَا؛ فَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْخَبَرِ عَنْهُ. وَخَبَرُ التَّوَاتُرِ يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ وَلَا بُدَّ) ([35]).

وما أصَّله ابن حزم في نقل الكافة يطبقه على نقل اليهود والنصارى لخبر صلب المسيح، حيث يحصر ابن حزم وقوع الكذب في الطبقة الأولى التي نقلت الخبر دون التي تليها، فالطبقات التالية تعد عنده (صَادِقَة بِلَا شكّ فِي نقلهَا جيلًا بعد جيل إلَى الَّذين ادعوا مُشَاهدَة صلبه) ([36]). وفي الطبقة الأولى (=المشاهِدَة) (هُنَالك تبدلت الصّفة، وَرجعت إلَى شَرط مأمورين مُجْتَمعين مَضْمُون مِنْهُم الْكَذِب، وَقبُول الرِّشْوَة على قَول الْبَاطِل) ([37]). فهذه صورة من صور النقد التي مارسها ابن حزم على بعض أسانيد المخالفين.

والنص السابق الذي تناوله ابن حزم في صلب المسيح، وغيره من النصوص الكثيرة والمستوعبة في مصنفاته -لا سيما كتابه الفِصَل- وما نحن بصدد ذكره في الأسطر القادمة = تُظهر، جميعها، طريقة ابن حزم في استثمار معايير النقد العقلية والتي هي أساس في المعرفة البشرية؛ فتلك النقود التي وجهها ابن حزم لنصوص النصارى ونصوص اليهود وغيرها من النصوص الأخرى؛ هي نماذج تطبيقية لتلك الأصول النقدية الجامعة التي استهل بها كتابه الفِصَل، وهي أصول صالحة للحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه؛ لكونها أصولًا مشتركة في المعرفة البشرية لا جدال في صحتها.

ولعل النماذج التي نعرضها من نقد نصوص اليهود والنصارى على يد ابن حزم تظهر طريقة أبي محمد في نقد الأديان.

ثانيًا: النقد التاريخي الداخلي والخارجي لنصوص اليهود والنصارى لدى ابن حزم:

ومعلوم أن اليهودية والنصرانية هي الديانة التي عاصرها ابن حزم في الأندلس وعايشها في ذلك الظرف التاريخي، وتلكم المجاورة التاريخية لهاتين الديانتين كانت سببًا من الأسباب التي استدعت ابن حزم إلى نقد تراثها وجدالها فيه جدالًا واسعًا. وقد ظهر لابن حزم من خلال تلك المشاهدات الحية والوقوف على نصوص اليهود خاصة (أن سبيلهم وسبيل النَّصَارَى وَاحِدَة؛ كشق الأنْمُلَة) ([38]).

وهذا الجدل النقدي الذي وجهه ابن حزم إلى الديانة النصرانية واليهودية، على حد سواء، ينقسم إلى قسمين: النقد لعقائدها، والنقد لنصوصها ([39]). وكان ابن حزم في نقده للنصوص الدينية (اليهودية والنصرانية) يهدف إلى بيان (تحريفها وتبديلها، وَأنَّهَا غير الَّذِي أنزل الله عز وَجل) ([40]).

فأنت ترى طريقة المحدثين قائمة عند ابن حزم في تناوله لطرق ورود النصوص التي تضمنتها أسفار العهد الجديد فيما يخص النصرانية، وكان تركيزه منصبًا على الطبقات الأولى المعاصرة للمسيح عليه السلام، وهذا هو النقد الخارجي (نقد السند).

ومن صور النقد المستثمرة في النقد الخارجي لتلك النصوص؛ دراسة الحالة المحيطة بتلك الروايات ومدى تحققها؛ حيث بيَّن ابن حزم -من خلال تلك الدراسة التاريخية- كيف ضاع الإنجيل الصحيح الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام، وكيف انحرفت النصرانية عن المسار الصحيح ودخل في نصوصها الكذب والتناقض. وقد برهن دعواه بأمور، منها: الاضطهاد الذي حلّ بالنصارى من بعد عيسى، عليه السلام، ودام بهم ثلاثمائة عام. وغياب الدولة التي تحميهم. ودخول المانوية على النصرانية ودسها فيها ما ليس منها ([41]).

ومن صور النقد الخارجي كذلك؛ دراسة ابن حزم لأحوال الرواة؛ حيث نقد الرواة الذين نقلوا أخبار المسيح، ونقَّب في أسفار العهد الجديد عن عدالتهم؛ فوجد -لا سيما في الذين لم يلتقوا المسيح- مطاعن تقدح في عدالتهم؛ وتبيّن له بعد التفتيش في أسفارهم عدم عدالتهم، وأنهم ليسوا الحواريين المنصوص عليهم في القرآن الكريم ([42]). وفي هذا المعنى يقول أبو محمد: (وَيقطع بالنصارى عَن مثل هَذَا عدم نقلهم إلَّا عَن خَمْسَة رجال فَقَط وَقد وضح الْكَذِب عَلَيْهِم) ([43]).

وبعد المقارنة التي ضربها ابن حزم بين المسلمين والنصارى في طرق النقل؛ يجد أنَّ نقل النصارى، وكذلك اليهود، لا تتفق وجميع أضرب النقل عند المسلمين؛ إلا مع صنف آثار الصحابة والتابعين والأئمة في الإسلام، وفي هذا يقول أبو محمد: (وَهَذَا الصِّنْف من النَّقْل([44]) هُوَ صفة جَمِيع نقل الْيَهُود لشرائعهم الَّتِي هم عَلَيْهَا الْآن مِمَّا لَيْسَ فِي التَّوْرَاة، وَهُوَ صفة جَمِيع نقل النَّصَارَى …، وَأعْلَى من يقف عِنْده النَّصَارَى شَمْعُون، ثمَّ بولس، ثمَّ أساقفهم عصرًا عصرًا، هَذَا أمر لَا يقدر أحد مِنْهُم على إنْكَاره) ([45]). هذا في نقده الخارجي.

أما في نقده الداخلي؛ فقد قسم أسفار العهد الجديد إلى قسمين: قسم موسع؛ نقد فيه الأناجيل الأربعة بحسب ترتيبها، وعنون له بقوله (ذكر مناقضات الأناجيل الأرْبَعَة وَالْكذب الظَّاهِر الْمَوْضُوع فِيهَا) ([46]). وقسم مختصر؛ نقد فيه بقية الأسفار، وقال فيه: (ذكر بعض مَا فِي كتبهمْ غير الأناجيل من الْكَذِب وَالْكفْر والهوس) ([47]).

وفي طبيعة المسيح المنصوص عليها عند النصارى يكشف ابن حزم تناقضها؛ إذْ يعتقد النصارى أنَّ للمسيح طبيعتين؛ إلهية وأخرى ناسوتية، وهذه الطبيعة، في نظر ابن حزم، متناقضة، إذ مقتضيات الطبيعة الإنسانية؛ العبودية والعجز والحاجة، ومقتضيات الطبيعة الإلهية؛ الغنى والقوة والعزة، فكيف تجتمعان فيما يسمى عند النصارى بعقيدة التجسيد؟!!([48]).

ومن ردوده على هؤلاء النصارى في قولهم بطبيعة المسيح؛ أنَّه يأتي إلى تلك النصوص المذكورة عندهم ومضامينها فينقدها نقدًا داخليًا يبين فيه تناقضها مع الحسِّ وبديهيات العقل الأولية، وفي ذلك يقول: (… الْكَلِمَة هِيَ الأب أو الابْن أو روح الْقُدس أم شَيْء رَابِع؟، فَإن قَالُوا: شَيْء رَابِع؛ فقد خَرجُوا عَن التَّثْلِيث إلَى التربيع، وَإن قَالُوا: إنَّهَا أحد الثَّلَاثَة؛ سئلوا عَن الدَّلِيل على ذَلِك إذِ الدَّعْوَى لَا يعجز عَنْهَا أحد، ثمَّ يُقَال لَهُم: الأب هُوَ الابْن أم غَيره؟، فَإن قَالُوا: هُوَ غَيره؛ سئلوا أيْضًا من الملتحم فِي مشيمة مَرْيَم المتحد مَعَ طبيعة الْمَسِيح الأب أم الابْن؟، فَإن قَالُوا: الابْن؛ فقد بَطل أن يكون هُوَ الأب وخالفوا يوحنا إذِ يَقُول: فِي أول إنجيله إن الْكَلِمَة هِيَ الله، فَإذا كَانَت هِيَ الله والكلمة التحمت فِي مشيمة مَرْيَم؛ فَالله تَعَالَى هُوَ نَفسه التحم فِي مشيمة مَرْيَم وَفِي أمانتهم أن الابْن هُوَ الَّذِي التحم فِي مشيمة مَرْيَم، وَهَذِه وساوس لَا نَظِير لَهَا) ([49]).

ومن نقده الداخلي لنصوص النصارى؛ إثباته عدم تطابق تلك النصوص مع عقائدهم؛ كالذي يزعمونه في تأليه المسيح، فابن حزم يرى أنَّ تأليه النصارى للمسيح لا يستند إلى نصوص قطعية الدلالة، وأنَّ تلك العقيدة ليست مخالفة لصريح المعقول فقط؛ بل هي مخالفة لنصوص العهد الجديد عندهم، وأنَّ النصوص التي اعتمدها النصاري في تأصيل هذه العقيدة إنَّما هي ألفاظ مشتركة لها دلالات متعددة، فقد ترد في شأن المسيح، عليه السلام، وفي غيره من الناس. بل إنَّ النصوص الدالة على إنسانيته تتناقض مع ما يُظنُ أن بعض النصوص الأخرى تدل على إلهيته([50]).

ومن تلكم النصوص التي ينقض بها ابن حزم دعوى النصارى في لاهوتية المسيح؛ قوله: (وَقد قَالَ لوقا فِي آخر إنجيله: أنَّه كَانَ نَبيًا مقتدرًا عبد الله، وَهَذَا كُله بَيَّن عَظِيمَ مناقضتهم) ([51]).

ويزيدهم برهانًا آخر في حال تماديهم في هذه الدعوى فيقول: (فَإن تعلقوا بِمَا فِي الإنْجِيل من ذكر الْمَسِيح أنه ابْن الله، قيل: لَهُم فِي الإنْجِيل أيْضًا أبي وأبيكم الله إلهي وإلهكم، وَأمرَهمْ إذا دعوا أن يَقُولُوا: يَا أبَانَا السماوي، فَلهُ من ذَلِك كَالَّذي لَهُم وَلَا فرق) ([52]).

والذي مارسه ابن حزم مع النصاري من نقد تاريخي لنصوصهم، هو هو الذي صنعه بتوراة اليهود، فاليهودية تحتل المرتبة الثانية من حيث الاهتمام بالنقد والدراسة الذي أولاه ابن حزم عنايته؛ فنقد نصوصهم المتضمنة في أسفار الكتاب المقدس نقدًا تاريخيًا، وكان النقد يأخذ طابع العموم من جهة الخطة العامة التي رسمها في الفِصَل لكل الملل التي أراد أن يتناولها، وجهة أخرى خصصها لنقد أسفار الكتاب المقدس ([53]).

وهذ النقد الذي تناول به ابن حزم نصوص اليهود؛ يعد أوليًّا في باب (التوسع الدقيق) ([54]). وتلك الدقة تتضح لك من خلال نص ابن حزم الآتي، والذي يظهر فيه تحريه العلمي وتحقيقه للتراث اليهودي قبل أن ينقده، وفي ذلك يقول: (هَا هُنَا انْتهى مَا وجدنَا من التَّوْرَاة للْيَهُود الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا الربانيون والعانانيون والعيسويون والصدوقيون مِنْهُم مَعَ النَّصَارَى أيْضًا بِلَا خلاف مِنْهُم، …، وَإنَّمَا هِيَ مِقْدَار مائَة ورقة وَعشرَة أوراق، فِي كل صفحة مِنْهَا من ثَلَاثَة وَعشْرين سطرًا إلَى نَحْو ذَلِك، بِخَط هو إلى الِانْفِسَاخ ([55]) أقرب، يكون فِي السطر بضع عشرَة كلمة) ([56]).

وفي المراد الذي قصده ابن حزم من جمع هذه النسخة يقول: (فصل فِي مناقضات ظَاهِرَة وتكاذيب وَاضِحَة فِي الْكتاب الَّذِي تسميه الْيَهُود التَّوْرَاة، وَفِي سَائِر كتبهمْ، وَفِي الأناجيل الأرْبَعَة، يتَيَقَّن بذلك تحريفها وتبديله وَأنَّهَا غير الَّذِي أنزل الله عز وَجل) ([57]).

وقد أظهر ابن حزم في تعامله مع نصوص اليهود من جهة النقد الخارجي براعته مؤرخًا ومحدثًا في آن واحدة، حيث اعتمد على الأسفار التاريخية للعهد القديم؛ ليظفر ببعض الشواهد الدالة على وقوع التحريف في التوراة نفسها؛ إذْ العهد القديم يعتبر مصدرًا أصيلًا يكاد يكون الوحيد للتاريخ اليهودي. وتاريخ اليهود من موسى إلى عزرا؛ هو مجال النقد التاريخي الذي سوف يستثمره ابن حزم في نقده الخارجي، فالقرون الفاصلة بين موسى وعزرا مرت بأحداث تاريخية وانحرافات عديدة لا شك أنها قدحت في جوهر العقيدة، وأنَّ شروط حفظ النص لا يمكن توافرها ولا دوامها عبر هذه الحقبة الطويلة من تاريخ التوراة؛ إذْ تاريخ التوراة التداولي كان منحصرًا في نطاق جغرافي ضيق عانى من الغارات المتكررة؛ كغارة بختنصر البابلي الذي هدم الهيكل الحاوي للتوراة، وكذلك الاضطهاد السياسي من حكام بني إسرائيل الذي نال بعضًا من أنبياء بني إسرائيل، وكذلك الموقف المخزي للكهنة المجروحين أخلاقيًا والذين غيروا الشريعة اليهودية. كل هذا، وغيره، سيؤدي حتمًا لتحريف التوراة([58]).

ونتيجة ابن حزم حيال التوراة وما شابها من انحراف وتحريف لم تأتِ اعتباطًا هكذا، بل بذل في دراستها جهدًا عمد فيه إلى استقراء النصوص (من أزيد من ثمانية أسفار) ([59]).

وأما في نقد ابن حزم الداخلي لنصّ التوراة، فكان يتخذ نصًا يكون أصلًا للنقد، حيث يقارنه بنصوص أخرى من السفر نفسه أو سفرٍ غيره، ثم يجري القواطع العقليّة ومرجعيته الإسلامية في ذلك النص، متحريًا في كل ذلك الصدق والأمانة والإنصاف ([60])، وفي هذا المعنى يقول: (وليعلم كل من قَرَأ كتَابنَا هَذَا أننا لم نُخرج من الْكتب الْمَذْكُورَة شَيْئًا يُمكن أن يخرج على وَجه مَا -وَإن دق وَبعد- فالاعتراض بِمثل هَذَا لَا معنى لَهُ) ([61]).

فابن حزم لما نظر في نصوص اليهود وجد أنَّها لا تخرج عن ثلاثة أصناف؛ الأول: ما يحتمل أن يخرج معناه على وجه صحيح، وهذا دل عليه نص ابن حزم السالف. والثاني: ما لا سبيل لفهم معناه، فهذا متروك لم يتعرض له أبو محمد في نقده، وفيه يقول: (لَا نُخرج عَلَيْهِم من توراتهم كلَامًا لَا يُفهم مَعْنَاهُ) ([62]). والثالث: ما لا حيلة في دفعه، ولا وجه له أصلًا، وهذا الذي تناوله بالنقد، وفيه يقول: (وَإنَّمَا أخرجنَا مَا لَا حِيلَة فِيهِ وَلَا وَجه أصلًا؛ إلَّا الدعاوي الكاذبة الَّتِي لَا دَلِيل عَلَيْهَا أصلًا لَا مُحْتملًا وَلَا خفِيًّا) ([63]). فأهمل ابن حزم مناقشة النصوص التي تحتمل وجهين، وابتعد عن تلك النصوص الغامضة، وتوجه للنصوص الظاهرة التي يظهر منها التناقض والخطأ ([64]).

ومن النصوص المختارة لبيان المعنى الذي وعد به ابن حزم في نقده الداخلي لنصوص التوراة؛ ما جاء في قضية الألوهية؛ حيث حاكم ابن حزم ظاهر نصوص اليهود إلى نصوص الإسلام؛ كي يُظهر الفرق بينهما في عقيدة التوحيد، التي يزعم اليهود أنهم يعتقدونها؛ والأمر، في واقعه، ليس كذلك فيما يظهر لابن حزم من نصوص اليهود نفسها؛ فهناك نصوص لليهود يفيد ظاهرها مناقضة التوحيد بالكلية؛ مثل نص التوراة الذي ينسب لله، تعالى، الخشية من أن يصبح آدم إلهًا من الآلهة في حال أكله من شجرة الحياة ([65]).

هذا من جهة محاكمة نصوص التوراة بعضها إلى بعض، وإلى مرجعية الإسلام، من جهة أخرى، في هذا الأصل العظيم؛ أصل التوحيد.

ويشهد لما تقدم ذكره من التناقض الحاصل عند اليهود، هذان النصان التاليان: ففي نقض دعوى توحيدهم لله تعالى الذي ذكره ابن حزم عنهم؛ جاء قوله: (إنَّ أهل هَذِه الْملَّة؛ يَعْنِي: الْيَهُود، وَأهل هَذِه النحلة؛ يَعْنِي: من أنكر التَّثْلِيث من النَّصَارَى؛ موافقون لنا فِي الإقْرَار بِالتَّوْحِيدِ) ([66]).

ونقض فحوى النص السابق في دعوى توحيدهم لله تعالى جاء في النص الذي قاله ابن حزم عنهم لما ذكروا: (حكايتهم عَن الله تَعَالَى أنَّه قَالَ: هَذَا آدم قد صَار كواحد منا؛ مُصِيبَة من مصائب الدَّهْر، وَمُوجب ضَرُورَة أنهم آلِهَة أكثر من وَاحِد … ثمَّ أكل من شَجَرَة الْحَيَاة؛ فَصَارَ إلَهًا من جملَة الْآلهَة) ([67]).

وأما في تناقض نصوصهم مع القواطع العقلية؛ فهي كثرٌ في هذا المجال. ويكفي في ذلك التناقض المحض الذي تبيّن من مفهوم النص الذي يخبر أنَّ جميع دواب مصر هلكت عن بكرة أبيها؛ جراء الوباء الذي سلطه الله عليهم على يد موسى، عليه السلام. ثم أوصى موسى، عليه السلام، بعد يوم أو يومين، فرعون وقومه بإدخال دوابهم وأنعامهم إلى مساكنها خوفًا عليها من عقوبة البرد. ووجه التناقض يبدو لك من قول ابن حزم، بعد ذكره لقصتهم، حيث يقول متعجبًا: (فليت شعري أي دَابَّة بقيت لفرعون وَأهل مصر وَقد ذكر أن الوباء أهلك جَمِيعهَا!!) ([68]).

ولعل مؤلف كتاب الاعتذار يفطن إلى العلاقة بين العقل والنقل لدى ابن حزم= حتى يرى متانة علمه ورجاحة عقله؛ فحجةُ العقلِ، عند أبي محمد، لها اعتبارها ووزنها في المعرفة، ولا أدلّ على ذلك من إفراده بابًا لتلك الحجة سمّاه: (حجج العقول) ([69])، ويأتي توظيف تلك الحجج العقليّة، بدرجة أوليّة، عند دحضه مزاعم المخالفين من الملل الأخرى، دون إهمالها عند مناقشة المخالف من أهل ملّتنا فيما يزعمونه من الوصول إلى الحقيقة بالإلهام أو التقليد أو بعضٍ من معارف الظنِّ، بل كل دليل لا توجبه حجة العقل؛ فهو مطروح في المعرفة عند أبي محمد، أيًّا كان قائله.

وفي التأكيد على حجج العقول وبرهانيّتها يبطل ابن حزم قول القائلين ببطلان حجج العقول وحصر الحجة في القرآن فقط؛ حيث أبطل قولهم هذا من القرآن نفسه بنصِّ قوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]؛ إذْ معنى الكتاب في الآية السابقة عند ابن حزم هو القرآن لا اللوح المحفوظ -واختياره هذا موطن مناقشة ليس هذا موضعها- والمقصود بيان عناية ابن حزم بحجة العقل واستثماره لها في المعرفة([70]). ووجه دلالة الآية في رأي ابن حزم؛ استيعاب القرآن لكل شيء؛ ومنه الإشادة بحجة العقل كما هو مبثوث في أكثر من موضع من آيّ القرآن. فالقرآن أشاد ببرهان العقل وهو -أي: القرآن- مثُبَتٌ في نفس الأمر بحجة العقل. وعن مهمة العقل هذه يقول ابن تيمية: (يكفيك من العقل أن يعلمك صدق الرسول، ومعاني كلامه) ([71]).

ومما أكَّد به ابن حزم على حجة العقل بدليل القرآن؛ قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179]. ووجه دلالة الآية الكريمة؛ ذَمّهُ تعالى لمن لم يستعمل دلائل العقل في الوصول إلى الحق ([72]).

وفي تأكيده على حجة العقل، فإنَّه لا يُغْفل قاعدةً عامةً ينتهجها في معرفته، ألا وهي عدم تعارض حجة العقل مع حجة النقل، وهذه القاعدة مأخوذة من قوله: (… فإنَّ البرهان لا يعارضه برهان، فلو جاز ذلك؛ لكان الحق في المتضادين، فهذا باطل بيقين) ([73]). وهذه قاعدةٌ جليلةُ القدرِ تستوعب كل ما أشكل على الناظر من أشكال التعارض، سواءٌ كان التعارض بين العقل والعقل، أو بين العقل والوحي بشقيه (=المَتلوّ وغير المَتلوّ)، أو بين الوحي المَتلوّ والوحي المَتلوّ نفسه، أو بين الوحي المَتلوّ والوحي المقروء، أو بين الوحي المقروء والوحي المقروء؛ فهذه أشكال التعارض الستة كلها تتلاشى عند هذه القاعدة، والتي أفادت أنَّ أدلة الحق لا يمكن أن تتناقض؛ متى ما كانت حقًا في نفس الأمر.

وفي المعنى السابق نفسه يقول أبو محمد: (وحجة العقل لا تبطل حجة العقل أصلًا، بل توجبها وتصححها، وكذلك من رام إبطال خبر الواحد بخبر الواحد؛ فإنَّه لا يجد أبدًا خبرًا صحيحًا يبطل خبر الواحد، وهكذا كل شيء صحيح؛ فإنَّه لا يوجد شيء صحيح يعارضه أبدًا، هذا يُعلم ضرورةً، ولو كان ذلك؛ لكان الحقُّ يبطلُ الحقَّ؛ وهذا محال في البِنْية) ([74]). أي: في بِنْيةِ العقلِ وبداهيتهِ.

ولابن حزم طابعه الخاص في البرهنة على توافق حجج الوحي بعضها مع بعض، وأنَّه لا تعارض بينها، فيبدأ بمسلّمة لا خلاف فيها، وهي متمثلة في أنّ الوحي كلَّه من عند الله، وقد أخبر تعالى (أنَّه لا اختلاف فيما كان من عنده) ([75])، وهذه المقدمة التي ذكرها تؤدي -بلا ريب- إلى التسليم بصحة عدم المعارضة بين الوحي نفسه، سواء كان في شيء من القرآن أو السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو على أيّ شكل من أشكال التعارض السابق ذكرها؛ وعند ذلك فلا طريق لمن أراد أن يضرب نصوص الوحي بعضها ببعض؛ لأنَّ (كل ذلك (= الوحي) كلفظة واحدة، وخبر واحد موصول بعضه ببعض، ومضاف بعضه إلى بعض، ومبني بعضه على بعض) ([76]).

وقد تجلّى تأصيل ابن حزم لقاعدة عدم التعارض هذه يوم دفاعه عن وحي الله المنزل في ردِّه على ابن النغريلة اليهودي، لمّا استهدف – الهالك – القرآن الكريم بإثارة الشبهات حول آياته وأنّها متناقضة. وفي هذا يقول أبو محمد: (… فألف كتابًا قصد فيه بزعمه إلى إبانة تناقض كلام الله عز وجل في القرآن) ([77]).

وحاصل كلام ابن النغريلة اليهودي إبراز شبهتين لتحقيق غايتين. فأمّا الشبهتان، فإحداهما: تُظهر التناقض بين نصوص القرآن نفسه، والثانية: تُبرز معارضة نصوص القرآن للمشاهدات الحسيّة. وبهاتين الشبهتين يحقق -بزعمه- عدم مصدريّة القرآن الربانيّة، ومعارضة القرآن للحقائق العلميّة([78]).

فانبرى له ابن حزم، وذبَّ عن كتاب ربه ببيانه وعلمه، وانتهج منهجين:

الأول: (منهج البيان والتبرير والدفاع) ([79])، والثاني: (منهج النقض والإبطال) ([80]).

فالمنهج الأول؛ ظهر عند جواب ابن حزم على اعتراض ابن النغريلة لمّا زعم التناقض في قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} [النساء: 78] مع قوله تعالى: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} [النساء: 79]. ووجه التناقض -بزعم اليهودي-: أنَّ الآية الأولى جاءت مُنكرة للتقسيم الذي يجعل الحسنة من عند الله والسيئة من عند محمد، وتُثبت أنَّهما من عند الله جميعًا، بينما الآية الثانية تناقض معنى الآية الأولى وتجعل الحسنة من عند الله، والسيئة من عند محمد!! ([81]).

وفي رد اعتراض اليهودي يقول أبو محمد ابن حزم: (وبيان ذلك أنَّ الكفار يقولون:

إنَّ الحسنات الواصلة إليهم هي من عند الله عز وجل، وإنَّ السيئات المصيبة لهم في دنياهم هي من عند محمد صلى الله عليه وسلم!! فأكذبهم الله تعالى في ذلك، وبيّن وجه ورود حسنات الدنيا وسيئاتها على كل مَنْ فيها؛ بأنَّ الحسنات السّارّة هي من عند الله تعالى بفضله على الناس، وأنَّ كلَّ سيئةٍ يصيبُ اللهُ تعالى بها إنسانًا في دنياه فمن قِبَلِ نفس المصاب بها؛ بما يجني على نفسه من تقصيره فيما يلزمه من أداء حق الله تعالى الذي لا يقوم به أحد، وكل ذلك من عند الله تعالى جملة، فأحد الوجهين: وهو الحسنات؛ فضل من الله تعالى مجرد لم يستحقه أحدٌ على الله تعالى إلا حتى يفضّلُ به عز وجل من أحسن إليه من عباده.

والوجه الثاني: وهو السيئات؛ تأديب من الله تعالى أوجبه على المصاب بها تقصيره عما يلزمه من واجبات ربه تعالى) ([82]).

فالحسنة من عند الله تعالى فضلًا ومنةً، والسيئة كذلك من عند الله تعالى جزاءً على سوء عمله وجهله وتفريطه.

وأمّا المنهج الثاني (=منهج النقض والإبطال): فيأتي بعد استكمال المنهج الأول وما فيه من بيانٍ ودفاعٍ وتبريرٍ؛ ثم يسلك المنهج الثاني على وجه المشاكلة لمنهج المعترض في الطريقة والموضوع؛ فيبيّن ابن حزم بعض معتقدات اليهود ويظهر بطلانها وفسادها ([83]).

ومن نماذج ذلك المنهج قول ابن حزم: (… ويقرأون فيه أيضًا في أول السفر الأول: إنْ قَتَلَ ابن آدم؛ عاقبه الله في السابع من ولده. ثم يقرأون في الكتاب المذكور نفسه في السفر الخامس منه: إنّ الله تبارك وتعالى قال لموسى: لا تقتل الآباء لأجل الأبناء، ولا الأبناء لأجل الآباء، ألا كل واحد يقتل بذنبه. فلو تفكر هذا الجاهل المائق وعظيم التناقض؛ لشغله عظيم مصابه عن أن يظن بقول الله تعالى الذي هو الحق الواضح الواحد غير المختلف) ([84]).

فعارض ابن حزم اليهودي بنفس معنى اعتراض اليهودي السالف، ولكن أنّى لليهودي أن يعيد متشابه التوراة إلى محكمها بعد هذا الإيراد الذي أورده ابن حزم عليه!

والحاصل، من خلال مناقشة ابن حزم لنصوص المخالفين في منهجه النقدي العام، ومنهجه النقدي التاريخي؛ أنَّه لا يدع شبهة إلا عرضها وأجاب عنها. وإذا كان في النص تشابه مع ما في التراث الإسلامي؛ فإنّه يزيل اللَّبس الحاصل من هذا التشابه في ذلك النص المدروس ويوضح الفرق بينه وبين ما ذكره القرآن على وجه جلي؛ وهو يرمي من كل هذا إلى إبطال دعوى المخالفين ببيان تناقض مصدرهم الذي يركنون إليه في معتقدهم، فإذا فعل ذلك؛ بطل اعتقاد المخالف بطلانًا لازمًا لا ينفك عنه؛ إذْ كل قوم لهم كتاب يقدسونه ويستقون عقيدتهم وشرعتهم منه ([85])؛ فإذا بطل المصدر؛ بطلت كل عقيدة تتوثق به وتعتمده أصلًا من أصولها.

بهذه المنهجية يقرأ ابن حزم أحداث التاريخ ورواياته قراءة نقدية، وتلك الأحداث التاريخية من جهة موضوعها، في نظر أبي محمد، مصنفة إلى صنفين: أحداث ممكنة وأحداث ممتنعة، فما كان ممكنًا منها أعمل فيه النقد التاريخي؛ ليرتقي به إلى حد الوقوع على وجه الحقيقة؛ كنتيجة أوليّة، أو يبقيه في حيز الإمكان مهملًا لا اعتبار له؛ كنتيجة ثانوية، وما كان ممتنعًا؛ ألغى كينونته بحجج العقول القاطعة؛ كنتيجة نهائية لا مرية فيها.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

([1]) مناهج البحث العلمي، بدوي، ط2، وكالة المطبوعات، ص183.

([2]) النقد التاريخي، ترجمة بدوي، ص ح.

([3]) مناهج البحث العلمي، بدوي، ط2، وكالة المطبوعات، ص183. وانظر: أصول البحث العلمي ومناهجه، أحمد بدر، المكتبة الأكاديمية، ط9، ص247 وما بعدها.

([4]) مناهج البحث العلمي، بدوي، ط2، وكالة المطبوعات، ص183.

([5]) مقدمة ابن خلدون، ص6.

([6]) انظر: مناهج البحث العلمي، بدوي، ط2، وكالة المطبوعات، ص183. وانظر: أصول كتابة البحث وقواعد التحقيق، مهدي فضل الله، دار الطليعة – بيروت، ط 4ن ص14. وانظر: مناهج البحث عند مفكري الإسلام، للنشار، دار النهضة العربية، بيروت – لبنان، 1404 – 1984، ص348.

([7]) مقدمة ابن خلدون، ص6.

([8]) مقدمة ابن خلدون، ص6

([9]) انظر: مقدمة ابن خلدون، ص6.

([10]) ابن حزم وجهوده، عبد الحليم عويس، ص169. قارن: في فلسفة التاريخ، أحمد محمود صبحي، مؤسسة الثقافة، 1975 م، ص 133 وما بعدها.

([11]) ابن حزم وجهوده، عبد الحليم عويس، ص169.

([12]) انظر: توراة اليهود والإمام ابن حزم الأندلسي، عبد الوهاب عبد السلام، دار القلم، ط الأولى، 1425’ ص10. وانظر: فلسفة التاريخ عند ابن حزم الظاهري، لعبد السلام سعد، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، العدد 9، 2010، 136- 150.

([13]) جذوة المقتبس، الحميدي، ص293.

([14]) طبقات الأمم، ص76.

([15]) ابن حزم حياته وعصره، ص 62.

([16]) مقدمة إحسان عباس لرسائل ابن حزم (ابن حزم والتاريخ)، 2/9.

([17]) انظر: منهج البحث العلمي، بدوي، ص 187-188. وانظر: منهج البحث التاريخي، حسن عثمان، دار المعارف، ط2، ص 117،119،124. وانظر: فلسفة التاريخ عند ابن حزم الظاهري، لعبد السلام سعد، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، العدد 9، 2010، 136-150. وانظر: منهج النقد التاريخي عند ابن حزم نموذج من نقد التوراة (حولية كلية الشريعة والدراسات، العدد السادس)، حامد طاهر، ص611.

([18]) انظر: منهج البحث العلمي، بدوي، ص 188 وما بعدها، ص204 وما بعدها. وانظر: مصطلح التاريخ، لأسد رستم، ص57. وانظر: منهج كتابة التاريخ الإسلامي، محمد بن صمايل السلمي، دار ابن الجوزي، ط 1، 1429 للهجرة، ص154.

([19]) انظر: فلسفة التاريخ عند ابن حزم الظاهري، لعبد السلام سعد، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، العدد 9، 2010 م، 136- 150.

([20]) رسائل ابن حزم (التقريب لحد المنطق)، 4/286.

([21]) المصدر السابق، 4/137. وانظر: ظاهرية ابن حزم الأندلسي، أنور الزعبي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط2، ص137.

([22]) رسائل ابن حزم (التقريب لحد المنطق)، 4/137. وانظر: ظاهرية ابن حزم الأندلسي، أنور الزعبي، ص137.

([23]) انظر: الدليل العقلي عند السلف، عيسى بن محسن النعمي، مجلة البيان، العدد (290).

([24]) المصدر السابق، العدد (290).

([25]) الموضوعات لابن الجوزي، 1/106.

([26]) ظاهرية ابن حزم الأندلسي، أنور الزعبي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط2، ص138.

([27]) الإحكام في أصول الأحكام، 1/27.

([28]) المصدر السابق، 1/27.

([29]) الفصل 1/96.

([30]) المصدر السابق، 1/55.

([31]) المصدر السابق، 1/55.

([32]) المصدر السابق، 1/66.

([33]) انظر: المصدر السابق، 1/55.

([34]) انظر: ظاهرية ابن حزم الأندلسي، أنور الزعبي، ص142.

([35]) المحلى، 1/26.

([36]) انظر: الفصل 1/56.

([37]) انظر: الفصل 1/56. وانظر: نقد الأديان، للمقراني، ص101-102.

([38]) الفصل، 1/94.

([39]) نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، للمقراني، 73-74.

([40]) الفصل، 1/93.

([41]) انظر: الفصل، 2/5. وانظر: نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، عدنان المقراني، 143 فما بعدها.

([42]) انظر: المصدر السابق، 143 فما بعدها.

([43]) الفصل، 2/68.

([44]) صنف آثار الصحابة والتابعين والأئمة في الإسلام.

([45]) الفصل، 2/68-69.

([46]) المصدر السابق، 2/9.

([47]) المصدر السابق، 2/59. وانظر: نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، عدنان المقراني، 151 فما بعدها.

([48]) انظر: المصدر السابق، 151 فما بعدها.

([49]) الفصل، 2/53.

([50]) انظر: نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، عدنان المقراني، ص 163 فما بعدها.

([51]) الفصل، 1/54.

([52]) الفصل، 1/54.

([53]) انظر: نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، عدنان المقراني، ص179-180. وانظر: ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان، محمود علي حماية، دار المعارف، ط الأولى 1983، ص254 وما بعدها، ص 260 وما بعدها.

([54]) نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، عدنان المقراني، ص 180.

([55]) من التفرق والانحلال. انظر: المصباح المنير، مادة (ف س خ).

([56]) الفصل، 1/141.

([57]) الفصل، 1/93.

([58]) انظر: نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، عدنان المقراني، ص270، 274.

([59]) المصدر السابق، ص274.

([60]) انظر: المصدر السابق، ص 237-238.

([61]) الفصل، 1/94.

([62]) الفصل، 1/127.

([63]) المصدر السابق، 1/94.

([64]) انظر: توراة اليهود والإمام ابن حزم، عبد الوهاب عبد السلام، ص14.

([65]) انظر: نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، عدنان المقراني، ص 237-238.

([66]) الفصل، 1/83.

([67]) المصدر السابق، 1/97.

([68]) الفصل، 1/122.

([69]) انظر: الإحكام، لابن حزم، الباب السابع.

([70]) انظر: المصدر السابق، 1/64.

([71]) درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، 1/138.

([72]) انظر: الإحكام، لابن حزم، 1/65.

([73]) المصدر السابق، 8/138.

([74]) المصدر السابق، 7/477.

([75]) المصدر السابق، 7/477.

([76]) المصدر السابق، 7/477.

([77]) رسائل ابن حزم، 3/42.

([78]) انظر: رسالة ابن حزم الأندلسي في الرد على ابن النغريلة اليهودي، تحقيق:حسن الحساسنة، ص73-74.

([79]) المصدر السابق، ص79.

([80]) المصدر السابق، ص79.

([81]) انظر: رسائل ابن حزم، 3/43.

([82]) انظر: المصدر السابق، 3/43-44.

([83]) انظر: رسالة ابن حزم الأندلسي في الرِّد على ابن النغريلة اليهودي، ص109.

([84]) انظر: رسائل ابن حزم، 3/45.

([85]) انظر: توراة اليهود والإمام ابن حزم، عبد الوهاب عبد السلام، ص13.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى